الشهادة الطبية السابقة للزواج – الأستاذ خالد المؤدب

مجلة نقطة قانونية – 2019

لقد فرض المشرع التونسي الشهادة الطبية السابقة للزواج بمقتضى القانون عدد 46 لسنة 1964 مؤرخ في 03 نوفمبر 1964.

وتم تعميم الشهادة الطبية السابقة للزواج على كامل تراب الجمهورية بموجب قرار من وزيري الداخلية والصحة العمومية مؤرخ في 28 جويلية 1995 كما صدر قرار من وزير الصحة العمومية مؤرخ في 16 ديسمبر 1995 يتعلق بضبط أنموذج الشهادة الطبية السابقة للزواج و البيانات التي يجب أن تتضمنها.

ويقتضى الفصل الأول من القانون عدد 46 لسنة 1964 المذكور أنه :”لا يمكن لضابط الحالة المدنية أو العدول الذين وقع اختيارهم لتحرير عقود الزواج أن يقوموا بإبرام الزواج إلا بعد أن تسلموا من كلا الشخصين العازمين علي الزواج شهادة طبية لا يزيد تاريخها على الشهرين تثبت ان المعني بالأمر قد وقع فحصه قصد الزواج بدون أن تذكر بها إشارة أخرى ” .

وعناية الطبيب يجب أن توجه أثناء الفحص الى  الإصابات المعدية و الاضطرابات العصبية ونتائج الإدمان علي المشروبات الكحولية و غيرها من الإمراض الخطرة وخاصة مرض السل و مرض  الزهري بالنسبة الى القرين والى الذرية .

و الطبيب لا يمكنه أن يسلم الشهادة الطبية السابقة للزواج إلا بعد الاطلاع على نتيجة :

– فحص طبي عام

– فحص الرئتين بالأشعة و تصويرهما إذا اقتضى الحال ذلك.

– فحص دم.

1- ما الغاية من الفحص الطبي الإجباري قبل الزواج ؟

أن محرري العقود الزواج بالبلاد التونسية وهم عدول الإشهاد و ضباط الحالة المدنية لا يمكنهم ان يبرموا عقود الزواج إلا أن يدلي الطرفان بشهادة طبية سابقة للزواج و الغاية من الفحص الطبي قبل الزواج كما تمت الإشارة إليه من خلال منشور عدد 115 بتاريخ 28 جويلية 1980 صادر عن وزير الصحة العمومية ترمي أساسا إلى :

1- الكشف عن الإمراض التناسلية و مقاومتها حتى لا تتفشى و تمس بصحة العائلة أو المجتمع.

2- حماية الزوج أو الزوجة من الأمراض المعدية كمرض السل الصدري حتى لا يكون الزواج سببا في تسربها.

3- الكشف عن الأمراض الوراثية  كمرض الدم و السكر ووقاية العائلة منها و بناء عليه ،فإن المشرع لما فرض الشهادة الطبية السابقة للزواج فإن ذلك يتدرج في نطاق توعية العمل الوقائي قصد المحافظة علي صحة الفرد و المجتمع.

2– ما هي واجبات للطبيب ؟

جاء بالمنشور عدد 58/96 بتاريخ 08 ماي 1996 صادر عن وزير الصحة العمومية أنه يتعين على الأطباء أعداد الشهادة الطبية السابقة للزواج وفقا الأنموذج (الملحق بهذا المنشور) و الحرص علي تضمين كافة الإرشادات و المعلومات المطلوبة بكل دقة, و ينبغي على الطبيب أن لا يسلم الشهادة المذكورة  لطالبها إلا بعد أن يجري له استجوابا مدققا و فحصا سريريا كاملا و الاطلاع على نتيجة تحديد فصيلة الدم.

و إلى جانب هذه الفحوص الإجبارية فإنه بمكن للطبيب إن رأى فائدة في ذلك أن يطالب المقبل على الزواج بإجراء فحوص أخرى كفحص الصدر بالأشعة السينية أو البحث عن إلتهاب الكبد الفيروسي من صنفي  “ب”  و  “ج”  أو غير ذلك من الفحوص التي يري أنها ضرورية و يجب أن توجه عناية الطبيب خاصة إلي الإصابات المعدية و الاضطرابات العصبية و نتائج الإدمان على المشروبات الكحولية و التدخين و إلي الأمراض الوراثية و علاقتها بالزواج بين الأقارب و غيرها من الأمراض الخطرة , وعليه أن يطلع المعني بالأمر على ملاحظاته بخصوص الفحوص سابقة الذكر ويبين له مدى أهميتها.

و في إطار التثقيف الصحي فأن الأطباء مدعوون لتقديم النصائح الضرورية إلى المعني بالأمر فيما يتعلق بالعوامل الوراثية و خاصة تلك المرتبطة بالقرابة و توضيح طرق تنظيم الولادات مع التأكيد على ضرورة مراقبة الحمل و التلقيح ضد الكزاز و الحرص علي لفت نظر المقبلة علي الزواج إلي إمكانية الإصابة بالحميراء خلال فترة الحمل و إعلامها بوجود تلقيح لذلك.

كما يجب عليه أن يؤكد علي عوامل الخطر المهيئة  لبعض الأمراض  كمرض السكري و ضغط الدم و غيرها من المخاطر التي من شأنها أن تهدد الأسرة مع توضيح كيفية الوقاية منها و معالجتها أو الحد منها خصوصا باللجوء إلى عيادة ما قبل الإنجاب.

هل يمكن للطبيب أن يرفض تسليم الشهادةّ ؟

بالرجوع إلى أحكام الفصل 3 من القانون عدد 46 لسنة 1964 نجد أن الطبيب  يمكنه أن يرفض تسليم الشهادة أن تبين له أن هذا الزواج غير مرغوب فيه و أن يؤجل تسليم هذه الشهادة إلى أن يزول خطر العدوى من المريض أو تصير حالته الصحية غير مضرة لذريته.

3- أين يقع الفحص الطبي ؟

حسب الفصل 4 من القانون عدد 46 لسنة 1964 فإن المقبلين على الزواج الخيار بين:

– القيام بالفحص الطبي لدى المستشفيات العمومية، حيث يكون الفحص و التحليلات و كذلك تسليم الشهادة الطبية مجانيا.

– أو لدى الأطباء و مخابر التحليلات الطبية المقبولة لهذا الغرض من طرف كتابة الدولة للصحة العمومية و الشؤون الاجتماعية.

و في كل الحالات فإن الشهادة الطبية يقع تسليمها طبق للأنموذج الملحق بالقرار المؤرخ في 16 ديسمبر 1995 (منشور بالرائد الرسمي عدد 103 بتاريخ 27 ديسمبر 1995).

و السؤال الذي يطرح هذا الصدد هو الأتي : إذا كان الفحص الطبي و التحليلات مجانية بالمستشفيات العمومية فلماذا يلجأ العديد من المقبلين علي الزواج إلى الحصول على الشهادة الطبية السابقة للزواج خارج المستشفيات العمومية؟

يبدو انه يوجد عاملان أساسيان يفسر لجوء بعض المقبلين على الزواج للحصول على الشهادة الطبية من العيادات الطبية الخاصة و يتمثل العاملان فيما يلي:

1- إن الفحوص و التحاليل الطبية وإن كانت مجانية بالمستشفيات العمومية إلا أن القيام بها يتطلب وقتا طويلا قد يصل إلي عدة أسابيع و ربما عدة أشهر نظرا للروتين الإداري و تراجع الخدمات الطبية بالمستشفيات العمومية و النقص الحاصل في الأجهزة الطبية.

2- العديد من المقبلين علي الزواج و بتواطئ مع البعض من الأطباء المنتصبين بعياداتهم الخاصة يحصول علي الشهادة الطبية السابقة للزواج بدون القيام بالفحوصات و التحاليل اللازمة .

4- هل يمكن إعفاء العازمين على الزواج من تقديم الشهادة الطبية ؟

في الأصل لا يمكن إبرام عقد الزواج إلا إذا قدم كل مقبل علي الزواج شهادة طبية تثبت انه قد وقع فحصه قصد الزواج و يتم إعداد الشهادة الطبية وفق الأنموذج الملحق بالقرار الصادر من وزير الصحة العمومية المؤرخ في 16 ديسمبر 1995 على أن لا يزيد تاريخها علي الشهرين,  و مع ذلك و نظرا لاعتبارات خاصة، سمح  المشرع التونسي  بإمكانية إعفاء العازمين على الزواج من تقديم الشهادة الطبية السابقة للزواج في حالات استثنائية و في حالة الاحتضار.

حيث اقتضى الفصل 5 من القانون عدد 46 لسنة 1964 انه:

“يكمن للحاكم في الحالات الاستثنائيات إعفاء الشخصين العازمين علي الزواج أو احدهما من تقديم الشهادة الطبية.

و لا تطلب الشهادة من كلا الشخصين العازمين علي الزواج إذا كان احدهما في حالة احتضار”.

نستشف من أحكام هذا الفصل ما يلي :

–  انه يمكن تحرير عقد الزواج بدون لزوم تقديم شهادة طبية سابقة للزواج و ذلك بشرطين اثنين:

أولا: أن يكون ذلك في نطاق حالات استثنائية

ثانيا: أن يكون الإعفاء عن طريق القضاء

ماهي هذه الحالات الاستثنائية؟

المشرع لم يقدم أي توضيح أو حصر لهذه الحالات الاستثنائية و بناء عليه فإن هذه الحالات الاستثنائية تظل من    اجتهاد القضاء في نطاق سلطتهم التقديرية.

–  اذا كان العازم على الزواج في حالة احتضار فإنه غير مطالب بتقديم شهادة طبية سابقة للزواج , فهو معفى بصريح النص بدون تدخل القضاء.

5- ما هي مسؤولية محرري عقود الزواج ؟

يقع تحرير عقد الزواج في تونس من طرف ضباط  الحالة المدنية  أو من طرف عدول الإشهاد .

ومحرر عقد الزواج إذا خالف أحكام الفصل الأول من القانون عدد 46 لسنة  1964 وحرر العقد  بدون أن  يتسلم الشهادة الطبية السابقة للزواج فانه يتعرض لتتبعات جزائية وتسلط عليه خطية مالية قدرها مائة دينارا حيث نص الفصل 7 انه : ” يقع تتبع ضباط الحالة المدنية والعدول الذين لا يمتثلون لإحكام الفصل الأول من هذا القانون أمام المحكمة الابتدائية ذات النظر ترابيا ويعاقبون بخطية قدرها مائة  دينار ” .