مساهمة القاضي الإداري التونسي في حماية الحريات الأساسية – الباحث رمزي الكوكي

رمزي الكوكي
* باحث في القانون العام ومتخرج من المدرسة الوطنية للإدارة ومتحصل على ماجستير بحث في القانون العام الداخلي من كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس

مجلة نقطة قانونية 2019 

مقدمــة:
تعتبر رقابة القاضي الإداري على أعمال الإدارة ضمانة هامة من ضمانات حماية الحريات الأساسية وذلك لخصوصية هذه الرقابة، ويتميز هذا القاضي ببسط نظره على الشرعية والملائمة أو التناسب وهو ما يبرز من خلال أحكام صادرة عن المحكمة الإدارية في هذا الإطار والتي يمكن عبرها الحديث عن تقاليد في مجال حماية الحريات الأساسية.
والمتابع للقضاء الإداري يدرك بصفة جلية أنه قضاء متطور يزيد من نطاق اختصاصه خطوة بعد خطوة في هدوء وثبات ولعل الهدف العام من تطور الرقابة القضائية على تصرفات الإدارة هو التوسع في نطاق المشروعية من ناحية والتضييق من السلطة التقديرية للإدارة بقصد كفالة التوازن بين حماية الأفراد وحرياتهم وتمكين الإدارة من تحقيق أغراضها التي تشهد تعقيدا متسارعا، وتمثل نقطة التوازن في هذا الصدد المشكلة الأساسية باعتبار أنها ليست ثابتة ولا جامدة فهي متحركة يحركها القاضي الإداري متأثرا بكل العوامل والاعتبارات القانونية والعملية والسياسية المحيطة به وكذلك آخذا بعين الاعتبار حياة الأفراد.
إن عدم إنصاف الإدارة أحيانا وإن كان يقطع على المحكمة استراحتها إلا أنه يدفعها إلى استنباط وإعمال مبادئ العدل والإنصاف لتتصدى لتعسف الإدارة عند استعمالها امتيازات السلطة العامة (1)، وبناء على ذلك اتسعت رقابة القاضي الإداري تدريجيا لتشمل الرقابة على أهمية وخطورة الوقائع أو ما يعرف برقابة الملائمة أو رقابة التناسب حيث لا تقف عند النظر في التقيد بالشرعية فحسب بل تتعدى ذلك إلى ما هو أبعد منه وتستند إلى مقاربة أوسع اعتمادا على العديد من النظريات والمبادئ لمواجهة السلطة التقديرية للإدارة والحد منها وهو ما يعطي للقاضي الإداري آليات أوسع وأنجع لحماية حقوق الأفراد.
وبالرجوع لفقه قضاء المحكمة الإدارية نجد أحكاما يمكن اعتبارها علامات مضيئة في تاريخ القضاء الإداري التونسي، وهو ما يؤكد ويبرز مساهمة القاضي الإداري التونسي في حماية الحريات الأساسية وهو مجال بحثنا ولعل اختيار هذا الموضوع يتنزل في إطار تسليط الضوء على جانب يستحق النظر والوقوف على توجه المحكمة الإدارية في تونس في مجال حماية الحريات الأساسية الذي يدخل في صميم أهداف وغاية هذا الصنف من القضاء والمتمثل في السعي لحماية حقوق الأفراد من تعسف الإدارة.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن اقتصار موضوع البحث على اختصاص النظر في دعوى تجاوز السلطة دون غيرها من اختصاصات المحكمة الإدارية و الاعتماد على بعض الأحكام الصادرة عنها في هذا الاطار، مرده أن مجال بحثنا لا يتسع ولا يسمح بالتطرق لكل المجالات المتصلة به والتعمق أكثر.
وللتطرق لموضوع مساهمة القاضي الإداري التونسي في حماية الحريات الأساسية سنحاول في جزء أول إبراز حماية القاضي الإداري التونسي للحريات الأساسية من خلال رقابته على شرعية أعمال الإدارة (أولا) لنمر في جزء موالي للتعرض لرقابة الملائمة أو التناسب المسلطة على بعض الأعمال الإدارية باعتبارها آلية لضمان الحريات الأساسية (ثانيا).
الجزء الأول: القاضي الإداري حامي للحريات الأساسية من خلال رقابة الشرعية:
إن إقرار واعتراف القاضي الإداري بعلوية الحريات الأساسية وحصانتها باعتبارها تكتسي قيمة دستورية واعتماد الدستور كمصدر أساسي لمبدأ الشرعية أعطى هذه المكانة للحريات الأساسية.
ولعل اقتناع المحكمة بأهمية مكانة الدستور كمصدر من مصادر القانون الإداري هو الذي دفعها إلى اعتماده بثبات ووضوح لتفحص شرعية الأعمال الإدارية (2).
إضافة إلى أن هذا التمشي من المحكمة الإدارية ينبني على أساس تقاطع القواعد الدستورية مع المبادئ العامة القانونية وكذلك مع مبادئ المرفق العام.
حيث أن الرقابة على شرعية أعمال الإدارة من قبل القاضي الإداري يمثل طوقا لحماية الحريات الأساسية بصنفيها الفردية منها والجماعية.
وتجدر الإشارة أن رقابة الشرعية المسلطة من قبل القاضي الإداري ترتبط بطبيعة الأعمال الإدارية محل الطعن حيث تكون نابعة من اختصاص مقيد للإدارة.
الفرع الأول: مساهمة القاضي الإداري في حماية الحريات الأساسية الفردية عبر رقابة الشرعية على أعمال الإدارة:
ان الاقتصار على بعض الحريات الأساسية في هذا الفرع يتنزل في اطار تثمين مجهود القاضي الاداري من خلال اعتماد بعض الأحكام كأمثلة وفي هذا السياق سنتطرق لحرية اختيار مقر الإقامة ولحقوق الدفاع:
حرية اختيار مقر الإقامة:
يعتبر الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية في قضية بن عاشور ومن معه ضد وزير التربية والتعليم العالي والبحث العلمي (3) من أشهر الأحكام الجريئة التي أقرت فيـها المحكمة الإدارية استنادها صراحة لأحكام الدستور في النظر في شرعية قرار إداري وقد اعتبرت المحكمة في هذه القضية أن شرط إقامة كل مترشح ناجح بمكان مركز تعيينه المنصوص عليه بالفصل السابع من قرار وزير التربية والتعليم العالي والبحث العلمي (المؤرخ في 20 أكتوبر 1986 المتعلق بفتح دورة انتداب أساتذة محاضرين في القانون العام والعلوم السياسية ) مخالفا لأحكام الفصل العاشر من دستور غرة جوان 1959 حيث نصت أحكامه على ” أن لكل مواطن حرية اختيار مقر إقامته في حدود القانون “.
واعتبرت أن حرية اختيار مقر الإقامة وهي من الحريات العامة والحقوق الأساسية التي ضمنها الدستور للمواطن ولا يمكن تقييدها أو الحد منها إلا بنص تشريعي وفي إطار الشروط التي حددها الفصل السابع منه، حيث تتضمن أحكامه ضوابط للحد من الحقوق التي تتخذ إلا بقانون لاحترام حقوق الغير ولصالح الأمن العام والدفاع الوطني ولازدهار الاقتصاد وللنهوض الاجتماعي.
واعتبارا لاستناد الطاعنين في القرار الإداري المذكور في الدعوى على مقتضيات الفصل العاشر من دستور 1959 لم تترد المحكمة في القضاء لصالحهم وألغت الفصل السابع من القرار المطعون فيه.
إضافة إلى ذلك فإن استناد المحكمة الإدارية على أحكام الدستور لإقرار حرية اختيار مقر الإقامة قد تم بناء على عدم وجود نص قانوني يقر صراحة بوضع قيد على هذه الحرية وهو ما يعرف بنظرية القانون الحاجب La théorie de la loi écran، وهو ما يعني أنها لو وجدت قانونا يكرس في أحكامه واجب الإقامة بمركز العمل كالنظام الأساسي العام لأعوان الوظيفة العمومية أو النظام الأساسي الخاص المنطبق لطبقته مباشرة واعتبرته شرعيا على غرار النظام الأساسي العام لأعوان الديوانة الذي تتضمن أحكامه قيدا على حرية اختيار مقر الإقامة، كما يطالب بعض الأعوان بالإقامة بجهة معينة فقد نص الفصل العاشر من القانون عدد 70 لسنة 1982 المؤرخ في 6 أوت 1982 على أن” أعوان قوات الأمن الداخلي ملزمون بالإقامة بالمكان الذي يباشرون فيه عملهم إلا في صورة إذن استثنائي ومؤقت من وزير الداخلية”، ونص الفصل 21 من القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية على أن” القضاة ملزمون بالإقامة بمركز المحكمة التابعين لها لكن يمكن لكاتب الدولة للعدل منح ترخيص فردي بما يخالف ذلك”.
وقد اعتبرت المحكمة صراحة ضمن حكم سناء الغرياني ضد وزير المالية (4) أنه ” يجوز للقاضي الإداري مراقبة مدى مطابقة القرارات الإدارية للدستور طالما لم تستند إلى نص تشريعي”.
وفي هذا الإطار تجدر الإشارة أن المحكمة الإدارية حرصت أثناء اعتمادها على الدستور كمصدر للشرعية على عدم الخوض في مجال مراقبة دستورية القوانين.
كما أن القاضي الإداري ميال بطبعه للتوسع في مجالات نظره وفي مصادر الشرعية التي يرتكز عليها وذلك سعيا لحماية الأفراد من تعسف الإدارة حيث تعتبر الحقوق والحريات الأساسية وان لم تكرس صراحة في نصوص تشريعية من المبادئ القانونية العامة.
حقوق الدفاع:
بالإضافة إلى ما سبق رصده في قرار بن عاشور من حماية لحرية اختيار مقر الإقامة من قبل القاضي الإداري يبرز دوره كذلك في حماية حقوق الدفاع بوصفها من الحريات الأساسية المكفولة سواء في دستور غرة جوان 1959 حيث كرس الفصل 12 منه صلب أحكامه على أن المحاكمة تكفل الضمانات الضرورية للدفاع عن النفس.
وهو ما أقره كذلك دستور 27 جانفي 2014 في الفصل 27 منه الذي كرس المحاكمة العادلة مع توفير ضمانات الدفاع.
والى جانب دسترة هذا الحق تجدر الإشارة إلى اعتبار مبدأ حق الدفاع من المبادئ العامة للقانون التي يسعى القاضي الإداري لحمايتها وضمان علويتها حيث اعتبرت المحكمة الإدارية في حكم قضية الغريسي ضد وزير الدفاع الوطني (5) على ” إن احترام حقوق الدفاع مبدأ قانوني عام يتعين على الإدارة أخذه بعين الاعتبار والعمل به”.
وقد برز دور القاضي الإداري في حماية حقوق الدفاع في العديد من الأحكام ونذكر في هذا الإطار القضية عدد 982 أحمد الزيادي ضد وزير الدفاع الوطني(6) حيث اعتبرت ” وإن لم تتضمن أحكام الفصل 24 من القانون عدد 20 المؤرخ في 31 ماي 1967 المتعلق بضبط القانون الأساسي العام للعسكريين ما يفيد وجوب إحالة العسكري المتعاقد على مجلس التأديب قبل اتخاذ قرار فسخ عقده لسبب تأديبي، فإن احترام حقوق الدفاع مبدأ قانوني عام يتعين على الإدارة أخذه بعين الاعتبار والعمل به بتمكين كل عون يكون موضوع تتبعات تأديبية من الدفاع عن نفسه والرد على التهم المنسوبة إليه وإن لم يتضمن
قانونه الأساسي أحكاما تقتضي ذلك”، وقد استندت المحكمة الإدارية في إلغائها للقرار المطعون فيه والقاضي بفسخ عقد تطوع العارض على خرق مبدأ احترام حقوق الدفاع.
والجدير بالملاحظة هو أن قرار “أحمد الزايدي” لم يكن أول حكم صادر عن المحكمة الإدارية أقرت فيه صراحة مبدأ حقوق الدفاع فقد كرست هذا المبدأ في عدة مرات خاصة في المادة التأديبية في أولى قراراتها الصادرة في الموضوع في الحكم الصادر في قضية علي مبارك ضد وزير الصحة العمومية (7) مستعملة صراحة وبوضوح مصطلح “حق الدفاع” معتبرة إياه “قاعدة أصولية عامة” (8).
وتكمن أهمية قرار أحمد الزايدي في كونه جاء ليضع فكرتين أساسيتين تعكسان توجهات المحكمة الإدارية في ما يتعلق بمبدأ حقوق الدفاع وهي تثبيت هذا المبدأ باعتباره مصدرا من مصادر الشرعية في القانون الإداري أولا و إعطائه بعدا توسعيا ثانيا.
وقد أقر القاضي الإداري أن احترام حقوق الدفاع في كامل المراحل التي تسبق اتخاذ القرار واجبة وذلك من خلال اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية هذا الحق معتبرا إياها مكتسية صبغة الشكلية الجوهرية حسب ما جاء بالفصل 7 من قانون غرة جوان1972 وقد تم تفصيل هذه الإجراءات في كامل مراحلها في قرار محمد زروق ضد وزير السياحة والصناعات التقليدية حيث اعتبرت المحكمة أن ” من بين المبادئ القانونية العامة المستقرة فقها وقضاء مبدأ احترام حقوق الدفاع في مادة العقوبات الإدارية الذي يخضع إلى إجراءات تتسم بصبغتها الحضورية وتقتضي من جهة الاتصال المباشر بالمعني بالأمر وإعلامه مسبقا بما يعاب عليه والعقوبة المنجرة في شأنه، ومن جهة أخرى تمكينه من الدفاع عن نفسه شفاهيا أو كتابيا بخصوص الأفعال المؤاخذ من أجلها بعد منحه أجلا كافيا للغرض”(9).
وقد تجاوزت المحكمة الإدارية المجال التأديبي في تكريسها لحقوق الدفاع لتشمل مادة الضبط الإداري فقد اعتبرت في الحكم الصادر في قضية العريبي ضد رئيس بلدية الزهراء (10) أن ” استدعاء المخالف لسماعه يعد من الإجراءات الأساسية التي من شانها أن تؤدي إلى إبطال قرار الهدم ذلك أن هذا الإجراء يعتبر ضمانة أساسية لفائدة المخالف تفتح له إمكانية تسوية وضعيته قبل اتخاذ البلدية لقرار الهدم(11).
إضافة إلى إقرار هذا الحق في مجال الوظيفة العمومية خارج إطار المجال التأديبي والأمثلة عديدة في فقه قضاء المحكمة الإدارية.
وفي نفس إطار رقابة الشرعية على تصرفات الإدارة يبرز كذلك دور المحكمة الإدارية في حماية الحريات الأساسية الجماعية وهو ما سنتطرق له من خلال بعض التطبيقات الفقه قضائية في تونس.
الفرع الثاني::مساهمة القاضي الإداري في حماية الحريات الأساسية الجماعية عبر رقابة الشرعية على أعمال الإدارة:
في هذا الاطار ولإبراز مساهمة القاضي الإداري في حماية الحريات الأساسية الجماعية من خلال رقابة الشرعية على أعمال الإدارة سنتعرض للحق في المساواة والحق النقابي على سبيل الذكر لا الحصر ففي فقه قضاء المحكمة الادارية عديد الأحكام في هذا المجال:
الحق في المساواة:
يعتبر مبدأ المساواة أو الحق في المساواة أساسا لكل الحقوق والحريات ولعل هذا يبرز من خلال إقراره في توطئة الدستور باعتباره مبدأ تنبني عليه الجمهورية الثانية فقد نص دستور 27 جانفي 2014 على أنه ” وتأسيسا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي … وتضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام الحريات وحقوق الإنسان واستقلالية القضاء والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات والعدل بين الجهات”.
إضافة إلى ذلك نص الفصل 21 من الدستور”على أن المواطنون متساوون في الحقوق والوجبات وهم سواء أمام القانون”‘ وهو ما تضمنه كذلك دستور غرة جوان 1959 في فصله السادس.
ولعل أهمية هذا المبدأ تنبع من تعدد وتنوع تطبيقاته: المساواة أمام القانون، المساواة أمام الضرائب وبصفة عامة أمام الأعباء العامة، المساواة أمام الوظيفة العمومية أو المساواة في المعاملة أثناء المسار المهني، المساواة في التصويت…(12).
هذا ما جعل القاضي الإداري لا يتردد في الاستناد على هذا المبدأ في إصدار أحكامه المسلطة على أعمال الإدارة، ولعل فقه قضاء المحكمة الإدارية يزخر بعديد الأحكام الصادرة في هذا المجال والمتميزة بالعمق والدقة، وفي هذا الإطار قدم تعريفا واضحا لهذا المبدأ ضمن الحكم الصادر في قضية نقابة أعوان البنك المركزي ضد محافظ البنك المركزي لسنة 1989 معتبرا أن ” مبدأ المساواة يقصد به عدم التفرقة بين أفراد الفئة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية ” (13).
إن عدم التمييز بين أفراد نفس الفئة الواحدة وتمتعهم بنفس الحقوق وخضوعهم لواجبات متماثلة هو ما يظهر واقعا في التعامل معهم على قدم المساواة دون اجتهاد ذاتي من الإدارة وبالتالي يجب أن يكون هذا التعامل موضوعيا مرتكزا على المشروعية دون غيرها.
وهو ما يبرز في الحكم الصادر في قضية بوعبدلي ضد وزير التعليم العالي سنة 2002 حيث اعتبرت المحكمة الإدارية أن ” قرار وزير التعليم العالي المؤرخ في 15 أوت 1996 والمتعلق بضبط المعايير التي تسند على أساسها معادلة الشهادات والعناوين جاء خارقا لمبدأ المساواة لما ميز بين طالب المعادلة المقيم بالخارج مع والديه وبين نظيره المقيم بالخارج بمفرده، ذلك أنه لا يجوز طبق ما استقر عليه الفقه والقضاء إحداث الأصناف ضمن المجموعة الواحدة وبالتالي التمييز بينها إلا بالاعتماد على معايير موضوعية تكون مستمدة ومرتبطة بالحق المطالب به، ضرورة أن المعيار المستحدث لا يتعلق بقيمة الشهادة المراد معادلتها ولا بمحتوى التكوين الذي تلقاه المعني بالأمر ” (14).
واعتبرت المحكمة الإدارية في الحكم الصادر عنها في قضية بن عمار ضد وزير التجهيز سنة 1999 أن “مبدأ المساواة يخضع إلى مبدأ المشروعية ولا يمكن التمسك به إلا في حدود ما تجيزه النصوص الجاري بها العمل “(15).
إن مبدأ المساواة باعتباره من الحريات الأساسية المكفولة وذات القيمة الدستورية واعتبارها من المبادئ القانونية العامة فرضت على القاضي الإداري النظر في شرعية القرار الإداري المطعون فيه للبحث في مدى احترام القرار للمشروعية وعدم تعسف الإدارة في استحداث قواعد العمل والاجتهاد الذي من شأنه المس من هذا المبدأ وقد أكدت المحكمة الإدارية بصفة قطعية عدم جواز اعتماد الإدارة على مقاييس في التعامل مع الأفراد تخالف التشريع حيث اعتبرت في الحكم الصادر في قضية التوكابري ضد وزير التعليم العالي سنة 1999على أنه ” إذا لم يقتض المشرع معايير انتقائية لترسيم الطلبة بالمرحلة الثالثة فإنه لا يجوز للمؤسسة التعليمية وضع معايير من تلقاء نفسها لانتقاء المترشحين وإلا كان ذلك الإجراء مخالفا لمبدأ المساواة ” (16).
الحق النقابي :
يعتبر الحق النقابي من بين الحريات الأساسية الجماعية ذات أهمية بالغة لكونه يتعلق بحماية الشغالين وارتباطه بالدفاع عن حقوقهم وقد أولت السلطة التأسيسية قيمة عليا لهذا الحق وتم تكريسه في دستور 27 جانفي 2014 بصفة جلية ضمن الحريات الأساسية المكفولة دستوريا حيث نص الفصل 35 منه على حرية تكوين النقابات وتضمن الفصل 36 في أحكامه على أن الحق النقابي بما في ذلك حق الإضراب مضمون.
وقد تبنى القاضي الإداري هذا التوجه وسعى لحماية مبدأ الحق النقابي ولعل ما جاء في الحكم الصادر في القضية عدد 139135 بتاريخ 26 جوان 2015 (الجامعة العامة التونسية للشغل ضد رئيس الحكومة ووزير الشؤون الاجتماعية) خير مثال، حيث تضمن نص الحكم إقرارا صريحا بالقيمة الدستورية للحق النقابي ويتمثل موضوع الدعوى في طعن هذه المنظمة النقابية في القرارات الضمنية للإدارة المتمثلة في رفض يتعلق بخصم معاليم اشتراك المنخرطين في هذه المنظمة وقرار ضمني يتعلق بتمكين نقابيي المدعية من التفرغ وإلحاقهم بها لتسيير أعمالها، وقرار رفض ضمني يتعلق بإسناد العارضة منحا تشجيعية، وقرار ضمني يتعلق بتشريك هذه المنظمة في التفاوض.
وقد اعتبرت المحكمة الإدارية أنه “وحيث تغدو ممارسة الحق النقابي والمطالبة بجميع الامتيازات والحقوق المترتبة عنه محكومة بالمبادئ الدستورية سالفة البيان ولباقي النصوص القانونية سارية المفعول المتطابقة أو المتلائمة مع الأحكام الدستورية”.
وحيث كفل التشريع الوطني بدوره الحق النقابي وتيسير ممارسته واستنادا على إباحة النصوص لكل التنظيمات النقابية أن تعامل على قدم المساواة من دون تمييز أو غبن من الجهات الإدارية وفق النصـوص القانونية والترتيـبية النافذة تفعيلا لتعددية نقابية حقيقيـة (17)، ولهذه الأسباب قضت المحكمة بإلغاء القرار المطعون فيه وبذلك أقر القاضي الإداري مبدأ التعددية النقابية.
وأكدت المحكمة الإدارية من خلال هذا الحكم أن احترام التعددية النقابية يفرض على الدولة ومؤسساتها عدم تمييز نقابة على أخرى وأكد القاضي الإداري مبدأ التعددية النقابية وبين ضرورة الالتزام بهذه التعددية في الممارسة الإدارية، وتكريس الحق النقابي في الواقع.
يعتمد القاضي الإداري في نظره في القرارات الإدارية المطعون فيها على أسلوبين ويختلف ذلك حسب طبيعة القرار فإذا كان نابعا من السلطة المقيدة للإدارة يعمل مراقبة الشرعية أما إذا كان القرار نابعا من السلطة التقديرية للإدارة يعتمد على رقابة الملائمة أو التناسب.
الجزء الثاني: القاضي الإداري حامي للحريات الأساسية عبر مراقبة الملائمة (التناسب):
لا يكفي أن يكون قرار الضبط الإداري جائزا قانونا أو أنه قد صدر استنادا على أسباب جدية إنما تتسع رقابة القضاء لبحث مدى اختيار الإدارة الوسيلة الملائمة للتدخل، فيجب أن لا تلجا لاستخدام وسائل قاسية أو لا تتلاءم مع خطورة الظروف التي صدر فيها ومن الضروري أن نتبين أن سلطة القضاء في الرقابة على الملائمة هي استثناء للقاعدة العامة في الرقابة على أعمال الإدارة فالأصل هو استقلال الإدارة في تقدير ملائمة قراراتها لكن بالنظر لخطورة قرارات الضبط على الحقوق والحريات فان القضاء يبسط رقابته على الملائمة.
ويمتد مجال رقابة القاضي الإداري على الملائمة إلى المجال التأديبي وذلك سعيا لتكريس مبدأ تناسب الخطأ المرتكب مع العقوبة التأديبية.

الفرع الأول: رقابة الملائمة أو التناسب على تدابير الضبط الإداري:
تتجلى طبيعة الرقابة على الملائمة أو التناسب والهادفة لحماية الحريات الأساسية خاصة في وجود قرارات إدارية نابعة من السلطة التقديرية للإدارة ولعل مادة الضبط الإداري من أبرز المجالات التي يمكن أن ندرك عبرها بصفة جلية هذا الدور للقاضي الإداري.
حيث تعتبر حرية التجارة والصناعة مبدأ أساسي لحرية المنافسة ومرتبطا بحرية المبادرة: la liberté d’entreprendre حيث اعتبرها مجلس الدولة الفرنسي من الحريات العامة التي يضطلع التشريع بتحديدها وتنظيمها ويستخلص ذلك من القرار الذي اتخذه المجلس في قضية sieur laboulaye بتاريخ 28 أكتوبر 1960، وقرار 16 ديسمبر 1988 حيث اقر المجلس انه ” تنص المادة 34 من دستور 58 على أن التشريع يحدد القواعد المتعلقة بالضمانات الأساسية الممنوحة للمواطنين لممارسة الحريات العامة والتي من ضمنها حرية ممارسة كل النشاطات المهنية التي لم تكن محل أي قيد”. وفي هذا الإطار تتنزل رقابة التناسب على تدابير الضبط الإداري من قبل القاضي الإداري حيث نجده في عدة قرارات صادرة في هذا المجال يكرس ضمنها ضمان حرية التجارة والصناعة.
حيث جاء بالقرار الصادر في قضية شركة كريشان وأبناؤه ضد بلدية القصرين (18) أن “الأصل في ممارسة التجارة والصناعة الحرية والتضييق منها هو الاستثناء والإدارة خاضعة في هذا المجال إلى رقابة القاضي التي تصل إلى حد التثبت من مدى تناسب تدابير الضبط المتخذة في إطارها مع الظروف التي حفت باتخاذها والظروف التي ترمي إلى تحقيقها “.
ويعتبر قرار الغرفة النقابية لشركات الإشهار(19) قرارا مبدئيا يمثل أول عمل صادر عن المحكمة الإدارية أقرت فيه صراحة مبدأ حرية التجارة والصناعة كمبدأ من المبادئ القانونية العامة التي تخضع لها الأعمال الإدارية (20).
حيث يفيد موضوع الدعوى أن رئيس بلدية تونس الحاضرة اتخذ قرار إزالة لافتات الإشهار التجارية والصناعية من شوارع المدينة وعدم الترخيص في انتصابها، وقد علل اتخاذه لهذه التدابير من اجل تكاثر اللافتات الإشهارية المثبتة بالطريق العام وعلى حافة الطرقات الدولية والتي أصبحت تمس بمظهر المدينة وجمالها وذلك بالإضافة إلى انتصاب معظمهم بدون رخصة مسبقة ولعل هذا القرار جاء ليؤكد الاعتراف بحرية التجارة والصناعة من قبل المحكمة الإدارية كما تجدر الإشارة إلى الاعتماد على سلطات الضبط الإداري من قبل الإدارة معتمدة في ذلك على سلطتها التقديرية، وهنا نجد دور القاضي الإداري في النظر في رقابة التناسب على تدابير الضبط حماية لمبدأ حرية التجارة والصناعة وتمثل رقابة التناسب إجراء يهدف إلى التحقق ما إذا كانت وسائل الضبط المعتمدة تتناسب ودرجة خطورة الظروف التي صدر فيها القرار المطعون فيه هو ما جاء صلب قرار الغرفة النقابية لشركات الإشهار أنه “وحيث لا يستنتج من عريضة الدعوى وملف القضية أن مظهر المدينة وجمالها يستدعيان إزالة كل اللافتات وعدم الترخيص في انتصابها وحيث أن الصبغة العامة للقرار المنتقد بدون أي سبب شرعي تجعله يمس بمبدأ حرية التجارة والصناعة وترتيبا على ذلك فان العارضة محقة في طلب إلغائه” (21).
كما تمتد رقابة الملائمة أو التناسب في مجال المادة التأديبية حيث يبسط القاضي الإداري نظره في هذا الإطار وذلك حماية لحقوق الأفراد من تعسف الإدارة في بعض الحالات.
الفرع الثاني: رقابة الملائمة أو التناسب في المادة التأديبية:
تجدر الملاحظة أن العقوبة في المادة التأديبية صلب الوظيفة العمومية ليست غاية في حد ذاتها بل وسيلة لتحقيق انتظام المرافق العامة خدمة للصالح العام ولكي يتحقق ذلك يجب أن تكون العقوبة متوازنة مع الخطأ متناسبة معه وهو ما يطلق عليه مبدأ الملائمة.
إن السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة في مجال إصدار القرارات التأديبية وإن كانت واسعة إلا أنها ليست مطلقة بل تخضع لرقابة القاضي الإداري وينبني ذلك على الرقابة التي يقوم بها على تناسب العقوبة التأديبية مع الخطأ المرتكب.
حيث اعتبرت المحكمة الإدارية أن تقدير مدى أهمية الخطأ في اتخاذ القرار هو من المسائل الموضوعية التي تتعرض لها المحكمة في إطار تفحصها للشرعية الداخلية لذلك القرار، لتعلقها بتقدير ما إذا كانت الوقائع الثابتة كافية لتبرير القرار المنتقد إلا أن فقه قضاء المحكمة الإدارية اعتبر اختيار العقوبة التأديبية يعد من الملائمات المتروكة للسلطة الإدارية التي يرجع إليها حق التأديب ولا يمارس عليها القاضي الإداري إلا رقابة دنيا تفضي إلى إلغاء العقوبة المسلطة على العون المدان وذلك في صورة ارتكاب الإدارة خطا بين في التقدير.
إلا أن المحكمة أكدت أن ” الإدارة تتمتع بسلطة تقديرية واسعة لتحديد مدى خطورة الأفعال التي يرتكبها أعوانها وانتقاء العقوبة التي تراها لتوقيعها عليهم”(22).
وأقرت بوضوح وبصفة قطعية و في عدة أحكام صادرة عنها بأن ” العقوبة التأديبية يجب أن تتناسب مع الخطأ المرتكب”(23).
ولعل هذا التوجه من القاضي الإداري يتنزل صلب السياق العام والتوجه المتبنى من المحكمة الإدارية في إطار ارتكازه على المبادئ العامة للقانون وتحديدا التي تتعلق بقيم العدالة والتي تترتب عن مبدأ العدالة التي هي غاية كل قانون سواء نص عليها أو لم ينص حيث اعتبر الفقيه الفرنسي André de Laubadère أنها ” عدد من المبادئ التي لا تظهر مصاغة في نصوص مكتوبة ولكن يعترف بها القضاء باعتبارها واجبة الإتباع من الإدارة وإن مخالفتها تمثل انتهاكا للمشروعية”.
ويتفرع عن مبدأ العدالة الحق في محاكمة عادلة حيث يمكن اعتماد هذه الصيغة و إقحام هذا الحق باعتبار الطابع الزجري في المادة التأديبية وتشابه بعض الإجراءات الشكلية في المادة الجزائية وهو ما أقرته المحكمة الإدارية في حكم صادر عنها أن ” ثبوت الخطأ التأديبي يفترض الجزم واليقين الذي لا يرتقي إلى الشك وأساس ذلك البت في صحة الوقائع وماديتها من قبل القاضي الإداري شبيه بما يقوم به القاضي الجزائي في حدود اختصاصه بالنظر للصبغة الزجرية التي من المفروض أن تسوسها”(24).
كما أكدت المحكمة الإدارية ” أنه من المبادئ الأصولية في فقه قضاء هذه المحكمة أن العقوبة التأديبية لا تكتسي الصبغة الشرعية إلا متى تثبت بصورة قاطعة صحة الوقائع المنسوبة للعون العمومي المدان وذلك من خلال أوراق الملف المرفوعة إلى القاضي الإداري أو إذا تأيدت بفعل تحقيق المحكمة”(25).
خاتمة عامة:
من خلال الاطلاع على فقه قضاء المحكمة الإدارية يمكن أن نتبين دور القاضي الإداري التونسي في حماية الحريات الأساسية منذ السنوات الأولى لعمل هذه المؤسسة فرغم أداء المحكمة لمهامها في ظروف نظام شمولي امتد لعقود فقد كانت المحكمة جريئة في أحكامها تستنبط وتجتهد لحماية الأفراد من تعسف الإدارة وهو ما جعلها بحق أحد أركان ضمان دولة القانون وحماية الحريات الأساسية الا أن هذا المجهود يبقى متأثرا ببعض الإشكاليات الخارجة عن مجالها تتعلق بصعوبة تنفيذ أحكامها وذلك بمنع توجيه الأوامر من قبل القاضي الإداري تجاه الإدارة وفي هذا السياق يمكن أن نشير الى التجربة الفرنسية المتمثلة في سلطة توجيه الأوامر نحو الإدارة Le pouvoir d’ injonction du juge administratif التي يمكن أن نستلهم منها، إلا أن الحلول المقترحة تبقى دون فاعلية ما لم تتوفر “جرأة ومهارة وخبرة لا يقدر عليها إلا القاضي العادل الذي يجمع بن شرعية قضائه ومشروعيته ولو أدى به الأمر إلى الإعراض عن قساوة القانون والاستنجاد بالمبادئ القانونية العامة وعلى وجه الخصوص الإنصاف وهو فضيلة لتجسيم العدل الأمثل حسب عديد الفقهاء”(26).

الهوامش:
(1)- محمد رضا جنيح، الأحكام الكبرى في فقه قضاء المحكمة الادارية، مركز النشر الجامعي 2007، صفحة 258.
(2)- المرجع السابق صفحة 375.
(3)- القضية عدد 1887 بتاريخ 27 جوان 1990 رافع بن عاشور ومن معه ضد وزير التربية والتعليم العالي والبحث العلمي.
(4)- القضية عدد 18428 بتاريخ 5 نوفمبر 2002 سناء الغرياني ضد وزير المالية.
(5)- القضية عدد 15533 بتاريخ 15 جويلية 2000 الغريسي ضد وزير الدفاع الوطني.
(6)- القضية عدد 982 بتاريخ 28 أكتوبر 1985 احمد الزايدي ضد وزير الدفاع الوطني.
(7)- القضية عدد 51 و116 بتاريخ 23 مارس 1977 علي مبارك ضد وزير الصحة. العمومية.
(8)- القضية عدد 134 بتاريخ 15 فيفري 1978 حسن السعيدي ضد وزير التربية القومية.
(9)- القضية عدد 2456 بتاريخ 2 مارس 1994 محمد زروق ضد وزير السياحة والصناعات التقليدية.
(10)- القضية عدد 14221 بتاريخ 24 نوفمبر 2000 العريبي ضد رئيس بلدية الزهراء.
(11)- عبد الرزاق بن خليفة إجراءات النزاع الإداري القانون وفقه القضاء دار إسهامات في أدبيات المؤسسة صفحة 74.
(12)- Genevois Bruno la jurisprudence du conseil constitutionnel principes directeurs les éditions STH 1988 PAGE 224.
(13)- القضية عدد 1404/1405 بتاريخ 17 جويلية 1989 نقابة أعوان البنك المركزي ضد محافظ البنك المركزي.
(14)- القضية عدد 17972 بتاريخ 16 مارس 2002 بوعبدلي ضد وزير التعليم العالي.
(15)- القضية عدد 14757 بتاريخ 3 جوان 1999 بن عمار ضد وزير التجهيز.
(16)- القضية عدد 14570 بتاريخ 30 نوفمبر 1999 التوكابري ضد وزير التعليم العالي.
(17)- القضية عدد 139135 بتاريخ 26 جوان 2015 الجامعة العامة التونسية للشغل ضد رئيس الحكومة ووزير الشؤون الاجتماعية.
(18)- القضية عدد 3879 بتاريخ 14 مارس 1995 شركة كريشان وأبناؤه ضد بلدية القصرين.
(19)- القضية عدد 451 بتاريخ 15 فيفري 1982 الغرفة النقابية لشركات الإشهار ضد بلدية تونس الحاضرة.
(20)- محمد رضا جنيح المرجع السابق صفحة 259.
(21)- القضية عدد 451 المذكورة.
(22)- القضية عدد 25889 بتاريخ 18 جوان 2009.
(23)- القضية عدد 26515 بتاريخ 22 جانفي 2009.
(24)- القضية عدد 27091 بتاريخ 26 سبتمبر 2009.
(25)- القضية عدد 16352 بتاريخ 1 أفريل 2009.
(26)-الأستاذ أحمد صواب: مقال بعنوان “عدم تنفيذ أحكام القضاء الإداري .. فساد ! الشارع المغاربي.

التأمينات في قانون الإفلاس -الباحثة شهرزاد تريمش

إن التطور السريع الذي تشهده التقنيات والآلات يلزم المؤسسة على مواكبة هذه التطورات للمحافظة على ثقلها الاقتصادي، لذلك تلتجئ العديد من المؤسسات إلى الاقتراض.
فأي مؤسسة تجارية من الممكن أن تكون دائنة ومدينة في ذات الوقت، وهي جزء من النظام الاقتصادي ككل، لذلك فإن حدوث أي اضطراب فيها يؤثر بصفة مباشرة على هذا النظام التجاري، لأنها تحدث خللا فيه، والذي يعتمد من المفترض على مبدأ الثقة المتبادلة بين الدائن والمدين ، لكن يمكن لهذه الثقة أن تتلاشى بمجرد إعسار المدين.
وهو ما دفع بالعديد من الدائنين إلى محاولة اجتناب خطر عدم الخلاص، من خلال اشتراط تأمين أو ضمان يضمن لهم أولوية في خلاص ديونهم في صورة إفلاس مدينهم .
ويمكن تعريف التأمينات بكونها الوسائل أو الآليات القانونية التي تمنح للدائن ضمان استخلاص دينه ومجابهة إعسار المدين .
والتأمينات صنفان، إما أن تكون تأمينات عينية أو شخصية، التأمينات العينية تمثل استثناءا لمبدأ المساواة بين الدائنين، المنصوص عليه بالفصل 192 من م.ح.ع.
تظهر الأهمية الكبيرة للتأمينات ودورها الفعال في ضمان خلاص الديون في حالة إعسار المدين، فإلى أي مدى تحافظ التأمينات على فعاليتها في إطار إجراءات الإفلاس ؟
حتى يتسنى لنا الإجابة على هذا الإشكال، يتعين في مرحلة أولى دراسة ” إضعاف التأمينات في قانون الإفلاس عند انطلاق إجراءات الإفلاس ” (الجزء الأول)، لنتطرق في الجزء الثاني إلى ” رد الاعتبار للتأمينات عند التوزيع في قانون الإفلاس ” (الجزء الثاني):
الجزء الأول: إضعاف التأمينات عند انطلاق إجراءات الإفلاس:
إن التصادم بين قانون الإفلاس وقانون التأمينات، يولد وضعية مغايرة عن تلك الواردة بالقانون المدني، لذلك سوف ندرس في (قسم أول) الإجراءات التي تفرض على جميع الدائنين، وسوف ندرس في (قسم ثاني) إضعاف يتسلط على بعض الدائنين .
القسم الأول: الإجراءات التي تفرض على جميع الدائنين:
الإفلاس نظام جماعي، أي أنه يتسلط على جميع أعضاء الفلسة، ويفرض بعض الإجراءات الآمرة على جميع الدائنين لتحقيق المساواة فيما بينهم، مهما كانت رتبهم أو نسبة ديونهم.
يقصد بتقديم الديون ذلك الإجراء الذي رسمه المشرع لدخول الدائنين بديونهم في التفليسة، وقد جاء بأحكام الفصل 530 من م.ت والفصل 531 من نفس المجلة، على أن المشرع قام بالتمديد في الآجال وذلك لإعطاء فرصة أكبر للدائنين لتقديم ديونهم واستخلاصها وعدم ضياع حقوقهم، فالآجال السابقة كانت قصيرة نوعا ما مما قد يسبب ضياع فرصة استخلاص الدائنين لديونهم.
ومن خلال هذين الفصلين سالفي الذكر، أخضع المشرع الدائنين، سواء أصحاب الديون العادية أو أصحاب الإمتياز العام أو التأمينات الخاصة إلى اجراء تقديم الديون في آجال محددة ونص على إجراءات معينة، للتصريح بقيمة ديونهم دون اللجوء إلى المحكمة (1)، كما حدد الجزاء في صورة عدم تقديم الدائنين لديونهم في الآجال (2).
1- إجراءات تقديم الديون:
يهدف نظام الإفلاس في الأصل إلى التصفية الجماعية لأموال المدين المفلس من قبل أمين الفلسة ، وتوزيع الناتج بين الدائنين ويعتبر تقديم الديون بمثابة المطالبة القضائية ، لأن بعد الحكم بالإفلاس يفقد الدائنون أصحاب الامتياز العام الحق في رفع الدعاوى واتخاذ الإجراءات الانفرادية، أما الدائنون أصحاب الامتيازات الخاصة فإن الغاية من تقديم ديونهم مع الدائنين أصحاب الامتياز العام تكمن أن في صورة عدم كفاية تأميناتهم بسداد كامل ديونهم فإنهم يضطرون إلى الاشتراك بالقدر الباقي مع بقية الدائنين .
يستخلص من أحكام الفصل 530 من م.ت ، أن المشرع التونسي مثل نظيره الفرنسي قد
أكد على وجوبية تسليم الدائنين لحجج دينهم في أجل محدد ، ومن هنا تبرز الصبغة الآمرة للنصوص المنظمة لإجراءات تقديم الديون ، وهذا التقديم هو بمثابة القيام لدى القضاء .
ونستخلص من أحكام الفصل 531 من م.ت أن المشرع قيد تقديم الديون بآجال معينة، وحددها في مرحلة أولى، بخمسة عشر يوما من تاريخ الحكم بالتفليس، وفي مرحلة ثانية، بخمسة عشر يوما من تاريخ النشر بالجرائد بالنسبة للقاطنين بتونس، ويضاف على هذا الأجل ستون يوما بالنسبة للدائنين القاطنين خارج تونس، في مرحلة أولى، يكون تسليم الوثائق غير وجوبي لأن هذه المرحلة تعتبر بمثابة الإنذار بالنسبة للدائنين، أما في مرحلة ثانية، فإن الفصل 531 من م.ت، تجاوز حدة الإجراءات وقلة مدتها ، وصرح أن تسليم الوثائق يكون وجوبيا خلال خمسة عشر يوما من تاريخ النشر بالجرائد، ويزداد هذا الأجل ستون يوما بالنسبة إلى الدائنين القاطنين خارج القطر التونسي.
نتبين من خلال أحكام المجلة التجارية، أن إجراءات تقديم الديون أخضعها المشرع إلى آجال آمرة، بهدف تمكين المحكمة من فكرة واضحة ودقيقة على ديون المدين المفلس، وخصها كذلك بإجراءات على غاية من الدقة والوضوح يعارض بها مختلف الدائنين على اختلاف أصنافهم ومراتبهم وإن كانوا أصحاب تأمينات.
من خلال أحكام الفصل 530 من م.ت نلاحظ أنه يجب على كل دائن مد الأمين بحجج الديون مع جدول مبين به الأوراق المسلمة له والمبلغ المطلوب ، والهدف من تقديم الديون، هو معرفة قيمة الدين الحقيقية بتاريخ الطلب، إذ يمكن أن يكون المدين قد سدد قسطا من الدين المضمن بالحجة، أو أن تكون هناك فوائد مستحقة للدائن أو نفقات دفعها في تحصيل هذا الدين .
ويستنتج من عبارات الفصل 538 من المجلة التجارية، أن الدائن الذي لا يقدم ديونه في الآجال، لا يمكن له أن يشارك في التوزيع ، وهذا الجزاء هو تطبيق للأحكام الواردة بالمجلة التجارية ، لكن عدم تقديم الديون في الآجال، لا ينجر عنه فقدان الدائنين لحقوقهم، فالمشرع في أحكام التفليس مكن الدائنين الذين لم يدلوا بحجج ديونهم في الآجال، الحق في الاعتراض على التوزيع إلى حد الانتهاء منه بإجراء عقلة توقيفية، ويتحمل مصاريف الاعتراض الدائن، إلا أن هذا الاعتراض لا يعطل التوزيعات التي أمر بها الحاكم المنتدب، أما إذا قام الأمين بتوزيعات جديدة قبل الفصل في الاعتراض، فإنه يكون شاملا لهم بقدر المبلغ الذي تعينه المحكمة مؤقتا، والذي يحتفظ به إلى حين الفصل في الاعتراض .
2- إبطال التأمينات الناشئة خلال فترة الريبة:
حسب الفصل 494 من المجلة التجارية نلاحظ أن الفترة السابقة لحكم الإفلاس هي من أشد الفترات خطرا على حقوق الدائنين والمدين نفسه ، فعندما تضطرب أحوال التاجر ويحس بدنو أجل تجارته، قد يعمد إلى القيام بتصرفات توحي للغير أنه في مركز مالي قوي، فيقترض ويعطي في المقابل تأمينات تضمن تلك الديون، ويكتشف فيما بعد أن المدين قد أفلس وأن التصرف قد أبرم في فترة الريبة ، وفترة الريبة هي الفترة التي تسبق الحكم بالإفلاس، والذي تحدده المحكمة، وذلك حسب ما ورد بالفصل 484 من م.ت، لكن لا يمكن للمحكمة تعيين تاريخ يتجاوز 18 شهرا من تاريخ الحكم بالإفلاس.
كما نص الفصلان 494 و495 من م.ت على عدم نفاذ التصرفات التي أمضاها المدين تجاه جماعة الدائنين، فالهدف الأساسي من إقرار فترة الريبة، هو حماية ذمة المدين لأنها الضمان العام لدائنيه .
القسم الثاني: المساواة في آجال المطالبة بالديون:
أخضع المشرع جميع دائني المفلس إلى قاعدة المساواة في آجال تحقيق الديون، ولذلك يجب التعرض وجوبا إلى تفسير قاعدة سقوط الأجل (1)ونطاقه(2).
1- قاعدة سقوط الأجل:
بالنظر إلى مجموع هذه النصوص الفصل 493 جديد من م.ت والفصل 149 من م.ا.ع والفصل 150 من م.ا.ع والفصل 33 من م.ش.ت، نلاحظ أن المشرع رتب بمجرد الحكم بالتفليس سقوط آجال الديون بقوة القانون، دون حاجة للنص على ذلك في الحكم الصادر به ، أي الاستحقاق الفوري لما للمدين من ديون مؤجلة، وتصبح هذه الديون حالة الأداء .
إن أساس هذه القاعدة هو الإخلال بالثقة القائمة بين الدائن والمدين والتي كانت سببا في منح الأجل، وهي قاعدة خاصة انطلقت من ظروف الفلسة ومتطلباتها، إذ يمكن تبريرها باهتزاز الثقة بشخص المدين بعد الحكم بتفليسه، وتمكين الدائنين المؤجلة ديونهم من التحاصص مع بقية الدائنين لإستخلاصها، أما الفصل 493 من م.ت، فقد بين أن قاعدة سقوط الأجل تشمل الآجال الممنوحة للمدين، سواء كانت قانونية أو اتفاقية أو قضائية، كما يشمل السقوط جميع الديون، سواء كانت عادية أو مضمونة برهن أو امتياز، وسواء كانت مدنية أو تجارية .
وقد حصر المشرع قاعدة سقوط الأجل، على الديون المترتبة بذمة المفلس دون الديون المترتبة له في ذمة الغير ، أي أن نطاق قاعدة سقوط الأجل، منحصر في المدين بما يخرج عن مجاله الغير، أي مدين المفلس، ولا يجوز حرمانه من الأجل الممنوح له، والذي قد يؤثر سلبا في حال حرمانه من الأجل على وضعه ومركزه المالي، كما هو الشأن بالنسبة للمفلس دون كفيله أو المتضامنين معه في الدين، فلا يلزم هؤلاء إلا عند حلول الأجل ، لأن المشرع قرر سقوط الأجل بالنسبة للمدين المفلس، لضياع الثقة منه ولا شيء من ذلك بالنسبة لشركائه .
أما في صورة الكفالة، أي أن الدين مضمون من قبل شخص أو عدة أشخاص، فالأجل يسقط إلا بالنسبة للمدين المفلس، أما البقية فلا يشملهم السقوط ، فإذا كان أثر السقوط لا يشمل الكفلاء، فالأمر مغاير بالنسبة لصورة إفلاس الكفيل لأن أجل الدين يسقط بالنسبة إليه .
عند إنطلاق إجراءات الفلسة، تفرض جملة من القواعد الآمرة على جميع الدائنين، مما يضعف التأمينات، لكن هناك بعض القواعد الآمرة التي لا تسري على أصحاب التأمينات العينية.
القسم الثاني: إضعاف يتسلط على بعض الدائنين:
بالرغم من سعي المشرع في إطار الفلسة لتحقيق المساواة بين الدائنين، إلا أنه يفرض على الدائنين أصحاب الإمتياز العام بعض الإجراءات التي لا تنطبق على سواهم من الدائنين، وهو ما يتجسم من خلال تعطيل التتبعات الفردية (1)، وكذلك من خلال وقف سريان الفوائد (2).
1- تعطيل التتبعات الفردية :
إن الإفلاس إجراء جماعي، نظمه المشرع بإحكام لكي يتجنب تعسف الدائنين في استخلاص حقوقهم من خلال تكريسه لقاعدة أساسية تحكم إجراءات الإفلاس ألا وهي المساواة بين جميع الدائنين ، ومن الآثار الهامة لهذا المبدأ، نجد تكريس المشرع لمجموعة من القواعد الآمرة التي تحد من حرية الدائنين في القيام بالدعاوى ، وذلك بحصر القيام بها لدى أمين الفلسة، لكي لا تهضم حقوق الدائنين، من خلال سن قاعدة تعطيل التتبعات الفردية ، التي تفرض على أصحاب الإمتياز العام، دون أصحاب الإمتيازات الخاصة، حيث يغيب التخصيص في الإمتيازات العامة دون الإمتيازات الخاصة .
الفصل 488 فقرة أولى من م.ت يبين أن تعطيل التتبعات الفردية يرتب وجوبا وقف الدعاوى والإجراءات الفردية ، وجاءت عبارة الفصل عامة، أي أن إيقاف التتبعات الفردية يشمل جميع الدائنين على إختلاف رتبهم، في حين أ الفصل السابق أي الفصل 459 فقرة أولى من م.ت كان ينص على أن تعطيل إجراءات التنفيذ الفردية تشمل سوى جماعة الدائنين، أي الدائنين العاديين والدائنين ذوي الإمتياز العام ، والغاية من سن هذه القاعدة هي تركيز ممارسة الدعاوي في يد أمين الفلسة، وتصفية أموال المفلس وتحقيق المساواة بينهم ، ونلاحظ أن المشرع بموجب هذا التنقيح لسنة 2016 قد عمم وأضاف أصحاب التأمينات الخاصة ضمن هذه القاعدة، بعد أن كان لا يسري عليهم مبدأ تعطيل التتبعات الفردية ، نظرا لما يتمتعون به من أفضلية أو أسبقية، وإذا لم تكف هذه الأموال فإن أصحاب هذه الديون يدخلون فيما زاد من ديونهم مع جماعة الدائنين، والتي تضم الدائنين العاديين وأصحاب الإمتياز العام.
وأشار الفصل 489 فقرة ثانية من م.ت على أن يتعطل حق المكري في ممارسة حق التتبع لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ صدور الحكم بالإفلاس.
كما اقتضى الفصل 488 من م.ت بمنع الدائنين من القيام بجميع الدعاوى التي كان بإمكانهم القيام بها قبل انطلاق إجراءات الإفلاس ، أي الدعاوى التي تخول لهم الحصول على حكم بديونهم ثم التنفيذ على مكاسب المفلس، عكس أصحاب التأمينات الخاصة اللذين خول لهم المشرع مواصلة تتبعاتهم والتنفيذ على المكاسب محل الضمان .
كما لا يجوز رفع الدعاوى ضد المفلس بخصوص منقولات أو عقارات أو حتى المواصلة في دعوى مرفوعة سابقا ، لإن هذه المهمة توكل لأمين الفلسة بموجب صدور حكم في الإفلاس ، وقد أناطه المشرع مهمة حماية حقوق دائني الجماعة طيلة مدة الفلسة، حتى لا يتسابقوا على التنفيذ على أموال المدين المفلس .
أما أصحاب التأمينات الخاصة اللذين لا تسري عليهم هذه القاعدة، فيستطيعون التنفيذ على الأموال التي تضمن حقوقهم رغم صدور الحكم بالإفلاس، ولهم الحق في طلب نزعها من الشركة التي تقرر إفلاسها، ولا يمكنهم رفع الدعاوى إلا ضد أمين االفلسة ، لأنهم قاموا سابقا بتقديم ديونهم له، والدعاوى والإجراءات التي تشملها القاعدة هي دعوى المطالبة بديون المفلس .
أما بعد ختم أعمال الفلسة، فيسترجع الدائنون حقهم في القيام منفردين لاستخلاص ديونهم ، لكن لا يترتب عن قاعدة إيقاف التتبعات الفردية توقف التقادم لأن الإفلاس لا يعد بذاته سببا لوقف التقادم ، ولا يمتد الإيقاف الدعاوى الفردية الناشئة عن إرتكاب المفلس لجريمة جنائية أو بسبب قيامه لعمل غير مشروع، كما لا يشمل أيضا الدعاوى التي يقررها قانون الإفلاس لكل فرد من الدائنين، كالطعن في حكم الإفلاس أو في الحكم المحدد لتاريخ التوقف عن الدفع .
وتبعا لما تقدم، فإن إجراءات الفلسة لها تأثير بالغ الأهمية على الدائنين أصحاب الإمتياز العام، ولا يقتصر الأمر على ما ذكر فقط، بل إن ذلك يمتد الى وقف سريان فوائد الديون.
2- وقف سريان الفوائد:
وقف سريان الفوائد هي قاعدة تسري بعد الحكم بالإفلاس، فبموجب صدور الحكم بإفلاس التاجر، فإنه يوقف بالنسبة لأصحاب الامتياز العام سريان فوائد الديون ، سواء كانت هذه الفوائد اتفاقية أو قانونية ، ويقتضى الأمر بداية تحديد الدائنين الخاضعين لوقف سريان الفوائد ومجال وقف سريان الفوائد.
وقد ورد بالفصل 492 من م.ت أن : ” يوقف حكم التفليس فوائض الديون بالنسبة إلى الدائنين والكفلاء والمتضامنين”، وهي نفس الصياغة الواردة بالفصل 39 من القانون الفرنسي لسنة 1967.
إن وقف سريان الفوائد بعد الإفلاس لا يسري إلا على أصحاب الديون العادية وأصحاب الامتياز العام، لأن ضمانهم أو امتيازهم لا يتسلط على مال معين بذاته، بل ينصب على جميع أموال التفليسة ، أما الديون المضمونة بتأمينات عينية، فلا يستوجب الإفلاس وقف سريان الفوائد بالنسبة إليها، لأن تأمينهم يتسلط على شيء محدد بذاته، وعلى ذلك النحو يكون للدائن صاحب التأمين العيني الحق في المطالبة بأصل الدين وفوائده المستحقة حتى بعد شهر من الحكم بالإفلاس، إلا من المبالغ الحاصلة من بيع المكاسب المخصصة لضمان الدين .
ويوقف الحكم بشهر الإفلاس سريان الفوائد بالنسبة إلى الدائنين أصحاب الإمتياز العام، سواء كانت فوائد إتفاقية أو قانونية، و سواء كانت الديون مدنية أو تجارية، فالدائن يشترك في التفليسة بأصل دينه والفوائد المستحقة إلى وقت صدور الحكم بشهر الإفلاس، أما الفوائد التي تستحق بعد صدور الحكم فلا يجوز المطالبة بها إلا بعد ختم الفلسة، كما أن الأخذ بهذه القاعدة من شأنه تحديد ديون التفليسة تحديدا دقيقا .
أما الفوائد المترتبة لصالح الديون المطلوبة للشركة فإن حكم الإفلاس لا يؤثر على إستمرارها ، والحكمة من وقف سريان الفوائد، أن إضافة ديون جديدة الى خصوم التفليسة في الفترة الموالية لإشهار الإفلاس يعرقل إجراء التصفية، من حيث أن النصيب الذي يشترك به الدائن في التوزيعات يصبح قابلا للإنخفاض، بسبب الديون الجديدة التي تنصب في ذمة المفلس أثناء إجراءات الإفلاس، لذلك قرر المشرع وقف سريان الفوائد، لكي تحدد قيمة الديون بصفة نهائية، لكن يمكنه المطالبة بالفوائض بعد ختم الفلسة من الأموال الباقية للمفلس بعد التوزيع أو أموال المفلس الخاصة.
لكن ما يمكن الإشارة إليه في هذا الإطار، أنه ولئن خول المشرع إمكانية المطالبة بالفوائض بعد ختم الفلسة من الذمة المالية الخاصة بالمفلس، إلا أن هذا الحق على أهميته يجابه عادة بواقع صعب، ألا وهو إفتقار الذمة المالية للمفلس وتدهور وضعه المادي إثر ختم أعمال الفلسة، بما يجعل الدائنين ممن لهم الحق في المطالبة بالفوائض غير قادرين على الحصول عليها.
الجزء الثاني: رد الاعتبار للتأمينات عند التوزيع في قانون الإفلاس:
سعى المشرع التونسي إلى تدعيم وضعية الدائنين كي لا تضيع حقوقهم من جراء الحكم بالإفلاس، وقد شمل هذا التدعيم جميع الدائنين على اختلاف رتبهم، سواء كانوا أصحاب امتياز عام (القسم الأول) أو أصحاب تأمينات خاصة (القسم الثاني).
القسم الأول: تدعيم خاص بأصحاب الامتياز العام:
إن المطلع على الأحكام المتعلقة بالتفليس، يلاحظ أنها احتوت العديد من النصوص القانونية المتعلقة بمؤسسة الامتيازات، كما تضمنت بعض الأحكام الاستثنائية المتعلقة بامتياز ديون الأجراء، واللذين أحاطهم المشرع بحماية خاصة، وجعل هذا الدين يتصدر ترتيب خلاص الدائنين في مادة الفلسة، كما لم يغفل المشرع عن حماية بعض الدائنين الذين تعتبر وضعيتهم هشة نوعا ما.
1- تصدر دين الأجراء ترتيب خلاص الدائنين في مادة الإفلاس:
أحكم المشرع تنظيم وضعية الأجراء لأنهم الفئة الأشد تأثرا بالإفلاس لذلك سوف نتعرض في فرع أول (أ)على الامتياز العام للأجراء، و في فرع ثاني (ب) الامتياز المدعم للأجراء.
أ-الامتياز العام للأجراء:
يعد الأجير طرفا ضعيفا في العلاقة الشغلية، وقد أحاطه المشرع بحماية خاصة، ويمكن تعريف الأجير بأنه كل شخص يكون مرتبطا بعقد شغل مع مؤسسة، فيتقاضى أجرا مقابل ذلك العمل الذي يقدمه، تحت إشراف وتوجيه ورقابة المؤسسة ، فالأجير يمثل بذلك الطرف الضعيف في العلاقة الشغلية، وهم الأكثر تأثرا بوضعية مؤجرهم ، كما أن الأجراء يمثلون تكتلا وثقلا هاما داخل المؤسسة، فإن توفير شيء من الحماية يعد شيء أساسيا لضمان خلاص أجورهم.
وقد عرف المشرع الأجر بأنه”كل ما يستحقه العامل من مؤجره مقابل العمل الذي أنجزه” ، وهذا التعريف التشريعي يكرس حسب الأستاذ النوري مزيد مفهوما تقليديا للأجر، حيث ينظر للأجير كطرف مقابل، يستوجب على المؤجر دفع ثمن أداء العمل، لذلك أسنده المشرع الامتياز العام للأجراء ليجنبه التحاصص مع بقية الدائنين لذا يجب أن نفرق بين الامتياز العام للأجراء والامتياز المدعم للأجراء، وهو ما دفع بالمشرع التونسي، كغيره من التشاريع الأخرى إلى المسارعة بتوفير الضمانات اللازمة لتمكين الأجراء من استخلاص ديونهم بالأولوية، فجعل هذه الأجور تأخذ شكل التأمين العيني .
وقد سبق لمجلة الالتزامات أن نصت على أن العمال يتمتعون بامتياز عام، يحتل المرتبة الرابعة صلب الفصل 1630، والذي تم إلغاؤه بمقتضى قانون 12 فيفري 1965 ، وأقر المشرع الامتياز العادي للأجور في الفصل 199 فقرة 5 من م.ح.ع، والامتياز العام يتسلط على عموم المنقول فقط ، وهو نفس ما جاءت به الأحكام الواردة بم.ا.ع، كما حدد نفس الفصل الأشخاص الذين بإمكانهم التمتع بالامتياز العام للأجراء، والذي يشمل العملة والمستخدمين والبحارة ونواب التجارة المتجولين وممثلي التجارة ، وكان من الأجدر على المشرع أن يستعمل صياغة عامة تضمن التمتع بالامتياز العام لجميع العملة الذين تربطهم بالمؤجر عقد شغل .
وعيا من المشرع بقيمة وأهمية الأجر بالنسبة لكل أجير، لكونه يمثل مصدر حياة الأجراء وعائلاتهم ، فقد سعى المشرع لحمايته وضمان أدائه ، خاصة وأن هناك عديد الأخطار المحيطة به، فقد سن جملة من الأحكام ووفر عديد الوسائل التي يمكن أن تحمي الأجير.
وإكتفى المشرع بالفصل 199 من م.ح.ع بالتنصيص على عبارة ” الأجر” فقط دون التعرض إلى أي مستحقات أخرى، وبالتالي يمكن القول أنه في إطار الامتياز العادي، فإن الديون المضمونة تشمل الأجر المستحق، سواء كان نقديا أو عينيا ، محددا باليوم أو الأسبوع أو الشهر أو السنة، أو الحساب بمعايير أخرى غير زمنية كنسبة ما يحققه الأجير لمؤجره، وهو ما يعد الشرط الأساسي للاستفادة بامتياز الأجراء ، وبعد تنقيح مجلة الشغل بمقتضى القانون المؤرخ في 15 جويلية 1996، الذي أضاف فصلا جديدا هو الفصل 151-2.
ويرى الأستاذ النوري مزيد، أن إضافة الفصل سابق الذكر ضمن مجلة الشغل، فيه تغيير لترتيب الامتياز العادي للأجراء، ليفوق امتياز الخزينة العامة، و هو تكريس للوضعية المنصوص عليها سابقا ضمن مجلة الالتزامات والعقود، لكن المشرع لم يوضح الرتبة التي أصبح يحتلها الامتياز العادي للأجراء، فهي حسب ما يلاحظ تأتي ما بين الرتبة الثالثة والرابعة ، وقد اختلفت الآراء والاتجاهات في تحديد المستحقات، فهنا وجد رأيان ، الرأي الأول، يعتبر أن الامتياز ينبسط على الأجر وملحقاته، من مكافأة نهاية العمل أو غرامة الطرد، حيث اعتبرت هذه المستحقات لصيقة بالأجر ولا يمكن أن تتجزأ عنه، أما الرأي الثاني، فقد اعتمد على الصبغة الاستثنائية لأحكام الامتياز ومنع التعميم وانطباقه على المستحقات نظرا لعدم تعرض الفصل 199 فقرة 5 من م.ح.ع صراحة لذلك، ويلاحظ أن الامتياز العادي للأجراء يشمل الأجر الأساسي، دون المنح والمكافآت التي لها صبغة استرجاع مصاريف التي عبر عنها الفقه ب”البدل” كمنحة التنقل مثلا .
الامتياز العادي للأجراء كرسه المشرع صلب الفصل 199 خامسا من م.ح، ونلاحظ أن مدة الدين المضمون بالامتياز العام للأجور هي ستة أشهر من دين الأجر، واختلفت الآراء حول بداية احتساب هذه المدة ، أي عن الستة أشهر الأخيرة، والحال أن دين الأجير يمكن أن يشمل مدة أطول من المدة المذكورة، ولقد اعتبر هذا التحديد في حد ذاته تقليصا من الحماية القانونية للأجير.
لكن بالرغم من تعدد الأسس القانونية للامتياز العام فإن الفقه يشكك في نجاعته لسببين على الأقل، السبب الأول، يتمثل في أن الدين المضمون بالامتياز العام للأجراء وقعت عرقلته مثل بقية ديون المفلس، كما لا يخفى أن الامتياز العام للأجراء يحتل مرتبة متأخرة وهو ما يفقد الامتياز العام للأجراء كل جدوى، لذلك كان اللجوء إلى الامتياز المدعم أمرا حتميا لتجاوز سلبيات الامتياز العام .
ب- الامتياز المدعم للأجراء :
يمثل الإفلاس طامة كبرى للمؤسسة، وبصفة خاصة ومباشرة للأجير الذي تترتب له نتائج وخيمة ،سواء على المستوى المادي من حيث إمكانية عدم حصوله على أجره، وعلى المستوى العملي وذلك بفقدانه لموطن عمله، لذلك حرص المشرع على ضمان خلاص ديون الأجراء ذات الصبغة المعاشية والضرورية .
كما أقر المشرع تقنية قانونية تسمى بالامتياز الممتاز أو المدعم للأجراء ، وهو ضمان خاص يضمن الخلاص السريع وبالأولوية لديون العملة ، ويرى أحد الفقهاء أن الامتياز المدعم للأجراء يتصدر ترتيب الدائنين، وتليه مصاريف تجهيز الميت، ثم مصاريف التداوي، ثم المصاريف القضائية، ثم الامتياز العام العادي لأجور العملة والتأمين، ثم امتياز الخزينة، ثم أجور الخدمة وكل أجير آخر ولوازم معاش المدين وعائلته والنفقة.
ويرى الفقه أن الامتياز المدعم: ” يسمح للمنتفع به إستخلاص الدين قبل جميع الدائنين أي بالرغم من وجود أي دين آخر ومهما كانت درجته”، إن المشرع التونسي قد تبنى هذا الامتياز بموجب أمر 27 جانفي 1955، ثم كرس الامتياز العام بالفصل 199 من م.ح.ع، وتمكين الأجراء من الحصول على ديونهم في أسرع الأوقات ، وهذا ما أدى ببعض الفقهاء إلى اعتباره امتيازا خارقا للعادة المعسرة، ويتنزل منزلة حق الخصم .
ورد بالفصل 570 من م.ت أن الدين المضمون بالامتياز هو الجزء “… الذي لا يقبل الحجز من المقادير التي بقيت مستحقة الأداء للعملة والمستخدمين والبحارة ونواب التجارة المتجولين وممثلي التجارة…”، ويضمن الامتياز الممتاز العمل الفعلي من الأجر ، ويحيلنا هذا مباشرة الى الفصل 354 من م.م.م.ت الذي حدد هذا الجزء تحديدا دقيقا، و المتمثل في الجزء المتبقي بعد طرح الجزء القابل للحجز
لكن السؤال المطروح في هذا المستوى، هل يقع احتساب الدين المضمون بالامتياز المدعم، بإعتبار الأجر الأساسي وتوابعه، أم الاحتساب على أساس الأجر فقط ؟
لكن من الظاهر أن تحديد الامتياز المدعم يتم على أساس الأجر وتوابعه، وذلك من خلال عبارة الفصل 571 جديد من م.ت ” فيما بقي مستحقا لهم من الدين”، هذه الصياغة العامة تمكن من احتساب توابع الأجر إلى جانب الأجر، ولو كان المشرع يريد أن يقتصر الامتياز المدعم على الأجر فقط دون توابعه لنص على ذلك صراحة .
والمشرع في الفصل 570 من م.ت، أشار أن الفترة الموجبة للخلاص هي الفترة السابقة لحكم الإفلاس، أي أن الأجير الذي عمل في فترة غير سابقة مباشرة لحكم الإفلاس، يعد دينه غير خاضع للامتياز المدعم للأجراء، حتى وإن تم العمل في الستة الأشهر الأخيرة ، أي أن الأجراء المتمتعين بالامتياز المدعم هم سوى الأجراء اللذين واصلوا العمل الفعلي إلى غاية صدور الحكم بالإفلاس، وتستوجب خلاص ديونهم من أولى المداخيل ، وكل أجير غادر الشركة قبل الحكم بإفلاسها لا يمكنه التمتع بالامتياز الممتاز للأجور، لكن بالرغم من الأهمية الواضحة للامتياز المدعم، إلا أننا نتبين محدوديته في الواقع، لأن خلاص مستحقات أمين الفلسة تسبق الامتياز المدعم .
كما أن الفصل 570 من م.ت لم يحدد مدة الدين المضمون بدقة، وهو واضح من عبارة الفصل التالية:” للستة اشهر الأخيرة السابقة لحكم التسوية القضائية أو التفليس …”.
وتجدر الإشارة، أن الامتياز المدعم ليس له تطبيق إلا في حالة الفلسة، إلا أن الغموض التشريعي يظهر في تحديد مدة هذا الامتياز، وهو ما جعل البعض يخمن أن هذه المدة قد تكون الستة أشهر الأخيرة السابقة لقطع العمل ، و المشار إليها ضمن الفصل 199 خامسا من م.ح.ع والفصل 570 من م.ت، لكن هذه الحجة اعتبرت مرفوضة لأنها تتعلق بالامتياز العام للأجراء، و هناك من رأى إمكانية الرجوع إلى أمر 27 جانفي 1955 المتعلق بالامتياز الممتاز للأجراء، خصوصا وأن هناك من رأى أن الفصول 570 و571 من م.ت جاءت مكملة لهذا الأمر ، وهو لا يزال ساري المفعول، وبالتالي وطالما أنه ليس هناك تعارض بينه وبين نصوص المجلة التجارية، التي لم تقم بتحديد مدة الدين المضمون بالإمتياز المدعم، فإنه يمكن اللجوء لأحكامه التي جاء فيها أن الامتياز الممتاز للأجور لا يضمن إلا الجزء الغير القابل للحجز من الأجور المستحقة خلال فترة قصيرة، تختلف بإختلاف وصف الأجير المنتفع بهذا الامتياز، فهي تمثل مدة 15 يوم الأخيرة من الشغل بالنسبة للعملة، و30 يوما الأخيرة بالنسبة للمستخدمين، و90 يوما بالنسبة للمسافرين المتجولين ونواب التجارة، وأثناء الأمد الأخير للخلاص بالنسبة لبحارة التجارة .
وقيام المشرع بتحديد مبلغ الامتياز المدعم للأجراء فيه تقليص من نجاعة وفاعلية هذا الامتياز، وهذا نفس ما رآه نظيره الفرنسي لأنه يضمن سوى الجزء الغير القابل للحجز من الأجر.
القسم الثاني: دعم وضعية الدائنين المتمتعين بالامتياز العام:
سعى المشرع إلى حماية الدائنين أصحاب الامتياز العام في إطار الفلسة لعدة أسباب، من بينها تزاحم الدائنين، فأقر بموجب صدور الحكم بالإفلاس رهن عقاري لجماعة الدائنين (1)، كما سن المشرع أحكاما تتعلق بامتياز المكري (2).
1- إقرار رهن عقاري لجماعة الدائنين:
احتوت المجلة التجارية على عديد الأحكام الاستثنائية، نذكر منها تلك التي أحدثت تأمينا عينيا جديدا ، وهو الرهن العقاري لجماعة الدائنين، ويمكن تعريفه بكونه رهن رسمي يتسلط على كل أموال المدين، الحاضرة أو التي يكتسبها في المستقبل ، ويجب على أمين الفلسة ترسيم الرهن باسم كتلة الدائنين على جميع أموال المدين المفلس التي يعلم بوجودها وإشهار الرهن العقاري، بمثل الوسائل المقررة لإشهار الحقوق العينية العقارية .
يترتب عن حكم الإفلاس، توظيف رهن عقاري لفائدة جماعة الدائنين ، وذلك حسب ما ورد بالفقرة الأخيرة من الفصل 494 رابعا من م.ت، ويظهر أن لهذا الرهن العقاري دور أساسي، لأنه يعتبر كتلة الدائنين شخصية معنوية، ويحمي حقوق الدائنين من تعسف مدينهم.
واختلف كذلك الفقهاء حول فائدة الرهن العقاري لجماعة الدائنين، إذ اعتبر اتجاه أول ، أن لا جدوى من تخصيص رهن عقاري استنادا إلى القول بأن لهذا الرهن مزايا تتمثل في منح حق الأفضلية وحق التتبع، وهو ما يحول كل الدائنين إلى دائنين مرتهنين على عقار، وفي نفس الوقت لا يمكن الدائنين من ضمانات أو تأمينات لمعارضة الغير، وهناك اتجاه ثاني ، يؤكد على أهمية الرهن العقاري لجماعة الدائنين في كونه وسيلة إشهار أنجع من رفع اليد.
الرهن العقاري يضمن كل ديون جماعة الدائنين، أي الديون العادية والديون الموثقة بامتياز عام، ولا ينتفع بهذا الرهن الدائنون أصحاب التأمينات العينية، إلا إذا تنازلوا عن ضماناتهم وأصبحوا دائنين عاديين، كما أن الرهن العقاري ينبسط على جميع عقارات المدين المفلس الحاضرة أو المستقبلة حتى ختم الفلسة.
امتياز المكري:-2
الفصل 200 ثانيا من م.ح.ع، يؤخذ مما تقدم أن المشرع التونسي قد نظم امتياز المكري في حالة الفلسة، ضمن الفصول 489 و490 و491 من م.ت.
ففي قانون الإفلاس، الامتياز يخول للمكري الحق في الأفضلية، والمقصود بهذه الأخيرة هو الحق الذي يقرره المشرع لبعض الدائنين قصد استيفاء ديونهم من ثمن بيع محل التأمين العيني قبل غيرهم، وحماية المكري من خطر خروج المنقولات من العين المكراة، ولهذا الامتياز طبيعة خاصة، وخصوصية هذا الامتياز كونه يتسلط على حيازة المنقولات الموجودة في العين المكراة ، وهذه الحيازة هي حيازة ناقصة وغير مباشرة، ويستند بمقتضى المفهوم التقليدي على فكرة الرهن الضمني ، ولا يضفي هذا الامتياز نجاعته، إلا إذا كانت هذه المنقولات في حوزة المكري ، لكن يفرغ امتياز المكري من محتواه، ويجرد حق الأفضلية من نجاعته إذا تم نقل المنقولات من المحل المستأجر ، كما أقر المشرع لهذا الامتياز كذلك حق التتبع، ويتمثل في السلطة الممنوحة للدائن في ممارسة حقه على الشيء أي كانت اليد التي انتقل إليها .
وقد حث المشرع على التدخل لحماية حقوق المكري من خطر خروج المنقولات من العين المكراة، و حصول حق فيها للغير حسب ما جاء بالفصل 200 من م.ح.ع، ويستوجب الاشارة إلى أن هذا الامتياز يختلف بين المادتين المدنية والتجارية فيما يتعلق بالديون المضمونة .
وما يمكن استخلاصه من الفصل سابق الذكر أن الديون الممتازة هي معاليم الكراء، وقد أخضع المشرع تحديد معاليم الكراء المضمونة بالامتياز إلى معيار زمني، بحيث يضمن الامتياز معاليم الكراء الحالة عن العامين الآخرين قبل الحكم بالتفليس، وعلى ثمن كراء العام الجاري، والمقصود بالعام الجاري هي السنة التي صدر خلالها الحكم بالتفليس، كما يضمن الامتياز كل ما يتعلق بتنفيذ عقد الكراء وغرم الضرر الذي قد تمنحه له المحاكم، كما في صورة تسبب المكتري في تعييب أو إتلاف العين المكراة مثلا .
و حسب الفصل 490 جديد من المجلة التجارية، نستنتج أن للمكري الحق في المطالبة سوى بالديون المتولدة عن الكراء من فترة المراقبة إلى تاريخ إفراغ المحل، وتستثني من هذه الفترة المدة التي استغرقها تنفيذ برنامج الإنقاذ، أما في صورة عدم الفسخ فإن للمكري الحق في المطالبة سوى بدفع معينات الكراء الحالة بعد الحكم بالتفليس.
ويستنتج من أحكام الفصل 491 من م.ت أن الديون المضمونة في حالة الفلسة، هي أوسع نطاقا من الديون التي يضمنها امتياز المكري في المادة المدنية ، وهو ما يدعم حظوظ المكري في استيفاء ديونه، لكن المشرع ضيق من امتياز المكري في الزمان، بأن حدده بالسنة الجارية لتفادي النتائج الوخيمة التي قد تنجر عن إطلاق امتياز المكري في الزمان، تفاديا للإضرار بحقوق بقية الدائنين.
2- تدعيم خلاص أصحاب التأمينات بالأفضلية:
إن حق أفضلية الدائنين أصحاب التأمينات كرسه المشرع بالمجلة التجارية، وعديد النصوص المتفرقة، التي وضعت جملة من الوسائل القانونية لمجابهة مدينه المتلدد عن الوفاء، بإقرار حق الحبس “أ”، وامتياز بائع الأصل التجاري وراهن الأدوات ومعدات التجهيز المهنية “ب “.
أ- إقرار حق الحبس:
أقر المشرع حق الحبس ضمن أحكام الإفلاس، وتحديدا بالمجلة التجارية حق الدائن الحابس بالفصول من 555 إلى 561 من م.ت.
والمصدر الأساسي لحق الحبس هو الفقه الإسلامي ، ويرتكز هذا التأمين حسب الأستاذ أحمد بن طالب، على فكرتين رئيسيتين هما المساواة والانتصاف للنفس ، كما يعتبر حق الحبس من التقنيات الفعالة لضمان استخلاص الدين في إطار إجراءات الإفلاس .
ويمكن تعريف حق الحبس بكونه تأمين قانوني، وعرف الفقه ، حق الحبس بصفة عامة بكونه ” الحق في وضع اليد على الشيء الراجع للمدين، وعدم تسليمه له حتى يؤدي ما عليه للدائن، فيستغل هذا الأخير ظرف وقوع ذلك الشيء تحت يده للضغط معنويا على مدينه، باستحثاثه على الوفاء في مرحلة أولى، ثم التنفيذ على الشيء المحبوس في مرحلة ثانية متى تواصل التلدد وتعذر الوفاء “.
ونستنتج من خلال أحكام الفصل 560 من م.ت أن بائع المعدات والبضائع الذي لم يستوف ثمنها من المشتري يتمتع بوضعية متميزة عن بقية الدائنين، تجعله خارج دائرة التزاحم وتسمح له في صورة تسليم الشيء للمشتري الحق في استرداده والامتياز عليه.
وهذا الضمان يمكن صاحبه من استخلاص كامل دينه قبل غيره من الدائنين ولو كانوا ممتازين ، فالدائن الحابس يتمتع بحق عيني تبعي وسلطة فعلية على الشيء تمكنه من إستخلاص دينه منفردا ، لكن يستوجب المرور بإجراءات خاصة لبيع الشيء المحبوس عقارا كان أو منقولا، والتي تختلف وتتنوع.
وفي صورة ما إذا أراد أمين الفلسة استرجاع المال المحبوس، فبإمكانه أن يأخذ إذن الحاكم المنتدب، أي أنه في صورة وجود مصلحة لفائدة جماعة الدائنين، أن يطلب تسليم المحبوس مقابل دفع الثمن المتفق عليه للبائع .
ويتبين مما سبق بيانه، أن البائع يتمتع بوضعية حسنة، ما لم يفقد حيازته للبضائع ، أو تمكن من استرجاعها قبل حيازتها من المفلس ، وحيازة البضائع من قبل الدائن، تكسبه الحق في ممارسة حق الأفضلية على الشيء المحبوس في صورة توفر الشروط الواردة بالفصل 314 من م.ا.ع.
إن المشرع في مادة الفلسة قد أعطى الأفضلية والأولوية لأصحاب الامتيازات الخاصة، فقد خول لهم مواصلة تتبعاتهم والتنفيذ على المكاسب محل التأمين على خلاف أصحاب الامتيازات العامة ، كما برزت بعض التقنيات الجديدة التي ترتكز على حق الملكية لضمان الخلاص، والتي تمثل “نوعا جديدا من التأمينات العينية” ، وهو ما جعل عديد الفقهاء الفرنسيين يعلنون عن وقوع تفجيرفي قانون التأمينات .
ب- إمتياز بائع الأصل التجاري :
إن امتياز بائع الأصل التجاري، هو امتياز خاص على منقول غير مادي ، ويتمثل كوحدة تتكون عناصرها من منقولات غير مادية، كالحرفاء والسمعة التجارية، ومنقولات مادية كالسلع والمعدات والأدوات، فوضعية الدائن في هذا الامتياز، تبدو مريحة مقارنة مع غيره من الدائنين، فامتيازه يتسلط على الأصل التجاري دون البضائع، ففي صورة إفلاس مشتري الأصل التجاري قبل دفعه للبائع الثمن، فيجوز لهذا الأخير أن يتمسك بامتيازه في مواجهة جماعة الدائنين، وهو ما يخول له المطالبة باستخلاص دينه دون أن يتأثر بالوضع الخاص للمدين، فيجوز للبائع التنفيذ على محل تأمينه والحصول على حقوقه منه، لكن هذا الحل قد يشكل خطرا على بقية الدائنين ويضر بهم .
أما على مستوى علاقة الدائن الممتاز بالغير، فإن امتياز بائع الأصل التجاري يحقق آثار هامة تتجسد خاصة في حق التتبع والأفضلية، ذلك أن حق التتبع يمكن من تتبع الأصل التجاري والتنفيذ عليه أينما كان وأيا كانت اليد التي انتقلت إليها .
ومن الملاحظ، أن حماية الدائن في امتياز بائع الأصل التجاري، تتجسد من خلال ما يحققه هذا الحق العيني المسلط على الأصل التجاري من ضمانات تهدف في مجملها إلى تمكين الدائن من حقه في استخلاص دينه من مدينه ،ومما لا شك فيه أن وضعية بائع الأصل التجاري في مادة الفلسة مريحة مقارنة بوضعيته في فترة الإنقاذ ، ويمكن القول أن أفضلية بائع الأصل التجاري، تتغير بحسب الظروف وبحسب الحالة المادية للمشتري، لكنه يبقى محافظا على امتيازه إلى حين تسديد الدين المضمون .

أفضلية راهن الأدوات ومعدات التجهيز المهنية:
وعيا من المشرع بمحدودية الضمان العام الوارد بالفصل 192 من م.ح.ع على صعيد الواقع، وذلك لعدة أسباب من أهمها، عدم كفاية مكاسب المدين، وسعيا من المشرع إلى بلورة تشاريع لدفع المبادلات التجارية والاقتصادية بوجه عام، وزرع الاطمئنان بين الدائنين والممولين خاصة، صدر القانون عــدد 19 لسنة 2001 المؤرخ في 06/02/2001، وكان ملائما مع الأحكام العامة لرهن المنقول ، الواردة بمجلة الحقوق العينية ومع أحكام قانون الإيجار المالي .
ويعرف الفقه رهن الأدوات ومعدات التجهيز المهنية، الأدوات ومعدات العمل الصناعي أو التجاري أو الخدمات، ويمكن أن تكون سلسلة إنتاج، أو آلات، وهذا الامتياز يعطي للبائع أولوية مطلقة في الخلاص من ثمن الشيء المبيع .
ولتأمين المعاملات ودفع المبادلات التجارية والاقتصادية بوجه عام، وجبت طمأنة الدائنين على استيفاء حقوقهم من مدينهم، فصدر القانون عدد 19 لسنة 2001 المؤرخ في 06/02/2002، والذي ينظم رهن الأدوات ومعدات التجهيز المهنية، لكنه رهن من نوع خاص ليس كغيره من الرهون العادية، لأنه يعطي الراهن الحق في اقتضاء دينه من متحصل بيع تلك الأدوات ومعدات التجهيز المهنية على وجه الأفضلية لبائعها أو مقرض ثمنها.