تعطيل إجراءات التقاضي و أعمال التنفيذ في مادة الإفلاس -الباحثة شهرزاد تريمش

تعطيل إجراءات التقاضي و أعمال التنفيذ في مادة الإفلاس

بقلم الباحثة شهرزاد تريمش

مجلة  نقطة قانونية – 2019

إن الإفلاس إجراء جماعي، نظمه المشرع بإحكام لكي يتجنب تعسف الدائنين في استخلاص حقوقهم من خلال تكريسه لقاعدة أساسية تحكم إجراءات الإفلاس ألا و هي المساواة بين جميع الدائنين ، و من الآثار الهامة لهذا المبدأ، نجد تكريس المشرع لمجموعة من القواعد الآمرة التي تحد من حرية الدائنين في القيام بالدعاوى ، و ذلك بحصر القيام بها لدى أمين الفلسة، لكي لا تهضم حقوق الدائنين، من خلال سن قاعدة تعطيل التتبعات الفردية ، التي تفرض على أصحاب الامتياز العامة و الخاصة، و تحرمهم من القيام بصفة منفردة لاستخلاص ديونهم، و يقتضي الأمر بداية بيان كيفية تعطيل إجراءات التقاضي و أعمال التنفيذ(الجزء الأول)، و من ثم تحديد الدائنين الخاضعين لتعطيل التتبعات (الجزء الثاني).
ففي ما تتمثل قاعدة تعطيل اجراءات التقاضي و أعمال التنفيذ؟
الجزء الأول : تعطيل إجراءات التقاضي و أعمال التنفيذ :
قاعدة تعطيل التتبعات الفردية هي إحدى القواعد الآمرة التي تفرض على جميع الدائنين لحصر ديون المفلس و تحقيق المساواة بين جميع الدائنين، و هذه القاعدة لها مجال تطبيق (أ)، كما أن لها جملة من الاستثناءات (ب).
أ- المبدأ: مجال تطبيق قاعدة تعطيل إجراءات التقاضي و أعمال التنفيذ:
اقتضى الفصل 488 من م.ت أن: ” يعطل حكم التفليس على الدائنين إجراءات التنفيذ الفردية، و لا يشمل التعليق إجراءات التقاضي الرامية إلى إثبات الحق أو الدين”، إن هذه القاعدة تمنع الدائنين من القيام بجميع الدعاوى التي كان بإمكانهم القيام بها قبل انطلاق إجراءات الإفلاس ، أي أنه بموجب صدور حكم الإفلاس يمنع على الدائنين ممارسة الدعاوى التي تخول لهم الحصول على حكم بديونهم و التنفيذ على مكاسب المفلس.
كما لا يجوز رفع الدعاوى ضد المفلس بخصوص منقولات أو عقارات أو حتى المواصلة في دعوى مرفوعة سابقا ، لأن هذه المهمة توكل لأمين الفلسة بموجب صدور حكم في الإفلاس ، و قد أناطه المشرع مهمة حماية حقوق دائني الجماعة طيلة مدة الفلسة، حتى لا يتسابقوا على التنفيذ على أموال المدين المفلس ، و هو ما أقره القرار التعقيبي عـدد 63875 الصادر في 15 أفريل 1999 .
أي أن قاعدة تعطيل التتبعات الفردية تشمل جميع الدائنين على اختلاف رتبهم، لكن هذه القاعدة تطالها بعض الاستثناءات.
ب- الاستثناء: مجال إقصاء تطبيق قاعدة تعطيل إجراءات التقاضي و أعمال التنفيذ:
إن قاعدة إيقاف التتبعات الفردية، لا تسري على الغير، فيمكن للدائن أن يرفع دعوى ضد شريك المدين المتضامن معه أو ضد كفيله ، كما يمكن للدائن أن يقيم دعوى المسؤولية ضد الغير الذي بتصرفاته، خدعه شخصيا، من ناحية يسر المدين المفلس، كما يمكن للشريك أن يقوم بدعوى المسؤولية ضد مسيري الشركة التي هي في حالة إفلاس، أما أصحاب التأمينات الخاصة، فيستطيعون التنفيذ على الأموال التي تضمن حقوقهم رغم صدور الحكم بالإفلاس، و لهم الحق في طلب نزعها من الشركة التي تقرر إفلاسها، و لكن لا يمكنهم رفع الدعاوى إلا ضد أمين االفلسة ، لأنهم قاموا سابقا بتقديم ديونهم له، و هي دعاوى المطالبة بديون المفلس ، و قد خول القانون للدائن مطالبة المدين لدى القضاء لاستفاء ديونه، لكن إذا أدرك المدين الإفلاس، فلا يمكنه المطالبة بدينه إلا بإتباع الإجراءات الخاصة بتقديم الديون حسب القواعد الواردة بالمجلة التجارية ، و بالرجوع إلى أحكام الفصل 488 من م.ت :”… و لا يشمل التعليق إجراءات التقاضي الرامية إلى إثبات الحق أو الدين…”، نلاحظ أن المشرع قد أقصى صراحة من قاعدة تعطيل التتبعات الفردية الدعاوي المتعلقة بإثبات الحق و الدين لأنه إذا شمل التعطيل مثل هذه الدعاوي قد يحرم الدائن من إثبات وجود دينه وحرمانه من استخلاصه.
كما لا يترتب عن قاعدة إيقاف التتبعات الفردية توقف التقادم، لأن الإفلاس لا يعد بذاته سببا لوقف التقادم ، و لا يمتد الإيقاف الدعاوى الفردية الناشئة عن ارتكاب المفلس لجريمة جنائية أو بسبب قيامه لعمل غير مشروع، كما لا يشمل أيضا الدعاوى التي يقررها قانون الإفلاس لكل فرد من الدائنين، كالطعن في حكم الإفلاس أو في الحكم المحدد لتاريخ التوقف عن الدفع .
و لئن كانت القاعدة العامة تتمثل في أن الدائن يحرم من رفع الدعاوى بعد الإفلاس حتى ترتكز إدارة التفليسة بيد الأمين ، و يفقد بالتالي الدائن حقه في التنفيذ على أموال المدين، سواء تعلق الأمر بعقلة تنفيذية أو تحفظية أو توقيفية ، إلا أن الإفلاس يهدف إلى تصفية أموال المفلس تصفية جماعية، و تعوض الإجراءات الانفرادية بالإجراءات الجماعية، و قد بين المشرع الدائنين الذين يخضعون لهذه القاعدة.
الجزء الثاني : الدائنين الخاضعين لتعطيل التتبعات الفردية :
بين المشرع بصفة واضحة الأشخاص الذين تشملهم قاعدة تعطيل التتبعات الفردية، لكن ما نلاحظه أنه وقع تغيير لهؤلاء الدائنين مقارنة بما كان واردا بالمجلة التجارية قبل تنقيح 2016 (أ)، أما بعد تنقيح 2016 فقد وقع التوسيع في دائرة هؤلاء الدائنين(ب).
أ – الدائنين الذين كان يشملهم التعطيل قبل تنقيح 2016:
ينص الفصل 459 فقرة أولى من م.ت لسنة 1959 على أن : ” الحكم بالتفليس يعطل على الدائنين ذوي الديون المجردة و الدائنين ذوي الامتياز العام القيام بالمطالبة منفردين”، أي أن تعطيل إجراءات التنفيذ الفردية كان يشمل سوى جماعة الدائنين، أي الدائنين العاديين و الدائنين ذوي الامتياز العام ، و الغاية من سن هذه القاعدة هو تركيز ممارسة الدعاوي في يد أمين الفلسة، و تصفية أموال المفلس و تحقيق المساواة بينهم .
أما أصحاب التأمينات العينية فيواصلون ممارسة الدعاوي نظرا لما يتمتعون به من أفضلية أو أسبقية، فيمارسون تتبعاتهم على الشيء موضوع الضمان بصفة عادية، لأن هذه التأمينات تضمن لهم استيفاء حقوقهم بالأولوية، و إذا لم تكف هذه الأموال فإن أصحاب هذه التأمينات يدخلون فيما زاد من ديونهم كدائنين عاديين مع جماعة الدائنين، و التي تضم الدائنين العاديين و أصحاب الامتياز العام، لكن بموجب تنقيح 2016 وقع التوسيع في دائرة الدائنين الذين تشملهم قاعدة تعطيل التتبعات الفردية.
ب- الدائنون الذين أصبحت تشملهم قاعدة تعطيل التتبعات بعد تنقيح 2016:
ورد بالفصل 488 فقرة أولى من م.ت ما يلي:” يعطل حكم التفليس على الدائنين إجراءات التنفيذ الفردية، و لا يشمل التعليق إجراءات التقاضي الرامية إلى إثبات الحق أو الدين…”، يؤخذ من الفصل المتقدم أن تعطيل التتبعات الفردية يرتب وجوبا وقف الدعاوى و الإجراءات الفردية ، و جاءت عبارة الفصل عامة، أي أن إيقاف التتبعات الفردية يشمل جميع الدائنين على اختلاف رتبهم، أي سواء كانوا دائنين عاديين أو أصحاب امتياز عام أو خاص، و هذا التعطيل يمنع جميع الدائنين المتداخلين في الفلسة من ممارسة حق التقاضي بصفة منفردة، سواء على المنقولات أو العقارات، كما أنه ليس بإمكانهم القيام بالأعمال التنفيذية منفردين ضد الشركة بعد حكم الإفلاس ، أي أن ممارسة حق التقاضي و أعمال التنفيذ تتم بواسطة أمين الفلسة دون غيره.
و نلاحظ أن المشرع بموجب تنقيح 2016 قد عمم و أضاف أصحاب التأمينات الخاصة ضمن هذه القاعدة، بعد أن كان لا يسري عليهم مبدأ تعطيل التتبعات الفردية ، كما نص الفصل 489 فقرة ثانية من م.ت أنه: ” و يعطل مدة ثلاثة أشهر من الحكم بالتفليس كل إجراء تنفيذي يطلبه المكري و خصوصا الرامي إلى إخراج المكتري من المكرى الذي يكون ضروريا للمحافظة على مكاسب المؤسسة لعدم خلاص معينات الكراء على أن ذلك لا يحول دون اتخاذ الوسائل التحفظية التي اكتسبها المكري قبل التفليس من استرجاع المحلات المأجورة”، أي أن حق المكري في ممارسة حق التقاضي يتعطل لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ صدور الحكم بالإفلاس، و هذا تقييد زمني الهدف منه تحقيق المساواة بين الدائنين على اختلافهم.
أما المشرع الفرنسي فقد كرس بداية مبدأ تعطيل التتبعات الفردية صلب الفصل 35 من قانون 1967 و الذي ألغي بموجب قانون 25 جانفي 1985 و الذي كرس بدوره مبدأ تعطيل التتبعات الفردية، و نلاحظ أن العديد من التشاريع العربية التي تطبق هذا المبدأ و قامت بتكريسه في القانون المنظم للإفلاس، كالقانون الجزائري ، القانون الأردني ، القانون اللبناني و القانون العراقي .
أما بعد ختم أعمال الفلسة، فيسترجع الدائنون حقهم في القيام منفردين و ممارسة الدعاوي و القيام بالأعمال التنفيذية لاستخلاص ديونهم .