قنوات تلفزية أمام القضاء بتهمة الدعاية للشعوذة

أعلن اللواء عاطف يعقوب- رئيس جهاز حماية المستهلك، اليوم الأحد، إحالة كل من قناة “تياتروتيوب أوبر سينما، وسيما تيوب، وبانوراما دراما 2، وأوبر أفلام تركي، وأوبر فيلم، وستار سينما 1، وسينما 2″، و”عصام رمسيس صليب ميخائيل”، بصفته المُعلن عن مركز صيانة غير معتمد لإحدى العلامات التجارية، لارتكابهم جريمة الإعلان المضلل للإعلان عن مركز صيانة يدعى زانوسي بالمخالفة للحقيقة، على حد قول الجهاز.

كما تم إحالة كلًا من قناة “تايم كوميدي، وتايم دراما” إلى النيابة العامة على ذمة 4 قضايا، لاٍرتكابهما جريمة الإعلان المضلل لاثنين من الدجالين الأول يُدعى “أبو علي الشيباني”- صاحب “المركز العالمي للعلاج الروحاني”، والثاني يُدعى “جبريل ملاك المغربي”، واللذان يدعيان قدرتهما على العلاج الروحاني، وتسهيل زواج العانس، ورد المطلقة، وفك جميع أنواع السحر، جلب الحبيب، ورد الغائب، والفوز بالمسابقات، وحل المشاكل، فضلًا عن الشفاء من جميع أنواع الأمراض.

وتمكنت إدارة الإعلانات المضللة من رصد هذه القنوات من خلال المرصد الإعلامي بالجهاز.
وذكر حماية المستهلك- في بيان لها اليوم الأحد – أن ذلك يأتي في إطار خطة الجهاز الهادفة إلى حماية المستهلك ضد عمليات الغش والتدليس في الأسواق، ومكافحة الإعلانات المضللة، وتعزيز دور جهاز حماية المستهلك في تطبيق القانون، والحفاظ على صحة وسلامة المستهلكين، وترسيخ القواعد والمعايير اللازمة، لصون حقوق المستهلك وضبط الأسواق، فضلًا عن مكافحة الجهاز لظاهرة الإعلانات المضللة التي يتم عرضها على شاشات القنوات الفضائية والخاصة.
وأشار” يعقوب” إلى أن إحالة القنوات سالفة الذكر جاءت لمخافتهم نصوص المواد (24، 6، 1) من قانون حماية المستهلك رقم 67 لسنة 2006 والمادتين 17،16 من اللائحة التنفيذية لذات القانون، والمادة 4/2 من المواصفات القياسية، فضلًا عن المواد 67،68،113،114 من قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، وكذلك أحكام قانون قمع الغش والتدليس، وبالتالي تكون القنوات المعلنة قامت بإمداد المستهلكين بمعلومات غير صحيحة على خلاف الحقيقة “بالادعاء عن أن هذا المركز هو مركز معتمد”، على خلاف الحقيقة، مما يوقع المستهلكين في غلط وخلط حول طبيعة مقدم الخدمة باعتباره مالكًا للعلامة التجارية.
وأضاف رئيس جهاز حماية المستهلك، أنه تم إحالة كلًا من قناة “تايم كوميدي، وتايم دراما” للنيابة العامة لمخالفة نص المواد 24،6،1 من قانون حماية المستهلك رقم 67 لسنة 2006، والمادتين 17،16 من اللائحة التنفيذية لذات القانون، والمادة 336 من قانون العقوبات، حيث تنص المادة رقم 6 من القانون” على كل مورد أو معلن امداد المستهلك بالمعلومات الصحيحة عن طبيعة المنتج وخصائصه، وتجنب ما قد يؤدي إلى خلق انطباع غير حقيقي أو مضلل للمستهلك.
وأردف: “كما تنص المادة 17 من اللائحة التنفيذية بأنه يُعد إعلانًا خادعًا الذي يتناول منتجًا يتضمن عرض أو ادعاء كاذب”، فيما تنص المادة 336 من قانون العقوبات بأن يعاقب بالحبس كل من توصل إلى الاستيلاء على نقود أو عروض بالاحتيال لسلب أموال الغير إما بطرق احتيالية او واقعة مزورة أو إحداث أمل بحصول شيء وهمي”.

وحذر “يعقوب”، جموع المستهلكين من الانسياق خلف الإعلانات المروجة لممارسات الدجل والشعوذة كمرض اجتماعي خطير يرسخ لمعاني الجهل والتخلف والتواكل، والانصراف عن الأفكار العملية البناءة كالسعي والعمل والأخذ بأسباب العلاج وحل المشاكل ،مشيرا إلي الدور الجوهري الذي تلعبه الإعلانات المضللة في ترسيخ هذه المعاني الزائفة في أذهان المتلقين ودغدغة مشاعرهم الإنسانية، داعيًا وسائل الإعلام بكافة صورها (المطبوعة ، المسموعة ، المرئية ، الإلكترونية) إلى المساهمة في التصدي لهذه الظاهرة من خلال عدم نشر أو بث هذه النوعية من الإعلانات.
وقال “يعقوب “، أنه بفضل التكنولوجيا المتوفرة في المرصد الإعلامي ، فقد تمكن “الجهاز” من توفير الدليل المادي على مخالفة القنوات المعلنة لقانون حماية المستهلك، من خلال إعداد نسخ مسجلة من الإعلانات على أقراص مدمجة رفق البلاغ المرسل من الجهاز والمدعم بالأسانيد القانونية الدالة على خرق القنوات المعلنة للقانون.

وطالب يعقوب، المستهلكين بمعاونة “الجهاز” من خلال الاهتمام بالإبلاغ عن أية شكاوى لديهم كي يتمكن من اتخاذ الإجراءات ضد المخالفين وضبط الأسواق، مشيرا إلي تعدد وسائل إرسال الشكاوى للجهاز سواء من خلال الخط الســـــاخن 19588 ، أو مكاتب البريد المنتشرة في جميع أنحاء الجمهورية – حيث أعد الجهاز استمارة مجانية في هذه المكاتب يمكن للمستهلك إرسال شكواه من خلالها دون تحميله أية أعباء مالية – أوعن طريق جمعيات حماية المستهلك المنتشرة بالمحافظات، أو من خلال الموقع الإلكتروني للجهاز WWW.CPA.GOV.EG ، أوعبر التطبيق الإلكتروني المتاح علي الهواتف الذكية من متجر Google Play.

موقع مصراوي

فيلم ” القاضي ” – لمحبي السينما

يعتبر فيلم ” القاضي ” The Judge  من أفضل الأفلام التي يمكن أن يشاهدها طالب القانون إذا أراد فيلما يجمع بين القانون والسينما.

فيلم القاضي هو فيلم أمريكي أنتج في سنة 2014 الفيلم من إخراج ديفيد دوبكين وكتابة نيك سشينك وديفيد سيادلير وبيل دبيوك

11178883_ori

تدور أحداث الفيلم حول أحد المحامين الناجحين، والذي يعود إلى مسقط رأسه بهدف حضور جنازة والدته، ولكن بعد فترة من وصوله يتورَّط والده الذي يعيش بعيدًا عن بقية الأسرة، والذي يشغل منصب قاضي البلدة بجريمة قتل؛ مما يدفع الابن إلى محاولة استكشاف الحقيقة وراء هذا الاتهام.

12

التنظيم السياسي والإداري للبلاد التونسية على ضوء دستور 2014

التنظيم السياسي والإداري للبلاد التونسية على ضوء دستور 2014.


السيد أحمد جعفر – مستشار المصالح العمومية

لتحميل الدراسة

التنظيم السياسي والإداري على ضوء دستور 2014

اِعترافات ” داعشي ” بمقتل الصحفيين سفيان الشورابي و نذير القطاري

قال مُقدّم برنامج “وثائق خاصة” الذي يُبث في قناة ليبيا الحدث أنّ أكثر من 400 شخص لقوا حتفهم بأمر من والي درنة سواء بالذبح أو القتل أو غيرهم من الأساليب وذلك في غابة درنة التي يتمّ فيها إخفاء الجثث فيما بعد.

وفي شهادة الإرهابي الداعشي الذي رافق المجموعة التي أوكلت لها مهمة تنفيذ حكم الإعدام في حق صحفيينا التونسيين نذير القطاري وسفيان الشورابي، قال المتهم عبد الرازق ناصر عبد الرازق علي أنّه تمّ القبض على سفيان ونذير في بوابة النور ومن ثم تمّ نقلهم لمزرعة “غفار السريج” وثم مرروهم للمحكمة أين تمّ التحقيق معهم من قِبل القاضي فيصل.

وعن التهم الموجهة لهم، فهي عدم صوم شهر رمضان، الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم ومن أجل المقايضة بهم لإطلاق سراح إرهابي موجود في السجون التونسية، حيث بيّن الداعشي في اعترافاته أنّه حصل خلاف جعل المقايضة من أجل إسترجاع أنيس الديك تُلغى و بالتالي تصفية الصحفيين في غابة درنة، الأوّل وهو سفيان قتلوه ذبحاً من قِبل “أبو عبد الله” الي يحمل الجنسية التشادية والذي يتكلم باللهجة السعودية أما الثاني وهو نذير قُتِل بالرصاص من قِبل “أحمد” ذا الجنسية التشادية أيضاً.

وفي ذات التصريح، بينّ المتهم أنّ هنالك عناصر تونسية هي التي جلبت أشرطة فيديو تُفيد بأنّ الصحفيين استهزأو بالرسول وأنّ أحدهم لا يصوم رمضان، مُشيراً إلى أنّهم دفنوا في ذات القبر.

وأكّد المتهم الداعشي أنّه جميع من قامت مجموعته والمجموعات الأخرى بتصفيتهم دفنوا في غابة درنة، وهو يعرف بالضبط أماكن دفن كل شخص منهم بما فيهم الشورابي و القطاري وفق تعبيره.

موقع زوم تونيزيا

الأنظمة القانونية للضمان الاجتماعي في تونس

هي أنظمة وجوبيه شهدت توسعا في قائمة الأشخاص المشمولين بالتغطية وفي الخدمات المسداة.

الفصل الاول : توسع مجال التغطية الاجتماعية من حيث الاشخاص :

نميز بين الانظمة القانونية في القطاع الخاص والانظمة القانونية في القطاع العام.

المبحث الاول : الانظمة القانونية في القطاع الخاص :

القانون عدد 30 في 14 ديسمبر 1960 يمثل النص العام.

حرص المشرع استوجب عديد التدخلات لتعديل القانون المذكور او سحب احكامه على بعض القطاعات.

النظام العام للتغطية الاجتماعية في القطاع الخاص :

الفصل الاول قانون 1960 : قصد حماية الشغالين وعائلاتهم ويسير هذا النظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS وينسحب هذا النظام حسب الفصل 34 على :

  • على الأعوان التابعين للمؤسسات الصناعية والتجارية والمهن الحرة والتعاضديات والشركات المدنية والنقابات والجمعيات.
  • العملة المشتغلين في المشاريع والمؤسسات الفلاحية تعاضدية أو غيرها : وهي صناديق التعاون للتأمين الفلاحي وصناديق التعاون للقرض الفلاحي والملاحات ومعاصر الزيتون والخمور والتقطير ومصانع الحليب والجبن والمصبرات وتحويل المنتجات الفلاحية
  • العمال في مؤسسات النقل العمومي للبضائع أو للأشخاص.
  • المروجين للبضائع ومسافري التجارة واجراء تشييد العقارات والحراس والنظار في العمارات المخصصة للإيجار.

يشترط تطبيق هذا النظام وجود علاقة شغلية بين المؤجر وعملته التابعين للمؤسسات والمشاريع أو المهن المذكورة.

الأنظمة الخصوصية في القطاع الخاص :

توسيع التغطية الإجتماعية لتشمل اصناف لم يغطها قانون 1960.

1 / نظام خاص بالأجراء في القطاع الفلاحي :القانون عدد 6 في 12 فيفري 1981 تنظيم انظمة الضمان الاجتماعي في القطاع الفلاحي اسندت إدارته ل CNSS ويضمن تأمين كل الأخطار.

2 / نظام الضمان الاجتماعي الخاص بعملقة القطاع الفلاحي المتطور:القانون عدد 73 في 2 سبتمبر 1989 الذي نقح القانون 1981 الذي سبق ذكره.وينطبق على الأجراء العاملين لدى المؤسسات الفلاحية والتعاضديات الفلاحية وعلى الصيادين البحريين العاملين على مراكب حمولتها لا تفوق 30 طن والصيادين البحريين المستقلين وصغار المجهزين.

3 / نظام الضمان الاجتماعي بالعملة التونسيين بالخارج :الامر عدد 107 في 10 جانفي 1889 اقر تطبيق قانون 1960 وقانون 1974 المتعلق بنظام جرايات الشيخوخة على التونسيين بالخارج اجراء او غير اجراء والتسجيل اختياري شرط عدم الانخراط في نظام اخر في نفس الوقت.

4 / نظام الضمان الاجتماعي الخاص بالصيادين البحريين:الامر عدد 546 في 15 جوان 1977 كما نقح بامري 1980  و 1982 وقد تم سحب نظام 1960 أي النظام العام للضمان الاجتماعي ونظام 1974 أي نظام الشيخوخة على الصيادين البحريين والمجهزين العاملين على مركب صيد.

نميز بين ثلاث انواع :

  • الصيادين البحريين عاملين على مراكب حمولتها لا تفوق 30 طن والصيادين البحريين المستقلين والمجهزين :يخضعون للنظام الخاص بالعمال الفلاحين أي القانون عدد 73 لسنة 1989 الذي نقح قانون 1981.
  • الصيادين العاملين في مراكب تساوي او تفوق 30 طن يخضعون لاحكام القانون المؤرخ في 14 ديسمبر 1960.
  • الصيادين العاملين على مراكب لا تفوق حمولتها 5 اطنان والصيادين المستقلين وصغار المجهزين :يخضعون للقانون عدد 32 في 12 مارس 2002 المتعلق بالنظام الاجتماعي لمحدودي الدخل.

5 / نظام الضمان الاجتماعي الخاص ببعض الاصنف من العملة في القطاع الفلاحي وغير الفلاحي :

القانون عدد 23 في 12 مارس 2002 ينطبق على عملة المنازل والاشخاص المستخدمين لدى المؤسسات العمومية والمحلية والذين لا يشملهم نظام قانوني آخر والصيادين والمجهزين لمراكب لا تفوق 5 طن والفلاحين الذين يعملون لحسابهم الخاص والمستغلين لمساحات لا تفوق 5 هكتارات بعلية او هكتار سقوية والحرفيين الذين يشتغلون بالقطعة.

6 / نظام الضمان الاجتماعي للفنانين والمبدعين والمثقفين : القانون عدد 104 في 30 ديسمبر 2002 بشرط ممارسة نشاط ثقافي بصفة قارة بناء على وثيقة تسلمها وزارة الثقافة وعدم خضوعهم لاي نظام آخر وعدم الانتفاع بمنحة قارة من الدولة او دخل مرتبط بنشاط آخر.

7 / نظام الضمان الاجتماعي الخاص بالطلبة : القانون عدد 12 في 28 جوان 1965 ينسحب على الطلبة التونسيين والطلبة الاجانب بتونس والمتربصين والمتكونين.

8 / نظام الضمان الاجتماعي الخاص بالعملة غير الاجراء في القطاعين الفلاحي وغير الفلاحي : الامر عدد 1166 في 3 جويلية 1995 وقد سحب قانون 1960 وقانون 1974 على هؤلاء الصنف الذي يضم الفئات التالية الخماسة والحرفيين وسائقي عربات النقل العمومي للأشخاص.

المبحث الثاني : أنظمة الضمان الاجتماعي في القطاع العام :

تخضع التغطية الاجتماعية للأمر المؤرخ في 12 افريل 1951 لفائدة موظفي الدولة والجماعات المحلية وتطور نظام الحماية بالقانون عدد 32 في 15 فيفري 1972 ثم القانون عدد 12 في 05 مارس 1985.

هناك أنظمة خصوصية تخص بعض الأصناف من موظفي الدولة وهم أعضاء الحكومة (القانون عدد 31 في 17 مارس 1983 تقاعد اعضاء الحكومة ). / الولاة (القانون في 17 مارس 1988 التقاعد ) / اعضاء مجلس النواب (القانون في 8 مارس 1985 ). / رؤساء الجمهورية (القانون عدد 88 في 17 ماي 2005).

 الفصل الثاني : تنويع خدمات الضمان الاجتماعي :

المبحث الأول : تعداد أنظمة الضمان الاجتماعي :

الفقرة الأولى : المنافع العائلية :

1 / المنح العائلية : ينتفع بها الأجراء في القطاع غير الفلاحي والعاملين في القطاع الفلاحي المتطور والطلبة وينتفع بها الأب والام من أجل اولادهما وعلى الأطفال الثلاثة الأولين 18 بالمئة الطفل الأول / 16 بالمئة الطفل الثاني / 14 بالمئة الطفل الثالث.

يجب توفر شروط في المضمون الاجتماعي وشروط في الطفل إذ على المضون ان يكون مصرحا بأجره أو منتفعا منحة او جراية شيخوخة او عجز من الصندوق أما بالنسبة للأطفال فيجب ان يكونوا دون 16 سنة أما إذا كان سنهم يفوق ذلك فلا تمنح للأب أو الأم المنحة إلا في الصور التالية :

  • إلى بلوغ 18 سنة للأطفال الذين في حالة تدريب ولا يتقاضون أجرة تفوق 75 بالمائة من SMIG وإلى بلوغ 21 سنة الذين في تعليم ثانوي او فني او عالي عمومي بشرط أن لا يتقاضى أجرا.
  • إلى ما فوق 21 سنة للأطفال المصابين بعجز أو إعاقة وليسوا في كفالة شاملة من قبل منظمة عومية أو خاصة تنتفع بإعانة من الدولة.

2 / منحة الأجر الوحيد :

لا بد أن يتوفر في الأجير شرطان : انتفاعه بالمنح العائلية والقرين عاطلا عن العمل كما ينتفع بها.

ينتفع بها كذلك بنفس الشروط المطرودون لأسباب اقتصادية او بسبب الغلق الفجئي للمؤسسة والمنتفعون بجراية والطلبة.

3 / المنحة عن الراحة بمناسبة ازدياد مولود :

4 / المنحة عن الراحة لفائدة الصغار :

5 / المساهمة في مصاريف نفقات رعاية الأطفال بالمحاضن :

الفقرة الثانية : التأمينات الاجتماعية :

  • / المنح النقدية :عن المرض وعن الوضع وغرامة الوفاة.
  • المنح عن المرض : الفصل 71 من قانون 1960 / المنح عن الوضع : للمرأة الأجير / غرامة الوفاة : منحة الوفاة تسند للعملة الخاضعين لقانون 1960 في حالة وفاة الزوجة أو الأبناء غير المؤمنين أما رأس المال عند الوفاة فيسند لقرين المضمون الاجتماعي المتوفى وأبناءه غير المؤمنين والذين هم في كفالته أو لوالديه إذا كان في كفالته.
  • / العلاج في حالة العيادات أو الإيواء بالمستشفيات :يتمتع بها المضمون الاجتماعي وقرينه وأبناءه القصر الذين هم في كفالته والابن المعاق والبنت التي لم تتزوج.

الفقرة الثالثة : الجرايات :

تم إحداث نظام التقاعد للأجراء في القطاع غير الفلاحي بالقانون عدد 33 لسنة 1960 ثم صدر الأمر التطبيقي عدد 499 لسنة 1974 المتعلق بنظام جرايات الشيخوخة والعجز والباقين بعد وفاة المنتفهين بجراية في الميدان غير الفلاحي ونميز وفق ذلك بين أنواع من الجرايات :

1 / جراية التقاعد : تصرف شهريا للأجير البالغ للسن القانونية للتقاعد :

  • الشروط الخاصة بالأجير غير الفلاحي : قانون 1960 : حددها الفصل 15 من الأمر عدد 499 وهي بلوغ 60 سنة أو 55 سنة لمن وقع استخدامه في أعمال متعبة والشرط الثاني مدة 120 شهر تم فيها دفع المساهمات والتوقف عن مماسرة نشاط مهني خاضع للضمان الإجتماعي.

ونسبة جراية التقاعد 4 بالمئة عن 10 السنوات الأولى وكل جزء من الإشتراك بعد 10 سنوات يؤول إلى الزيادة تساوي 0.5 بالمائة دون أن يتجاوز المبلغ الجملي للجراية 80 بالمائة من الأجر.

  • الشروط الخاصة بالأجير في القطاع الفلاحي والفلاحي المتطور : قانون 1981 :

تتمثل الشروط في سن 60 سنة واشتراك ب 30 ثلاثية وعدم مماسرة نشاط مهني خاضع لأنظمة الضمان الإجتماعي وطريقة الحساب نفسها بمقتضى أمر 1974.

  • الشروط الخاصة بالعامل غير الأجير في القطاعين الفلاحي وغير الفلاحي :الامر عدد 1166 في 3 جويلية 1995 بشروط 40 ثلاثية من المساهمات الفعلية وبلوغ 65 سنة وتسديد كامل مبلغ الإشتراكات ومبلغ الجراية 30 بالمائة من الدخل المتوسطي المرجعي بالنسبة ل 40 ثلاثية مع إضافة تساوي 0.5 بالمائة عن كل ثلاثية مع سقف محدد ب 80 بالمائة من الأجر.
  • الشروط الخاصة لبعض الأصناف من العملة في القطاعين الفلاحي وغير الفلاحي : قانون عدد 32 لسنة 2002 : الفصل 13 من قانون 12 مارس 2002 :بلوغ 65 سنة ومدة عمل 10 سنوات على الأقل وعدم ممارسة نشاط خاضع للضمان الاجتماعي ونسبة الجراية 30 بالمئاة من الأجر الأدنى المضمون للقطاع عند دفع اشتراكات 10 سنوات مع زيادة 0.5 على كل ثلاثية اضافية شرط ان لا تتجاوز 80 بالمئاة من الأجر.
  • الشروط الخاصة بالفنانين والمبدعين والمثقفين :الفصل 12 من الامر عدد 104 في 30 ديسمبر 2002 وهي بلوغ 65 سنة وفترة 40 ثلاثية من المساهمات الفعلية ومبلغ 200 د كجراية و0.5 نسبة زيادة عن كل ثلاثية بعد 10 سنوات دون أن يتجازو أقصى الجراية 80 بالمائة من الأجر.

2 / جراية التقاعد النسبي :

تصرف للأجير غير الفلاحي الخاضع للأمر 499 وحددت الفصول 39 إلى 43 شروطها وكيفية احتسابها :

  • على مستوى الشروط :60 سنة مع مدة اشتراكات لم تصل للمدة المحددة ب 120 شهرا ومبلغها يحسب على أساس عدد أشهر الإشتراك بالنسبة لعدد الأشهر المطلوبة.

3/ منحة الشيخوخة : منحة تصرف في شكل دفعة واحدة لمن ساهم لمدة 60 شهر ووصل سن التقاعد للأجير غير الفلاحي حسب الفصل 43 من امر 1974 تساوي ما وقع خصمه من اجرة المضمون بعنوان اشتراكات العامل في نظام الجرايات.

4/جراية العجز : جراية شهرية لمن ثبت له عجز غير مهني من قبل اللجنة الطبية للصندوق. تتمثل شروطها العامة في العجز البدني غير المهني نسبته 66.66 بالمائة والحصول على موافقة اللجنة الطبية والتوقف النهائي عن ممارسة أي نشاط أما الشروط الخاصة للأجير غير الفلاحي فإثبات مدة تربص دنيا ب 60 شهر اشتراكات وبالنسبة للعملة غير الأجراء في القطاع الفلاحي وغير الفلاحي والعملة بالخارج والفنانين والمبدعين والمثقفين فشروطها عدم بلوغ 65 سنة واثبات فترة 20 ثلاثية وبالنسبة لبعض اصناف العملة من الدخل المحدود فشروطها عدم بلوغ 65 سنة وفترة 60 من الاشتراكات.

5/ جراية القرين الباقي على قيد الحياة : يستحقها القرين الباقي عند انتفاع القرين المتوفي بجراية تقاعد او تلبيته لشرط التربص ب 120 شهرا ولا بد من توفر قيام للعلاقة الزوجية وعدم زواج القرين مجددا الى حدود سن 55 سنة.

6/جراية الأيتام الباقين على قيد الحياة:16 سنة دون شرط و21 سنة للدارس بمؤسسة تونسية و 25 سنة لمن يزاول تعليما عاليا دون منحة جامعية والبنت دون شرط اذا لم تجد رزقا او زواجها واليتيم المعاق.

ملاحظة : مبلغ جرايات التقاعد في القطاع العام :اعوان الدولة تحتسب 2 بالمائة عن كل سنة من 10 سنوات الأولى و 3 بالمئة اضافية عن كل سنة ب 10 سنوات الموالية ل 10 اولى و 2 بالمئة بعنوان السنوات اللاحقة على ان لا يتجاوز المقدار 80 بالمائة من الأجر المرجعي.

الفقرة الرابعة :التأمين على المرض :

الفصل 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والفصل 2 من اتفاقية منظمة العمل الدولية سنة 1952.

القانون عدد 71 في 2 أوت 2004 باحداث نظام التأمين على المرض ودخل حيز التنفيذ في 1 جويلية 2007 وقد حدد القانون الجديد علاقة CNAM  بالمضمونين الاجتماعيين اذ سمح لهم بالانتفاع بالخدمات الصحية بالقطاع العام والخاص واحدث لهذا الغرض نظام قاعدي اجباري وانظمة اختيارية تكميلية.

1/النظام القاعدي الإجباري :

الفصل 5 من القانون عدد 71 لسنة 2004 / الأمر عدد 167 لسنة 11 جوان 2007 بضبط صيغ وإجراءات ونسب التكفل بالخدمات الصحية في إطار النظام القاعدي للتأمين على المرض نقح سنة 2008.

  • الحصول على المنافع يفترض شرطين :الإستجابة للشروط القانونية من جهة والتعاقد مع الصندوق.
  • صيغ التكفل بالخدمات الصحية حسب النظام القاعدي هي المنظومة العلاجية العمومية والمنظومة العلاجية الخاصة ونظام استرجاع المصاريف وكذلك جملة من المنافع المشتركة بين الصيغ الثلاث وهي عند التكفل بالآلات المعوضة والمقومة للأعضاء والإقامة الاستثنائية لبعض الاختصاصات لدى المصحات الخاصة المتعاقدة مع الصندوق والإقامة الاستثنائية المرتبطة بمختلف الاختصاصات الطبية لدى الهياكل الصحية العمومية ومصاريف خدمات النقل الصحي والخدمات الصحية التكفل بها في القطاع الخاص والعام.

أ/المنظومة العلاجية العمومية :

تضمن التكفل بمصاريف الخدمات الصحية العمومية ومصحات الضمان الاجتماعية والهياكل الصحية الاخرى المتعاقدة مع الصندوق كالمستشفى العسكري وتشمل الإقامة الاستشفائية (الاعمال الفنية والإقامة والاستشفاء النهاري تقل مدته عن 24 ساعة والخدمات العلاجية والكشوفات والمواد الصيدلانية والاعمال التكميلية) والخدمات الصحية الخارجية فتستلزم الايواء الاستشفائي وتمشل العيادات والاعمال الفنية والكشوفات وغيرها من الاعمال التابعة لها.

ويتولى المنتفع دفع المعلوم التعديلي بعنوان الخدمة الصحية المسداة من الهياكل الصحية العمومية وهو مبالغ التعريفات المنخفضة للعلاج وهي تحديدا الامر عدد 409 في 18 فيفري 1998.

  • المضمون الاجتماعي يتحمل المعلوم التعديلي في حدود سقف حدده الفصل 9 من امر 11 جوان 2007 وهو التالي :

*الاجير:السقف اجرة شهر ونصف من معدل الاجور خلال السنة السابقة.

*العملة غير الأجراء :مرة ونصف الدخل الشهري المطابق لشريحة الدخل المصرح به

*المنتفع بجراية:مرة ونصف المبلغ الشهري للجراية المسداة

*المصاريف المسداة في إطار الأمراض الشغلية او المزمنة فيتم التكفل بها كليا من قبل الصندوق.

ب/المنظومة العلاجية الخاصة:طبيب متعاقد مع الصندوق يختاره المضمون الاجتماعي “طبيب العائلة”

المحامي والأخلاق في القانون التونسي والقانون الأنقلو-أمريكي – الأستاذة ندى الرياحي

المحامي والأخلاق في القانون التونسي والقانون الأنقلو-أمريكي بقلم الأستاذة ندى الرياحي

المحاماة مهنة أخلاقية بالأساس لذلك وجب على المحامي الاعتصام بالفضيلة فهي التي ستكفل له القيام بالواجب الاجتماعي المحمول عليه في تطوير مجتمعه و الأخذ بيده ليرتقي دروب التحضّر و الأخلاق .

الأستاذ الحبيب الرّياحي


A central question facing today’s bar is; has our profession abandoned principle for profit, professionalism for commercialism. The answer cannot be a simple yes or no. further, most of the lawyers, the commission believes, are consciences, fair and able.

The American Bar Association.


المقدمة :

“أقسم بالله العظيم أن أقوم بأعمالي في مهنة المحاماة بأمانة وشرف وأن أحافظ على سرّ المهنة وأن أحترم القوانين وأن لا أتحدّى الاحترام الواجب للمحاكم وللسلط العمومية”.

إنه القسم والعهد. إنه قبس النور الذي يهدي المحامي في سبيل الحق والعدل ويبوؤه عرش الدفاع إذا لسانه به نطق وقلبه به آمن.

أول الكلمات التي يستهل بها المحامي انتسابه إلى مهنة المحاماة هي التزام بمراعاة الشرف والأمانة والمحافظة على سرّ المهنة واحترام القوانين وفي ذلك تأكيد على أن صرح المحاماة لا يستقيم إلا إذا كانت الأخلاق عماده.

الأخلاق في المحاماة لها أصول متجذرة في التاريخ البشري. فالمحامي أو (voir probus dicendi peritus) أي الرجل الذي يحسن الكلام كما جاء وصفه منذ آلاف السنين في العهد اليوناني، بحاجة إلى أكثر من الكلمات ليتبوّأ صف الدفاع عن الضعفاء ممن يستغيثونه فيغيث ويستنجدونه فينجد، إنه بحاجة إلى أخلاقيات مهنية أو ethikos بمعنى التمسك بالتقاليد. ولأن الأخلاق أساسية في شخصية المحامي فقد عمل روادها على مرّ السنين وفي كل الأصقاع على تجذ يرها والاستناد إليها وتداولها. ذلك إن المحامي ليس فقط مهني محترف يقوم بواجبه بمقابل، إنه جدار الصد عن مجتمعه وشعبه إذا غشيه الاستعمار والفاعل في عملية البناء الاجتماعي والثقافي والأخلاقي والمساهم في الدورة الاقتصادية لبلده بما يوفره من مواطن شغل وما يسديه من خدمات قانونية ترفع من مستوى المعاملات.

المحامي عنصر فعّال في مجتمعه، لا يقتصر دوره على إسداء الخدمات القانونية والإحاطة بالمتقاضين بل يتجاوزه إلى تطوير مجتمعه والرفع من مستوى تفكيره. ولكل ذلك على المحامي أن يكون متخلقا، معتصما بأهداب الفضيلة.

فالمحامي اختار مهنته ولكن أخلاقه المهنية هي قدره.التزامات المحامي تجاه مهنته ومجتمعه تتطلب الاستقامة التامة فهو المعلم وهو القدوة. ويتجلى من كل ذلك أن الأخلاق ضرورية للمحامي في جميع أنحاء العالم ومهما اختلفت المقاييس التي يعتمدها كل مجتمع في تحديد ماهية الأخلاق فإن الفضيلة والرفعة والشرف لا يمكن أن يكون لها أكثر من معنى ولا تحتمل أكثر من تفسير.

ولعل ترسيخ المبادئ الأخلاقية العريقة يقتضي منا الاستنارة بما أورثه لنا رواد مهنتنا في تونس ولكن أيضا علينا التطلع إلى المعايير الأخلاقية التي يعتمدها المحامون في المجتمعات المتقدمة مما سيلهمنا مبادئ أخلاقية جديدة نتبنى منها ما يتلائم مع تطلعاتنا ونورثه بدورنا إلى أجيال مقبلة.

ووجب الإشارة في هذا الصدد أن أخلاقيات مهنة المحاماة هو موروث عالمي مشترك بين كل الشعوب أصله واحد والتلاقح المستمرّ فيه يثري القواعد السلوكية التي على المحامي التمسّك بها مهما شهد مجتمعه من تطوّر اقتصادي واجتماعي وثقافي. ومن هنا كان البحث في أخلاقيات مهنة المحاماة في القانون الأنقلو-أمريكي ذات أهمية وجدوى .

وعلى خلاف النظام القانوني التونسي الذي يعد المشرّع هو مصدر التشريع الوحيد فيه فإن المحاكم العليا الفدرالية الأمريكية هي كانت أول المنظمين لمهنة المحاماة في الولايات المتحدة متخذين من القانون الانقليزي ملهما لأعمالها ثمّ وفي منتصف القرن التاسع عشر قام دافيد هوفمان وهو أستاذ قانون بجامعة بجامعة ميرلاند بصياغة خمسين قاعدة بالنظر إلى مهنة المحاماة Fifty resolutions in Regard to professional department (1936) أعقبتها محاولة أخرى من طرف القاضي في محكمة بنسيلفانيا، جورج شيرزوود لتجميع أخلاقيات مهنة المحاماة. Essay on Professional Ethics (1854).

وعندما تشكل أول هيكل فدرالي للمحامين الأمريكيين في سنة 1878 American BAR Association أخذ عن هذه الكتابات معظم القواعد الأخلاقية التي جاءت بها وبوبها في كتاب سمي القواعد الأخلاقية وكان ذلك في سنة 1908 The ABA’s Canons of Ethics ثمّ في مرحلة ثانية سنة 1969 تم إصدار مجلة المسؤولية المهنية Model code of Professional responsibility التي تمّ العمل به إلى سنة 1983 حيث تمّ إصدار مجلة قواعد السلوك المهنية Model Rules of Professional Conduct وهو القانون المطبق إلى اليوم.

والجدير بالذكر في هذا الخصوص أن هذه القوانين لا تلزم إلا الولايات التي قامت بالمصادقة عليها وإلا فإن هذه الأخيرة تكتفي بقوانينها المحلية State Bar Association مما خلق قوانين وقواعد محلية وفدرالية عديدة ومتضاربة في بعض الأحيان ولكنها من الثراء أيضا بما يجعل الإطلاع على جانب منها ذا فائدة كبرى.

إن دراسة علاقة المحامي بالأخلاق في تونس والولايات الأمريكية المتحدة تقتضي منا دراسة أهمية الأخلاق في مزاولة المحامي لعمله وفي العلاقات الاجتماعية التي يعقدها خارج إطار المهنة فالأخلاق المهنية تلمّ بكل الجوانب الحياتية للمحامي والأخلاق المهنية هي جزء من الأعراف والقوانين التي تسير مهنة المحاماة. كما أن هذه الدراسة لن تكون مستوفية لجميع أوجهها إذا لم يقع التطرّق إلى الآليات المعتمدة في بلادنا والولايات المتحدة لمراقبة الأخلاق المهنية. ولذلك يجب طرح الأسئلة التالية: ما مدى أهمية الأخلاق بالنسبة للمحامي ؟ وما هي الآليات المعتمدة لمراقبة الأخلاق ؟ وستقع الإجابة عن ذلك باعتماد المخطط التالي: 1- الأخلاق أساس المحاماة 2-آليات مراقبة أخلاق المحامي

العنوان الأول : الأخلاق أساس المحاماة

الأخلاق هي ركيزة أساسية لمهنة المحاماة، هي العماد الذي يشدّ أوتاد هذا البيت النبيل ويحميه من التطوّرات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تعصف به إذا ضعفت هذه اللبنة منه.

المبحث الأول: الأخلاق في المحاماة بين القانون و الأعراف المهنية

الأخلاق في مفهومها الخاص بمهنة المحاماة هي جزء من الأعراف المهنية التي أطردت عبر السنين (1) وهي مصدر من مصادر القانون الوضعي لمهنة المحاماة (2) وهي قاعدة متجدّدة (3).

الفقرة الاولى : الأخلاق جزء من الأعراف المهنية:

الأخلاق المهنية تكوّنت بطريقة مطردة بتواتر السنين فهي جزء من الأعراف التي أسسها رواد الرداء الأسود ولكن قبل الخوض في هذه العلاقة وجب أولا تعريف العرف في النظام القانوني التونسي والأمريكي. في النظام القانوني الأول تمّ تعريف العرف فيه على أنه “ما درج عليه الناس منذ عهود استغرق بها الزمن وتقادم العهد وتنامي أمده إلى الحد الذي به اكتسب صفة الأمر الذي به يسلم تسليما والذي لا مجال لتجاوزه والخروج عنه … إنه كيان ذو وجهين أحدها مادي وثانيها نفسي” . فالعرف قوامه عنصر مادي هو السنون التي اطردت بانتظام ورسخته من جيل إلى جيل وعنصر معنوي يتكوّن من القوّة الإلزامية العرف والتي يكون مصدرها الاعتماد العام.

أما الأعراف المهنية فهي لا تختلف في تعريفها عن العرف بصفة عامة غير أن مصدرها هو فئة مخصوصة من المهنيين كوّنت عبر الزمن قواعد سلوكية تنظم المهنة التي تنتمي إليها فتسلم بها وتصبغها بطابع إلزامي لا يقلّ قوّة عن القانون.

والعرف في الولايات المتحدة هو أصل كل القواعد الإلزامية على اختلاف مجالاتها ذلك أن القواعد القانونية كانت إلى وقت قريب غير مدوّنة والقضاء الفدرالي متمثلا في المحكمة العليا The supreme court هو مصدر التشريع الوحيد حيث يقع تطبيق الحلول القانونية التي جاءت بها القرارات القضائية في وقت سابق (The precedent). فالنظام القانوني الأمريكي هو نظام عرفي (Common law) ولا يقوم على تشريعات مدونة ومضبوطة سلفا كما هو الحال في نظامنا القانوني لذلك كان القانون المتعلق بالمحاماة والأعراف المهنية والقواعد الأخلاقية هي نتاج القضايا المطروحة أمام القضاة بالأساس ثمّ قامت الهياكل المهنية وأساتذة القانون والجمعيات الحقوقية الغيررسمية بتطوير الأعراف المهنية وضبط أخلاقيات المهنة. وفي تطوّر الأعراف المهنية وإلمامها بكل ما يخص مهنة المحاماة تمّ تطوير الأخلاق المهنية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الموروث الذي يتمّ الرجوع إليه وتطويره مهما صيغ من قوانين وأحدث من قواعد. فقد صاغت الأعراف المهنية مجموع الأخلاقيات التي سارت بين المهنيين عهدا ودستورا وأصبحت جزءا لا يمكن فصله عن تقاليد مهنة المحاماة، وقد تمّ تقنين البعض منها ولكن أكثرها لم تشر النصوص القانونية إليها وهذا الأمر ينسحب على النظام القانوني التونسي والأمريكي.

ففي تونس مثلا كان يعتبر من الأعراف الأخلاقية الأصلية التي لا يجب الحياد عنها أن لا ينوب المحامي أي حريف إلا بعد استشارة زميله الذي تعامل طويلا مع هذا الأخير وبعد التأكد من أن طالب الخدمة القانونية قد أدى ما عليه من أجور محاماة إلى المحامي الأول وإلا فإنه يرفض نيابته ويطلب منه التعامل مجدّدا مع من وكله أولا. فهذه القاعدة الأخلاقية هي جزء من الأعراف المهنية فقط ولا يوجد لها أثر في أي من النصوص القانونية. وفي مثال آخر على ثراء الأعراف المهنية للمحاماة في تونس وعنايتها بالجانب الأخلاقي وتكريسها له حتى صارت الأخلاق جزء من العرف أنه في حالة كانت قاعة الجلسة ليس بها مقاعد شاغرة فإن المحامي الصغير في السن يترك مقعده لمحام يفوقه سنا وذلك تأدّبا منه والتزاما بآداب الجلوس في محضر شيوخ المهنة. وتعدّ هذه القاعدة السلوكية الأخلاقية جزء من الأعراف المهنية العريقة التي دأب الأولون في مهنة المحاماة على ترسيخها ولا يوجد لها صدى في النصوص القانونية.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية وباعتبار أن مهنة المحاماة ترضخ إلى اعتبارات أخلاقية مختلفة نسبيا عن تلك التي تسير دواليب مهنتنا في تونس فإن المحامي الأمريكي يجب عليه أن يتضامن تضامنا كليا مع موكله ويستعمل جميع الوسائل الدفاعية لإقناع هيئة المحلفين حتى وإن أدى ذلك إلى الإضرار بل وتدمير خصومه في المعركة القضائية. فالمعروف أن المحامي هو الذي يكوّن الأدلة ويجلبها إلى هيئة المحكمة مستعملا الأسلوب الاتهامي ضدّ الشهود والخصوم.

فمن الأعراف المهنية الأخلاقية أن يدافع المحامي الأمريكي ببسالة وبكل الطرق عن موكله معتبرا إياه البريء الوحيد.

من ذلك أنه في سنة 1820 وفي قضية طلاق ملكة انقلترا كارولين استند لسان دفعاها إلى عرف جاء به اللورد بروقهام والذي يعرّف دور المحامي كما يلي: “المحامي، في إطار أدائه لعمله يعرف شخصا واحدا في العالم هو موكله، يجب عليه إنقاذ موكله بكل الطرق والوسائل، وعلى حساب كل الأشخاص الآخرين وبالنسبة له يعتبر هذا واجبه الأول الوحيد: وفي قيامه بهذا الواجب لا يجب عليه مراعاة الألم، الأتعاب والدمار الذي قد يسببه للآخرين”. « An advocate, in his discharge of his duty, knows but one person in all the world, and that person is his client. To save that client by all means and expedients, and at all hazards and costs to other persons, and among them, to himself, in his first and only duty; and in performing this duty he must not regard, the alarm, the torments, the destruction which he may bring upon others » . فمن الأعراف الأخلاقية أن يدافع المحامي بكل شراسة وعنف عن موكله وهذه القاعدة السلوكية تجد مصدرها في مبدأين أساسيين هما التضامن والحياد. فالتضامن هو “أن يعمل المحامي بتضامن للدفاع عن أهداف موكله” « The second principle of conduct is partisanship, this principle, prescribes that the Bowyer work aggressively to advance his clients ends » . أما الحياد فهو “أن يبقى المحامي منفصلا عن أهداف موكله” « The lawyer remaid detached from his client’s sends » . وهذه القاعدة الأخلاقية التي أصبحت جزءا من الأعراف المهنية في الولايات المتحدة قد أثارت جدلا واسعا غير أنها ضلت راسخة باعتبار أن المحامي ليس مسؤولا من الناحية الأخلاقية عن الأخطاء التي يقوم بها موكله ولا عن تلك التي قد تقع فيها المحكمة.

لكن المحامي الأمريكي ورغم واجبه في الدفاع باستماتة عن موكله إلا أن الأعراف المهنية قد قيدته بواجبات أخلاقية أهمها عدم الكذب فلا يمكن له رغم استعماله لوسائل ضغط عديدة الكذب على المحكمة أو هيئة المحلفين ومن ذلك أن الكاتبة سيسيلا بوك اعتبرت في كتابها: الكذب اختيار أخلاقي في الحياة العامة والخاصة: “أن هؤلاء الذين يتبعون مع ماكيفيلي مقولة أن الأشياء العظيمة قدمت من طرف أشخاص لم يأخذوا بعين الاعتبار النية الحسنة هم يطلبون عادة من الناس أن يكونوا أمناء وهم دون ذلك وهذا الأمر يعتبر لا أخلاقيا”. « They may believe with Machiavelli that “great things” have been done by those have “little regard for good things”. They may trust that they can make wise use of the power that lies bring. And they may have confidence in their own ability to distinguish the times when good reasons support their decision to lie. Liars share with those they desire not to be deceived » .

وبهذا تكون الأخلاق جزء من الأعراف المهنية ونبراسا يهتدي به المحامون في أعمالهم، فهي قيود معنوية بالغة الأهمية من ذلك أنه حتى بعد تقنين مهنة المحاماة ظلت الأخلاق رافدا مهما عند صياغة النصوص القانونية في تونس أو الولايات المتحدة.

الفقرة الثانية :الأخلاق مصدر من مصادر قانون مهنة المحاماة

إن القوانين التي نظمت مهنة المحاماة في تونس أو في غيرها من الدول، قد جعلت من الأخلاق مصدرا من مصادر هذه القوانين غير أن تفسير الواجبات الأخلاقية وإدماجها صراحة ضمن الفصول القانونية يختلف في درجاته بين الأنظمة القانونية. ففي تونس تمّ صياغة نصوص قانونية خاصّة بمهنة المحاماة لأول مرّة في سنة 1958 بالقانون عدد 37 لسنة 1958 المؤرّخ في 15 مارس 1958 تمّ تنقيحه بالقانون عدد 87 لسنة 1989 المؤرّخ في 9 سبتمبر 1989 وهو القانون الجاري به العمل إلى اليوم وقد تضمّن 9 مبادئ أخلاقية هي الحرية، الاستقلالية، الشرف، الأمانة، سرّ المهنة، الاستقامة، الاعتدال، اللياقة وواجب الزمالة. ولم تأتي هذه المبادئ مفسّرة أو معرّفة بل قام المشرّع باستعمالها ضمن الفصول القانونية بصفة عرضيّة كما لم يبيّن إذا كانت هذه المبادئ المذكورة هي على وجه الحصر أم الذكر . ولكن يغلب الاعتقاد أن المبادئ الأخلاقية التي كرّسها قانون 89 لمهنة المحاماة قد جاءت على سبيل الذكر وفي كل الأحوال فإنها جاءت عامة يمكن أن تنضوي تحتها العديد من المبادئ الأخلاقية التي لا يمكن عدم اعتمادها. فواجب الزمالة التي جاء به الفصل 62 من قانون المهنة هو لفظ يمكن أن يستوعب احترام الزملاء، تقدير شيوخ المهنة وإكرامهم، التأدّب في السلوك واللفظ بمحضرهم وعدم القدح في أعمالهم داخل المهنة وخارجها…كما أن مبدأ الشرف الذي جاءت به الفصول 3، 5، 62 و64 من مجلة المحاماة يستوعب الكرامة والترفع والتعقل وغيرها من المبادئ الأصيلة التي يجب على المحامي التحلي بها. إن قانون المحاماة، وإن لم يكرّس صراحة هذه الواجبات الأخلاقية للمحامي خلافا للنظام القانوني الأمريكي والكندي فإنه أدرج الأصول الأخلاقية ضمن واجبات المحامي عامّة وفي العديد من فصول قانون 87 (الفصول1، 2، 3، 5، 16، 29، 39 .. 62، 64). وبهذا تكون الأخلاق مصدر هام من المصادر التي اعتمدها المشرّع التونسي عند صياغته النصوص القانونية المتعلقة بمهنة المحاماة. وهذا التكريس المادي لأخلاقيات المهنة ذو أهمّية قصوى ذلك أن القاعدة السلوكية الأخلاقية إذا كانت عرفية أو متفق حولها تكون إلزاميتها وقدرتها على التواجد والاستمرار ضعيفة باعتبار أن الرادع الوحيد في صورة خرقها هو الضمير الإنساني دون غيره في حين أنه عندما يقع تبويب هذه القاعدة الأخلاقية ضمن قانون فإنه صبغته الإلزامية تصبح أكثر صراحة وتطوّرا باعتبار أن سلطة العقاب تصبح خارجة عن ذات الإنسان وضميره ومرتبطة بهيكل مهني أو سلطة عمومية.

إن قانون 87 المنظم لمهنة المحاماة أخذ بعين الاعتبار بعض الأخلاق المهنية ولكنه لم يكرّسها جميعا وذلك على خلاف القانون الأمريكي الذي قام بتدوين جميع تفاصيل السلوك الأخلاقي الذي يجب أن يتحلى به المحامي وذلك لاختلاف وتطوّر عملية تقنين هذه المهنة بين البلدين. فالولايات المتحدة تعتمد القوانين التي تأتي بها المحاكم الفدرالية في كل ولاية مما ينتج عنه تباين بين مختلف الأعراف والقوانين في كل منهما ولتفادي ذلك قامت هيأة المحامين في الولايات المتحدة أو ما يسمّى بـAmerican Bar Association بصياغة قواعد أخلاقية موحّدة لكلّ المحامين الأمريكيين دون أن يكون لهذه القواعد صبغة إلزامية حيث وقع اعتمادها في أغلب الولايات الأمريكية وليس جميعها فولاية كاليفورنيا أو كارولينا الشمالية فضلت اعتماد قواعد أخلاقية خاصّة بهياكلها المهنية والمحلية. ولكن الولاية التي تعتمد هذه القواعد المهنية تصير بذلك مجبرة على الالتزام به كليا مثل أي قانون فدرالي. وقد بدأ مجهود الهيكل المهني للمحامين في الولايات المتحدة لتبويب الأخلاق المهنية ضمن فصول قانونية منذ سنة 1908 حيث أصدر ABA ما يسمّى بـ ABA’s Canons of Ethics وقد جاء فيه من القواعد الأخلاقية المحافظة على السرّ المهني والمحافظة على هيبة مهنة المحاماة وشرفها والعمل على الرفع من مستوى النظام القانوني.
Canon 1: A lawyer should assist in mainting the integrality and competence of the legal system.
Canon 5: A lawyer should preserve the confidences and secrets of a client.
Canon 8: A lawyer should assist in improving the legal system.
وبالإضافة إلى هذا القانون الموحّد فقد أصدر هيكل المحامين الأمريكيين العديد من النصوص التكميلية مثل:
Arbitration and Mediation: code of Ethics of the ABA for arbitrators in Commercial disputes and Standards of conduct for mediators.
Professionalism in General: ABA.

وقد شكلت حماية الأخلاق المهنية روح هذه النصوص والواعز الذي دعى المحامين الأمريكيين إلى التوحّد حماية لهذه المهنة العريقة من ذلك أن اللجنة التي دعت هؤلاء إلى الاجتماع وتبني قوانين أخلاقية في سنة 1906 أصدرت بيانا أكدت فيه “أن التطوّر الرائع … لمهنة المحاماة في أنشطتها قد تزامن معه توفر فرص أكثر للمحامين ضمن طريق الخير ولكن أيضا ضمن طريق الشرّ”. « With the marvelous growth and development of our country … with the ranks of our profession ever extending, its field of activities ever widening, the lawyer’s opportunities for good and evil are correspondingly enlarged ».

وبذلك تكون الأخلاق ركيزة قوانين المحاماة في بلادنا والولايات المتحدة على السواء مع الفرق في أن قوانينهم كانت أكثر إلتصاقا بالقواعد الأخلاقية حتى البسيطة منها وذلك حماية لهذا الهيكل من الانهيار إثر كلّ رجّة اجتماعية أو اقتصادية قد تصيب مجتمعه. فقانون المحاماة بتونس فيه بعض من أخلاقيات المهنة في حين قام قانون المحاماة بالولايات المتحدة الأمريكية بتبويب لأخلاقيات المهنة ضمن قانون ضمّ أيضا جميع الأعراف الأخرى التي تهمّ مهنة الدفاع. ولعل المشرّع التونسي كان محقا في عدم صياغته لجميع القواعد الأخلاقية التي لا تنفك تتغيّر وتتجدّد.

الفقرة الثالثة: القاعدة الأخلاقية متجدّدة في مهنة المحاماة:

إن الأخلاق بصفة عامّة متجدّدة تتلوّن حسب محيطها وتتشكل باستمرار طبقا لما يستجدّ من متغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية فما هو أخلاقي اليوم قد لا يكون غدا. والأمر ينسحب أيضا على أخلاقيات مهنة المحاماة التي تتطوّر بتطوّر الظروف والمجتمعات.

من ذلك ما يتعلق بواجب السرّ المهني الذي كرسه قانون المحاماة في الفصول 5، 29، 39 والذي يترتب عليه “تحجير إفشاء أي سرّ من أسرار منوّبه التي أفضى له بها أو التي اطلع عليها بمناسبة مباشرته لمهنته”. فهذا الواجب المحمول على المحامي في عدم الخوض في أسرار منوّبه مع أي كان اعتبر لمدّة طويلة من أوكد الواجبات المفروضة عليه، غير أن التغيرات الاجتماعية والسياسية وازدياد موجات التطرّف والإرهاب قد دفعت المشرّع إلى التدخل لإصدار قانون حول مكافحة الإرهاب وهو القانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرّخ في 10/12/2003 فهذا القانون يفرض الإدلاء بأية معلومات تؤدّي إلى مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، وهو ما يشكل منعرجا جديدا في مهنة المحاماة، ذلك أن الواجب المهني والضمير المهني يجب أن ينكمش أمام الضمير الاجتماعي وواجبات الفرد تجاه موطنه. فالمحامي في هذه الحالة يصبح إزاء واجب قومي لا يجب أن يتردّد في القيام به حتى وإن كان سيؤدي إلى التضحية بواجب مهني تجاه حريفه. ولعل مفهوم السر المهني والضمير المهني هما من المسائل التي وجب تحديد مفاهيمها مجدّدا على المستوى العالمي وليس فقط في بلادنا ذلك أن نفس التغيرات قد طرأت على هذا الواجب في الولايات المتحدة الأمريكية. فإلى حدود منتصف القرن الفارط كان واجب الحفاظ على السرّ المهني هو المتحكم في العلاقة بين المحامي الأمريكي ومنوّبه، من ذلك أنه في سنة 1914 وفي قضيّة شهيرة وصلت إلى الرأي العام وسمّيت بـ The Leo Frank Case أدين ليو فرانك بقتل عامل بمصنع يبلغ 14 عاما وقد حكم عليه بالسجن مدى الحياة وتبرأة شخص ثان كان متهما معه في نفس القضية في حين أنه كان بريئا من التهمة. أغلق الملف ونسي الأمر سنوات عديدة إلى حين قيام أرتور قراي بوال Arthur Gray powell وهو محامي الشخص الثاني الذي برأ من التهمة بكتابة مذكّراته في سنة 1943 وفيها اعترف بأن موكله هو القاتل وأنه كان على علم بذلك بعدما أسرّ له موكله بهذا الأمر بعد مدّة من صدور الحكم ضدّ ليو فرانك. « I’ am one of the few people who know that Leo Frank was innocent of the crime for which he was convicted … we lawyers when we are admitted to the bar, take an oath never to reveal the communications made to us by our client » .

ولكن هذا التطرّف في المحافظة على السرّ المهني إلى حدّ الإضرار بمصالح الأبرياء قد تمّ تجاوزه في القانون الذي تمّ وضعه في سنة 1983 والذي يمكن المحامين في التخلي عن واجب الحفاظ على سرّ المهنة في بعض الأحيان والتي نصّ عليها الفصل 16 من هذا القانون من ذلك أنه يمكن للمحامي إفشاء السرّ المهني لمنع موكله من ارتكاب جريمة أو في أي حالة من الحالات التي يعتبر فيها ذلك ضروريا.

المبحث الثاني: الأخلاق شرط ضروري لممارسة مهنة المحاماة في تونس والولايات المتحدة:

تمثل الأخلاق ضرورة لا محيد عنها بالنسبة للمحامي سواء تعلق الأمر بحياته الخاصة خارج أطر المهنة (1) أو في معاملاته داخل أطر المحاماة (2).
الفقرة الاولى : الأخلاق ضرورة للمحامي خارج أطر المهنة:

إن المحامي في جميع بلدان العالم يجب أن يتحلى بصفات أخلاقية فاضلة حتى عندما ينزع ثوب المحاماة ويمارس حياته الخاصّة. من ذلك أن الفصل 64 من قانون المهنة قد جاء محذرا المحامي من مغبّة الاستهتار بالأخلاق أو الحياد عنها فقد نصّ على أنه “يؤاخذ تأديبيا المحامي الذي يخل بواجباته أو يرتكب ما ينال من شرف المهنة أو يحط منها بسبب سلوكه فيها أو سيرته خارجها”. فسلوك المحامي في حياته اليومية يجب أن يكون بعيدا كل البعد عن الشبهات أو المآخذ فكل فرد في هذه المهنة هو سفير لدى حصن الدفاع وهو الفاضل المعلم الذي يجب أن يرنو بنفسه عن كل ما من شأنه أن يمسّ بهيبة المحاماة وجلالها. والملاحظ أن عبارات المشرّع التونسي جاءت عامّة فلم تحدّد المقصود بعبارة حسن السيرة ولكن الأكيد أن المحامي يجب أن يتحلى بالأخلاق التي يرتضيها مجتمعه فلا يمارس ما ينافي الأخلاق ولا يتلفظ بما يشين ولا يرتدي لباسا غير محترم يهز من مكانته. وقد أشار الأستاذ عبد القادر الاسكندراني في محاضرته التي عنوانها “أخلاقيات المهنة ركيزة أساسية لتكوين المحامي” إلى أن “هيئة المحامين ببلجيكا وكذلك هيئة المحامين بباريس قد اعتبرت أن المحامي الذي ارتكب حادث سير وهو في حالة سكر ويتعمّد الهروب للتفصّي من المسؤولية قد أخل بواجباته ويستوجب إيقافه عن العمل”.

أما في الولايات المتحدة فإن الواجبات الأخلاقية المحمولة على المحامي خارج إطار مهنته قد جاءت أكثر دقة من ذلك أن الفصل 6.1 من Model Rule Professional قد أشار إلى أنه يجب على المحامين أن يخصّصوا 50 ساعة في السنة إلى الأنشطة الخيرية (Pro pono activities) لفائدة الجمعيات القانونية أو الحقوقية أو الدينية … وهذا القانون الذي جاء به المحامون الأمريكيين كان ذا هدف واحد هو أن يستعمل المحامون ملكاتهم وما يتمتعون به من خبرات وإمكانيات ذهنية لصالح مجتمعهم. فالواجب الأخلاقي للمحامي يحتّم عليه مدّ يد المساعدة للمجتمع حتى يتمكن من تطويره والرفع من شأنه. وبهذا يكون القانون الأمريكي قد تجاوز مجرّد تحذير المحامي من السلوك المشين إلى تحريضه على أن يكون نواة الخير والحرّية والعدالة فالمحامي ينتمي إلى النخبة وعليه واجب العمل على انتشال بقية أفراد مجتمعه. وخشية أن يشارك المحامي في تحضير قوانين أو قرارات في إطار الهياكل المهنية وغيرها ليستفيد منها شخص بعينه فإن الفصل 6.4 منModel Rule of Professional قد مكن المحامي من الانسحاب من المشاركة في أي من هذه القرارات إذا كانت ستفيد أحد حرفائه بصفة مادّية وذلك حتى دون أن يخبر هذا الأخير بقراره. « A lawyer may serve as a director, officer or a member if an organization in reform of the law or its administration not with standing that the lawyer knows that the interested of a client may be materially benified by a decision in which the lawyer participate the lawyer shall disclose that fact but need not identify (1) the client » .

الفقرة الثانية: الأخلاق ضرورة للمحامي داخل أطر المهنة:

إن المحامي عند حوضه غمار تجربته المهنية يكون محاطا بالكثير من العلاقات والمعاملات التي تفرض عليه انتهاج سلوك فاضل وأخلاق عالية. فالأخلاق هي نبراس المعاملات بين المحامي وزملائه (1) وبينه وبين السلط القضائية والعمومية (2) وكذلك بينه وبين حرفائه (3).

1) الأخلاق في علاقة المحامي بزملائه:

إن الأخلاق والتضامن والتكافل هي المبادئ التي يجب أن تسود علاقة المحامي بزملائه وذلك في تونس أو في الولايات المتحدة.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن المحاماة في تونس لم تكتسحها التجمعات المهنية ولا النيابات العالمية فالعلاقات بين المحامين ظلت علاقات شخصيّة والاحتكاك بينهم ظل يوميا وذلك على عكس الولايات المتحدة التي اكتسحتها التجمعات المهنية للمحامين والشركات العالمية للاستشارات القانونية مما جعل التعارف والتعامل الشخصي بين المحامين شبه غائب. لهذا السبب تحديدا فإن المعايير الأخلاقية تختلف بين بلدنا والولايات المتحدة.

في تونس وعلى المستوى القانوني لم يحدّد القانون المنظم لمهنتنا بدقة الواجبات المحمولة على المحامي تجاه زملائهم ولكنه تعرّض إلى واجب الزمالة صلب الفصل 62 الذي نص على أنه “تتولى الهياكل المذكورة… إجراء المراقبة لصيانة مبادئ الاستقامة والاعتدال ومراعاة واجبات الزمالة التي تقوم عليها مهنة المحاماة وشرفها ومصلحتها”.

أما على مستوى الأعراف المهنية فإن من واجبات الزمالة أن لا يقدح المحامي في زميله وأن لا يشكك في قدراته المهنية والصناعية أو في أخلاقه… كما أن على المحامي الذي توفرت فيه الشروط القانونية قبول الواردين الجدد على المهنة في مكتبه وتمرينهم ونصحهم وإرشادهم ذلك أن المحامي لا بدّ أن يفيد غيره بخبراته ونصائحه ويسلم هذا المشعل الوقاد، مشعل الحق إلى المحامين الشبان حتى يوفوا بالعهد كما يجب ويسيروا على نفس درب العدل والنجاح. فكيفما درّب المحامي تلميذه، ستكون محاماتنا غدا. والأستاذ المشرف على التدريب يجب أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة تجاه المحامي المتمرّن فلا يسيء معاملته أو يستغله لحسابه الخاص كما أن للمحامي المتمرّن واجب أخلاقي تجاه الأستاذ المشرف وهي نفس الواجبات المحمولة على الإنسان اتجاه معلمه.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية فإن العلاقة بين المحامي وزميله تأخذ أبعادا مختلفة ذلك أن طغيان التجمّعات المهنية جعل المحامين في تنافس شديد على الظفر بالخريجين الجدد من كليات الحقوق. فالممتازين منهم يعدّ غنيمة تريد كل الأطراف الظفر بخدماتها. لذلك فإن الهيكل الذي ينضوي تحته المحامون الأمريكيين قد أوصى في سنة 1986 بأن يقع تشغيل المتوسطين من طلبة الحقوق باعتبار أنه من غير المقبول أخلاقيا وضع شروط قبول مجحفة لا تتماشى مع حقيقة إمكانيات الطالب الأمريكي (1) كما أن الفصل 2.4 لـ California Rules of Professional conduct قد منع أن يضع المحامين الاعتبارات الدينية والانتماءات السياسية أو العرقية… عند تشغيلهم لزملائهم المحامين. A California lawyer: Shall not unlawfully discriminate or knowgly permit unlawful discrimination on the basis of race, national origin, sex, sexual orientation, religion, age or disability in : (1) hiring, promoting, discharging or otherwise determining the conditions of employment of any person… ». ومن الأمثلة الأخرى في القانون الأمريكي على واجبات الزمالة ما جاء به الفصل 4.2 من قانون المحاماة الأمريكي الذي منع المحامي من الاتصال بالخصم في القضية دون استشارة أو علم محامي هذا الأخير. « In representing a client, a lawyer shall not communicate about the subject of the representation with a person the lawyers knows to be represented by another lawyer in the lawyers in the mater, unless the lawyer has the consent of the other lawyer or is authorized by law to do so ». والجدير بالذكر أن هذه القاعدة الأخلاقية يوجد لها نظير في تونس ولكن قانون المحاماة لم يكرّسها وإن جاءت بها الأعراف المهنية. فالأخلاق هي أساس المعاملات بين المحامين ولكن أيضا بينهم وبين السلط القضائية والعمومية.

2) الأخلاق في علاقة المحامي بالسلط القضائية والعمومية:

وإن اختلفت المهام بين المحامي والسلط القضائية والعمومية فإن كل منهم يحاول من موقعه تحقيق العدالة الاجتماعية لذلك فإن العلاقة بين الدفاع والقضاء أو الإدارة لا يمكن أن يشوبها التنافس أو التحدّي. فالمحامي يجب أن يتبع القواعد الأخلاقية وأن يلزم سلوكا لائقا اتجاه القضاة، رجال الشرطة وغيرهم من الأعوان العموميين. هذا المبدأ هو نقطة مشتركة أخرى بين المحامي التونسي والمحامي الأمريكي. ففي تونس يحمل القسم الذي يؤدّيه المحامي واجب احترام المحاكم والسلط العمومية (الفصل الخامس من قانون 89)، وهذا الواجب هو واجب أخلاقي قبل أن يكون واجب يفرضه القانون ضمن الفصول المنظمة لمهنة المحاماة.

القضاة هم الساهرون على تحقيق العدل، والأعوان العموميين في الشرطة أو الإدارة هم السلطة التنفيذية التي تطبّق العدالة، فجميعهم بالتالي دعاة للخير والحق ومن الواجبات الأخلاقية على المحامي مساعدتهم في أعمالهم ولكن أيضا احترامهم لأنهم يمثلون العدالة وهي قيمة اجتماعية وأخلاقية لا يجوز الاستهتار بها. ومن أوجه السلوك الأخلاقي الذي يجب أن يتحلى به المحامي هو أداؤه لزيارة مجاملة لرؤساء المحاكم والدوائر عندما يترافع أمامهم لأول مرّة وذلك للتعريف بنفسه ولإبداء استعداده للتعاون معهم لتحقيق العدل والسلام الاجتماعي.

والأمر سيان أيضا في الولايات الأمريكية المتحدة حيث فرض قانون المحاماة في فصله (c) 3.4 على المحامي احترام القضاء والامتثال له: « A lawyer shall not knowgly disobey an obligation under the rules of a tribunal except for an open refusal based on an assertion that no valid obligation exists ». وقد فرض هذا الفصل على المحامي “احترام الإجراء المتبع أمام المحكمة وعدم عصيانه إلا إذا لم يكن هنالك ما يجعل المحكمة تتمسّك بهذا الإجراء.” فهذه قاعدة سلوكية صريحة تحث المحامي على الاحترام والالتزام. كما ينص الفصل 165 من The restatement of the law وهو قانون فدرالي على أن “في تمثيله لحريفه أمام المحاكم، المحامي يجب أن يلتزم بالقوانين بما في ذلك القوانين الإجرائية والقواعد الخاصّة بكل محكمة”. « In representing a client in a matter before a tribunal, a lawyer must comply with applicable law including rules if procedure and evidence and specific tribunal rulings ». فاحترام المحاكم أو المؤسسات العمومية ليس رضوخا لأشخاص بعينهم أو انكسارا أمامهم إنما هو التزام أخلاقي تجاه ما يمثلونه للمجتمع من قيم سامية مثل العدالة والإنصاف والنظام.

3)الأخلاق في علاقة المحامي بحريفه:

إن العلاقة بين المحامي ومنوبه هي الأصل علاقة بين مغيث ومستغيث فالحريف يلتجأ إلى المحامي للتغلب على إشكال قانوني قد يؤدي إلى المس من حرمته الجسدية أو ماله. فموازين القوى ليست متعادلة مما يفرض على المحامي العديد من الواجبات الأخلاقية اتجاه موكله. أوكد هذه الواجبات الأخلاقية هي الحفاظ على السرّ المهني (1) وكذلك العمل بإخلاص وضمير وأمانة (2) عدم نيابة المصالح المتضاربة (3) وعدم الشطط في تحديد الأجور (4) والالتزام بتسليم الأموال إلى أصحابها.

أ- في الحفاظ على السرّ المهني أمام التطوّارات الاجتماعية والتقنية.

إن الحفاظ على السرّ المهني ليس فرضا قانونيا فقط وإنما هو أيضا التزام أخلاقي تجاه الحريف الذي وضع ثقته في المحامي وأسرّ إليه بأشياء يجهلها عنه كثيرون. فالقسم الذي يؤديه المحامي التونسي وكذلك الأمريكي فيه تعهّد بالحفاظ على السرّ المهني وهو ما يرفع هذا الواجب الأخلاقي إلى مصاف العهود التي سيسأل عنها الله يوم الساعة. وسواء تعلق الأمر بالمحامين التونسيين أو الأمركيين فإن هذا الواجب الأخلاقي ذا أولوية كبرى حيث تمّ صياغته ضمن النصوص القانونية مما أضفى عليه قوّة ردعية في صورة خرقه. والحفاظ على السرّ المهني جاء القانون التونسي في 3 فصول من قانون 89 هي 5 و29 و39. أما في القانون الأمريكي فقد ورد بالفصل 1.6 من Model Rule of Professional a) A lawyer shall not reveal information relating to representation of a client unless the client consents after consultation, except for disclosures that are impliedly authorized in order to carry out the representation, and except as stated in paragraph b. b) A lawyer may reveal such information to the extend the lawyer reasonably believes necessary. 1- To prevent the client from committing a criminal act that the lawyer believes is likely result in imminent death or substantial bodily harm or 2- To establish a claim or defence on behalf of the lawyer in a controversy between the lawyer and the client, to establish a defence to a criminal change or civil claim against the lawyer based upon conduct in which the client was involved, or to respond to allegations in any proceeding concerning the lawyer’s representation of the client. وهذا الفصل يتحدّث عن وجوب مراعاة والحفاظ على السرّ المهني إلا إذا كان هنالك ما يوجب إفشاؤه كنية منوّبه إرتكاب جريمة مستقبلية.

إن السؤال الذي يجب طرحه اليوم هو هل أن الالتزام الأخلاقي تجاه المنوّب بالحفاظ على السرّ المهني حافظ على نفس القوّة ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد أثارت جدلا واسعا لكن المؤكد أن الالتزام الأخلاقي للمحامي تجاه مجتمعه هو أكثر وزنا من التزامه تجاه منوبه الذي يشكل فردا واحدا من هذا المجتمع. لذلك وسواء كان الأمر في تونس أو في الولايات المتحدة فإن المحامي عليه واجب الإبلاغ عن أي مسعى للتخريب أو لارتكاب جريمة… كذلك فإنه من الملاحظ أنه أمام التقدّم التكنولوجي فإن المحافظة على السرّ المهني يجب أن يشمل لا ما يصدر عن المحامي فقط وإنما أيضا جهاز الحاسوب في مكتبه. فعادة ما تكون الملفات الخاصة بالحرفاء مخزنة بهذا الجهاز الذي يجب أن لا يطلع عليه إلا المحامي شخصيا والعاملين معه. وهنا لم يحدّد القانون التونسي إذا كان العاملين في مكتب المحامي يحملون نفس واجب الحفاظ على السرّ المهني على عكس القانون الأمريكي الذي حمّل المحامي وكل العاملين معه واجبا أخلاقيا في الحفاظ على أسرار الحريف والحفاظ على السرّ المهني ليس الالتزام الأخلاقي الوحيد الذي يجب على المحامي تجاه حريفه إذ يجب أيضا التزاما بالعمل بإخلاص وضمير وأمانة.

ب- العمل بإخلاص وضمير وأمانة:

إن للمحامي إلتزام أخلاقي تجاه موكله بالعمل بإخلاص وضمير وأمانة ومراعاة مصالحه والسعي جديا لتحقيق أهدافه وهذا الالتزام الأخلاقي يختلف عن الواجبات المحمولة على المحامي في إتقان مهنته والتمكن من الملكات التقنية والصناعية التي تجعله كفأ لتمثيل منوّبه. فالالتزام الأخلاقي يتمثل في العمل بإخلاص وتقديم النصح للحريف دون استغلال جهله للقانون وكذلك في الإيمان بأن الهدف الأسمى هو أن يكمل عمله ويقوم بواجبه بغض النظر عن النتيجة. كما يجب على المحامي الأمانة والإخلاص لحريفه والالتزام بالسعي لتحقيق أهدافه وهذه القاعدة الأخلاقية مشتركة بين المحامي التونسي والأمريكي. وقد تمّ صياغة هذه القاعدة السلوكية بصورة غير مباشرة في القانون التونسي الذي نصّ في فصله الخامس الذي يضمّ القسم على الشرف والأمانة. كما تمّ في القانون الأمريكي التنصيص على هذا الالتزام الأخلاقي في الفصل (A) 101-7 من Code of Professional conduct والذي ينصّ على أن المحامي “لا يجب أن يتعمّد الإخفاق في تحقيق الأهداف القانونية لحريفه أو الإضرار به خلال العلاقة المهنية التي تجمع بينهما”. « A lawyer shall not … fail to seek the lawful objectives of his client through reasonably available means or prejudice or damage his client during the course of the professional relationship ». فالمحامي في أي مكان من العالم يمكن أن يخفق في تحقيق نتيجة لصالح منوبه لكن الأخلاق تفرض عليه أن لا يتعمّد ذلك وأن يتمسك بمبادئ الإخلاص والأمانة والضمير في القيام بمهامه.

كذلك من الواجبات الأخلاقية المحمولة على المحامي أن لا ينوب المصالح المتضاربة:

ج) عدم نيابة المصالح المتضاربة: شركات المحامين كمثال

إن الالتزام الأخلاقي للمحامي تجاه منوبه يفرض عليه أن لا ينوب طرفي النزاع في وقت واحد أو أن يقدّم المساعدة لخصم منوبه بأي شكل من الأشكال. وقد تمّ تعريف نيابة المصالح المشتركة في القانون التونسي والأمريكي بصيغ متشابهة وإن كان القانون الأمريكي وسّع في دائرة التعريف بالمصالح المتضاربة Conflict of interest.

في تونس تمّ تعريف المصالح المتضاربة ضمن الفصل 31 من قانون سنة 89 للمحاماة الذي نصّ على أن: “لا يجوز للمحامي أداء الشهادة في نزاع أنيب أو أستشير فيه ويجب عليه أن يمتنع عن أداء أية مساعدة ولو من قبيل الاستشارة لخصم موكله في نفس النزاع أو في نزاع مرتبط به إذا كان قد أبدى فيه رأيا لخصمه أو سبقت نيابته فيه ثمّ تخلى عنها. كما لا يجوز للمحامي النيابة على من تتعارض مصالحهم في قضية واحدة”. وكذلك ضمن الفصل 28 الذي يتعلق بالشركات المهنية للمحامين والذي ينصّ على أنه “يمنع على المحامي، الشركاء أو المتعاطين، لنشاطهم بمكتب مشترك نيابة أطراف تتعارض مصالحهم في قضية واحدة”. فالمشرّع التونسي قد واكب التطوّر الذي أصبحت عليه مهنة المحاماة في تونس والتي أصبحت تمارس ضمن شركات مهنية تجمع عددا كبيرا من المحامين والمستشارين القانونيين وفرض عليهم عدم نيابة المصالح المتعارضة حتى ولو تعلق الأمر بنيابة كل محام لطرف فقط. ذلك أن تواجد محامين تجمعهم مصالح مشتركة ضمن شركة واحدة قد يضرّ بمصالح المنوّبين – الخصوم في القضية ويمسّ من شفافية المحامي تجاه منوّبه وقد يتأثر بوجود زميل له في نفس المكتب فيكون عمله في غير صالح منوّبه. ولكن هذه القاعدة القانونية هي قاعدة أخلاقية بالأساس ذلك أن اهتمام المحامي وتفكيره يجب أن ينصبّ على مساعدة منوّبه وليس على تحصيل الأموال والثراء ولأن تعدّد المحامين في الشركة الواحدة قد يفتح المجال أمام إنابة المصالح المشتركة بدعوى أن كل محام له ملفات ومكتب خاص به قام المشرّع بالتأكيد ضمن فصل خاص على أن الواجب الأخلاقي المحمول على المحامي الذي يعمل بمفرده هو ذاته المحمول على المحامي الذي يعمل ضمن شركة. فالمحامي عليه التزام النزاهة والأمانة والشرف للذود عن مصالح منوّبه ولا يمكن له أن يثري على حسابهم.

وقد فرض القانون الأمريكي نفس المعايير الأخلاقية في نيابة الموكلين ذلك أنه عرّف نيابة المصالح المتضاربة بكونها “أي تعارض بين مصلحة الحريف ومصلحة المحامي من نفسه أو أي حريف ثان للمحام أو حريف سابق أو شخص ثالث”. « A conflict of interest is involved if there is a substantial risk that the lawyer’s representation of the client would be materially and adversely affected by the lawyer’s own interests or by the lawyer’s own interests or by lawyer’s duties to another current client, a former client, or a third person ».

والملاحظ أن المشرّع الأمريكي قد وسع في تعريف المصالح المتضاربة حيث أخذ بعين الاعتبار مصلحة المحامي الشخصية، مصلحة الحريف وحتى مصلحة حريف سابق للمحامي وذلك لمنع هذا الأخير من استغلال ما لديه من معلومات ضدّ من وكله في الماضي أو أي شخص ثالث ونفس هذا الالتزام الأخلاقي محمول، كما في القانون التونسي، على المحامين العاملين ضمن شركة محاماة. من ذلك أن المحكمة العليا لولاية ماساشوستس قد اعتبرت أنه “لا يمكن لشركة محاماة تنوب الحريف أ، أن تقبل إنابة مشتكي بنفس هذا الحريف أ في قضية أخرى، إلا بعد قبول الطرفين لذلك”. « A law firm that represents client A in the defence of an action may not, at the same time, be consel for a plaintiff in an action brought against a client A, at least without the consent of both parties » . بالإضافة إلى الالتزام بعدم نيابة المصالح المتضاربة فهنالك واجب أخلاقي يحمل على المحامي وهو عدم الشطط في تحديد الأجور.

د- عدم الشطط في تحديد الأجور والالتزام بتسليم الأموال لأصحابها

إن الأجر الذي يتقاضاه المحامي عن الخدمات القانونية التي يقدّمها هي حق مكفول له قانونيا وشرعيا غير أن الواجب الأخلاقي للمحامي يحتم عليه عدم الإثراء على حساب المتقاضين وتقدير أتعابه بكل موضوعية، ذلك أن المحامي في تقديره لأتعابه عليه أن يراعي الحالة المادية لموكله، فالمحامي مهمته أن يجلب الحقوق لأصحابها لا أن يتقاسمها معهم. وقد نصّ القانون التونسي وكذلك القانون الأمريكي على وجوب مراعاة ظروف المتقاضي.

من ذلك أن الفصل 38 من قانون المحاماة لسنة 89 نصّ أنه: “للمحامي المنتدب حق مطالبة منوّبه بأتعاب المحاماة إذا زالت عنه حالة العسر”. وفي ذلك دليل على أنه من الواجبات الأخلاقية المحمولة على المحامي أن يتعامل بإنسانية مع الموكل وأن ينتظر انفراج أزمته المادية حتى يطالب بأجره فهل يجوز أخلاقيا أن يقع مطالبة امرأة ليس لها مورد رزق بأجر المحاماة، ولم يصدر لها حكم النفقة بعد وغير ذلك من الحالات الاجتماعية التي تعترض المحامي في مهنته. فالتعاطف مع المنوّب وتفهّم ظروفه المادية مساهمة منه في التضامن مع مجتمعه.

أما في الولايات المتحدة فإنه رغم طغيان المادة على المعاملات في ظل الفردانية التي تمزق المجتمع الأمريكي فإن القانون المنظم للمحاماة قد نصّ على وجوب “أن أجور المحامي يجب أن تكون معقولة” وذلك ضمن الفصل (a) 1.5 من Model Rule « A lawyers fees shall be reasonable ». ولكن الجدير بالذكر أن “معقولية الأجور” لم يقع تحديدها أو تفسيرها بدقة ضمن القانون الأمريكي مما جعل العديد من المحامين يشطون في تحديد أجورهم دون أن يقع مسائلتهم.

إلى جانب ذلك فإن المحامي التونسي ليس له أن يطلب نسبة من الأموال التي تحصل عليها لفائدة منوّبه، وهنا يكمن الاختلاف الجوهري بين القانون التونسي والقانون الأمريكي ومن هنا نتبيّن مجدّدا أن الأخلاق هي وليدة مجتمعها. فقد نصّ الفصل 41 من قانون المحاماة لسنة 89 أنه: “لا يجوز تخصيص المحامي مباشرة أو بواسطة أو بأي عنوان كان بنسبة معيّنة مما سيصدر به الحكم لفائدة منوّبه ويبطل كل اتفاق مخالف لذلك بطلانا مطلقا”. وهذه القاعدة القانونية هي نتاج للالتزام الأخلاقي الذي يحمل على المحامي بعدم الشطط في تحديد أجره. ذلك أن المحامي له الحق في الحصول على أجر وليس أخذ نصيب من حقوق منوّبه. أما في الولايات المتحدة فإن القانون أجاز أن يتحصّل المحامي على نسبة من الأرباح من ذلك قانون نيوجرزي New Jersey الذي أباح للمحامي الحصول على النسب التالية: 33 % بالنسبة لأول 500.000 دولار يقع الحصول عليها من القضية. 30 % بالنسبة لثاني 500.000 دولار يقع الحصول عليها من القضية. 25 % بالنسبة لثالث 500.000 دولار يقع الحصول عليها من القضية. 20 % بالنسبة لرابع 500.000 دولار يقع الحصول عليها من القضية. ولعل ارتفاع التعويضات والمبالغ المالية المتداولة في القضاء الأمريكي وكذلك ارتفاع المصاريف القضائية قد شجعت المحامين على المطالبة بأجور نعتبرها مشطة وخيالية ويعتبرونها معقولة وأخلاقية. وقد أجاز المشرّع الأمريكي الحصول على نسبة من الأرباح على أساس أن هذه المبالغ والتعويضات قد شارك المحامي بفاعلية في الحصول عليها وأنه لولاه لضاع الحق من صاحبه لذلك يجوز له أخلاقيا الحصول على نسبة منه. كما انه من الواجبات الأخلاقية المحمولة على المحامي إرجاع الأموال إلى أصحابها وعند تنفيذ الأحكام وعدم تأخيرها عنهم أو استغلالها ولو مؤقتا لحسابه الخاص.

العنوان الثاني: آليات مراقبة أخلاق المحامي:

إن السلوك الانساني بصفة عامة بحاجة إلى آليات رقابة عديدة حتى يضمن المجتمع أن لا يحيد الأفراد عن أصول المعاملات فيه وحتى يحقق الأمن والسلم الاجتماعي. فالعقوبات التي تأتي بها المجلات الجنائية هي خير رادع للناس لتجنب اقتراف الجرائم والمسؤولية المدنية التي يحمّلها القانون لبعض المهنيين أو المواطنين تكبح جماحهم عن ارتكاب الأخطاء. لكن القيم الأخلاقية إذا لم تكن مقننة ضمن قواعد قانونية فإن الرادع الوحيد الذي يمنع الناس من انتهاكها هو الضمير فقط. والضمير هو آلية رقابة داخلية وذاتية لا يكفي في أغلب الأحيان لمنع الناس حتى ولو انتموا إلى صفوة المجتمع مسلما هو الحال بالنسبة للمحامين، من انتهاك الفضيلة والتعدي على الأخلاق أو أخلاقيات المهنة. لهذه الأسباب ستقع دراسة آليات الرقابة الخارجية والذاتية، حيث الهياكل المهنية (1) والسلط القضائية من جهة والضمير من جهة ثانية (2).

المبحث الأول: الهياكل المهنية والسلط القضائية

إن القانون قد كفل حماية الأخلاق من مختلف التجاوزات التي يمكن أن تخترقه بأن أعطى للهياكل المهنية للمحاماة والقضاء السلط الكافية لردع المخالفين.

الفقرة الأولى: الهياكل المهنية:

تمارس الهياكل المهنية للمحاماة وعلى رأسها الهيئة الوطنية للمحامين نفوذا مطلقا على المحامين إذا خالفوا قانون المحاماة لسنة 89 أو الأعراف المهنية وهي في ذلك سلطة رقابة وسلطة ردع.

1- سلطة رقابة:

إن الهياكل المهنية للمحاماة في تونس والولايات المتحدة لها سلطة رقابة على مجموع المحامين المنتمين إليها. فقد نصّ الفصل 62 من مجلة المحاماة على انه: يختصّ مجلس الهيئة الوطنية للمحامين بما يلي: (3) ممارسة السلطة التأديبية والعفو المنصوص عليها بالفصل 69 وما بعده من هذا القانون. ونفس الأمر ينطبق في القانون الأمريكي والذي يخوّل فيه لـ American Bar Association على المستوى الفدرالي أو لـ American State Association على مستوى الولايات الأمريكية مؤاخذة المحامون على ما يصدر عنهم من أفعال تخلّ بشرف المهنة.

وهذه السلطة التأديبية التي تتمتع بها الهياكل المهنية للمحامين في تونس والولايات المتحدة لا تشمل فقط الأخطاء المهنية أو الصناعية وإنما تشمل أيضا الأخطاء الأخلاقية التي يمكن أن يرتكبها المحامي من ذلك أن الفصل 64 من قانون المحاماة لسنة 89 قد نصّ على أنه: “يؤاخذ تأديبيا المحامي الذي يخل بواجبه أو يرتكب ما ينال من شرف المهنة أو يحط منها بسبب سلوكه فيها أو سيرته خارجها”. كما ينصّ الفصل 62 من نفس القانون في فقرته الأخيرة على انه “تتولى الهياكل المذكورة – كل في حدود اختصاصه – إجراء المراقبة لصيانة مبادئ الاستقامة والاعتدال ومراعاة واجبات الزمالة التي تقوم عليها مهنة المحاماة وشرفها ومصلحتها”. وبالاستناد إلى هذه الفصول يتبين لنا أن الهياكل المهنية لها سلطة واسعة ليس فقط في مراقبة مدى احترام المحامي للأخلاق وإنها أيضا في التكيف القانوني لأفعال المحامي. ذلك أن العبارات التي أتت بها الفصول القانونية هي عبارات عامّة وتحتمل تأويلات عدّة مما يجعل للهياكل المهنية سلطة تقديرية واسعة في اعتبار الفعل أخلاقي أولا. ولعل هذا الأمر كان متعمدا أولا: لأن الأخلاق متجدّدة ودائمة التغيّر وثانيا لأنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال حصر الأفعال الأخلاقية ضمن قائمة حصرية.

وقد عمد القانون الأمريكي في نفس السياق إلى استعمال عبارات فضفاضة حيث حذر المحامين الأمريكيين ضمن الفصل 9 من Code of Professional responsibility من “تجنب أي مظهر من المظاهر المخلة بشرف المهنة”. « A lawyer shall avoid even the appearance of professional impropriety ».

وقد حث القانون الأمريكي أيضا في الفصل (a) 8.3 من Model Rule على أن “كل محام يحصل له علم بتصرّف غير لائق لمحام آخر وكان هذا التصرّف يمس بصفة جوهرية بالشرف أو الأمانة أو اللياقة، أن يعلم الهياكل المهنية المختصّة”. « A lawyer having knowledge of misconduct by another lawyer that raises a substantial question as to that lawyer’s honesty, trust worthiness or fitness as a lawyer in other respects, shall inform the appropriate professional authority ».

وبذلك تكون النصوص القانونية قد أعطت الهياكل المهنية كل السلطات الناجعة للقيام بعمليات الرقابة حتى تحمي مهنة المحاماة من بعض الممارسات التي قد تسيء إليها.

والهياكل المهنية ليس لها سلطة رقابة فقط بل إن لها أيضا سلطة ردع:

2) سلطة الردع:

إن للهياكل المهنية في كل بلدان العالم سلطة اتخاذ الإجراءات التأديبية ضد المحامين الذين تقاعسوا عن أداء واجبهم. وسواء تعلق الأمر بالمحامين في تونس أو الولايات المتحدة فإن هنالك سلم عقوبات محدّد يقع الاعتماد عليه للعقاب. ففي تونس نص الفصل 64 من قانون المهنة أن العقوبات ممكن أن تتمثل في: الإنذار – التوبيخ – الشطب من قسم التعقيب إلى قسم الاستئناف – الإيقاف المؤقت عن ممارسة المهنة لمدّة لا تتجاوز العامين – التشطيب على الاسم من الجدول لمدّة لا تتجاوز ثلاثة أعوام – محو الاسم من الجدول بصفة نهائية.

وهذه العقوبات المهنية يقع تطبيقها بصفة تتناسب مع حجم الخطأ الذي ارتكبه المحامي. من ذلك أن هيئة المحامين التونسيين قد عاقبت بعض المحامين بالإيقاف المؤقت عن العمل إثر التجائهم لأسلوب غير أخلاقي في مزاولتهم للمهنة وهو السمسرة أو جلب الحرفاء عن طريق وسيط بمقابل. وتعتبر هذه الممارسة مشروعة في الولايات المتحدة حيث أن هنالك شركات أو أشخاص يديرون أعمال أصحاب الأموال والأعمال ويختارون لهم الشركات المهنية للمحامين التي تناسب احتياجاتهم ويكون ذلك بمقابل مادي يقبضه من هذا الطرف أو ذلك حسب الاتفاق.

كما تنزل الهيئة الوطنية للمحامين العقاب بالمحامي الذي يفتح أكثر من مكتب في الجمهورية التونسية في حين أن هذه الممارسة هي مشروعة في الولايات المتحدة بل إن بعض الشركات الكبرى تفتح فروعا لها في كل ولاية وفي كل مدينة.

و من العقوبات التي يمكن ان تسلطها American BAR Association أن تجبر محامي على التخلي عن نيابته في قضية إذا ثبت أن خصمه في القضية لا يعدو أن يكون موكل سابق له في قضية أخرى. ففي الولايات المتحدة يعتبر أن المحامي الذي سبق له أن دافع عن مصالح شخص ما لا يسمح له بالوقوف ضدّه في قضية أخرى إلا إذا وافق طرفا القضية الجديدة على ذلك وبدون موافقتهما يعدّ ذلك ممارسة غير أخلاقية لأن المحامي سيستعمل حتما ضدّ خصمه (الذي كان في وقت سابق منوبه) المعلومات السرية التي أطلعه عليها. وبالتالي فإن الهياكل المهنية التونسية أو الأمريكية لها سلطة تقديرية على مستوى الرقابة والردع إذا أخل المحامي بواجباته الأخلاقية تجاه موكله أو مهنته أو زملائه. لكن هذه الرقابة المهنية ليست وحدها المتكفلة بردع المخالفات الأخلاقية فهنالك أيضا رقابة قانونية وقضائية يمكن لها أن تحرس المحاماة.

الفقرة الثانية: السلطة القضائية:

إن القضاء هو عادة الفضاء الذي يمارس فيه المحامون مهامّهم ولكنه قد يتحوّل بقوّة القانون إلى سلطة إدانة فيستوي بذلك المحامي – بفعله ويد القانون – مع عامّة الناس قد تتأسس الإدانة على أساس المسؤولية المدنية أو الجزائية.

1) المسؤولية المدنية للمحامي

إن بعض التجاوزات الأخلاقية للمحامي في علاقته بمنوّبه قد يترتب عنها المسؤولية المدنية للمحامي فما هو أساس هذه المسؤولية المدنية ؟ (1) وما هي آثارها ؟

ا- أساس المسؤولية المدنية للمحامي:

إن المسؤولية المدنية للمحامي هي بالأساس مسؤولية تعاقدية باعتبار أن العلاقة بين المحامي ومنوّبه في أصلها اتفاق شفاهي أو كتابي، وهذا الأمر هو سيان في تونس أو في الولايات المتحدة الأمريكية. فالمحامي في تونس عليه واجب الالتزام بالسعي وبذل ما في وسعه لخدمة مصالح موكله فأي إخلال مادي أو أخلاقي ينشأ عنه مسؤولية تعاقدية. من ذلك أن المحامي الذي ينوب المصالح المتضاربة يعرّض نفسه للمسؤولية المدنية تجاه منوّبه الذي حصلت له خسارة جراء عدم مراعاة المحامي للأخلاق المهنية في القيام بعمله. ذلك أنه إذا توفرت أركان المسؤولية العقدية من خطأ وضرر وعلاقة سببية فإن المحامي يصبح مسؤولا أمام حريفه ومدينا له بالتعويض. وفي القانون الأمريكي:” فإن العلاقة بين المحامي وحريفه هي أيضا علاقة تعاقدية تنشأ ويبدأ مفعولها إذا أبدى شخص رغبته في إنابة المحامي ووافق هذا الأخير على ذلك أو لم يبدي اعتراضا صريحا على رفضه إنابة هذا الشخص أو تمّ تعيين المحامي من قبل المحكمة لإسداء خدماته القانونية” وذلك حسب الفصل 26 من The restatement of the law governing lawyers “A relationship of client and lawyer arises when: 1- A person manifests to a lawyer the person’s intent that the lawyer provide legal services for the person: and either: a) The lawyer manifest to the person consent to do so: or b) The lawyer fails to manifest lack of consent to do so, and the lawyers knows or reasonably should know that the person reasonably relies on the lawyer to provide the services; or 2- The tribunal with power to do so appoints the lawyer to provide the services.”

وتنشأ المسؤولية التعاقدية باعتبار أن المحامي يجمعه بالحريف عقد وكالة وهذا الأساس هو نقطة إلتقاء أخرى بين القانون التونسي والأمريكي حيث نصّ الفصل 1131 م أ ع “على الوكيل القيام بما وكل عليه بغاية الاعتناء والتثبت وهو مسؤول بالخسارة الناشئة لموكله عن تقصيره كما لو خالف وكالته اختيارا أو خالفت الإرشادات الخصوصية الصادرة له من موكله أو فرّط فيها أعتيد”. وقد أكد المشرّع الامريكي أيضا على أن العلاقة بين المحامي وحريفه هي علاقة وكالة Agency بما فيه من واجب الحذر Diligence وتحقيق المنفعة fiduciary duty. من ذلك أن المحكمة العليا لولاية بنسيلفانيا قد أكدت في أحد قراراتها أنه “في بعض الأحيان هنالك تضارب في المصالح وإخفاق في تحقيق المنفعة لشركة محاماة تنوب نفس الخصوم…”. « Under some circumstances it was a conflict of interest and breach if fiduciary duty for a law form to represent competitors » .

كذلك فإن المحامي الأمريكي قد يتحمّل المسؤولية المدنية إذا أخل بواجب أخلاقي هام هو الشرف إزاء المهنة وذلك في حالة قام بمجاراة حريفه في دعوى الهدف منها التحرّش بشخص ما أو الإضرار به”. فالمحامي يجب عليه أن لا يرفع قضية أو يقوم بالدفاع في قضية إلا إذا كان هنالك سبب غير تعسفي” وذلك ضمن الفصل 3.1 من Model rule of professional « A lawyer shall not bring or defend a proceeding, or assert or controvert an issue therein, unless there is basis for doing so that is not frivolous, which includes a good faith… ». وقد اعتبر هذا الفصل “أن الدعوى تكون تعسفية إذا كان الهدف الأول منها هو التحرّش بشخص ما أو الإضرار بصورة خبيثة بالشخص”. « The action is frivolous, however, if the client desires to have the action taken primarily for the purpose of hoarding or maliciously injuring a person ».

والملاحظ هنا أن القانون التونسي لا يؤاخذ المحامين الذين يرفعون القضايا في حق منوبيهم مهما بلغت درجة التعسّف فيها فالقانون الأمريكي يعتبر أكثر صرامة ويحمل المحامي واجبات أخلاقية تنجر عنها مسؤولية مدنية في حال الإخلال بها. ويترتب عن المسؤولية المدنية أثار قانونية يتمثل في التعويض.

ب- أثار المسؤولية المدنية للمحامي:

يترتب عن المسؤولية المدنية حسب النصوص التي أوردتها مجلة الالتزامات والعقود التعويض المادي عن الأضرار التي تسبب فيها القائم بالفعل الضار ونجد نفس هذا المبدأ القانوني في الولايات المتحدة التي عادة ما يكون فيها مبالغ التعويض ذات قيمة خيالية نظير الضرر المادي والمعنوي للحريف الذي أخطأ المحامي في حقه. وهنا يجب الإشارة إلى ان المحامي في الولايات المتحدة مجبر على القيام بتأمين مسؤوليته المدنية وقيمة التأمين ترتفع مع كل مرّة يخطئ فيها المحامي حتى تتجاوز الملايين من الدولارات والمعروف أنه إذا قامت شركة تأمين بتغطية التعويض المادي لثلاث مرات متتالية تقوم بفسخ العقد ويصبح بعدها من المستحيل على المحامي (أو أي شخص) العثور على شركة تأمين أخرى مما قد يجعله نظريا ينسحب من مهنة المحاماة إذا لم يجد من يقبل بتأمين مسؤوليته المدنية. ولذلك فإن شركات التأمين تنظم إلى المحامي في صورة القيام ضدّه بقضية في إطار واجبها في الدفاع Duty to defend. أما في تونس فإنه ليس هنالك نص قانوني يجبر المحامي على تأمين مسؤوليته المدنية مما يجبره على دفع التعويض بنفسه وتحمل المسؤولية بمفرده إزاء ما قد يقترفه من أخطاء. هذا وقد نصّ القانون عدد 65 لسنة 1998 المؤرخ في 20 جويلية 1998 صلب الفصل 29 على أنه “يجب على الشركة المهنية للمحامين أن تبرم عقد تأمين يغطي مسؤوليتها المدنية والمهنية التابعة عن نشاطها وعليها أن تودع نسخة من ذلك العقد وكذلك ما يفيد خلاص التأمين سنويا لدى الهيئة الوطنية للمحامين وبكتابة المحكمة الابتدائية التي تمّ بهما إيداع العقد التأسيسي”. ويعدّ هذا النص القانوني تطوّرا في نظرة المشرّع باعتبار أن التأمين هو حماية وضمانة للمتقاضين إذا قام المحامي بارتكاب أخطاء مهنية ونظرا لأن كل البلدان المتطوّرة قد فرضت على المهنيين تأمين مسؤوليتهم المدنية والمهنية وفي ذلك دليل على الجدوى الاقتصادية والاجتماعية لهذه العقود. ولكن عدم الالتزام الأخلاقي للمحامي قد يجعله ليس فقط تحت طائلة المسؤولية المدنية بل وأيضا المسؤولية الجزائية.

2) المسؤولية الجزائية للمحامي:

إن بعض القواعد الأخلاقية قد أسبغ عليها المشرّع قوّة إلزامية قصوى مما جعل المحامي الذي يقوم بخرقها عرضة للتتبعات الجزائية بالإضافة إلى العقوبات المهنية والمسؤولية المدنية. ومن بين هذه القواعد الأخلاقية والتي هي قواعد قانونية في ذات الوقت نجد كمثال أوّل: إفشاء السرّ المهني وهو مثال مشترك بين القانون التونسي والأمريكي والسمسرة في تونس (2) وكذلك التطرّف في التضامن مع الحريف في الولايات المتحدة (3):

1) مثال أوّل: إفشاء السرّ المهني

إن الحفاظ على السرّ المهني كما لاحظنا في الجزء الأول من هذه المحاضرة هو من أوكد الواجبات الأخلاقية المحمولة على المحامي ولكن إفشاء أسرار الحريف يتعدّى حدود الأخلاق ليصبح جريمة يعاقب عليها القانون في تونس والولايات المتحدة.

ذلك أن الفصل 254 من المجلة الجنائية قد نصّ على أن “الأطباء والجراحين وغيرهم من ضباط الصحة وكذلك الصيدليين والقوابل وغيرهم من الأشخاص المؤتمنين للأسرار التي تودع عندهم نظرا لحالتهم أو حرفتهم الذين يفشون هاته الأسرار في غير الصّورة أوجب عليهم القانون أو أرخص لهم فيها القيام بالوشاية يعاقبون بالسجن مدّة ستة أشهر وبخطية…”. فهنا يصبح إفشاء السرّ المهني هو جريمة يعاقب عليها القانون بستة أشهر سجنا مع ما يعنيه ذاك من فقدان المحامي لكرامته وحقوقه المدنية”.

فالواجب الأخلاقي تصبح له قوّة نافذة تتجاوز حدود آلية الردع الآلية ويصبح معها المحامي مهدّدا بانتهاك حرّيته الجسدية. هذا مع التأكيد على أن واجب الحفاظ على السرّ المهني يفقد كل قيمته في الصّور التي نصّ عليها القانون كما أشار إلى ذلك هذا الفصل وهذه المسؤولية الجزائية هي نفسها المحمولة على المحامي الأمريكي. من ذلك أنه في قرار يدعى Sheppard V Maxwell تتلخّص وقائعه في أن الدكتور رسام شيبرد Sam Sheppard قام بقتل زوجته الحامل وقد تحولت هذه القضية إلى قضية رأي عام بالنظر إلى ثراء المتهم واتجهت أنظار الصحافة إلى قاعة المحكمة والأحداث فيها وحصل ضغط إعلامي كبير جعل القاضي يحكم بالإدانة رغم براءة الطبيب الزوج المتهم وقد نقضت المحكمة العليا قرار محكمة البداية وأدانت القاضي نفسه لأنه لم يستطع تطبيق القانون إزاء الهجمة الصحفية التي تعرّض لها المتهم، كما لم يمكن المطلوب من محاكمة عادلة ولكن الأهم من كل ذلك أنه وقع إدانة محامي الطرفين بجريمة إفشاء الأسرار المهنية للصحافة. وللتدليل على ما أحدثه قرار المحكمة العليا من إدانة للقضاء والمحامين والشهود وعناصر من الشرطة هو تحوّل هذه القضية إلى فيلم شهير عالميا هو “الهارب” The fugitive ظلّ شاهدا على الظلم الذي قد يتعرّض له المتقاضي في صورة لم يلتزم المحامي بالواجب الأخلاقي المحمول عليه في عدم إفشاء السرّ المهني.

ب) مثال ثان: جلب الحرفاء تحيّلا في تونس

إن التوسط في جلب الحرفاء هو من الممارسات اللا أخلاقية التي يعاقب عليها القانون. إن الواجب الأخلاقي للمحامي يوجب عليه الشرف في التعامل مع مهنته والترفع عمّا يسيء إلى صورته أمام المجتمع، فاستجلاب الحرفاء بطرق غير شرعية يعدّ من الممارسات التي يجب أن يتنزّه عن اقترافها سيد الدفاع ولسان الحق. وهذه الممارسة اللا أخلاقية لها تبعات قانونية خطيرة توجب مساءلة المحامي قانونيا وعقابه جزائيا إذا ثبتت مسؤوليته. لكن قبل الخوض في كل ذلك ما هو تعريفها تحديدا ؟

لقد عرّفها الأمر المؤرّخ في 12 مارس 1948 المتعلق بزجر جلب الحرفاء تحيّلا في فصله الأوّل بكونها: “استجلاب الحرفاء تحيّلا لفائدة أشخاص متعاطين لصناعة حرّة يعتبر جريمة”. وقد جاء هذا النصّ القانوني عاما ينطبق على جميع أصحاب المهن الحرّة بها في ذلك المحامي.

ومن القرائن التي تدل على عدم تسامح القانون مع هذه الممارسة هو أن الفصل الثاني من هذا الأمر قد جرّم هذا الفعل حتى وإن لم يثبت بأن هؤلاء الوسطاء قد قبضوا أجرا عن ذلك. والمسؤولية الجزائية للمحامي عن إخلاله بشرف مهنته وعدم مراعاته للأصول الأخلاقية التي تحكم مهنته قد تؤدي به إلى العقاب البدني ذلك أن الفصل 3 من هذا الأمر ينصّ على أن: “جميع الأنفار الذين يثبت عليهم ارتكاب هذه الجنحة يعاقبون بالسجن من 3 أشهر إلى عام وخطية من 3 آلاف فرنك إلى 12 ألف فرنك والعقوبات نفسها تنطبق على الشركاء في المخالفة”.

والمحامي يعتبر شريكا إذا تعامل مع “من يشتغلون اعتيادا بالبحث عن الحرفاء ليعرفوهم بكل شخص مباشر لصناعة حرّة مرتبة بقانون” وفي هذا دليل على أن بغض الحياد عن الأخلاق قد ينجرّ عنه أكثر من تأنيب الضمير. والجدير بالذكر أنه في الولايات المتحدة لا يعتبر جلب الحرفاء مخالفا للقانون إذا كان في إطار القوانين المعمول بها، ذلك أنه لكل شخص وكيل أعمال أو شركة تنظم عملية وتقوم بتنصيع صورة الشخص وجلب الأسواق أو المعاملات له مقابل عمولة قد تصل إلى 25 % من القيمة الجملية للعرض وذلك ينطبق في كل المجالات والمهن الحرّة.

ولكن هنالك أساس أخلاقي لهذه العلاقات وهي المنافسة الشريفة والنزيهة ولكن أيضا وبالنسبة للمحامين اعتماد شبكة علاقات بعيدة عن المأمورين العموميين، الشرطة والقضاة.

المثال الثالث: التطرّف في مساندة الحريف في الولايات المتحدة

إن من الواجبات الأخلاقية المحمولة على المحامي التعاطف مع منوّبه ومساندته والإيمان بنفس أهدافه وبذل المجهودات اللازمة بكل نشاط وحزم ذلك أن الفصل 7 من The Code of Professional Responsibility يحرّض “المحامي على تمثيل حريفه بكل حماس وذلك في إطار القانون”. « A lawyer should represent a client zealously within the bounds of the law ».

كما ينصّ الفصل 1.3 من Model rule of Professional على أن “المحامي يجب أن يتصرّف بحرص وإيمان في مصالح حريفه كما عليه أن يمارس المحاماة بحماسة لصالحه”. « A lawyer should act with commitment and dedication to the interests of the client and with zeal in advocacy upon the client’s behalf ».

ولكن الحماسة لا يجب أن تذهب بعيدا بالمحامي الذي قد يعرّض نفسه لجريمة “الإفراط في الحماس” extreme over zealousness إذا قام بمساندة حريفه إلى درجة تحريضه على تظليل العدالة أو تدمير مستندات تدينه وتغيّر مجريات القضية أو ممارسة العنف اللفظي ضد الشهود وتتراوح العقوبات بين المطالبة بالتعويض، التنحي عن القضية ولكن أيضا السجن كما حدث في العديد من القضايا . مثل Ferraro Koncalass تحت عدد 467 صادرة عن محكمة نيو يورك. فالمحامي الأمريكي قد يكون محل مساءلة قانونية يتحمّل إثرها عقوبات بالسجن إذا ثبتت مسؤوليته الجزائية. فالاعتصام بالأخلاق هو الحل الوحيد الذي يحمي شرف المحامي في كل مكان من العالم. ولأن البعض منهم قد لا يرتدعون تلقائيا فإن العقوبات المدنية والجزائية قد تكون هي الفيصل. لكن هل أن هذه الآليات المهنية والقانونية ناجعة بشكل كامل ؟ الإجابة هي قطعا لا، إذ يجب أن يكون هنالك آلية رقابة ذاتية هي الضمير.

المبحث الثاني : الضمير آلية رقابة ذاتية:

إن المحافظة على الأخلاق المهنية والتمسّك بها لا يمكن أن يكون وليد الرقابة التي تمارسها الهياكل المهنية أو السلط القضائية فقط. ذلك أن الهياكل المهنية مهما حاولت الاحاطة بالمحامي وتوعيته بل وتأديبه لن تتمكن من غرس القيم الأخلاقية في نفسه إذا لم يكن به وازع من ضميره. كما أن القوانين التي يجب المحامي تطويعها لن تجدي في ردعه أو إذا لم يرتدع تلقائيا. فالضمير وحده هو الضابط والحكم. فالضمير المهني هو الذي بإمكانه أن يعصم المحامي كليا عن ارتكاب الأخطاء مهما كانت بساطتها وهو المحدّد الذاتي الذي يسطر السبل الأخلاقية التي على المحامي انتهاجها في مهنته ومعاملاتها وذلك لسببين: 1- أولا لأن بعض التجاوزات الأخلاقية مثل الإخلال بواجب الزمالة وعدم الجدية في العمل، لا يمكن للقانون أن يثبتها إلا بصعوبة. من ذلك أن الواجب المحمول على المحامي للاتصال بزميله واستشارته عن إمكانية التعامل مع حريف لهذا الأخير وسؤاله إن كان أخذ منه مستحقاته كاملة، لا يمكن أن يثبت الإخلال به وحتى في صورة إثباته فإن العقوبة تكون مهنية وليست قانونية. وكذلك واجب التنسيق بين الأعمال إذا كان المحامون ينتمون إلى نفس الشق في الدفاع، لا يمكن إثبات الإخلال به إن وجد. 2- لأن الأخلاق هي عنصر معنوي لا يمكن الإطلاع عليه بسهولة ولأن المحامي يجب أن تكون روحه نقية ونفسه مهذبة وهذا الأمر يتطلب رقابة ذاتية أكثر من الرقابة التي تمارسها الهياكل المهنية أو القوانين.

من ذلك أن المحامي الأمريكي قد يعمد إلى تقديم تصريحات بمقابل إلى مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة ويكون ذلك خاصّة في القضايا الجنائية ويكون ذلك أثناء المحاكمة. وتعدّ الأموال التي يقبضها من وسائل الإعلام، بعد موافقة منوبه، جزءا من أتعابه في القضية التي لا يمكن أن يتحملها الحريف بمفرده نظرا لضخامتها. والاتجار بآلام الناس ومصائبهم رغم بشاعته فإن القانون لا يمنعه في ولاية كاليفورنيا التي لها قانون محاماة محلي لا يتطابق مع القانون الذي أصدره الهيكل الفدرالي للمحامين الأمريكيين والذي ينصّ صراحة في فصله (b) 1.8 على أنه “لا يمكن للمحامي أثناء إنابته لحريفه أن يعقد أي اتفاق للحصول على حقوق أدبية من وسائل الإعلام أساسها معلومات متعلقة بالمعلومات المرتبطة بنيابته”. « Prior to the conclusion of representation of a client, a lawyer shall not make or negotiate an agreement giving the lawyer library or media rights to a portrayal or account based in substantial part on information relating t the representation ».

ولعل هذا النصّ الذي جاء محدودا في الزمن قد شجع المحامي الأمريكي على قبول الاتصال بوسائل الإعلام بعد انتهاء القضية فقط. وهذا القانون رغم أنه محدود الفاعلية إلا أنه لم يأخذ به أصلا في ولايات مثل كاليفورنيا، كارولينا الشمالية…

وبذلك تكون الأخلاق صعبة التحقيق بشكل مثالي مع عدم نجاعة القانون في بعض الأحيان حيث يعجز عن تطويقها بشكل كامل مما يفتح المجال أمام التجاوزات التي يكون الضمير فقط عاصمها.

فالأخلاق بالمحصلة ليست دروسا تلقن أو قوانين تجبرنا على عدم الإخلال بها إنما هي سلوك ذاتي يرفع من شأن صاحبه إلى مصاف العظماء المصلحين إذا اعتصم بها. والأمثلة عديدة ولا سبيل إلى حصرها وكلها تؤكد عدم النجاعة الكاملة لآليات الرقابة ورغم أنه من واجبات المحامي تجاه مهنته أن يعلم الهيئة الوطنية للمحامين عن أي تجاوز يلاحظه يمسّ من هيبة المهنة وشرفها. إلا أن هذا أيضا إلتزام أخلاقي وقع تناسيه وإغفاله ولا يعاقب أي قانون على عدم الإشارة إلى فعل لا أخلاقي من قبل زميل.

الخــاتـمـة

إن هذه المحاضرة كانت محاولة بسيطة للتعريف بأخلاقيات مهنة المحاماة، ذلك أن الالمام بجميع المعطيات المتعلقة بهذا الموضوع وذكر جميع القواعد السلوكية الأخلاقية يستوجب أكثر من دراسة. أخلاقيات مهنة المحاماة هي إرث معنوي عريق لا سبيل إلى التنازل عنه أو الاكتفاء ببعضه ولعل الصعوبات التي تعترض مهنة المحاماة اليوم والتحديات التي ما فتئت ترفع أمامها تستوجب منا أكثر من أي وقت مضى التمسّك بأخلاق مهنتنا والتكاتف حول المبادئ الأخلاقية التي هي أساس مهنتنا. المحاماة هي أمانتنا التي في محافظتنا عليها نضمن مستقبل مجتمعنا الذي يحتاجنا رعاة للحق وحماة للأخلاق ودفاعا عن الحرّية فيه. إن كل فرد فينا مسؤول عن حماية أخلاقيات مهنتنا والذود عنها كمسؤوليته عن حماية كل ضعيف وطالب حق. المحامي هو خط الدفاع الأول للمجتمع ضد الاستعمار الثقافي والاقتصادي الجديد والأولي بالفارس أن يحمل اللواء ويكون القدوة والمثال.


المراجع 

  • المراجع باللغة العربية
    علي بن الصادق عبيد: “المسؤولية الجزائية للمحامي” مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمقة في الحقوق اختصاص علوم إجرام السنة الدراسية 2000/2001 جامعة تونس المنار، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس.
    الأستاذة لمياء الشابي: “أتعاب المحاماة” مذكرة ختم تمرين سنة قضائية 2006–2007.
    الأستاذ رابح الخرايفي: “مقالات في مهنة المحاماة التونسية” دار قتيبة.
    الأستاذة أمينة ذكار الشايبي: “مسؤولية المحامي المهنية” مذكرة ختم تمرين سنة قضائية 2002-2003.
    الأستاذ سامح التليلي، محاضرة تم التمرين السنة القضائية 2006-2007.
    مدخل لدراسة القانون، محمد الشرفي وعلي المزغني، المركز القومي البيداغوجي، تونس 1993.
    النظرية العامة للالتزامات: 1- العقد، محمد الزين، مطبعة الوفاء، تونس، 1997.
    عبد القادر الاسكندراني: “محاضرة بعنوان أخلاقيات المهنة ركيزة أساسية لتكوين المحامي”، “ندوة تكوينية حول تكوين المحامي ضمانة لحق المتقاضي”.
    علي بن الصادق عبيد: “المسؤولية الجزائية للمحامي” مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمقة في الحقوق اختصاص علوم إجرام السنة الدراسية 2000/2001 جامعة تونس المنار، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس.
    الأستاذة لمياء الشابي: “أتعاب المحاماة” مذكرة ختم تمرين سنة قضائية 2006–2007.
    الأستاذ رابح الخرايفي: “مقالات في مهنة المحاماة التونسية” دار قتيبة.
    الأستاذة أمينة ذكار الشايبي: “مسؤولية المحامي المهنية” مذكرة ختم تمرين سنة قضائية 2002-2003.
    الأستاذ سامح التليلي، محاضرة تم التمرين السنة القضائية 2006-2007.
    مدخل لدراسة القانون، محمد الشرفي وعلي المزغني، المركز القومي البيداغوجي، تونس 1993.
    النظرية العامة للالتزامات: 1- العقد، محمد الزين، مطبعة الوفاء، تونس، 1997.
  • المراجع باللغة الانقليزية

Alisdair Macintyre, after virtue; a study in moral theory
Bernard Williams, morality; an introduction to ethics.
Debarah L.Rhode, Professional responsibility, ethics by the pervasive method.
Geoffry James Warnok, the object of morality.
Henry Sidgwick, the methods of ethics.
James Rachel, the elements of moral philosophy.
Kurt Baier, the moral point of view.
Nathan M.Crystal, an introduction to professional responsibility.
Stanley MILGRAM, obeidience to Authority: an experimental View.

فقه القضاء الأمريكي 

Meyerhofer v. Empire Fire & Marine Ins. Co, 497 F.2d 1190 (2d Cir.), cert, denied, 419 U.S. 998 (1974), and text at Chapter 4.G.
Estate of Pinter v. McGee, 679 A.2d 728 (N.J. Sup. Ct. app. Div. 1996).
Hopper v. Frank, 16 F.3d 92 (5th Cir. 1994); ABA Comm. On Ethics and Prof Resp, Formal Opinion 91-361.
Hishon v. King & Spalding, 467 U.S. 69 (1984) (female associate who had been passed over for partnership stated cause of action for sex discrimination against her firm under Title VII of the Civil Rights Act of 1964).
Doe v. Kohn Nast & Graf, P.C., 862 F. supp. 1310 (E.D. Pa. 1994) (facts similar to movie Philadelphia).
White v. McBride, 937 S.W.2d 796 (Tenn. 1996) (one-third contingent fee in contested probate proceeding was clearly excessive).
Townsend v. State Bar of California, 197 P.2d 326 (Cal. 1948) (en banc).
Committee on legal Ethics v. Hart, 410 S.E.2d 714 (W. Va. 1991). March21, 1997) and Model Rule 1.2.d

المصدر : منتدى رجال القانون – 

القضاء السويسري : إتهام شخص بالزنا يمثل قذفا حتى و لو وقع إلغاء جريمة الزنا

أصدرت المحكمة الفيدرالية السويسرية قرارا إعتبره رجال القانون بالهام في مادة القذف إذ وضع حد للخلاف الذي أثير في خصوص إسقاط عقوبة الزنا في غرة جانفي 1990 و إلغاء الفصل 214 من المجلة الجنائية السويسرية و ما إذا كان نعت شخص بالزان لا يزال يعد مسا بالشرف و هتكا للعرض في ظل هذا الإلغاء لجريمة الزنا.
و بالرجوع إلى وقائع القضية موضوع القرار يتضح تعمد إمرأة إلى بعث إرسالية قصيرة عير جوالها إلى زوجة مواطن ناسبة له أنها أقامت علاقة خنائية معه بينما كانت هي في عطلة .
و تقدمت زوجة هذا الرجل بشكاية إلى العدالة ضد هذه إمرأة إلا أن المحكمة الإبتدائية لم تجار الزوجة في شكايتها و قضت بعدم سماع الدعوى إعتبارا و أن العلاقة الخارجة عن إطار الزوجية لم تعد في يومنا مبعثا للمس بالشرف، فإستئأنفته النيابة العمومية لدى المحكمة الفيدرالية التي إعتبرت و أنه “و لئن كان زنا غير مجرم فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه مقبول أخلاقيا، صحيح أن الحرية الجنسية قد دخلت في القيم و أن الشخص الذي يرتكب الزنا غير معرض للإستنكار إلا أن الفصل 159 في فقرته الثالثة من المجلة المدنية أوجب على الزوجين الإلتزام بواجب الوفاء .
إن عدم إعتبار الزنا كسبب للطلاق لا يجب أن يفهم منه أنه عمل غير شرعي فالطرف الذي يقيم علاقة جنسية خارج إطار الزواج يكون قد أخل بإلتزاماته الزوجية و خان الأمانة التي عهدت إليه و بالتالي بات كالشخص الذي ُيعرف في المجتمع بغير النزيه و الذي فقد كلمته و سمعته و لئن لم تلطخ كاملا إلا أنه وقع المساس بها”.

منتدى رجال القانون – الأستاذ طه العبيدي

الإعدام والحق في الحياة – الأستاذ مصطفى الصخري

الإعدام والحق في الحياة – مقال نشر للاستاذ مصطفى الصخري رحمه الله بتاريخ 29 سبتمبر 2015

المصدر : منتدى رجال القانون

 

المقدمــــــــــــــــــــــــة

1 إن لبشاعة بعض الجرائم الاثر الهام في المطالبة بالقصاص من المجرم وتفعيل عقوبة الاعدام.

ولقد عرفت البشرية تلك العقوبة منذ قرون طويلة إذ يرجع الأمر إلى ما قبل ميلاد المسيح عليه السلام فلقد عرفها الرومان ونص عليها قانون حمورابي الشهير وذلك سنة 1700 قبل الميلاد. ولقد كانت تلك العقوبة تطبق في عديد الجرائم مثل جريمة خطف ابن رجل حر وجريمة اتهام آخر بالقتل دون دليل ومن شهد زورا والعقوبة نفسها تطبق على السرقة من المعابد وأموال الدولة وإخفاء الأشياء المسروقة وإحداث صدع بمنزل( ) وجريمة الاغتصاب والتخلف عن الخدمة الوطنية ومن تولى إخفاء متآمر على الدولة كما كان الاعدام يسلط على الحلاق الذي يعمد الى ازالة علامة العبودية على الرق، وبصفة عامة فلقد كان الرومانيون يطبقون عقوبة الاعدام على الجرائم التي تشكل خطرا على الدولة من ذلك جرائم التجسس والخيانة العظمى إضافة الى جرائم الحرق والقتل.

2 ولقد عرف الفراعنة كذلك عقوبة الاعدام التي تسلط على الزانية حرقا وعلى من لا يدلي بتصريح يطابق الواقع عن موارده المالية أو من تخلف عن الابلاغ عن مؤامرة تستهدف فرعون.
3 ولم تخلو المدونات الشرقية القديمة من التنصيص على عقوبة الاعدام في العديد من الجرائم كالقانون الآشوري الذي يعاقب بالموت على من يواقع امرأة دون رضاها وتسلط نفس العقوبة في جريمة السحر والضرب المفضي الى الإجهاض واغتصاب العذراء ( ).
4 ولقد كرس القرآن الحق في الحياة اذ جاء في ذلك قوله تعالى عز شأنه:” مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ” ( )

5 ومن الآيات التي تكرس أيضا حق الانسان في الحياة في القران الكريم يمكن أن نشير إلى قوله عز شأنه: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( )
وكذلك قوله عظم شأنه : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( )

6 والثابت أنه لم ترد بالشريعة الاسلامية عبارة الإعدام وذلك سواء في كتاب الله أو سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم واستعملت عبارة القصاص مقابل ذلك، فلقد جاء بالآية 178 من سورة البقرة في ذلك: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ” ( )

7 ويلاحظ أن انزال عقوبة بالقاتل ليس أمرا آليا في الاسلام إذ أقر العفو ونصت عليه بعض الآيات الكريمة من ذلك قوله تبارك وتعالى: “وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ” ( )
وكذلك قوله تعالى: “الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” ( )
وفي سنّة رسول الله فالثاتب أن عقوبة القتل ترك فيها الخيار لأهل الضحية في التمسك بطلب القصاص أو الدية إذ جاء في ذلك بالحديث النبوي الشريف “من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن احبّوا فالقود ( أي الدية ) وإن احبّوا فالقتل” ( )

ويظل الخيار لولي الدم في تنفيذ عقوبة القتل على القاتل أو إنزال عقوبة اخرى غير عقوبة القتل ( )

8 ومن النصوص القرآنية الدالة على وجوب المماثلة في الجزاء والعقاب قوله تعالى بالآية 126 من سورة النحل: “وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ”

وتلك الآية تدل على المماثلة في القصاص وعلى وجوب المثل.

9 وخلافا لما يعتقده البعض فان الاسلام قد نص على عقوبة القتل ليس فقط في جريمة قتل النفس بل كذلك في ما يعرف بحد الحرابة التي تجد سندها في الآية 33 من سورة المائدة التي ورد بها: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”

10 ويقول بعضهم في ذلك أن الذين يحاربون شرع الله ورسالته للناس التي تنص على الحفاظ على حياتهم وأنفسهم وعلى سلامتهم وأمنهم بالليل والنهار والسر والعلن والنجوى والعلانية يحاكمون كلٌّ حسب جريمته فإن صاحب فعلته في قطع الطريق والبلطجة والتهجم على الآمنين قتلا وإزهاقا للأنفس البريئة التي حرم قتلها إلا بالحق، أي بالقصاص، فيُحكم عليه بالقتل ( )
وعلى قول مالك يقتل قاطع الطريق إذا رآه الإمام مجرما اعتاد الاجرام ولو لم يقتل وذلك لإخلاله بالأمن العام وإمعانه في الفساد والإفساد ( ) وما يلاحظ أن القانون التونسي يعاقب قاطع الطريق بالسجن عملا بأحكام الفصل الاول من الأمر المؤرخ في 02 افريل 1953 المتعلق بزجر الاعتداءات المدبرة ضد الجولان بالطرقات الذي جاء به: كل من يستعمل بقصد التسبب في حادث او تعطيل الجولان باي وسيلة لتكون عرضة لمرور العجلات بطريق او ثنية عمومية يعاقب بالسجن من عامين الى خمسة اعوام وبخطية من عشرة آلاف فرنك الى مائة الف فرنك.
وان ارتكب الاعتداء ليلا فلا مجال ابدا لقبول ظروف التخفيف.
11 علاوة على ما تقدم فهناك من يرى أن الشريعة الاسلامية تسلط عقوبة القتل على الذي يكفر بعد إسلامه وسندهم في ذلك قوله تعالى في سورة البقرة الآية 217: “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” ( )
12 كما يرى بعضهم كذلك وجوب تسليط عقوبة الرجم حتى الموت على الزاني المتزوج لأن فيه اختلاطا للأنساب وانتهاكا للأعراض ومبررات ذلك أنه ليس له عذر كالذي لم يتزوج( )
ويقول بعضهم أن قتل الزاني رجما هو حد مشروع في حق المحصن ثابت بالسنة ولقد أجمع عليها الفقهاء إلا طائفة الازارقة من الخوارج لأنهم لا يقبلون الأخبار إذا لم تكن في حد التواتر فعندهم عقوبة الزنا واحدة سواء كان متزوجا أو غير متزوج سندهم في ذلك قوله تعالى “الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ” ( )

ورجم الزاني حتى الموت سواء كان ذكرا أو إنثى كان قد عمل به الرسول صلى الله عليه وسلم في حكاية ماعز بن مالك وكذلك المرأة الغامدية ( )
13 ويجب الإشارة الى أنه لا تنفذ عقوبة الرجم في حق الحامل حتى تضع حملها ( ) وهو نفس التوجه الذي انتهجه المشرع التونسي بالفصل التاسع من المجلة الجزائية فيما يتعلق بتنفيذ عقوبة الاعدام على المحكوم عليها الحامل.

14 ولقد نص المشرع التونسي على عقوبة الاعدام كعقوبة اصلية بالفصل الخامس من
وسنتولى التعرض في هذه المداخلة الى ثلاث محاور:
– عقوبة الإعدام في التشريع التونسي (1)
– الحق في الحياة من خلال المجلة الجزائية (2)
– ثم إلى مدى فاعلية عقوبة الاعدام في تكريس الحق في الحياة (3)

المحور الأول : عقوبة الإعدام من خلال التشريع التونسي :

نص المشرع على عقوبة الإعدام بنصوص زجرية عديدة وهو ما يتضح مما يلي:

أولا- تسليط عقوبة الاعدام في الجرائم المتعلقة بالأشخاص:

15 لقد نص المشرع التونسي على عقوبة الاعدام في الجرائم المتعلقة بالأشخاص من ذلك:

1-جريمة القتل العمد بإضمار (الفصل 201 من المجلة الجزائية):
ذلك ما نص عليه الفصل 201 من المجلة الجزائية الذي جاء به: ( يعاقب بالإعدام كل من يرتكب عمدا مع سابقية القصد قتل نفس باي وسيلة كانت ).

ولقد تشدد المشرع في العقوبة هنا وعدّ توفر الاضمار ظرفا مشددا نظرا لخطورة الجرم وإقدام القاتل على اقتراف جريمته بعد تفكير هادئ وتصميم وتخطيط وإدراك وإعداد خطة محكمة لإزهاق روح غريمه مما يؤكد قطعا أن الجاني قد تلبس بنزعة شريرة فهو ماض في جريمته رغم علمه بفظاعتها وبشاعتها.

16 ولقد عرف المشرع الاضمار بالفصل 202 من المجلة الجزائية الذي ورد به: ( سابقية القصد هي النية الواقعة قبل مباشرة الاعتداء على ذات الغير).

ولقد كرّس فقه القضاء وجوب توفر الاضمار في جانب الجاني إذ تقول محكمة التعقيب: “ركن الاضمار حسب ما جاء بالفصل 202 جنائي هو تفكير الجاني فيما اعتزمه وتدبر عواقبه وهو هادئ البال” ( )

وفي قرار آخر تقول محكمة التعقيب عن الاضمار في جرائم القتل: “ان سابقية الاضمار تستلزم حتما سبق عزم الجاني على الجناية بعد التفكير فيها وفي عواقبها وهو هادئ البال وهو أمر تستخلصه محكمة الأصل من القصد وتستدل على توفره بما تتضمنه الأوراق من الأدلة والقرائن الثابتة.” ( )

17 كما جاء بقرار آخر في المعنى نفسه: “إن ركن القصد الجنائي في جريمة الفصل 202 جنائي والذي عبر عنه القانون بعبارة العمد لا يكفي لتوفره وجود القصد الجنائي العام الذي يتطلبه القانون في سائر الجرائم القصدية وهو علم الجاني بان الامر الذي يأتيه هو محضور بل لا بد في جناية القتل العمد من توفر قصد جنائي خاص وهو انصراف الجاني إلى ارتكاب الجريمة وإتيان الفعل المعاقب عليه اي عزمه بدون رجعة على إزهاق روح المجني عليه” ( )

كما ورد بقرار آخر في المعنى نفسه:” يستوجب الاضمار العزم على ارتكاب الجريمة وهدوء البال والتخطيط لارتكابها وإعداد العدة لها ووجود فاصل زمني بين العزم على ارتكاب الجريمة وبين اقترافها والترصد لها” ( )

18 ويجب التأكيد على أن محكمة التعقيب مستقرة على أن تقدير توفر الإضمار من عدمه في جرائم القتل العمد مسألة تختص بتقدير توفرها من عدمه محكمة الموضوع شرط التعليل وإبراز الظروف الحافة بالجريمة مما له أصل بملف القضية اذ تقول: لئن كانت نية القتل مسالة موضوعية يقدرها القاضي بما يستخلصه من ظروف الجريمة وأسبابها فان اعتبار خلاف الجاني والضحية دافعا على القتل واستنتاج تلك النية من تعدد الضربات يجعل الحكم ضعيف التعليل ومستوجب للنقض.( )

2- جريمة قتل القريب (الفصل 203 من المجلة الجزائية) :
19 نص المشرع على تلك الجريمة بالفصل 203 من المجلة الجزائية الذي جاء به: ( يعاقب بالإعدام مرتكب قاتل القريب).

والمقصود بقتل القريب هو قتل الأصول وإن علوا.
وما جاء بهذا الفصل في طريقه حفاظا على الرابطة الاسرية وقدسيتها اذ يفترض أن تكون صلة الرحم متماسكة وان لا يقابل الفرع سواء كان الابن او البنت احسان والديهما أو أصولهما له بالجحود إذ لا يمكن للمرء ان يقبل بقتل الفرع اصله خاصة اننا في مجتمع عربي إسلامي ويكرس فيه حق الوالدين والأقربين وعليه فان الإساءة إليهما ظرف تشديد.

جاء في ذلك المعنى بالقرآن الكريم : وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ( )

3-جريمة القتل المرتبطة بجريمة اخرى ( الفصل 204 من المجلة الجزائية ) :
20 نص المشرع على عقوبة الاعدام في هذه الصورة بالفصل 204 من المجلة الجزائية الذي جاء به: (يعاقب بالإعدام قاتل النفس عمدا إذا كان وقوع قتل النفس اثر ارتكابه جريمة اخرى او كان مصاحبا لها او كانت اثره وكانت تلك الجريمة موجبة للعقاب بالسجن او كان القصد من قتل النفس الاستعداد لارتكاب تلك الجريمة او تسهيل ارتكابها او مساعدة فاعليها او مشاركيهم على الفرار او ضمان عدم عقابهم) .
21 ولقد جاء في ذلك المعنى بفقه القضاء: “ان الفصل 204 من المجلة الجنائية جاء لمعاقبة قاتل النفس عمدا بالقتل اذا كان وقوع القتل إثر ارتكابه جريمة أخرى او كان مصاحبا لها أو كانت إثره وكانت تلك الجريمة موجبة للسجن او كان القصد من قتل النفس الاستعداد لإيقاع تلك الجريمة او تسهيل ايقاعها أو التوصل للفرار أو لعدم عقاب فاعليها او مشاركيهم. ان تحضير وسيلة القتل لا يمكن بأي طريقة كانت أن يدخل تحت طائلة منطوق ومفهوم الفصل 204 من م.ج.”( )
22 وفي الحقيقة فإنه لا مناص من إنزال عقوبة الإعدام وفق ما نص عليه الفصل 204 من المجلة الجزائية متى توفرت جريمتان على مستوى أركانهما وهو أمر كرسه فقه القضاء اذ تقول محكمة التعقيب: ” لقيام جريمة الفصل 204 من المجلة الجزائية لا بد من توفر جريمتين مختلفتين ومستقلتين من حيث أركانهما المادية والمعنوية” ( )
وتشدد المشرع في العقوبة الصارمة هنا وفق ما اقتضاه الفصل 204 من المجلة الجزائية مبرر ولا شك بضرورة ردع المجرم او المجرمين ان تعددوا سواء كانوا فاعلين أصليين او الى جانبهم مشاركين اذ يتحتم انزاله عقاب قاس يتناسب مع خطورة الجريمة فارتكاب جريمة قتل سابقة لجريمة اخرى او لاحقة لها لا يمكن ان يصدر الا عن شخص غير سوي مارق على نواميس المجتمع.

4-جريمة الفرار بشخص ناجم عنها الموت ( الفصل 237 من المجلة الجزائية ) :
23 نص المشرع على ذلك بالفصل المذكور الذي جاء تحت عنوان في الفرار بشخص فلقد اقتضى: (يعاقب بالسجن مدة عشرة أعوام كل من يختطف أو يعمل على اختطاف شخص أو يجره أو يحول وجهته أو ينقله أو يعمل على جره أو على تحويل وجهته أو نقله من المكان الذي كان به وذلك باستعمال الحيلة أو العنف أو التهديد.
ويرفع العقاب إلى عشرين عاما إذا كان الشخص المختطف أو الواقع تحويل وجهته موظفا عموميا أو عضوا في السلك الديبلوماسي أو القنصلي أو فردا من أفراد عائلتهم أو طفلا سنه دون الثمانية عشر عاما.
24 وتطبق هذه العقوبة مهما كانت صفة الشخص إذا وقع اختطافه أو حولت وجهته بغية دفع فدية أو تنفيذ أمر أو شرط.
ويكون العقاب بالسجن بقية العمر إذا ما تم الاختطاف أو تحويل الوجهة باستعمال سلاح أو بواسطة زي أو هوية مزيفة أو بأمر زيف صدوره عن السلطة العمومية وكذلك إذا ما نتج عن هذه الأعمال سقوط بدني أو مرض.
ويكون العقاب في هذه الجرائم الإعدام إذا ما صاحبها أو تبعها موت)

25 والثابت أن المشرع قد تشدد في العقاب هنا كذلك لخطورة الفعل المقترف من الجاني حفاظا على سلامة الفرد ويفترض في الجريمة موضوع الفصل 237 من المجلة الجزائية وجوب ان تقترف الجريمة باستعمال الجاني الحيلة او العنف او التهديد وفق ما اقتضته الفقرة الاولى من الفصل المذكور ولقد ورد بفقه القضاء في ذلك المعنى: “المقصود بالعنف المشترط لتوفر الفرار بقاصرة كل ما من شأنه سلب الارادة الطبيعية للمجني عليها فمنع المتهم القاصرة من الرجوع الى المنزل بالرغم من محاولتها الفرار وذلك بإدخالها قسرا السيارة كاف لقيام العنف”( )
كما ورد بقرار آخر في المعنى نفسه: “اختطاف المتضررة من الطريق وتحويلها عن طريقها تحت السلاح من طرف جمع من الاشخاص واغتصبها واحد وحاول الثاني ولم يفلح لشدة دفاعها… فالحكم بعدم سماع الدعوى يكون مخالفا لما في الاوراق وقاصرا عن التعليل مما يوجب نقضه. “( )
5-جريمة الاعتداء على الحرية الذاتية ناجم عنها الموت ( الفصلان 250 و 251 من المجلة الجزائية ):
26 جاء بالفصل 250 المذكور: (يعاقب بالسجن مدة عشرة أعوام وبخطية قدرها عشرون الف دينار كل من قبض على شخص او اوقفه او سجنه دون اذن قانوني).
ولقد تشدد المشرع في عقاب تلك الجريمة اذا وقعت في ظروف معينة حددها الفصل 251 من نفس القانون ونص على ان عقوبتها الاعدام اذا ما صحب الجريمة او تبعها موت المتضرر فلقد ورد بالفصل 251 المذكور: (يكون العقاب بالسجن مدة عشرين عاما وبخطية قدرها عشرون ألف دينار:
أ ـ إذا كان صاحب القبض أو الإيقاف أو السجن أو الحجز عنف أو تهديد،
ب ـ إذا نفذت هذه العملية باستعمال السلاح أو بواسطة عدة أشخاص،
ج ـ إذا كان المعتدى عليه موظفا عموميا أو عضوا بالسلك الديبلوماسي أو القنصلي أو فردا من أفراد عائلاتهم شريطة أن يعلم الجاني مسبقا هوية ضحيته.
د ـ إذا صاحب أحد هذه الأفعال تهديد بقتل الرهينة أو إيذائها أو استمرار احتجازها من أجل إكراه طرف ثالث، سواء دولة أو منظمة دولية حكومية، أو شخصا طبيعيا أو معنويا، أو مجموعة من الأشخاص على القيام أو الامتناع من القيام بفعل معين كشرط صريح أو ضمني للإفراج عن تلك الرهينة،
ويكون العقاب بالسجن بقية العمر إذا تجاوز القبض أو الإيقاف أو السجن أو الحجز الشهر وكذلك إذا نتج عنه سقوط بدني أو انجرّ عنه مرض أو إذا القصد من هذه العملية تهيئة أو تسهيل ارتكاب جناية أو جنحة وكذلك إذا عمل على تهريب أو ضمان عدم عقاب المعتدين أو مشاركيهم في الجناية أو الجنحة وكذلك لغاية تنفيذ أمر أو شرط أو النيل من سلامة الضحية أو الضحايا بدنيا.
ويكون العقاب على هذه الجرائم الإعدام إذا ما صحبها أو تبعها موت)
27 ويجب الإشارة هنا أن المشرع قد أعفى من العقاب في الجرائم موضوع الفصول 237 و250 و251 من المجلة الجزائية المذكورة اعلاه اذا أشعر الجاني السلط بتلك الجرائم شرط أن يتم ذلك قبل الشروع في التنفيذ وقبل انطلاق اعمال التتبع ولقد كرس فقه القضاء ذلك إذ تقول محكمة التعقيب: “يعفى من العقاب كل مخالف بادر قبل كل تنفيذ وقبل بدء كل تتبع باطلاع السلط على الجرائم الواردة بالفصول 237 و250 و251 من المجلة الجزائية أو أعلم السلط على مرتكبيها أو المشاركين فيها أو ساهم في ايقافهم منذ الشروع في التتبعات”( )

6-جريمة الحريق الناجم عنه موت شخص (الفصل 307 من المجلة الجزائية):
28 نص المشرع بذلك الفصل على أن مقترف جريمة الحريق الناجم عنه الموت يعاقب بالإعدام فلقد جاء به: (يعاقب بالسجن بقية العمر من يتعمد مباشرة أو تعريضا إيقاد نار بمبان أو سفن أو مراكب أو مخازن أو حضائر مسكونة أو معدة للسكنى وبصفة عامة بالمحلات المسكونة أو المعدة للسكنى وكذلك عربات الأرتال وغيرها الحاوية لأشخاص أو التابعة لقافلة من العربات حاملة لمن ذكر سواء كانت لمرتكب الحريق أو لغيره.
ويعاقب بالسجن مدة اثني عشر عاما من أوقد النار مباشرة أو تعريضا إما بزرع أو غراسات أو بتبن أو متحصل صابة معرم أو مكوم وإما بحطب معرم أو مرتب أمتارا مكعبة أو بعربات أرتال أو بغيرها مما لم يكن مشمولا في قطار حاو لأشخاص أو ما عدا ذلك من الأثاث إن لم يكن على ملك مرتكب الحريق.
ويكون العقاب بالإعدام إذا نتج عن الحريق موت)
29 ولا نزاع مثلما سلف في الجرائم المذكورة اعلاه ان خطورة الجريمة الواردة بالفصل 307 المذكور وما نجم عنها يبرر تشديد العقوبة فيها.
وما يلاحظ أن المشرع قد نص على عقوبة أخف بالفصل 309 من المجلة الجزائية ضد مقترف الحريق وعدها جنحة فلقد ورد بذلك الفصل: (يعاقب بالسجن مدة ثلاثة سنوات وبخطية قدرها ألف دينار كل من بتقصيره او عدم احتياطه أو تنبهه أو عدم مراعاته للقوانين يحدث حريقا بأمتعة منقولة أو بعقارات يملكها غيره)
30 والفرق في الحقيقة بين الجريمتين موضوع الفصلين 307 و309 من المجلة الجزائية واضح ففي الاولى كما سلف يفترض حتما توفر ركن قصدي في جانب الجاني وفق احكام الفصل 37 من المجلة الجزائية الذي ورد به: لا يعاقب احد إلا بفعل ارتكب قصدا عدا الصور المقررة بوجه خاص بالقانون، أما في الجريمة موضوع الفصل 309 المذكور فانه يفترض حتما أن الجريمة قد ظهرت للوجود جراء إهمال المنسوبة له أو عدم تبصره ولعدم تحليه بقواعد الحيطة والحذر.
7-جريمة اغتصاب أنثى (الفصل 227 من المجلة الجزائية ومفارقة المشرع لا يعاقب بالإعدام مغتصب ذكر):
31 نص الفصل 227 من المجلة الجزائية المنقح بالقانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرخ في 27 فيفري 1989 Sad يعاقب بالاعدام
1) كل من واقع أنثى غصبا باستعمال العنف أو السلاح أو التهديد به.
2) كل من واقع أنثى سنها دون العشرة أعوام كاملة ولو بدون استعمال الوسائل المذكورة.
ويعاقب بالسجن بقية العمر كل من واقع أنثى بدون رضاها في غير الصور المتقدمة.
ويعتبر الرضا مفقودا إذا كان سن المجني عليها دون الثلاثة عشر عاما كاملة).
32 ولقد تشدد المشرع في عقوبة هذه الجريمة لمساسها باعتبار الضحية وشرفه وكرامته وهو ما اكده القرار التعقيبي عدد 26618 الصادر بتاريخ 22 جوان 1988 الذي جاء به: “ان جريمة مواقعة انثى غصبا هي جناية من نوع خاص تستوجب عقابا صارما وذلك برغبة من المشرع في صيانة الاخلاق وزجر كل عابث متهور يهتك اعراض الناس وعفافهم وعلى هذا الاساس اتجه فقه القضاء في تونس على ان المواقعة لا تتوفر بمجرد الفعل الفاحش وإنما تقوم ان كان هناك وطأ بالمكان الطبيعي من الانثى وبطريق الايلاج” ( ) .
وكما عرفت محكمة التعقيب انعدام رضا الضحية في جريمة الاغتصاب بما يلي: “ان مفهوم انعدام الرضاء ينصرف الى مستوى مادي يحمل الى العنف والتهديد وما شابه ذلك ومستوى معنوي ينصرف الى معنى الاكراه المعنوي. ولعل ما كان في مستواه المعنوي اكثر وقعا وأعظم اثرا وينتهي بالضرورة بذهاب معنى الرضاء.
ان الرضاء ان يقبل الطرف راغبا لا مكرها مستحسنا لا مرغما ويقول رجال القانون الجزائي بنفس التوجه في اعتبار الرضاء منعدما في حالة الضغط النفسي والاكراه المعنوي التي تجعل المجني عليه في وضعية لا يقدر على دفعها.
ان مفهوم السلطة يرد الى مفاهيم قانونية وفعلية وهي القدرة القانونية او الفعلية على توجيه الخاضع للسلطة ومراقبة اعماله واجباره على الخضوع باشكال مادية ومعنوية بحكم الصفة التي يحملها صاحب السلطة وما يرتبط بذلك من أدوار ومستلزمات”.( )
33 ويجمع فقه القضاء على أن جريمة اغتصاب أنثى تقوم بالإيلاج دون اشتراط افتضاض البكارة فلقد جاء في ذلك المعنى بالقرار التالي: “تصبح المواقعة تامة الأركان ما دام قد ثبت اتصال المتهم بالمجني عليها جنسيا فالإيلاج في المكان الطبيعي للأنثى وهو أمر غير مرتبط بتمزيق غشاء البكارة وقد استقر فقه القضاء على ذلك. عرف فقهاء القانون الايلاج بغياب الحشفة عند الاتصال الجنسي ويتم ذلك بإيلاج غلظ اصبعين” ( )
34 وما يشد الانتباه أن المشرع التونسي لم يكن منصفا مطلقا في جرائم الاغتصاب ضرورة انه وان نص على عقوبة الاعدام مثلما سلف إذا كان باستعمال العنف أو السلاح او التهديد به ومتى كانت الضحية انثى دون عشرة أعوام حتى دون استعمال العنف او السلاح او التهديد به فإنه لم ينص على ذلك العقاب إذا كان الضحية ذكرا وهو تمييز لا يجد له المرء اي مبرر مطلقا إذ لا نزاع أن الشرف قد أهدر والكرامة قد ديست جراء تصرف حيواني لا أخلاقي بغض النظر عن جنس المعتدى عليه وهو ما يحتم على المشرع التدخل عاجلا لتنقيح احكام الفصل 227 من المجلة الجزائية المذكور اعلاه واعتباره مسلطا على كل من اغتصب انسانا ذكرا أو أنثى.
35 ولقد عدّ المشرع اغتصاب ذكر اعتداء بفعل الفاحشة وفق ما اقتضاه الفصل 228 من المجلة الجزائية الذي ورد به: (يعاقب بالسجن مدة ستة أعوام كل من اعتدى بفعل الفاحشة على شخص ذكرا كان أو أنثى بدون رضاه.
ويرفع العقاب إلى إثني عشر عاما إذا كان المجني عليه دون الثمانية عشر عاما كاملة.
ويكون العقاب بالسجن المؤبد إذا سبق أو صاحب الاعتداء بفعل الفاحشة في الصورة السابقة استعمال السلاح أو التهديد أو الاحتجاز أو نتج عنه جرح أو بتر عضو أو تشويه أو أي عمل آخر يجعل حياة المعتدى عليه في خطر).

8-جريمة اخذ عضو من الشخص دون رضاه ووفاته جراء ذلك :
36 لقد نص المشرع على إنزال عقوبة الاعدام في هذه الصورة ضد مقترفها ولقد اقتضى الفصل 17 من القانون عدد 22 لسنة 1991 المؤرخ في 25 مارس 1991 المتعلق بأخذ وزرع الاعضاء على ما يلي: “كل مخالف لاحكام الفصل 4 من هذا القانون يسلط عليه العقاب الوارد في الفصل 201 من القانون الجنائي في صورة وفاة المتضرر والعقاب المنصوص عليه بالفصل 219 من القانون الجنائي في الصور الاخرى”.
وتشدد المشرع في هذه الصورة هدفه ردع الاتجار بالاعضاء البشرية ووجوب زجر هتك حرمة الانسان وتكريس حق الفرد في الحياة وعدم انتزاع اي عضو منه دون ارادته .

9-الاعتداء بالعنف باستعمال السلاح او التهديد به على قاض اثناء الجلسة:
37 يعاقب مقترف تلك الجريمة بالاعدام عملا باحكام الفصل 126 من المجلة الجزائية المنقح بالقانون عدد 9 لسنة 1985 المؤرخ في 7 مارس 1985 والذي أضحت صياغته كالتالي: (اذا كان انتهاك الجريمة واقعا بالجلسة لموظف من النظام العدلي فالعقاب يكون بالسجن مدة عامين ويكون العقاب بالاعدام اذا وقع الاعتداء بالعنف باستعمال السلاح او التهديد به ضد قاض بالجلسة).

وما يلاحظ ان التشديد في العقوبة بالفصل المتقدم مبررة بصفة الضحية اضافة الى خطورة الفعل ووجوب احترام هيبة القضاء.

ثانيا : تسليط عقوبة الاعدام على مرتكب جريمة الاعتداء على السكك الحديدية :
38 ان تلك الجريمة ينظمها نص خاص يرجع الى استعمار تونس من الاحتلال الفرنسي فلقد نص عليها الامر المؤرخ في 16 اكتوبر 1897 المنقح بالقانون عدد 30 لسنة 1976 المؤرخ في 12 فيفري 1976 ويكون العقاب بالاعدام هنا اذا نجم عن الاعتداء على السكك الحديدية وفاة شخص .

39 ولا نزاع هنا ايضا ان المشرع قد رام من خلال تشديد العقوبة حماية ارواح المسافرين اذ قد يكون للاعتداء على السكك الحديدية نتائج وخيمة خاصة وانه عادة ما يكون عدد الضحايا مرتفعا.

ثالثا : تسليط عقوبة الاعدام على مرتكب جرائم الاعتداء على امن الدولة :
40 نص المشرع على عقوبة الاعدام في جرائم الاعتداء على امن الدولة الداخلي او الخارجي ويظهر ذلك جليا في جرائم :
– الخيانة
– التجسس
– الاضرار بمعدات او طائرات او بواخر معدة لمصلحة الدفاع الوطني ولو قبل اتمام صنعها
– وكذلك من شارك في المس من معنويات الجيش وتسليط العقاب نفسه ضد من حرض على ذلك .
– ولقد نصت المجلة الجزائية على الجرائم المذكورة اعلاه ويسلط عقوبة الاعدام على مقترفيها طبق الفصول 60 و 60 مكرر و 60 ثالثا ولقد جاء بتلك الفصول :

*الفصل 60 (نقح بالأمر المؤرخ في 10 جانفي 1957) ـ
( يعد خائنا ويعاقب بالإعدام :
أولا : كل تونسي حمل السلاح ضد البلاد التونسية في صفوف العدوّ،
ثانيا : كل تونسي اتصل بدولة أجنبية ليدفعها إلى القيام بأعمال عدوانية ضد البلاد التونسية أو ليوفر لها الوسائل لذلك بأي وجه كان،
ثالثا : كل تونسي يسلم إلى دولة أجنبية أو إلى أعوانها جنودا تونسيين أو أراض أو مدنا أو حصونا أو منشآت أو مراكز أو مخازن أو ترسانات أو عتادا أو ذخائر أو بواخر أو طائرات على ملك البلاد التونسية،
رابعا : كل تونسي في زمن الحرب يحرض عسكريين أو بحارة على الالتحاق بخدمة دولة أجنبية أو يسهل لهم الوسائل إلى ذلك أو يجند جنودا لحساب دولة في حرب ضد البلاد التونسية،
خامسا : كل تونسي في زمن الحرب يتصل بدولة أجنبية أو بأعوانها ليساعدها في اعتداءاتها على البلاد التونسية ) .

*الفصل 60 مكرر (أضيف بالأمر المؤرخ في 10 جانفي 1957): ( يعد خائنا ويعاقب بالإعدام :
أولا : كل تونسي يفشي إلى دولة أجنبية أو إلى أعوانها بأي وجه كان ومهما كانت الوسيلة سرا من أسرار الدفاع الوطني أو يتحصل بأي وسيلة على سرّ من هذا القبيل بقصد إفشائه إلى دولة أجنبية أو إلى أعوانها،
ثانيا : كل تونسي يتعمد إتلاف أو إفساد بواخر أو طائرات أو معدات أو عتاد أو بناءات أو منشآت يمكن استعمالها لمصلحة الدفاع الوطني أو يتعمد، عند صنع شيء ما سواء قبل إتمامه أو بعده، إفسادا من شأنه أن يصير ذلك الشيء غير صالح للاستعمال أو يترتب عنه حادث.
ثالثا : كل تونسي يتعمد المشاركة في عمل يرمي إلى تحطيم معنويات الجيش أو الأمة بقصد الإضرار بالدفاع الوطني ).

*الفصل 60 ثالثا (أضيف بالأمر المؤرخ في 10 جانفي 1957) : ( يعد مرتكبا للتجسس ويعاقب بالإعدام كل أجنبي يقترف فعلا من الأفعال المشار إليها بالفقرات 2 و3 و4 و5 من الفصل 60 وبالفصل 60 مكرر من هذه المحلة .
ويستوجب نفس العقاب المقرر للجرائم المنصوص عليها بالفصلين 60 و60 مكرر من هذه المجلة كل من يحرض عليها أو يعرض القيام بها ).

*الفصل 72 من م ج (جريمة تبديل هيبة الدولة )
يكون العقاب بالاعدام في هذه الصورة ولقد نص على تلك الجريمة الفصل 72 من المجلة الجزائية الذي ورد به Sad يعاقب بالإعدام مرتكب الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة أو حمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضا بالسلاح وإثارة الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي ).

*الفصل 74 من م ج (جريمة الاعتداء المسلح على المكاسب من قبل جمع من الناس)
اقتضى الفصل المذكور في ذلك ما يلي : ( يعاقب بالاعدام كل من يجمع ويمد بالاسلحة جموعا او يرأس جموعا بقصد نهب اموال عمومية او خاصة او الاستيلاء على عقارات او منقولات او افسادها او يحارب القوة العامة حال مقاومتها لمرتكبي هذه الاعتداءات او يتصدى لها ).
*الفصل 76 من م ج (جرائم التفجير لمخازن الذخائر العسكرية واملاك الدولة)
ورد بذلك الفصل : ( يعاقب بالإعدام كل من يحرق أو يهدم بمادة انفجارية أبنية أو مخازن الذخائر العسكرية أو غيرها من أملاك الدولة ).

41 وتشدد المشرع في عقوبة الجرائم المذكورة اعلاه يبرر بخطورتها وتهديدها السلم الاجتماعي واستقرار الدولة وامنها واستمراريتها وهيبتها .

والملاحظ ان المشرع قد اعفى كل من ابلغ السلط العمومية بتلك الجرائم قبل اقترافها فلقد اقتضى الفصل 80 من المجلة الجزائية : ( يعفى من العقوبات المستوجبة لمرتكبي الاعتداءات على أمن الدولة كل فرد من المجرمين عرّف أولا قبل كل تنفيذ بالفعل وقبل ابتداء كل المحاكمات الإدارية والمدنية بالمؤامرات أو الاعتداءات أو أخبر بفاعليها أو مشاركيهم أو تسبب منذ ابتداء المحاكمات في إلقاء القبض عليهم ).

42 وما تجدر الاشارة الى ان عقوبة الاعدام في الجرائم المشار اليها اعلاه ليس امرا خاصا بالمشرع التونسي اذ يكاد تتفق حولها اكثر التشاريع الوطنية نظرا لحساسيتها وتعلقها بأمن الدولة الداخلي او الخارجي وسيادتها .

رابعا -الجرائم العسكرية ( مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية ):
43 نصت مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية على جرائم عقوبتها الاعدام ببعض الفصول منها وقد جاء بها :
*الفصل 69 :
“يعاقب بالإعدام كل عسكري ارتكب جريمة الفرار إلى العدو.
ويعاقب بالسجن مدة خمسة عشر عاما إذا حصل الفرار أمام العدو.
ويعاقب بالسجن مدة عشرين عاما إذا كان الفار ضابطا ويحكم عليه فوق ذلك بعقوبة العزل في جميع الأحوال”.

*الفصل 70 :
( يعد فرارا بمؤامرة كل فرار يحصل من عسكريين فأكثر بعد اتفاقهم عليه.
«يعاقب رئيس المؤامرة على الفرار إلى خارج البلاد بالسجن مدة خمسة عشر عاما وإذا كان ضابطا فمدة عشرين عاما.
يعاقب رئيس المؤامرة على الفرار داخل البلاد بالسجن مدة عشرة أعوام». (نقحت الفقرتان 2 و 3 بالفصل 8 من القانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرخ في 27 فيفري 1989)
وإذا كان ضابطا فإنه يستوجب العقوبة المنصوص عليها بالفقرة الأخيرة من الفصل 68.
يعاقب سائر الفارين بمؤامرة بالسجن من سنة إلى خمس سنوات إذا كان الفرار داخل البلاد أما إذا كان الفرار إلى الخارج فتضاعف العقوبة. يعاقب بالإعدام مع التجريد العسكري زمن الحرب :
أ ـ من ثبت ارتكابه لجريمة الفرار بمؤامرة أمام العدو،
ب ـ رئيس المؤامرة على الفرار إلى الخارج.
وإذا كان المجرم ضابطا فعلاوة عن العقوبة المنصوص عليها بهذا الفصل فإنه يحكم عليه بعقوبة العزل وإن لم تشتمل العقوبة المحكوم بها على التجريد العسكري.
ويعتبر «أمام العدو» العسكري الذي اشتبك مع العدو أو الذي يوشك أن يشتبك معه أو الذي هو عرضة لهجماته ).

*الفصل 80 : يعد في حالة عصيان (نقحت الفقرتان (ج) و (د) بالفصل 8 من القانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرخ في 27 فيفري 1989) :
أ ـ العسكريون تحت السلاح الذين يجتمعون وعددهم أربعة على الأقل ويرفضون بالاتفاق الإذعان لأوامر آمريهم لدى أول إنذار.
ب ـ العسكريون الذين يجتمعون وعددهم أربعة على الأقل ويأخذون الأسلحة بدون إذن ويعملون خلافا لأوامر آمريهم.
ج ـ العسكريون الذين يتعمدون وعددهم أربعة على الأقل ارتكاب العنف مع استعمال السلاح ويرفضون نداء آمريهم بأن يتفرقوا ويعودوا إلى النظام.
ويعـاقب العسكريـون العصـاة بالسـجن مـدة ثلاثة أعوام في الظروف المبينة بالفقرة (أ).
وبالسجن مدة ستة أعوام في الظروف المبينة بالفقرة (ب).
وبالسجن من خمسة إلى عشرة أعوام في الظروف المبينة بالفقرة (ج).
ويعاقب المحرضون على العصيان والعسكريون الأعلى رتبة بالسجن مدة ستة أعوام ولا تقل العقوبة عن عشرة أعوام في الحالتين الأخيرتين.
وتحط العقوبة إلى نصفها إذا كان المحرضون من المدنيين.
ويحكم زيادة على ذلك بعقوبة الطرد على الضباط المحكوم عليهم بموجب هذه المادة ولو لم يكن التجريد العسكري نتيجة حتمية للعقوبة المحكوم بها.
ويجب أن يحكم دائما بأقصى العقوبات إذا حصل العصيان أو التحريض عليه في حالة الحرب أو زمن الحرب أو في منطقة أعلنت فيها حالة الحصار.
ويكون الحكم بالإعدام إذا حصل العصيان أو التحريض عليه في الظروف المشار إليها في الفقرة (ج) من هذه المادة أمام العدو.
ويكون الحكم بالسجن بقية العمر إذا حصل هذا العصيان أو التحريض عليه أمام متمردين).
*الفصل 81 :
( يعاقب بالسجن مدة ستة أعوام كل من حرض بـأي وسيلـة كانـت جماعة من العسكريين يتجاوز عددهم ثلاثة على عدم إطاعة أوامر الأعلى رتبة والآمر أو على مقاومته أو على الاعتداء عليه إذا لم يفض التحريض إلـى نتيجـة. (نقحت الفقرة الأولى بالفصل 8 من القانون عدد 23 لسنة 1989 المؤرخ في 27 فيفري 1989)
ويعاقب المحرض بالسجن مدة لا تقل عن ستة أعوام إذا نتجت عن هذا التحريض أمور ضارة بالخدمات العسكرية.
ويعاقب المحرض على العصيان أثناء الحرب أو حالة الحصار بالإعدام، وتنزل العقوبة إلى نصفها وتعوض عقوبة الإعدام بالسجن مدة خمسة عشر عاما إذا كان المحرض مدنيا ).
*الفصل 116: ( كل آمر قطعة يسلم في ساحة القتال يعاقب :
1 ـ بالإعدام مع التجريد العسكري إذا أدى ذلك التسليم إلى وقف القتال أو إذا لم يعمل قبل مخابرة العدو بكل ما يأمر به الواجب والشرف،
2 ـ بالعزل في بقية الأحوال الأخرى ).
الفصل 117 : ( يعاقب بالإعدام مع التجريد العسكري كل عسكري تونسي أو في خدمة الجيش التونسي يحمل السلاح ضد تونس.
ويعاقب بالإعدام كل أسير أسر مرة ثانية بعد أن نقض العهد وحمل السلاح.
ويعاقب بالسجن من ثلاثة أعوام إلى خمسة أعوام كل عسكري تونسي أو في خدمة الجيش التونسي وقع في قبضة العدو ولم يتحصل على سراح من الأسر إلا بعد التزامه للعدو بأنه لا يحمل ضده السلاح بعد ذلك.
وإذا كان الفاعل ضابطا فإنه يحكم عليه زيادة على ذلك بعقوبة العزل ).
الفصل 118 Sad يعاقب بالإعدام مع التجريد العسكري :
1 ـ كل عسكري يسلم للعدّو أو في مصلحة العدو الجند الذي في إمرته أو الموقع الموكول إليه أو سلاح الجيش أو ذخيرته أو مؤونته أو خرائط المواقع الحربية والمعامل والمرافئ والأحواض أو كلمة السر أو سر الأعمال العسكرية والحملات والمفاوضات،
2 ـ كل عسكري يتصل بالعدو لكي يسهل أعماله.
3 ـ كل عسكري يشترك في المؤامرات التـي يراد بها الضغط على مقررات الرئيس العسكري المسؤول ).
الفصل 119 : (يعاقب بالإعدام مع التجريد العسكري كل من ارتكب إحدى الجرائم التالية في أثناء الحرب أو في منطقة أعلنت فيها حالة الحصار بقصد معونة العدو أو الإضرار بالجيش أو قوات الحكومات المتحالفة :
أ ـ كل من أفشى كلمة السر أو الإشارة الخاصة أو التنبهات أو الوسائط السرية المختصة بالخفراء والمخافر،
ب ـ تحريف الأخبار والأوامر المختصة بالخدمة وذلك عند مجابهة العدو،
ج ـ دلالة العدو على أماكن قوات الجيش أو الدول الحليفة أو دلالة القوات المذكورة للسير على طريق غير صحيح،
د ـ التسبب في إيقاع الذعر في إحدى القوات التونسية أو في قيامها بحركات أو أعمال خاطئة أو لعرقلة جمع الجنود المشتتين ) .

المحور الثاني-الحق في الحياة بالمجلة الجزائية :

44 قبل أن نتعرض إلى ذلك لزاما الاشارة الى أن أغلب الدساتير والمواثيق والمعاهدات الدولية نصت على الحق في الحياة وهو ما يلاحظ مما يلي:
* تنص المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الانسان على حق كل شخص في الحياة ولقد جاء بها لكل فرد الحق في الحياة وسلامة شخصه.
* كما تنص المادة الثانية من اعلان القاهرة لحقوق الانسان في الاسلام لسنة 1990 ان الحياة هبة الله وهي مكونة لكل انسان وعلى الافراد والمجتمعات والدول حماية هذا الحق من كل اعتداء عليه ولا يجوز ازهاق روح دون مقتضى شرعي.
* كما نصت على ذلك المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
* وكذلك المادتين 6 و37 من اتفاقية حماية حقوق الطفل
ومن مظاهر حماية الاسلام الحق في الحياة أن القرآن الكريم قد حوى الكثير من الآيات الدالة على ذلك كما سلف وكذلك الامر بالنسبة للأحاديث النبوية ويمكن الاشارة الى بعضها كما يلي:
-قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( ) وكذلك قوله عز شأنه: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ( )
-وما جاء كذلك بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن “من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمه جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله”، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:” لزوال الدنيا اهون عند الله من قتل رجل مسلم”.

45 ويعد الدين الاسلامي سباقا في الحفاظ على حق الانسان في الحياة وتقديسه حتى في ما يتعلق بالحيوان وهو ما يتضح مما يلي:
-عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “عُذّبت امرأة في هرّة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض” متفق عليه.

ومن الأحاديث النبوية الشريفة التي تامر برحمة الانسان الحيوان، ما روي عن سهل بن الحنظلة قال: “مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لصق ظهره ببطنه –من شدة ضعفه وهزاله– فقال (اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة)”.

46 ولقد رحم الإسلام الحيوان ففي حديث ابن عباس رضي الله له أن رجلاً أضجع شاة، وهو يحد شفرته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أتريد أن تميتها مرتين ؟ هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها ” رواه الطبري واللفظ له

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:” كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة (طائر) معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تعرش فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من فجع هذه بولديها ردوا ولديها إليها”.

47 ولقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتمهل في المسير بالدواب في حالة الخصب، حتى تأخذ حقها من الطعام والشراب، ولكنه نهى عن ذلك في حالة الجدب، بل أمر الصحابة بالإسراع في المسير انقاذا لهذه الحيوانات من البقاء في ارض لا يرجى لها فيها طعام او شراب، فقال صلى الله عليه وسلم: “إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها، وإذا سافرتم في الجدب فأسرعوا السير…” رواه ابو داود.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أي حيوان دون سبب مشروع، فقد روى احمد في مسنده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من قتل عصفورا عبثا جاء يوم القيامة وله صراخ تحت العرش، يقول : رب سل هذا فيم قتلني من غير منفعة”.
48 هذا ويكرس القانون التونسي الحق في الحياة وارتقى به إلى مرتبة دستورية إذ وقع التنصيص على ذلك بالفصل 22 من الدستور الجديد الذي جاء به: “الحق في الحياة مقدس، لا يجوز المساس به إلا في حالات قصوى يضبطها القانون”. كما ضمن القانون التونسي حماية الحق في الحياة بعديد الفصول القانونية الأمر الذي يتضح مما يلي:

-مظاهر الحماية الجزائية للفرد والحق في الحياة :
49 *الفصل التاسع من المجلة الجزائية : الذي منع تنفيذ عقوبة الاعدام على الحامل إلى ان تضع حملها و هذا يعد تقديسا لحق الجنين الذي لازال في رحم أمه في الحياة.
*الفصل 214 من نفس المجلة الجزائية : الذي يعاقب جريمة اسقاط حمل ظاهر فلقد جاء به : ( كل من تولى أو حاول أن يتولى إسقاط حمل ظاهر أو محتمل بواسطة أطعمة أو مشروبات أو أدوية أو أية وسيلة أخرى سواء كان ذلك برضى الحامل أو بدونه يعاقب بخمسة أعوام سجنا وبخطية قدرها عشرة آلاف دينار أو بإحدى العقوبتين.
وتعاقب بعامين سجنا وبخطية قدرها ألفا دينار أو بإحدى العقوبتين المـرأة التي أسقطت حملها أو حاولت ذلك أو رضيت باستعمال ما أشير به عليها أو وقع مدها به لهذا الغرض.
يرخص في إبطال الحمل خلال الثلاثة أشهر الأولى منه من طرف طبيب مباشر لمهنته بصفة قانونية في مؤسسة استشفائية أو صحية أو في مصحة مرخص فيها.
كما يرخص فيه بعد الثلاثة أشهر إن خشي من مواصلة الحمل تسبب في انهيار صحة الأم أو توازنها العصبي أو كان يتوقع أن يصاب الوليد بمرض أو آفة خطيرة وفي هذه الحالة يجب أن يتم ذلك في مؤسسة مرخص فيها.
إن إبطال الحمل المشار إليه بالفقرة السابقة يجب إجراؤه بعد الاستظهار لدى الطبيب الذي سيتولى ذلك بتقرير من الطبيب الذي يباشر المعالجة).

50 هذا وكنا قد اشرنا اعلاه الى عدة جرائم قتل عاقب المشرع مقترفيها بعقوبة الاعدام ضرورة ان حق الضحية في الحياة يقابله حتما القصاص من جلادها باعدامه اذ ليس من العدل في شيء ان نقدس حق المتهم في الحياة ونعارض في تسليط عقوبة الاعدام عليه وننكر حق الضحية في الحياة الذي حرمت منه في جريمة عادة ما تكون بشعة .

وسنتولى التعرض هنا الى جرائم اخرى جاءت بالمجلة الجزائية مقدسة حق الفرد في الحياة

* تجريم مساعدة انسان على الانتحار:
51 نص الفصل 206 من م ج في ذلك على ما يلي : ( يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام الإنسان الذي يعين قصدا غيره على قتل نفسه بنفسه ).

*تجريم القتل الرحيم او بدافع الشفقة :
52 في الحقيقة لم يفرد المشرع ذلك بنص خاص صلب المجلة الجزائية ويبقى للمحكمة تكييف الفعل الضار الصادر عن الغير الذي ادى الى وفاة المنتحر والذي لا يمكن ان يخرج عن اطار جرائم القتل ومهما يكن فللمحكمة ان تكيف الجريمة حسب ملابساتها وصورها .
ويجب التاكيد على انه ليس للطبيب ان يقتل مريضا بدافع الشفقة ولقد نص الفصل الثاني من الامر عدد 1155 لسنة 1993 المتعلق بمجلة واجبات الطبيب على ما يلي : يتمثل الواجب الاساسي للطبيب في جميع الظروف في احترام الحياة واحترام النفس البشرية
وعليه فليس للطبيب ان يتستر تحت دافع الشفقة لقتل المريض بتعلة وضع حد لآلامه او انه ميؤوس من حياته .

*تجريم التعذيب :
53 عرف المشرع التونسي التعذيب بالفصل 101 مكرر من المجلة الجزائية المنقح بالمرسوم عدد 106 لسنة 2011 المؤرخ في 22 اكتوبر 2011 الذي جاء به: “يقصد بالتعذيب كل فعل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديا كان أو معنويا يلحق عمدا بشخص ما بقصد التحصيل منه أو من غيره على معلومات أو اعتراف بفعل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو غيره.
ويعد تعذيبا تخويف أو إزعاج شخص أو غيره للحصول على ما ذكر.

ويدخل في نطاق التعذيب الألم أو العذاب أو التخويف أو الإرغام الحاصل لأي سبب من الأسباب بدافع التمييز العنصري.
ويعتبر معذبا الموظف العمومي أو شبهه الذي يأمر أو يحرض أو يوافق أو يسكت عن التعذيب أثناء مباشرته لوظيفه أو بمناسبة مباشرته له.
ولا يعتبر تعذيبا الألم الناتج عن عقوبات قانونية أو المترتب عنها أو الملازم لها”.

54 ولقد حجر المشرع التعذيب بالفصلين 101 ثانيا وثالثا المضافين بالمرسومين عدد 106 لسنة 2011 المؤرخ في 22/10/2011 ولقد جاء بهما على التوالي :
-الفصل 101 ثانيا: “يعاقب بالسجن مدة ثمانية أعوام وبخطية قدرها عشرة آلاف دينار الموظف العمومي أو شبهه الذي يرتكب الأفعال المنصوص عليها بالفصل 101 مكرر من هذه المجلة وذلك حال مباشرته لوظيفه أو بمناسبة مباشرته له.
ويرفع العقاب بالسجن إلى اثني عشر عاما وبخطية قدرها عشرون ألف دينار إذا نتج عن التعذيب بتر عضو أو كسر أو تولدت عنه إعاقة دائمة.
ويكون العقاب بالسجن مدة عشرة أعوام وبخطية قدرها عشرون ألف دينار إذا سلط التعذيب على طفل.
ويرفع العقاب إلى ستة عشر عاما والخطية إلى خمسة وعشرين ألف دينار إذا تولد عن تعذيب طفل بتر عضو أو كسر أو إعاقة دائمة.
وكل تعذيب نتج عنه موت يستوجب عقابا بالسجن بقية العمر دون أن يمنع ذلك من تطبيق العقوبات الأكثر شدة المقررة للاعتداءات على الأشخاص إن اقتضى الحال ذلك” .

-الفصل 101 ثالثا : “يعفى من العقوبات المستوجبة من أجل الأفعال المنصوص عليها بالفصل 101 مكرر من هذه المجلة الموظف العمومي أو شبهه الذي بادر قبل علم السلط المختصة بالموضوع وبعد تلقيه الأمر بالتعذيب أو تحريضه على ارتكابه أو بلغه العلم بحصوله بإبلاغ السلطة الإدارية أو القضائية بالإرشادات أو المعلومات إذا مكنت من اكتشاف الجريمة أو تفادي تنفيذها.
ويحط العقاب المقرر أصالة للجريمة إلى النصف إذا أدى إبلاغ المعلومات والإرشادات إلى تفادي استمرار التعذيب أو الكشف عن مرتكبيه أو بعضهم ومن إلقاء القبض عليهم أو تفادي حصول ضرر أو قتل شخص.
وتعوض عقوبة السجن بقية العمر المقررة لجريمة التعذيب الناتج عنه موت المنصوص عليها بالفقرة الأخيرة من الفصل 101 ثانيا من هذه المجلة بالسجن مدة عشرين عاما.
ولا عبرة بالإبلاغ الحاصل بعد انكشاف التعذيب أو انطلاق الأبحاث.
لا يمكن القيام بدعوى الغرم أو المؤاخذة الجزائية ضد من قام عن حسن نية بالإبلاغ”.
55 ولا يفوتنا هنا الاشارة الى ان انضمام تونس إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، المعتمد من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في 18 ديسمبر 2002 وذلك مقتضى الأمر عدد 552 لسنة 2011 مؤرخ في 17 ماي 2011 .

المحور الثالث : مدى نجاعة عقوبة الاعدام في تكريس الحق في الحياة :

56 جدير بنا قبل التعرض الى ذلك استقراء الواقع في تونس بخصوص تطبيق عقوبة الاعدام وتعليقها فما يلاحظ ان تونس قد علقت تطبيق عقوبة الاعدام رغم انها لازالت قائمة في عدة نصوص قانونية كما سلف وهو امر يستدعي ابداء الملاحظات التالية :
– لقد كان النظام السابق في تونس يساير الاتحاد الأوروبي الذي لا يعترف بعقوبة الاعدام وهو نفس التوجه الذي انتهجه كل من المغرب والجزائر.
– ان النظام السابق قد علق تنفيذ عقوبة الاعدام منذ مطلع التسعينات ولم ينفذه ضد من قضى في شانهم بتلك العقوبة الا في الاعتداء على مقر شعبة الحزب الحاكم من سابق المعروفة بواقعة باب سويقة ولقد نفذ كذلك حكم الاعدام ضد سفاح نابل.
– ان النظام السابق لم يتجرأ على اصدار أي عفو على المحكوم عليهم بالإعدام ناهيكم انه منع عنهم حتى الزيارة بالسجن خلافا لما بادر اليه رئيس الجمهورية الحالي الذي منح عفوا لـ 12 متهما محكوم عليهم بالإعدام وحط من عقوبة الاعدام الى عقوبة أخف منها بكثير ولقد لاقى العفو الصادر عن رئيس الجمهورية الحالي الكثير من النقد خاصة وان الكثير من من تمتعوا بعفو بغض النظر عن طبيعة جرائمهم قد اقترفوا جرائم فضيعة بعد مغادرتهم السجن مع الملاحظ وانه من خلال بعض الإحصائيات فيبدوا ان عدد المحكوم عليهم بالإعدام والذين لا يزالون بالسجن ولم يقع التنفيذ عليهم يقارب 140 شخصا على ان البعض يرجح ان يكون عددهم قرابة المائة وتحديدا 97 شخصا وهو رقم لا يعكس مطلقا العدد المرتفع لجرائم الاغتصاب او القتل العمد مع سابقية الاضمار خلال فترة ناهزت العشرين عاما تم فيها تعليق تنفيذ عقوبة الاعدام وهو ما يعني ان المحاكم لا تقضي بعقوبة الاعدام إلا في حالات قليلة رغم فظاعة الجرائم المقترفة والتي تحتم قطعا انزال تلك العقوبة الصارمة.
57 وفي الحقيقة فان آلية العفو الخاص الممنوحة لرئيس الجمهورية يجب ان تلغى في الجرائم المنصوص على عقوبتها بالإعدام او المؤبد اذ لا يعدو ذلك العفو الا اهدارا لحقوق الضحية الطرف الضعيف وتعد عليها كما يعد العفو الخاص تدخلا من السلطة التنفيذية في الاحكام الصادرة عن المحاكم فالثابت ان هذه الاخيرة قد قضت في ملف القضية بعد تمحيص واستقراءات لا قبل بها لرئيس الجمهورية علاوة على انه يفترض في العقوبة انها رادعة ومنصفة وتمتع المجرم المحكوم عليه بالاعدام بالعفو قد لا يوجد له أي مبرر وهنا سنقدم بعض الامثلة العملية للتدليل على عدم نجاعة آلية العفو على بعض من حكم عليهم بعقوبة الاعدام :
مثال أول: حكمت احدى المحاكم الفرنسية عام 1958 على شخص بالإعدام لقتله فتاة مراهقة رفضت الانصياع الى رغباته الجنسية وقبل التنفيذ عليه عفى عنه رئيس الجمهورية ثم اطلق صراحه سنة 1972 بناء على سلوكه الحسن فترة سجنه فعاد الى الحياة العادية ووجد عملا وتزوج الا انه عاد في عام 1978 وشنق امرأة اخرى حتى الموت لأنها لم تستجب هي الأخرى لرغباته الجنسية ( ).
المثال الثاني: حكمت إحدى المحاكم الفرنسية عام 1954 على شخص بالإعدام إلا انه عفي عنه ثم أُطلق سراحه وبعد أن اعتقد الجميع أنه عاد إلى حياة سوية حاول اغتيال ابن عشيقته التي كانت تعيش معه ثم انتهى به الامر الى اغتيالها وقضى عليها بطعنها عشرة طعنات في أماكن مختلفة من جسدها ( ).
58 ولقد نشرت إحدى الصحف خبرا مفاده أن تونس قد صادقت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة القاضي بوجوب تعليق تطبيق عقوبة الاعدام وهو أمر فيه تعد على أحكام القضاء وهدر لفلسفة المشرع في زجر الجريمة الخطيرة وهو ما يؤدي الى التعرض للجدل الدائر حول نجاعة عقوبة الاعدام وفلسفة المشرع في سنها.

عن الجدل بين إبقاء عقوبة الاعدام وبين إلغائها :

*حجج مناهضي عقوبة الإعدام :
59 تتعدد حجج هؤلاء ويمكن ان نجملها كما يلي :
1-ان للفرد بغض النظر عن الجريمة التي اقترفها الحق في الحياة وذلك الحق مثلما يقول بعضهم هبة ونعمة من الله سبحانه وتعالى ومن ثم ليس من حق المجتمع ان يسلبه هذه الحياة تحت ستار ما يسمى بعقوبة الاعدام ( )
2-ان المجتمع ليس من حقه سلب حياة الفرد لانه ليس هو الذي منح الحق في الحياة وان اساس حق الدولة في العقاب هو العقد الاجتماعي وانه من غير الممكن ان يتنازل الفرد عن حقه في الحياة الى الدولة ( )
3-ان عقوبة الاعدام عقوبة بشعة ويتاذى منها الشعور الانساني ( ).
4-ان عقوبة الاعدام عقوبة بشعة في تنفيذها مع الاشارة الى ان وسائل تنفيذها قد تعددت اذ كانت عن طريق الغرق والحرق والمقصلة وتنفيذ اليوم شنقا او بقطع العنق بحد السيف او بالكري بالكهرباء او الحقن بالسم او رميا بالرصاص خاصة في الجرائم العسكرية.
5-ان المحكمة قد تخطئ في إصدار حكمها بالإعدام مما يحرم المجرم من اعادة محاكمته من ذلك ممارسته حقه في الطعن بالتماس اعادة النظر
6-ان عقوبة الاعدام تمنع الدولة من اعادة تأهيل السجين وإصلاحه
7-ان تسليط عقوبة الاعدام ليس من شانها ان تردع الجريمة

*حجج القائلين بوجوب ابقاء عقوبة الاعدام :
60 يرى مؤيدو ان عقوبة الاعدام ان لتلك العقوبة عدة مزايا يمكن ان نجملها كما يلي :
1-ان حق الانسان في الحياة امر مقدس
2-ومن العدل القصاص من المجرم وحرمانه من حقه في الحياة اسوة بالضحية
3-ان من شان عقوبة الاعدام ان تحد من انتشار الجريمة .
انه يفترض ان المحكمة لا تصدر حكمها بالاعدام الا في اطار محاكمة عادلة تصدر فيها للمتهم كافة الضمانات وبالتالي فان الخطأ في الحكم امر نادر ان لم يكن منعدم .
4-ان الابقاء على عقوبة الاعدام يحقق لعدالة العقوبة علما انه يحتم تحقق اغلبية خاصة من الهيئة القضائية عند اصدارها عقوبة الاعدام ضد الجاني عملا باحكام الفصل 162 من مجلة الاجراءات الجزائية الذي جاء به : تصدر الاحكام باغلبية الاصوات . لكن الاحكام الصادرة بالقتل او السجن بقية العمر تكون باغلبية اربعة اصوات على الاقل ، ولقد استقر فقه القضاء على ذلك اذ تقول محكمة التعقيب :” عدم تنصيص الحكم الصادر بالاعدام على الاغلبية الخاصة الواردة بها نص الفصل 162 من م ا ج يوهنه لضعف التعليل وخرق القانون ( )
5-ان عقاب القاتل بغير الاعدام من شانه أن ينشر غريزة الانتقام الفردي ويدفع الافراد الى تنصيب انفسهم قضاة يحققوق العدالة التي تقاعس النظام القانوني عن ضمان تحقيقها.. ( )
ويقودنا ذلك الى التعرض الى مدى فاعلية عقوبة الاعدام وجدواها وعلاقتها بتكريس الحق في الحياة من قبل المحاكم .

عن حتمية تكريس الحق في الحياة من قبل محاكم القضاء :
61 تعرضنا اعلاه الى تجليات تكريس الشريعة الاسلامية والنصوص القانونية والمعاهدات والمواثيق الدولية الحق في الحياة مع الاشارة الى ان مسودة الدستور التونسي قد نصت بفصلها 16 على ذلك فلقد ورد به: (الحق في الحياة اول الحقوق التي لا يجوز المساس بها الا في حالات يضبطها القانون ) .

وعليه يجب تقييد سلطة المحاكم عن الحط في سلم العقاب فالامر يجب ان لا يترك لمشيئة المحكمة المتعهدة بالجريمة بصفة عامة اذ يتحتم على المشرع ان يفكر في تنقيح عدة نصوص زجرية لعل اهمها الفصل 53 من المجلة الجزائية الذي يجب ان لا يفعل الا في حالة جبر ضرر المتضرر او من آل اليه حقه .

62 وفي الحقيقة لا مناص من القول ان الابقاء على عقوبة الاعدام تحتمه عدة عوامل كما سلف اضافة ايضا الى صعوبة ايجاد بديل عن عقوبة الاعدام لما فيها من عدل خاصة انه لا نزاع انها عقوبة من جنس العمل الذي اقترفه المجرم خاصة في جرائم القتل وعليه فهي تتناسب مع حجم وخطورة الجريمة .

63 وما تجدر الاشارة اليه ان العقوبة لا يمكن ان تحقق وظيفتها في ردع المجرم بصفة خاصة والمجتمع بصفة عامة ما لم تكن عادلة ومتناسبة مع خطورة الجريمة وما الحقته بالضحية من ضرر اذ لا نزاع انها خلفت الما كبيرا في نفس الضحية واهله وبالمجتمع ومن الانصاف ان ينزل بالجاني عقابا عادلا ومناسبا من شانه ايلامه فبشاعة الجريمة ليس اقل بشاعة من تنزيل عقوبة الاعدام .

الخاتمـــــــــــــــــــــــــــــــــــة

64 نخلص الى القول :
– ان عقوبة الاعدام وجدت في نصوص القانون لتفعل .
– انها عقوبة يرجع تاريخها الى عهود غابرة وكانت دائما ضد جرائم شنيعة
– ان في حتمية تناسب العقاب مع الجريمة عدل وإنصاف للجاني وضحيته
– ان تدخل السلطة التنفيذية في ابدال العقاب المحكوم به ضد الجاني والعفو عنه يعدّ تدخلا في الاحكام الصادرة عن السلطة القضائية وتعديا على حق المجتمع وحتى وان نص المشرع على تمكين رئيس الجمهورية من ممارسة العفو عن المحكوم عليهم فيجب ان يلغى ذلك أو يقيد بضوابط دقيقة من ذلك أن لا يصدر العفو إلا بعد إسقاط الضحية أو من آل إليهم حقه الحق في التتبع بعد جبر الضرر، ولقد ورد بالفصل 372 من مجلة الاجراءات الجزائية في ذلك: حق العفو الخاص يمارسه رئيس الجمهورية بناء على تقرير من كاتب الدولة للعدل بعد اخذ راي لجنة العفو ( )

65 وتجدر الاشارة أخيرا أن صد الجريمة وردع المجرمين لا يكون إلا بقضاء عادل يوازن بين الضحية والمجرم دون حيف.

ويمكن القول ختاما أن سنّ القرآن القصاص ليس عبثا والعبث أن نتجاهل ذلك، فالقرآن لا ينطق عن الهوى وما نحن بأعلم من الله.

محكمة التعقيب: الصداقة على وسائل التواصل الاجتماعي لا تعني الصداقة الحقيقية

أصدرت الدائرة الثانية المدنية لدى محكمة التعقيب الفرنسية قرارها المؤرخ في 5 جانفي 2017 معتبرة في حيثيات القرار أن الأصدقاء في موقع التواصل الاجتماعي ” فايسبوك ” ليسوا بأصدقاء حقيقيين حسب المعنى التقليدي للكلمة.

وفيما يلي تعليق المحامي الفرنسي تيري فالا على هذا القرار :

Dans un arrêt du 5 janvier 2017 (pourvoi n°16-12.394), la deuxième chambre civile de la Cour de cassation disqualifie les amis Facebook ou autres réseaux sociaux, qui ne seraient donc pas des amis au sens traditionnel du terme.

A l’occasion d’une instance disciplinaire engagée à son encontre, un avocat au barreau de Paris avait déposé une requête en récusation mettant en cause l’impartialité de plusieurs membres de la formation de jugement du conseil de l’ordre appelée à statuer dans cette instance.

La Cour d’appel de Paris ne donne pas suite à sa requête le 17 décembre 2015.

En effet, le terme d’ “ami” employé pour désigner les personnes qui acceptent d’entrer en contact par les réseaux sociaux ne “renvoie pas à des relations d’amitié au sens traditionnel du terme.”

L’existence de contacts entre ces différentes personnes par l’intermédiaire de ces réseaux ne suffit donc pas à caractériser une partialité particulière, “le réseau social étant simplement un moyen de communication spécifique entre des personnes qui partagent les mêmes centres d’intérêt, et en l’espèce la même profession“.

L’ami numérique, un nouvel être en mal de reconnaissance. Car cette décision pose désormais le problème de l’existence juridique de cet ami qui n’en est pas un.