جريمة تدليس العملة الورقية الوطنية بقلم الأستاذ رمزي محمدي

جريمة تدليس العملة الورقية الوطنية بقلم الأستاذ رمزي محمدي

باحث في القانون ودارس بالسنة الثانية بالمعهد الأعلى للمحاماة


 

تم تنظيم الجرائم المتعلقة بتدليس العملة في القسم الثامن عشر من المجلة الجزائية في الفصول 185 إلى 192 تحت عنوان ” في تدليس وتغيير العملة “.

1 – الركن الشرعي لجريمة تدليس العملة الورقية الوطنية :

النص القانوني المتعلق بتدليس العملة الورقية الوطنية :

1

لا يمنع هذا الفصل تطبيق ظروف التخفيف والنزول بالعقاب إلى 5 سنوات.

2 –  الركن المادي لجريمة تدليس العملة الوطنية

التدليس :

  • ان المقصود بالتدليس هو صنع كل او بعض الورقة النقدية أو ادخال اضافات او تشطيبات او اقحامات يتعمد الجاني توقيعها على الكتب زورا منه او يضع كل او بعض كتب مكذوب من شأنه احداث التزامات معينة.
  • لقد نظرت المحكمة الإبتدائية بتونس [1] في قضية عدد 3071 بتاريخ 2002/03/28 تفيد وقائعها قيام المتهم باقتناء آلة ناسخة بالألوان و كمية من الأوراق البيضاء و آلة لقص الأوراق مثبتة شفرة بورت لام وعمد إلى طباعة أوراق نقدية القابلة للتداول من فئة 10 دنانير على ثلاث مراحل و قد بلغت قيمة الأوراق النقدية التي قام بطباعتها حوالي خمسة آلاف دينار استعملها في التجارة و تبين من الإختبار المحرر من قبل فرع البنك المركزي التونسي بالقيروان أن الأوراق النقدية من فئة عشرة دنانير صنف 94 الواقـع حجـزها في هذه القـضية هي عبارة عن صورة بالألـوان لوجه و ظهر ورقة نقدية نافذة المفعول و قد تم تصويرها على ورق عادي و أملس و لا تحمل تلك الورقات  علامات الأمان و قد اعترف المتهم على أنه روج منها مبلغ 3500 دينار إذ استعمله في إقتناء كميات من بضاعة من بعض الفلاحين الذين لم يتفطن البعض منهم من كونها مزيفة .

و تطبيقا لذلك فعلى القاضي أن يعتبر نفسه الشخص العادي ويسبر غور ظروف كل قضية و يستعين في تقديره بالخبراء, و سلطة المحكمة في تقدير الحاجة لإنتداب خبير لا تخضع لرقابة محكمة التعقيب والمحكمة غير ملزمة قانونا بأن تعيين خبيرا متى كان التزوير ثابتا لديها من المشاهدة أو مما يكون في الدعوى من أدلة أخرى [2] كما للمحكمة أن تتحقق من التقليد بنفسها من مقارنتها للأوراق الصحيحة و الأوراق المقلدة[3] . لكن إذا كانت المسألة المطلوب عرضها على الخبير من المسائل الفنية البحتة فإن المحكمة تكون ملزمة حينئذ بإنتداب خبير[4] إذ أن ذلك يتفق مع التقدم الملحوظ في العلوم الفنية و هذا ما ينبغي تحقيقه في مجال تقليد العملة خاصة إذا كانت العملة مقلدة تقليدا دقيقا, و احتاج الأمر لتحاليل كيميائية لاكتشاف ذلك , أو كانت العملة المقلدة عملة أجنبية لا يعرف القاضي مواصفاتها و خصائصها.

لذلك تم بعث إدارة فرعية للمخابر الجنائية و العلمية تابعة لوزارة الداخلية مهمتها القيام بإجراء الإختبارات الفنية اللازمة على الأوراق النقدية المشبوه فيها .

و يكفي أن يشمل تقرير الخبير كون العملة مزيفة أو غير مزيفة و العناصر التي يقوم عليها هذا التزييف, و درجة رداءة التقليد وجودته, أو أوجه الشبه و الخلاف بين العملة المزيفة و العمـلة الصحيحة وما إلى ذلك [5]و تجدر الملاحظة أن سلطة الإتهـام و القضاء جرت على عدم التقيد بما جاء بتقرير الخبير الفني الذي قام بفـحص العملة[6] .

  • جاء بالقرار التعقيبي عدد 3732 بتاريخ 21/11/2000 [7] مايلي:<< وحيث ان عملية تصوير ورقة نقدية صحيحة رائجة بالبلاد التونسية تقتضي وضع الورقة النقدية الصحيحة المكونة في ورق خاص يحمل مواصفات معينة لا تثبتها العين المجردة في آلة التصوير على ورق عادي اقرب للورق الاصلي للعملة النقدية لاستخراج ورقة مصورة تشبهها في ظاهرها وتخالفها في باطنها ليس هذا تقليدا وتغييرا للعملة. ويتأكد هذا التحليل بالاطلاع على الاختبار الفني الذي اجراه البنك المركزي بطلب من الشرطة العدلية بتوزر المضمن تحت عدد 458 والمؤرخ للاختبار لا وجود فيها للعلامة المائية ولا لخيط الامان بتعريضها للاشعة UV >>.

جاء في نفس القرار مايلي:<< الجرائم الواردة بالفصل 187 جنائي ينطبق عليها ما جاء في شرح الفصل 185 من نفس المجلة باستثناء انها تتعلق بالعملات الاجنبية اذا وقع تدليسها او تغييرها او اذا وقع ادخالها الى التراب التونسي مع علم الجاني انها مدلسة او مغيرة >>.

  • تأسيسا على التحليل القانوني لمحكمة التعقيب يتبين ان عملية نسخ عملة ورقية لا ينصهر تحت وصف التدليس او التغيير.

ان التدليس على معنى الفصلين 185 و187 م ج لا يعدو ان يكون سوى صنع مسكوكات شبيهة بالمسكوكات القانونية[8].

  • يفهم من ذلك ان التدليس او الوضع في جوهره يتحقق عن طريق الصنع وهي عملية تستوجب بطبيعتها انشاء او خلق الشيء وليس النسخ او الطباعة او التقليد.
  • يتفق الشراح [9] على ان التدليس او الوضع يتحقق بصورتين بأن يقدم الجاني على صنع كامل العملة المقلدة بمعنى خلق وانشاء عملة مشابهة للعملة الصحيحة او باعطاء عملة بطل التعامل بها مظهر العملة الصحيحة أي اعادة احياء عملة سبق سحبها من التداول ثم الغيت وذلك عن طريق ازالة علامات الالغاء.
  • ان التطبيق السليم لمفهوم التدليس او الوضع يؤدي الى الجزم بداهة بان مجرد نسخ اوراق نقدية لا ينصهر تحت طائلة التدليس.

3 – الركن المعنوي

إن اغلب التشاريع الأجنبية تستوجب لقيام جرائم تدليس وتغيير العملة فضلا عن توافر القصد الجنائي العام (1)بصفتها جرائم عمدية ضرورة توافر قصد جنائي خاص (2) ومع ذلك نجد أن بعض التشريعات [10]لم تنص صراحة على هذا القصد الخاص في حين أن بعضا آخر[11] قد نص عليه صراحة و يبدو أن التشريعات التي لا تنص صراحة على تـوافر هذا القصد الخـاص تعتبر أن الناس لا يصنعون العملة عادة دون قـصد وضعها في التداول فالقصد ينكشف عن فعل التزييف نفسه.

  • القصد العام

إن جرائم تزييف العملة بصورها المختلفة جرائم عمدية و يتكون القصد العام في هذه الجرائم من العلم المقترن بإرادة النشاط المادي المكوّن لجريمة تزييف العملة فكل ما ينفي إرادة الجاني وهو أمر يتعلق بسلوكه الإجرامي , و كل ما ينفي علمه وهو أمر يتعلق بإدراكه الأمور على نحو صحيح مطابق للواقع, ينفي مسؤوليته.

فيتطلب القصد إبتداء أن يباشر الجاني نشاطه الإجرامي عن إرادة حرة, فلا جريمة إذن على من يزيف أو يستعمل عملة مزيفة تحت إكراه أدبي أو مادي, كما لو أجبر على ارتكاب فعل التزييف أو الإستعمال تحت التهديد بالقتل [12].

كما ينفي الإرادة لدى الجاني كل ما ينفي التمييز بتوفر مانع من موانع المسؤولية, كما لو قام مجنون أو صغير غير مميز بتزييف أو إستعمال العملة فتنتفي مسؤوليته [13] و قلم الإدعاء العمومي ليس مطالب بأي دليل على وجود الإرادة, فإذا ادعى المتهم قيام أي سبب من أسباب عيوب الإرادة, فيجب عليه أن يثبت  فإذا عجز عن ذلك فإنه يتحمل المسؤولية .

كما يستلزم القصد علم الجاني بتوافر أركان الواقعة الإجرامية و بأن القانون يعاقب عليها مع ملاحظة أن العلم بارتكاب الجريمة يعد علما  بمسألة قانونية, و الدفع بجهل القانون أمر غير مقبول طبقا للقواعد العامة وفق الفصل545 م.إ.ع . [14] فينتفي القصد العام لدى الجاني إذا لم يعلم انه يزيف عملة وطنية أو أجنبية, معدنية أو ورقية متداولة قانونا في الخارج كما لو كان يعتقد أن الشيء الذي يقلده ليس عملة أجنبية و إنما ميدالية أو سندا لجهله بصفات هذا النوع من العملة, أو كان يعتقد أن الشيء الذي يقلده عملة بطل التعامل بها في حين أنها عملة قانونية .

كما يجب أن يعلم الجاني بخطورة الفعل الذي يقوم به أي من شأن هذا الفعل أن يعتدي على حق يحميه القانون.

كما ينبغي بالنسبة لأفعال الإستعمال أن يكون الجاني وقت تسلم العملة عالما بأنها مزيفة ثم روجها أو حازها أو أدخلها أو أخرجها وهو يعلم بذلك, فلا يعتبر مرتكبا للـجريمة من تسلم و تعامل بعملة مزيفة إذا كان وقت استلامها أو التعامل بها معتقدا أنها صحيحة, و في جميع هذه الحالات يجب أن يكون للغلط أثره في العلم , و بالتالي في توجيه الفعل الإرادي بحيث لولاه لما اقترف الجاني الفعل . و يجب توفر العلم أو عيوبه في زمن معاصر للنشاط الإرادي للفعل, ووجود القصد العام في جرائم ترويج العملة المزيفة يلعب دورا رئيسيا في العقوبة فمن تسلم عملة مزيفة دون أن يعلم بأنها مـزيفة و يدفعها في التداول على هذا الأساس فلا جريمة ومن تسلم عملة مزيفة دون علمه بأنها مزيفة و بعد أن اكتشف عيوبها دفعها في التداول وهو عالم بذلك يعاقب بعقوبة الجنحة, أما إذا كان المروج أو الحائز أو المدخل يعلم بأن العملة مزيفة وقت تسلمها ثم يدفعها في التداول فيعاقب بعقوبة الجناية.

كما يستوجب القصد الجنائي تعمد الجاني إحداث النتيجة الإجرامية عندما يقوم بالفعل المادي المكون للجريمة أو توقعه لحدوث هذه النتيجة و قبوله لها, فيعتبر مرتكبا جريمة التزييف من يقلد عملة قاصدا الحصول على عملة مشابهة للعملة الحقيقية, سواء تحققت هذه النتيجة كأثر حتمي لفعله أو كأثر محتمل لهذا الفعل .

و لقد اعتبر بأن علم الجاني بصفة العملة المزيفة هو عنصر رئيسي لقيام جريمة ترويج أوراق نقد أمريكية و أن محاولة الجاني استعادة العملة المزيفة التي روجها يقوم دليلا على علمه بأنها مزيفة كما أن مجرد ترويج عملة ورقية مقلدة ليس كافيا لإثبات علم الجاني بأنها مزيفة, كما أن الحيازة المجردة لا يستخلص منها قانونا بالضرورة علم الجاني بأنها مزيفة.

و يمكن القول بأن العلم بأفعال التزييف ” التدليس و التغيير ” يستنتج حتما من ارتكاب الأفعال المادية لهذه الجرائم لأن هذه الأفعال يصاحبها دائما العلم بأن الفعل في حد ذاته مما يجرمه القانون إذ أن من يقلد عملة يعرف بالضرورة ما يفعله إلا إذا كان مجنونا.

فالأفعال المادية تكشف عن قصده الجنائي فلا يقع على سلطة الاتهام عبء إثباته فهو ثابت  في حق المتهم من ارتكاب الفعل المادي [15].

أما أفعال الإستعمال  كالترويج و الحيازة و الإدخال فلا يستفاد منها حتما و بالضرورة توافر علم المتهم بأن العملة التي يروجها أو يحوزها أو يدخلها مزيفة, فقد يدفع شخص عملة مزيفة في التداول أو يدخلها معه للبلاد وهو يجهل أنها مزيفة لذلك يجب على لسلطة الإتهام في مثل هذه الحالات إثبات علم المتهم بالتزييف, فإذا تمسك المتهم بأنه وقت تسلمه العملة كان يجهل أنها مزورة ولم تتعرض سلطة لاتهام لنفي هذا الجهل كان الحكم قاصر التعليل [16].

و القول بتوفر علم المتهم بالتزييف من إختصاص محكمة الموضوع تستخلصه من الوقائع[17] و لا يعيب حكمها أن تتحدث عنه صراحة [18]و على استقلال.

و يؤيد رجال الفقه الفرنسي هذا الرأي مـعتبرين أن القصد العام يتطلب توفر العلم, و هذا العلم لا ينفصل عن فعل التزييف نفسه أي أنه يستفاد منه, و لكن من الممكن ألا يصحب فعل التزييف أفعال الترويج أو الإستعمال إلا أنه بالنسبة لهذه الجرائم الأخيرة فإنه يجب على سلطة الإتهام إثبات وجود هذا العلم و يجب على المحاكم أن توضحه في حيثياتها, فإدانة شخص باستعمال عملة ورقية مقلدة لا يكون عادلا إلا إذا أوضح الحكم علم الجاني بأن العملة مقلدة [19].

2- القصد الخاص

لئن تشترط غالبية التشريعات لقيام جرائم تزييف العملة توفر قصد جنائي خاص, فإن هذا القصد يقوم على العلم و الإرادة مثل القصد العام لكن لا يقتصر على علم الجاني و إرادته في هذه الحالة على أركان الجريمة و عناصرها فحسب و إنما يمتدان فيشملان الباعث الموجود لدى الجاني لتحقيق غاية أو نتيجة معينة .

و لم يرد في نصوص التزييف الفرنسية نص صريح على ضرورة توافر قصد خاص في جرائم تزييف العملة إلا أن الفقه و القضاء في فرنسا مستقران على ضرورة توفر قصد خاص في هذه الجرائم و يرى أغلب الفقهاء أنه لا يكفي مجرد علم الجاني بارتكابه فعلا يجرمه القانون بل يجب أن يفعل الجاني ذلك بقصد دفع العملة غير المرخص بها في التداول باعتبارها عملة قانونية فالقصد التدليسي Intention Frauduleuse لا يتوفر لدى من يصنع عملة لأغراض ثقافية, أو بغرض عرضها لأغراض تاريخية . و قد قضت محكمة التعقيب الفرنسية بأنه لكي يعاقب على جريمة التزييف يتطلب الأمر أن يكون الجاني عالما بتزييف العملة, وهو ما يستخلص من فعل التزييف, و يقع على الجاني عبء إثبات عدم وجود هذا القصد[20].

كما يرى الفقهاء أنه لكي يعاقب على التزييف فإنه يجب أن يكون قد ارتكب بقصد الترويج فإذا ما توفر الفعل المادي للتقليد مع قصد الترويج, فإن الجريمة تتم دون حاجة لوقوع فعل الترويج نفسه, و كذلك الحال بالنسبة للترويج و العرض  و الإدخال فإن العلم بتزييف العملة لا يكفي فيجب علاوة على ذلك أن توجد إرادة وضع العملة المزيفة في التداول .

و هذا لا ينطبق على حـالة الشـخص الذي يتعرف على عملة مزيفة وقعت في يده و يعطيها لثالث على سبيل اللهو أو لصراف ليثبتها على منضدته, أو من يدخل عملة مزيفة للبلاد بقصد تسليمها للشرطة .

و يستخلص مما سبق بيانه أنه في مجال إثبات القصد ينبغي التفرقة بين أفعال التزييف و أفعال الإستعمال فبالنسبة لأفعال التزييف تقع على كاهل سلطة الإتهام عبء إثبات الفعل المادي الذي يستخلص منه القصد العام, أما القصد الخاص فيفترض توفره على اعتبار أن من يصنع عملة فإنما يفعل ذلك بقصد وضعها في التداول, و أن عكس ذلك يكون فرضا استثنائيا فيقع على المتهم عبء إثبات قصده الحقيقي.

أما بالنسبة لأفعال الإستعمال فإنه يقع على سلطة الإتهام عبء إثبات توفر علم الجاني بتزييف العملة و قصده دفعها في التداول [21]و على المحكمة استظهار القصد الخاص  في حكمها لكن البعض الآخر من الفقهاء مثل قارو Garraud   يرون أن القصد الخاص الواجب توفره في جرائم تزييف العملة هو أن يقصد الجاني أن يحصل لنفسه أو لغيره على فوائد و أرباح غير شرعية وهذه الغاية لا تخلق شرطا خاصا و مستقلا عن الشرطين السابقين و إنما تنتج عن اتحادهما.

و على ذلك فلا مسؤولية على من يقلد عملة بهدف فني, و كذلك لا يمكن عقاب من ينتفي علمه بتزييف العملة وهو ما نص عليه الفصل 1/135 قديم من القانون الفرنسي.

  • المشرع التونسي لم ينص صراحة على ضرورة توفر قصد جنائي خاص مما يحمل على الاعتقاد بكون هذا النوع من الجرائم تكون متوفرة حتى و إن افتقد العنصر المعنوي لكن بقراءة بعض الفصول المتعلقة بالتزييف منها الفصل 190 م.ج. المتعلق بتزييف عملة معدنية أقر صراحة المشرع ضرورة توفر ” قصد الغش في نوع المعدن ” كما هو الشأن بالنسبة للفصل 191 م.ج. المتعلق بجريمة قبول عملة مزيفة التي اشترط فيها المشرع توفر القصد الخاص وهو العلم بعيوب العمـلة و الإقبال على استعمالها. إذن فهذان الفصلان يعبران صراحة على توجه المشرع نحو اشتراط القصد الجنائي في جرائم التزييف, و يمكن تفسير عدم التنصيص على هذا الركن صراحة في بقية الفصول بأمرين, إما إنه يقتصر على توفر القصد الجنائي في الحالتين المنصوص عليهما بالفصلين 190 و 191 م.ج. فقط و يعتبر الجرائم المدرجة بالفصول الأخرى مادية لا تستوجب توفر القصد الجنائي أو الاحتمال الثاني ألا وهو أن المشرع يقر بصفة ضمنية ضرورة توفر هذا الركن و يمكن ترجيح هذا الاحتمال الأخير على أساس أن كل من يقدم على تدليس عملة يكون  عالما بخطورة فعلته و بالغاية التي يسعى لتحقيقها فإرادة تحقيق فعل غير مشروع لدى الجاني واضحة لكن قد يقدم شخص على إستعمال و قبول تلك العملة وهو جاهل لعيوبها فهو بذلك يكون معفى من العقاب, إلا إذا اختبر عيوبها و علم بها فهو يكون معرضا في هذه الصورة للزجر على معنى أحكام الفصل 191  م.ج.

و الملاحظ أنه لإثبات القصد فإن الدليل على فعل التزييف يعتبر دليلا على النية التدليسية الخاصة التي يقضي القانون بتوافرها.

فالعلم و النية الخاصة يستفادان حتما من ارتكاب الفعل المادي فليس على النيابة عبء إثباتهما و للمتهم أن يدفع بعكس ذلك و إقامة الدليل على نيته المشروعة.

أما بالنسبة لأفعال الإستعمال بمختلف صورها فلا يستفاد منها علم المتهم أو نيته من ارتكابه هذه الأفعال, و على النيابة إثبات ذلك, فإن ثبت أصبح موقف الجاني كموقف مرتكب أفعال التزييف و عليه أن ينفي هذه النية غير المشروعة, و على ذلك ففي حكم الإدانة في جرائم التقليد يكفي الإشارة إلى توافر هذا القصد دون أسباب أما بالنسبة لفعل الترويج فلا يمكن مجرد الإشارة إليه بل يجب بيان ذلك بعبارة واضحة و جلية .

و تأسيسا على ما تقدم, يجب أن تشمل أحكام الإدانة في جرائم العملة المزيفة بمختلف أنواعها على ما يستفاد منه تحقق أركانها و أول تلك الأركان الفعل المادي من تدليس أو تغيير أو تلوين أو إدخال إلى البلاد أو ترويج أو حيازة للعملة بقصد الترويج أو التعامل بها و تكفي في ذلك الإشارة إلى وقوع الفعل المادي و بيان كيفية استنتاج حصول التزييف[22].

كما تنبغي الإشارة إلى ما يحدد نوع العملة التي كانت محلا للجريمة تحديدا يعرف منه ما إذا كانت متداولة قانونا أو عرفا في البلاد بطريقة تؤدي إلى إمكان مراقبة صحة تطبيق الفصل القانوني الذي أدين بموجبه المتهم[23] من طرف محكمة التعقيب.

و يحتاج الركن المعنوي عادة إلى درجة من العناية قد لا يقتضيها بيان الفعل المادي خاصة عندما يكون مركبا من قصدين عام و خاص, و يكون هذا الأخير مختلفا بحسب الجرائم و قد حكم بأن ثبوت فعل التزييف كان لافتراض توافر قصد الترويج بما يترتب عليه من أضرار[24].

و لقد قالت محكمة النقض المصرية ” إن جريمة تزييف  المسكوكات و إن استلزمت فضلا عن القصد الجنائي العام قصدا خاصا هو نية دفع العملة الزائفة إلى التداول مما يتعين على الحكم استظهاره, إلا أن المحكمة لا تلتزم بإثباته في حكمها على استقلال متى كان ما أوردته عن تحقق الفعل المادي يكشف بذاته عن توافر تلك النية الخاصة التي يتطلبها القانون, و ذلك ما لم تكن محل منازعة من الجاني فإنه يكون متعينا حينئذ على الحكم بيانها صراحة و إيراد الدليل على توافرها [25]

و خلاصة القول, يلاحظ اختلاف مفهوم القصد الخاص باختلاف نوعية الجريمة, فكل جريمة تتطلب قصد خاص متعلق بها, و قد تنوعت جرائم تزييف العملة بتنوع صورها و التي تحتم البحث عن مختلف أوجه التجريم في مادة تزييف العملة .


 

[1] -حكم إبتدائي عدد 3071 مؤرخ في 28/03/2002 ملحق ص 62 إلى 67

[2] -نقض مصري رقم 1323 لسنة 1961 بتاريخ 27/12/1961 : ” إن إنتهاء المحكمة إلى ثبوت علم المتهم بتزييف الأوراق المالية المضبوطة دون اللجوء إلى خبير سليم ” .

3- نقض 16 أفريل سنة 1962 مجموعة أحكام ص  13 رقم 89   ص 352

[3] – نقض 16 أفريل سنة 1962 مجموعة أحكام ص  13 رقم 89   ص 352

[4] – نقض 12 يونيو سنة 1961 طعن رقم 1745 س 30 ق مجموعة أحكام النقض ص 12 ص 671

– نقض 26 مارس 1963 طعن رقم 3 س 33 ق مجموعة أحكام النقض س 14 ص 224

[5]على سبيل المثال تقرير عدد 2545 بتاريخ 1/5/2002 في المحضر عدد 117 الذي جاء به : “بعد فحص مدقق بالعين المجردة و المجهر و آلة فيديو المقايسة الطيفية للورقة النقدية التونسية من فئة 30 دينار تحمل الرقم 2027914 ح/ 2 طبعة 17/11/1997 تبين و أنها مزيفة و غير قابلة للتداول حيث أنها خالية تماما من عناصر الأمان الواجب توفرها بالأوراق النقدية التونسية السليمة من نفس الفئة, كنوعية الورق و الصورة المائية و الخيط المعدني و البلاستيكي و الألياف الملونة و طريقة الطباعة و بالتالي فهي ورقة نقدية مفتعلة بواسطة آلة ماسحة للصور متصلة بجهاز مكروي و آلة طباعة مكتبية بالألوان على ورق عادي ” .

[6] نقدم أمثلة لذلك من فقه القضاء المصري : ) مأخوذة من كتاب عادل حافظ غانم ص 268 .

القضية رقم 131 جنايات الزيتون سنة 1961 : اتهمت النيابة العمومية بعض الأشخاص بأنهم قلدوا عملة ورقية من فئة الخمسة جنيهات, و كان بين المضبوطات أوراق تم طبعها من الوجهين, و أخرى طبعوجه واحد منها. و جاء بتقرير قسم أبحاث التزييف رقم 81 ت سنة 1961 : ” إنه حتى الأوراق المطبوعة من الجهتين يتعذر إعتبارها من الناحية الفنية مرحلة نهائية, إذ أنها لا زالت غير مكتملة المكونات و لا ينتظر و الحالة هذه ألا ينخدع فيها كل من لم يعتد التعامل بالأوراق الصحيحة”

و لقد أخذت محكمة الجنايات بوصف التهمة الذي قدمت به النيابة المتهمين و اعتبرت التقليد تاما و أدانت المتهمين .

[7] ) ورد هذا  القرار بنشرية محكمة التعقيب سنة 2001 ص 102.

[8] ) جندي عبد الملك ، الموسوعة الجنائية ، الجزء الثاني ، ص 568.

[9] ) عادل حافظ غانم : جرائم تزييف العملة ، ص 184.

[10] – كالتشريع الفرنسي الفصل 132 و الإيطالي الفصل 1/453 و المصري الفصل 203 و البرتغالي الفصل 206

[11] – كالتشريع الألماني الفصل 146 و اليوناني الفصل 207 و اليوغزلافي في الفصل 221 و الفندرالي الأمريكي الفصل 474

 

[12] – لذلك فقد حكم في أمريكا بأنه في دعوى تزييف العملة, إذا دفع المتهم بأنه ما إرتكب التزييف إلا بناء على إكراه وقع عليه, فإن إثبات القصد لدى المتهم و عدم وقوع لإكراه عليه يقع على عاتق الحكومة, و كان المتهم قد دفع بأنه أكره على تزييف العملة تحت التهديد بالسلاح و تبيين أنه ترك بمفرده يزيف فترة طويلة و حصل على مكافأة مقابل ذلك U.S.V.J Johnson, 291, F2d,150 ) مأخوذ من كتاب عادل حافظ غانم ص 200 (

                       [13] – لقد حكم في أمريكا بأنه في دعوى ترويج عملة مزيفة فإن إدعاء المتهم بأنه كان في حالة سكر لا يعتبر دفاعا إلا إذا  كان من شأن السكر سلب شعوره بحيث لا يدرك بأن العملة التي روجها مزيفة . (U.S.V.Rondenbush(C.C.Pa.) F2d.cas, 16196

[14] – الفصل 545 م.أ.ع. :” جهل القانون لا يكون عذرا في إرتكاب ممنوع أو فيما لا يخفى على العوام و ذلك بعد نشره و مضى المدة المعينة لإجراء العمل به ”

 

[15] – cass.crim. 1.Mai 1940, D.A.1940, 116

[16] – نقض مصري 23 ديسمبر سنة 1946. مجموعة القواعد ج 5 رقم 262 ص 261

[17] – نقض مصري 12 يناير سنة 1939. مجموعة القواعد ج 4 رقم 325 ص 431

[18] – نقض مصري 11 نوفمبر سنة  1963. مجموعة الأحكام س 16 قاعدة 143

[19] – تعقيب فرنسي 28 فيفري سنة 1947   D.1947,252 قارسون ص 516 الفصل 139

[20]– تعقيب فرنسي في  18 فيفري سنة 1875     D.76.1,281

– تعقيب فرنسي في 27 ديسمبر  Jurisclasseur 1906  Bull crim.No 401

– نتعقيب فرنسي في 28 ديسمبر سنة Bull crim.N° 526 197

[21]نقض رقم 2485 مؤرخ في 1989/6/6 أحكام النقض ص 600

– نقض مصري رقم 1974 مؤرخ في 1965/10/18 أحكام النقض ص 800

[22] – نقض مصري 1928/12/13 – الموسوعة الجنائية جزء 2 ص 279

[23] – قرار تعقيبي جزائي عدد 13653 المؤرخ في 2003/1/13 ) ملحق ص 55 إلى 61 ( و الحكم الإبتدائي عدد 3703 مؤرخ في 19/3/2002 ملحق ص 92 إلى 104

[24] – نقض مصري 19/03/1910 مجموعة 11 رقم 77 ص 211

[25] – نقض مصري 18/10/1965 أحكام النقض س 16 رقم 135 ص 710

الخصوصية الإجرائية في الجريمة الإرهابية – القاضي علي بن خادم الله

الخصوصية الإجرائية في الجريمة الإرهابية – القاضي علي بن خادم الله    

arvologo2

               إن الجريمة الإرهابية تعتبر من بين الجرائم الحديثة التي عرفتها البشرية والتي تعتبر أيضا من بين الجرائم الخطيرة التي تهدد كيان الدولة في جميع مجالاتها الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية. هذه الجرائم حتمت على الدول سن قوانين لمكافحة هذه الظاهرة من خلال تجفيف منابعها وصولا الى زجرها.

في هذا السياق انضوت البلاد التونسية في محاربة هذه الآفة المدمرة سواء منذ سن قانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرخ في 10 ديسمبر 2003 الذي مثل أول قانون خاص بالإرهاب في تونس إلا أنه لم يكن أول تنظيم قانوني لها ذلك لأن أول مرة عرف القانون الجزائي التونسي الجريمة الإرهابية في الفصل 52 مكرر الوارد في المجلة الجزائية.

إلا ان الإشكال الذي تطرحه و بدوره طرح لدى سن قانون الإرهاب الجديد لسنة 2015 المؤرخ في 7 أوت 2015 هو مسألة التوفيق بين ضمان المحاكمة العادلة التي نص عليه الدستور التونسي في فصله 27 وكذلك المواثيق الدولية و بين حماية الامن الوطني و هذا الاتجاه الذي سلكه المشرع التونسي صلب قانون عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 7 اوت 2015 المتعلق بالإرهاب ومنع غسل الأموال حيث حاول التوفيق بين الضمانات الإجرائية المنصوص عليها وطنيا و دوليا و بين محاولة الحفاظ على الأمن الوطني و في هذا الإطار سوف نتناول مسألة الإجراءات في القضايا الإرهابية و الطرح هنا حول طبيعة الإجراءات في هذه الجريمة هل هي استثنائية وهنا سوف يقع التخلي ولو الجزئي عن المبادئ الأساسية لـ الإجراءات أو أنها إجراءات خاصة تتميز بجانب ذاتي مختلف عن أصول الإجراءات الجزائية و هنا يمكن الجزم بأنها أي الإجراءات ذا طابع خصوصي مميز و ليست بالاستثنائية. لذلك نتساءل عن ماهية خصوصية الإجراءات في الجريمة الإرهابية؟

إن المتأمل في قانون 7 أوت 2015 يستشف أن المشرع اتبع منهج خصوصية الإجراءات في الجريمة الإرهابية و ذلك باحترام المعايير الدولية وحقوق الإنسان (  الفصل 30 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ) وتتجلى هذه الخصوصية في مرحلة التتبع والتحقيق (مبحث الأول) و في الطور الحكمي (المبحث الثاني).

المبحث الأول: خصوصية الإجراءات في الجريمة الإرهابية في طور التتبع والتحقيق

مثلما تطرقنا في مقدمة المقال أن الهاجس كان محاولة التوفيق بين توفير حقوق الدفاع وضمان لحقوق الإنسان من خلال توفير محاكمة عادلة وضمان الأمن الوطني وخلق قانون يكافح الظاهرة الإرهابية و يقتلعها من جذورها واضحة صلب قانون 7 أوت 2015 وهو ما يتجلى في مرحلة التتبع من خلال التتبع (فقرة الأولى) من جهة و التحقيق (فقرة الثانية) من جهة أخرى.

الفقرة الأولى: خصوصية إجرائية في التتبع

مسألة التتبع سواء في القضايا العامة الجزائية أو في القضايا الإرهابية هي نفسها من خلال الخطوط الكبرى للتتبع و الهياكل المتدخلة فيه وصلاحياتهم إلا أن هذا لا ينفي وجود خصوصية هامة سيقع بيانها من خلال هذه الهياكل نقصد هنا أعوان الضابطة العدلية من خلال البحث البدائي أو جهاز النيابة العمومية من خلال إثارة و ممارسة الدعوى العمومية سوف نتناولها تباعا.

* خصوصية الأبحاث الأولية

عند التطرق إلى البحث الأولي لابد من الإشارة إلى الجهاز المكلف بها و هو الضابطة العدلية و لبيان ذلك يجب العودة إلى الفصل 10 من م إ ج أما الخصوصية التي جاء بها قانون الإرهاب هي مركزية الاختصاص فليس هو اختصاص التتبع كل في دائرته فقد نص الفصل 38 من قانون 2015 على

” يباشر مأموري الضابطة العدلية بدائرة المحكمة الابتدائية بتونس المكلفين بمعاينة الجرائم الإرهابية وظائفهم بكامل تراب الجمهورية دون التقيدبقواعد توزيع الاختصاص الترابي. ويباشر مأموري الضابطة العدلية العسكرية وظائفهم المتعلقة بمعاينة الجرائم الإرهابية.”

يفهم من هذا النص أن مأموري الضابطة العدلية بدائرة المحكمة الابتدائية بتونس المكلفين بمعاينة الجرائم الإرهابية وهم أعوان الوحدتين الوطنيتين للبحث في جرائم الإرهاب بالشرطة والحرس الوطنيين بمعاينتها وجمع أدلتها والبحث عن مرتكبيها نظرا لما تتمتع به هذه الأجهزة من خبرة ودراية ومهارة أفرزها حجم ونوع القضايا التي يباشرونها من ذلك و الوحدات الخاصة للحرس الوطني التونسي B.A.T فرقة مقاومة الإرهاب بتونس و هي فرق مختصة و ذا حرفية عالية USGN وقد خول القانون أيضا لمأموري الضابطة العدلية الاحتفاظ بذي الشبهة صلب الفصل 39 فقرة أولى على “على مأموري الضابطة العدلية إعلام وكيل الجمهورية الراجعين إليه بالنظر فورا بالجرائم الإرهابية التي بلغهم العلم بها.ولا يمكنهم الاحتفاظ بذي الشبهة لمدة لا تتجاوز خمسة أيام “.

ولكي تباشر الضابطة العدلية مهامها على أكمل وجه وتنجح في الإطاحة بالشبكات الإرهابية وتفكيكها كان لا بد من منحها آجال الاحتفاظ بذي الشبهة أطول من آجال الحق العام ولهذا يجوز لمأموري الضابطة العدلية الاحتفاظ بذي الشبهة لمدة خمسة أيام في الجرائم الإرهابية بيد أنه لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس وحده، بحكم الاختصاص الموضوعي الإقصائي،التمديد كتابيا في أجل الاحتفاظ مرتين ولنفس المدة ويكون ذلك بمقتضى قرار معلل يتضمن الأسانيد الواقعية والقانونية التي تبرره بما يسمح له ببسط رقابته على مدى صحة تكييف الأفعال مبنى التتبع على أنها إرهابية ويحول دون حصول الإحتفاظ التعسفي الماس بحرية الأشخاص.

* في إثارة و ممارسة الدعوى العمومية

في هذا الإطار سوف نتطرق للنيابة العمومية التي تعتبر الجهاز الأصلي والأساسي في تتبع الجرائم الإرهابية وهو النيابة العمومية التي نظمها قانون 7 او 2015 في الفصول 41 و 42 تحت الفرع الأول في النيابة العمومية من القسم الرابع في القطب القضائي لمكافحة الإرهاب إذ نص الفصل 41 “يختص وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس بإثارة الدعوى العمومية وممارستها في الجرائم الإرهابية المنصوص عليها بهذا القانون والجرائم المرتبطة بها. ويساعده في ذلك ممثلون له من الرتبة الثانية على الأقل ممن وقعت تسميتهم بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب”

هنا كذلك نلاحظ وجود مركزية الإختصاص لوكيل الجمهورية بتونس العاصمة تتبع الجرائم الإرهابية و يساعده في ذلك ممثلون له من الرتبة الثانية على الأقل ممن وقعت تسميتهم بالقطب القضائي،لمكافحة الإرهاب أي لابد من أقدمية معينة لأن التتبع في جرائم الإرهاب يحتم دراية لازمة وهنا تكمن الخصوصية.

الفقرة الثانية: الخصوصية الإجرائية في أعمال التحقيق

ان الخصوصية التي تطرح بالنسبة للتحقيق بالنسبة لقانون 7 او 2015 يمكن طرحها في مسألتين أولا بالنسبة لوجوبية التحقيق ثم سوف نتطرق لخصوصية الوسائل المعتمدة.

* وجوبية التحقيق

الخصوصية هنا تكمن في وجوبية التحقيق في كل الجرائم الإرهابية و لم يعد هناك تفريق لما أورده الفصل 47 م إ ج حيث تكون وجوبية التحقيق في جنايات و إختيارية فيما دونها حيث بموجب الفصل 43 من قانون 2015 التحقيق وجوبي في الجرائم الإرهابية دون تفريق في شدة خطورتها كما اضاف هذا الفصل”ويباشر قضاة من الرتبة الثالثة التحقيق بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب أعمالهم بكامل تراب الجمهورية ودون التقيد بقواعد توزيع الاختصاص الترابي” يفهم مما سبق أن التحقيق وجوبي في كل الجرائم الإرهابية مع تعيين قضاة تحقيق ذوي خبرة معينة و كفاءة مميزة تسمح لهم التعاطي مع هذه الملفات و لا يتقيدون بقواعد توزيع الاختصاص الترابي حتى يتمكنوا من العمل بحرية وخاصة ان جرائم الإرهاب تتشعب في الأمكنة.

* خصوصية الوسائل المعتمدة في التحقيق

يتضمن القانون 2015 قسمًا يتعلق بالإجراءات خاصة بالتحقيق في عمليات مكافحة الإرهاب.

جاء بالقسم الخامس تحت عنوان في طرق التحري الخاصة تضمنت ثلاثة فروع وهي اعتراض الاتصالات الاختراق والمراقبة السمعية البصرية من الفصول 54 إلى 65 ، مثل المراقبة. وينص على أنه يحق للنيابة العمومية أو قاضي التحقيق إصدار أمر كتابي يلتمس مراقبة الاتصالات الشخصية لشخص ما لمدة زمنية لا تتجاوز أربعة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة، وذلك بالتنصت على الهاتف أو بوضع عُدّة تقنية تهدف إلى التقاط وتثبيت ونقل وتسجيل كلام وصورة شخص أو عدة أشخاص بصفة سرية ودون علمهم بأغراضهم الشخصية أو بأماكن أو عربا خاصة أو عمومية” كما ينص القانون على حماية المعلومات التي يتم جمعها، إذا لم تؤدي إلى الإجراءات أو عقوبات جنائية، عملا بقانون المعلومات والبيانات الشخصية المعمول به في تونس.

المبحث الثاني: خصوصية الإجراءات في الجريمة الإرهابية في طور المحاكمة

إن الطور الحكمي يتمثل في إحالة الملف من قبل دائرة الاتهام إلى الدائرة الجنائية بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب للبت فيه والخصوصية في هذا الطور تكمن في أمرين وجب التطرق إليهما في مقالتنا وهي أولا مركزية الاختصاص الحكمي (فقرة أولى) ثم سوف نتناول مسألة وقائية الإجراء خاصة(فقرة ثانية)

الفقرة الأولى: مركزية الاختصاص الحكمي

نص الفصل 49 من قانون الإرهاب على “تختصّ المحكمة الابتدائية بتونس بواسطة القضاة الواقع تسميتهم بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب دون غيرها من المحاكم العدلية أو العسكرية بالنظر في الجرائم الإرهابية المنصوص عليها بهذا القانون والجرائم المرتبطة بها إذا ارتكبت في الإقليم الوطني على متن طائرة مدنية أو عسكرية هبطت على تراب الجمهورية وكان الجاني على متنها

*على متن طائرة مدنية مؤجرة دون طاقم لفائدة مستغل يكون مقره الرئيسي أو إقامته الدائمة بالتراب التونسي،

*ضدّ سفينة مدنية ترفع علم الدولة التونسية عند ارتكاب الجريمة أو ضد سفينة عسكرية تونسية.”

هنا يمكن اعتبار هذا الفصل هو محور القول بمركزية الاختصاص الحكمي فقد أفرد المشرع التونسي قطب القضائي لمكافحة الإرهاب كقطب أوحد للنظر دون سواه وهذه المركزية في الاختصاص يمكن ردها إلى خطورة هذه الجرائم على الدولة بالتالي يجب تجميع الاختصاص صلب كتلة واحدة و هي قطب القضائي من شأن التعاطي مع الملفات مع قضاة ذوي خبرة معينة و ذوي كفاءة يتكون القطب القضائي لمكافحة الإرهاب من ممثلين للنيابة العمومية وقضاة تحقيق وقضاة بدوائر الاتهام وقضاة بالدوائر الجنائية والجناحية بالطورين الابتدائي والاستئنافي، ويقع اختيارهم حسب تكوينهم وخبراتهم في القضايا المتعلقة بالجرائم الإرهابية. –الفصل 40 قانون أساسي عدد 26 لسنة 2015 مؤرخ في 7 أو 2015 يتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال –  في المقابل من شأن مركزة الاختصاص أن يُسهم في منع ارتكاب جرائم عرقلة سير العدالة وتوفير الحماية للقضاة عند التعاطي مع هذه الجرائم  بما يعزز حماية الأمن والنظام العامين.

الفقرة الثانية: خصوصية الإجراءات الوقائية الخاصة

يوفر قانون الإرهاب حماية خاصة لبعض الأشخاص بمن فيهم الأعوان المكلفين بإنفاذ القانون لمقاومة الإرهاب والضحايا والشهود والمخبرين وعائلاتهم عند الاقتضاء وذلك حتى تتم الوقاية من كل اعتداء ضد مختلف هؤلاء الأشخاص لذلك حاول المشرع إقرار عدة وسائل وهي الجلسات المغلقة و شهود مجهولو الهوية

* الجلسات المغلقة

ينص الفصل 73 من قانون الإرهاب ” يمكن لقاضي التحقيق أو لرئيس المحكمة في حالة الخطر الملمّ وإن اقتضت الضرورة ذلك إجراءات أعمال البحث أو الإذن بانعقاد الجلسة بغير مكانها المعتاد مع اتخاذ التدابير اللازمة لضمان حق المتهم في الدفاع عن نفسه ولهما أن يقرّرا استنطاق المتهم وتلقي تصريحا من يَرَيَان فائدة في سماعه باستعمال وسائل .الاتصال السمعية البصرية الملائمة دون ضرورة لحضور المعني بالأمر شخصيا .وتتخذ حينئذ التدابير الكفيلة بعدم الكشف عن الأشخاص الواقع سماعهم وفي الحالات الاستثنائية وعند وجود خطر حقيقي قد ينجم عن المحاكمة العلنية يمكن للجهة القضائية المتعهدة أن تقرر من تلقاء نفسها أو بطلب من ممثل النيابة العمومية أو بناء على طلب “.كل من له مصلحة في ذلك إجراءات  الجلسات بصورة سرية و هو إجراء استثنائي يمنح للمحكمة لأن الأصل علنية الجلسات و هذا الإجراء استثنائي مغزاه دواعي أمنية عند وجود خطر محدق، بإجراءات تحقيقا أولية أو جلسة خارج الإطار العادي مع حماية حق المتهمين في المحاكمة العادلة كما يستطيع القاضي الأمر بجلسة مغلقة حسب ما ورد بهذا الفصل مما يدعم الرأي القائل بأن الجلسات المغلقة ترد على سبيل الحماية وذلك لورودها تحت القسم السابع في آليات الحماية

في هذا السياق تنص المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل شخص “لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه، أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية، منشأة بحكم القانون”.

ويستطيع القاضي أن يأمر بجلسة مغلقة، ولكن وفق شروط خاصة تحددها المادة 14 “يجوز منع الصحافة والجمهور من حضور المحاكمة كلها أو بعضها لدواعي الآداب العامة أو النظام العام أو الأمن القومي في مجتمع ديمقراطي، أو لمقتضيات حرمة الحياة الخاصة لأطراف الدعوى، أو في أدنى الحدود التي تراها المحكمة ضرورية حين يكون من شأن العلنية في بعض الظروف الاستثنائية أن تخل بمصلحة العدالة”

* شهود مجهولو الهوية

ينص الفصل 73 على “ولهما أن يقرّرا استنطاق المتهم وتلقي تصريحا من يَرَيَان فائدة في سماعه باستعمال وسائل الاتصال السمعية البصرية الملائمة دون ضرورة لحضور المعني .بالأمر شخصيا “

وتتخذ حينئذ التدابير الكفيلة بعدم الكشف عن الأشخاص الواقع سماعهم إذ يجوز للسلطة القضائية الأمر بالكشف عن المعلومات عندما يكون الطلب مُبرّرًا، وعندما لا يوجد تهديد جدّي لحياة الشخص موضوع الحماية وعائلته. ويُمكن استئناف هذا القرار أمام دائرة الاتهام. إضافة إلى ذلك، لا يجب إجراءات الحماية بأي حال من الأحوال أن تمنع المتهم أو محاميه من الاطلاع على محتوى الشهادة والتصريحات الأخرى

قد يتسبب استخدام شهود مجهولي الهوية، كما ينص على ذلك الفصل 73 ، في تهديد حق المتهم في إعداد دفاع جيّد، ويحرمه من إمكانية الطعن في الشهود المستخدمين ضدّه. وتنص المادة  14من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق المتهم في التعرف على الشهود المستخدمين ضدّه.

تنصّ المبادئ والتوجيهات المتعلقة بالحق في محاكمة عادلة في أفريقيا، التي اعتمدتها اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، على أنه يحق للمتهم التعرف على المتهمين المستخدمي نضدّه، وحضور الشهود الذين سيشهدون لصالحه في ظروف مماثلة. كما تنص المبادئ على أنه لا يُسمح بحضور شهود مجهولي الهوية أثناء محاكمة ما إلا في ظروف استثنائية، مع الأخذ بعين الاعتبار بطبيعة وملابسات الجريمة، وحماية سلامة الشهود، وعندما يكون ذلك في صالح العدالة.

                            و خاتمة لهذا المقال يمكن القول أن المشرع التونسي في المادة الإرهابية اتخذ منحى التوفيق بين مراعاة حقوق الإنسان من جهة والأمن الوطني تجاه ظاهرة عنيفة تهدد كيان الدولة وفق الإجراءات خاصة و مميزة و ليست بالاستثنائية ترعى الحقوق في هذا السياق أرسى القانون مكافحة الإرهاب تُعدل من حدة تداعياتها على حقوق الإنسان بما يضمن وجود نظام عدالة منصف سواء على صعيد التتبع والتحقيق أو على صعيد المحاكمة مثلما وقع بيانه.