السينما وسيلة إثبات قانونية فيلم اغتيال فرحات حشاد نموذجا – الأستاذ رمزي محمدي

«تم اغتيال فرحات حشاد من قبل منظمة اليد الحمراء».

هكذا علمونا في كتب التاريخ في مقاعد الدراسة ولم نعرف بعدها أي تفاصيل عن الجناة أو عن الحقيقة كاملة.

وهذا المقال مقاربة طريفة بين السينما الوثائقية التي كانت وسيلة إثبات هامة حركت قضية الاغتيال هذه ونفضت عنها الغبار بعد سنوات لم يملك فيها التونسيون والاتحاد العام التونسي للشغل سوى إحياء الذكرى بصفة متكررة تخليدًا للزعيم النقابي فرحات حشاد.

وسننطلق في المقال من قراءة لفيلم من إنتاج الجزيرة الوثائقية لسنة 2010 وهو فيلم «اغتيال فرحات حشاد» لنبرز كيف ساهم هذا الفيلم في أن يكون وسيلة إثبات حركت الملف من جديد ولنبين مآل هذا الملف إلى حد اللحظة.

فيلم «اغتيال فرحات حشاد»

ولد الزعيم فرحات حشاد يوم 2 فبراير (شباط) 1914 في جزيرة قرقنة من عائلة متواضعة إذ كان أبوه يعمل صياد سمك، وتخرج حشاد من الصف السادس الابتدائي ودخل سوق الشغل في منطقة سوسة، وبدأ في ذلك الوقت يتلمس طريق النضال العمالي والسياسي وتمكن في 1946 من أن يؤسس مع رفاقه الاتحاد العام التونسي للشغل، وانضم إلى الكنفردالية الدولية للنقابات الحرة واغتالته منظمة اليد الحمراء التابعة للمخابرات الفرنسية في يوم 5 ديسمبر 1955 في مدينة رادس، حيث هوجمت سيارته بالرصاص ولم يمت في حينه ثم نُقِل من قبل القتلة إلى منطقة نعسان القريبة من المكان الذي تمت فيه تصفيته.

فيلم «اغتيال فرحات حشاد» للمخرج التونسي جمال الدلالي هو من صنف الأفلام الوثائقية ومن إنتاج شبكة الجزيرة الوثائقية لسنة 2009، وثقت فيه الكاميرا طيلة 55 دقيقة بالصور والشهادات مراحل مختلفة من حياة فرحات حشاد من مولده في قرقنة إلى مرحلة النضال في سوسة وتونس إلى حين اغتياله.

وقد كشف الفيلم الذي صور آنذاك دون ترخيص وفي ظروف صعبة، عن حقائق تخص الزعيم السياسي والنقابي التونسي الذي أسس الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946 واكتسب شعبية عارمة بين الطبقة العاملة وكل مكوّنات الشعب التونسي.

ولم يعرض الفيلم في تونس إلا بعد سقوط نظام بن علي وبعد سنتين من إنجازه في قاعة سينما الأفريكا وذلك بحضور مخرج الفيلم وعائلة الزعيم النقابي.

ومن زاوية فنية، يرى العديد من النقاد أن حياة فرحات حشاد أكثر السير النضالية القابلة لتحويلها إلى فيلم بما فيها من مكونات سيناريو متكاملة من وثائق وصور وأحداث وخطب ورحلات وظروف اغتيال، وليست فيلمًا وثائقيًا فقط وإنما فيلم روائي.

السينما كانت دافعًا لإعادة البحث

بدأت المطالبات بإعادة فتح القضية بعد صدور فيلم الجزيرة الذي كشف الضوء عن أدلة جديدة تتعلق خاصة بارتباط اليد الحمراء بالمخابرات الفرنسية وبالسلطات الفرنسية الرسمية، الأمر الذي نفته فرنسا في ذلك الوقت وأكدت أن اليد الحمراء مجرد منظمة مستقلة وأن صناع القرار لم يكن لهم علم بعملية الاغتيال.

الفيلم كشف أيضًا عن شخصية لم يكن يعلم عنها الكثير وهي أحد الضباط الذين كانوا ينتمون لمنظمة اليد الحمراء ومن المسؤولين عن عملية الاغتيال.

وقد تطرق الفيلم لهذه الشخصية في حوار معه وفي الإشارة إلى كتاب مهم أصدره في سنة 1997.

هو أنطوان ميليرو صاحب كتاب «اليد الحمراء: الجيش السري للجمهورية» لسنة 1997 وقد تطرق لاغتيال فرحات حشاد في الفصل الثاني بين الصفحتين 49 و53.

أهم ما ورد في الكتاب

العلاقة الوثيقة بين «اليد الحمراء» والسلطات الفرنسية الرسمية

يشير الكاتب في الفصل الأول من الكتاب إلى أنّ المنظمة تحت الإشراف المباشر للكولونيل مارسال أندري مارسيي  بصفته قائد «جهاز التوثيق الخارجي ومحاربة الجاسوسية» والذي كان يخضع للإشراف المباشر لرئيس الوزراء الفرنسي أنطوان بيناي.

تفاصيل عملية الاغتيال حسب الكاتب

عند الساعة السابعة صباحًا من يوم 5 ديسمبر 1952 أصابت فرحات حشاد رصاصات رشاش قادمة من سيارة يستقلها أربعة أشخاص لكنها لم تقتله، ثم أتت سيارة أخرى من نوع «سيمكا أرون» وأشار عليها حشاد بيديه وهو وسط الطريق للتوقف، يوافق راكبوها الثلاثة على نقل حشاد وهي سيارة التغطية للمجموعة التي قامت بالعملية فقامت بتصفيته بعد أن تبين أنه لم يمت من الرصاصات الأولى، وتركت جثة حشاد في إحدى الحفر بجانب الطريق إثر إطلاق رصاصة قاتلة على رأسه.

اكتشاف هوية بعض القتلة من قبل الشرطة التونسية حديثة النشأة

تسرب الموضوع بعد أربع سنوات في سنة 1956 في إحدى الحانات التي كانوا يرتادونها في مدينة تونس، حانة (Au Charentais) في شارع باريس.

المتهم الأول: جون لوسياني (Jean Luciani) تمت تصفيته وهو يستعد لإطلاق النار على أحد مقرات «الحزب الحر الدستوري الجديد».

بقية المتهمين: Rouffignac Gilbert وRuisi Christophe وAouizarat Martial.

تم اكتشافهم واعتقالهم من قبل الشرطة التونسية ويقول ميليرو إن هؤلاء تعرضوا لـ«التعذيب» من قبل الشرطة التونسية وأن السفير الفرنسي في تونس آنذاك روجي سايدو قام بكل ما وسعه لإشراك ضباط فرنسيين في التحقيق. وينقل الكاتب في الفصل الأول (الصفحتين 31 و32) مقتطفات من رسالة مؤرخة في 22 سبتمبر 1956 أرسلها سايدو في هذا السياق إلى كاتب الدولة الفرنسي للشؤون الخارجية المكلف بالشؤون المغربية والتونسية يشرح فيها وضع المعتقلين من «اليد الحمراء» وضرورة تقديمهم أمام محاكم فرنسية وليس تونسية، ويتعرض الكاتب كذلك لجهود محامي المعتقلين لدفع رموز فرنسية للدفاع عن المعتقلين (مثل جون مورياك والجنرال ديغول) لكن جهوده لم تؤد إلى أي نتيجة، وهنا يقول ميليرو إن المسؤول الفرنسي الوحيد الذي تدخل بحزم في هذا الموضوع هو وزير العدلية آنذاك في سبتمبر 1956 فرانسوا ميتيران والذي أشرف على تهريبهم بعد الإفراج عنهم من خلال ميناء بنزرت.

مصير القضية

أول ردود الفعل بعد الفيلم كانت من ابن فرحات حشاد السيد نور الدين حشاد الذي طلب بفتح التحقيق رسميًّا، كما قاد الاتحاد العام التونسي للشغل حملة ركزت على القيام بإجراءات قانونية لتحويل القضية إلى قضية وطنية تمهيدًا لتدويلها. وكان أبرز ما قيل في هذا السياق حول قيمة السينما في الإثبات ما قاله السيد عبيد البريكي رئيس قسم التثقيف النقابي في الاتحاد العام التونسي للشغل آنذاك، في مقابلته مع قناة الجزيرة الوثائقية بعد عرض الفيلم:

«إن ما جاء في الفيلم يعتبر أول دليل واضح بالصوت والصورة على هوية الجاني وتورط فرنسا في الموضوع. وبالتالي يعتبر أنطونيو ميليور مجرمًا مع سبق الإصرار والترصد خاصة وأنه أبدى استعداده لإعادة تنفيذ جريمته لو عاد به التاريخ إلى تلك المرحلة… وقد تبين من خلال الاستشارات القانونية أن هذا النوع من الجرائم لا يسقط بالتقادم، وأن كل محام سيتخذ الفيلم دليلًا على أي إجراء قانوني يتخذه».

«ظل الاتحاد سنوات يبحث عن دليل قاطع وها قد وفره الفيلم أخيرًا. وهذا دليل على أهمية الأفلام الوثائقية في كشف المستور وطرح القضايا الوطنية».

مكن الفيلم العائلة من رفع قضية لدى المحاكم المختصة بفرنسا، ولم تقف العائلة عند ذلك بل أسست مؤسسة فرحات حشاد التي ساهمت في البحث عن الحقيقة حول اغتيال فرحات حشاد فتوصلت المؤسسة إلى جمع أكثر من 5000 وثيقة هامة من خلال الأرشيفات ذات الصلة، سواء بتونس أو بفرنسا أو بالولايات المتحدة، وتم تنظيم الوثائق الخاصة بفرحات حشاد وترتيبها ورقمنتها.

وبادر الاتحاد العام التونسي للشغل وعائلة الضحية ومنظمات فرنسية في مارس 2010 إلى تقديم شكاوى  لدى القضاء الفرنسي ضد ميليرو، استنادًا إلى وثيقة اعترافه التي تم بثها لكن صدر بعد ذلك حكم قضائي برفض جميعها.

وعند زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى تونس في 5 يوليو 2013 سلم وثائق أرشيفية من وزارة الخارجية والدفاع الفرنسيتين، يتبين منها أن عملية الاغتيال تمت بواسطة مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس التابعة للاستخبارات الفرنسية، وأن هناك فريق عمليات أرسل من باريس لمراقبة تحركات فرحات حشاد، وأن عملية الاغتيال قد تقررت قبل سبعة أشهر وفي أبريل 2013 تم في باريس تدشين ساحة باسم فرحات حشاد في الدائرة 13.

لقد ساهم الفيلم الوثائقي في أن يعيد التحقيق بعد أكثر من خمسين سنة من عملية الاغتيال وإن لم يتعمق الفيلم في كل التفاصيل نظرًا لضوابط الصناعة السينمائية، فإنه أشار إلى الكتاب الصادر سنة 1997 والذي لم يلق الاهتمام الكبير إلا من بعض المؤرخين التونسيين وكان للفيلم الفضل في نشرها وإثبات أن عملية الاغتيال هي عملية إرهاب دولة ولا تقف عند هوية القتلة الذين مات أغلبهم، بل تصل إلى المسؤولية السياسية لدولة فرنسا.

رابط الفيلم: