تحديد “جريمة التحرش الجنسي” على ضوء فقه القضاء التونسي لسنة 2017 – سليمة طاهر

تحديد “جريمة التحرش الجنسي” على ضوء فقه القضاء التونسي لسنة 2017.

سليمة طاهر 

بإصدار قانون عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة الذي يكرس جريمة التحرش الجنسي. هذه الجريمة المجهولة و المظلومة من قبل العامة ووسائل الاعلام بصفة عامة ، هذه الجريمة البسيطة التي تعبر عن تجريم الغزل او المغازلة غير المشروعة او رفض التعرف على الاخر مرارا “drague non accepté ” . و تحمل جريمة التحرش الجنسي في طياتها اعتداء على حقوق و حريات الاخر ” كالحق في المساواة ” كالحق في صون كرامة الانسان” و كالحق في احترام حرية اختيار الاخر. و يعتد بالتحرش الجنسي عند انعدام الارادة الشخص المتغزل به في استمرارية التقرب و عندما تنقلب كلمات و تصرفات الشخص الى “افعال او اشارات او قوال تتضمن ايحاء جنسي”. فالغزل او المغازلة المشروعة او ما يسمى باللغة الفرنسية « drague » يكون في اطار احترام متبادل بتقبل موقف الشخص المُغَازِلْ لرغبة الشخص المُغَازَلْ سواء بالموافقة على التعرف و التقرب او بالرفض. فمقولات الغزل مثل “عيونك حلوة” “انت مزيانة” او غيرها من المقولات التي يتقرب بها الشاب الى الشابة لا تعد تحرشا جنسيا . فلا تقوم جريمة التحرش الجنسي “بقيام علاقة نشأت بحرية و لو في ظل علاقة السلطة باعتبار انها نتيجة للاغراء الشرعي، قانونا، و الافتتان دون الغواية و الاكراه، وهو ما يسمى بمبادرات الحب الصادقة ، و اعتبرت الاجتهادات القضائية في فرنسا ان رسائل الحب و الشعر التي ارسلها رئيس المؤسسة الى احدى موظفاته و التي يبوح لها بوقوعه في حبها و التي لا تحمل اي خلاعة او فحش، لا تجعله مدان بارتكاب الجريمة، كما لا يعد مرتكبا للجريمة الشخص الذي لامس يد موظفته، بعد ان استدعاه لشرب كوب من الشاي اثناء فترة الراحة ن معلنا لها وقوعه في حبها مصطحبا بنظرات حب عميقة، بعد ان قدم لها هدية بعد عودته من السفر…. و لم تقم جريمة التحرش الجنسي كذلك في حق المستخدم الذي ارسل الى احدى موظفاته رسائل حب و قصائد غرامية ”
مبحث اول : تعريف التحرش الجنسي في القانون التونسي
توصف جريمة التحرش الجنسي طبقا للقانون التونسي على انها جنحة لا تتجاوز عقوبتها المقررة في القانون خمس سنوات. وقد نظمتها مجلة الجزائية ضمن القسم الثالث المخصص للاعتداء بالفواحش. وتتنزل هذه الجريمة في الفرع الاول ” في الاعتداءات على الاخلاق الحميدة والتحرش الجنسي” و يشمل هذا الفرع الاول على ثلاث فصول: الفصل 226 و الفصل 226 مكرر و أخيرا الفصل 226 ثالثا مما يجعل جريمة التحرش الجنسي جريمة تمس بحقوق الانسان و تعكس عدم المساواة بين الجنسين و عدم احترام لحقوق و حريات الغير (امرأة، رجل ، طفل). وهو توجه يجد تبريره في اهداف هذا القانون المنصوص عليها بالفصل الأول “يهدف هذا القانون إلى وضع التدابير الكفيلة بالقضاء على كل أشكال العنف ضد المرأة القائم على أساس التمييز بين الجنسين من أجل تحقيق المساواة واحترام الكرامة الإنسانية، وذلك بإتباع مقاربة شاملة تقوم على التصدي لمختلف أشكاله بالوقاية وتتبع مرتكبيه ومعاقبتهم وحماية الضحايا والتعهد بهم”. جريمة التحرش الجنسي اذن جريمة اخلاقية تجرح بالأساس كرامة الانسان و تخدش عاطفة الحياء عنده .
التعريف القانوني لجريمة التحرش الجنسي
عرفه الفصل 226 ثالثا (جديد) من المجلة الجزائية على كونه:” يعتبر تحرشا جنسيا كل اعتداء على الغير بالأفعال أو الإشارات أو الأقوال تتضمن إيحاءات جنسية تنال من كرامته أو تخدش حياءه وذلك بغاية حمله على الاستجابة لرغبات المعتدي أو رغبات غيره الجنسية أو بممارسة ضغط خطير عليه من شأنها إضعاف قدرته على التصدي لتلك الضغوط”.
التعريف فقه القضاء التونسي
قدمه التقرير السنوي لسنة 2017 لمحكمة التعقيب في قرار تعقيبي جزائي عدد 48277 صدر بتاريخ 7 نوفمبر 2017 عن الدائرة السابعة و العشرون حيث اعتبرت المحكمة التعقيب ان التحرش الجنسي لا يستوجب الاعتداء على جسد الشخص بل على كرامة الانسان او تخدش شعور حياءه بدون المس بجسده : ” وحيث يؤخذ من هذا التعريف القانوني للجريمة (التحرش الجنسي) تتجسد في تكرار الجاني لأفعال وأقوال تهدف لإجبار الضحية على الاستجابة لرغباته الجنسية عن طريق إضعاف إرادته أي أن هذه الجريمة تتعلق في ذاتها بتجريم سعي غير مشروع من قبل الجاني للوصول لإشباع رغبة جنسية معينة تحقق عند استجابة الضحية لذلك الضغط و انهيار دفاعاته بحكم التكرار و التعدد ولذلك لا تفترض هذه الجريمة اعتداء مباشر على جسم الضحية”.
تحديد عناصر جريمة التحرش الجنسي
لفهم جريمة التحرش الجنسي وجب تحليل عبارات الفصل 226 ثالثا من م ج عبارة تلو عبارة حتى نتمكن من فهم هذه الجريمة . وبداية تكون من تعريف جريمة التحرش الجنسي على انها “اعتداء على الغير… يتضمن ايحاء جنسي”. فما المقصود من تعريف التحرش بكونه اعتداء؟ الاعتداء هو كل فعل او قول او اشارة غير مشروع قانونا ويمس بالحريات او بالحقوق الاساسية للإنسان أي “الغير” مثل ضمان و صون الكرامة الانسانية و ضمان الحرمة الجسدية طبقا للفصل 21 من دستور تونس لسنة 2014. و كذلك ضمان العيش حياة كريمة قوامها الاحترام المتبادل حسب منطوف الفصل 21 من الدستور ذلك ان الدولة تضمن للمواطنين و المواطنات الحقوق و الحريات الفردية و العامة، و تهيئ لهم اسباب العيش الكريم. في حين اكد الفصل 24 منه على ان تحمي الدولة الحياة الخاصة… والحرية في اختيار مقر اقامته وفي التنقل داخل الوطن. اذن جريمة التحرش الجنسي تتسلط على منظومة حقوق الانسان المتمثل في الغير وهو ما كرسه القانون الفرنسي و القانون الكندي الذي يعتبر جريمة التحرش الجنسي جريمة تمييز بين الجنسين. فما المقصود من الغير؟ يفهم من لفظة “الغير” اي ” الضحية ” او المعتدى عليه بالتحرش الجنسي او مُتَحرَشْ به جنسيا. اما الفاعل فهو المعتدي او المُتَحَرِشْ الجنسي او مرتكب التحرش الجنسي.
ما هو “التحرش الجنسي”: “كل الافعال او الاقوال او الاشارات التي تتضمن ايحاء جنسي”؟
التحرش الجنسي اعتبر اولا اعتداء على الغير. وثانيا شمل ثلاث عناصر مستقلة اذا توفرت احداها قامت جريمة التحرش الجنسي سواء كان “الاعتداء بالأفعال” او “الاقوال ” او ” الاشارات” و لكن يجب ان يتوفر عنصر “الايحاء الجنسي” اي يتضمن الفكرة العقلية او التخيلات او الايحاءات الجنسية.
بالنسبة لجريمة التحرش الجنسي هو اعتداء بالأفعال تتضمن الايحاء الجنسي
قبل تحليل هذه الجريمة وجب التذكير بجملة من المبادئ التي تحكم النصوص القانونية التونسية:
اولا نص الفصل 28 من الدستور الذي ينص على ان : ” العقوبة شخصية، و لا تكون الا بمقتضى نص قانوني سابق الوضع، عدا حالة النص الأرفق بالمتهم”. وهو ما يؤكده الفصل الأول من المجلة الجنائية: ” لا يعاقب أحد إلا بمقتضى نص من قانون سابق الوضع لكن إذا وضع قانون بعد وقوع الفعل وقبل الحكم البات وكان نصه أرفق بالمتهم فالحكم يقع بمقتضاه دون غيره.” وهو ما يعبر عنه بمبدأ مبدا شرعية الجرائم و العقوبات.
هذان الفصلان يكرسان بصفة صريحة انه كلما وجد نص قانوني صريح يجرم فعل ما وجب تطبيقه و استبعاد النص القانوني العام اي ان الخاص يزيح العام وهو مبدا من المبادئ العامة للقانون التونسي. مبدئيا يخرج من مجال الفصل 226 ثالثا جديد من المجلة الجزائية المنقح بالقانون عدد 58 لسنة 2017 كل الجرائم التي افرد لها المشرع التونسي تنظيما خاصا و اعطاها وصفا للأفعال المكونة لها. . قد افرد لها المشرع تنظيما خاصا لبعض الجرائم الجنسية مثل الافعال الجنسية التالية: “تعمد الاتصال الجنسي بدون رضا الضحية” (227 مكرر (جديد)) او “الاغتصاب”(227 جديد) او “جريمة الاعتداء بالفاحشة بدون رضا الضحية” ( 228 م ج ). و تطبيقا للفصل 534 من مجلة الالتزامات والعقود الذي ذكر انه: ” إذا خص القانون صورة معينة بقي إطلاقه في جميع الصور الأخرى”.
فما هي هذه الافعال او الاقوال او الاشارات المكونة لجريمة التحرش الجنسي ؟
المبدأ : كل الافعال الغير مقبولة من طرف الضحية: مثل الملامسة و الملاطفة و احتكاك المعتدي بجسد الضحية بطريقة غير لائقة. او اقوال ذات مدلول جنسي المضايقة الجنسية بالكلام الذي يخدش الحياء و التهديد اللفظي و جريمة نشر الاشاعات الكاذبة ذات المدلول الجنسي وهو ما يتماهى تقريبا مع جريمة القذف في الشرف. او اشارات عن طريق نظرات معينة ذات مغزى جنسي و تخرج عن الآداب الاجتماعية تعد تحرشا جنسيا. و مثل الاصرار المستمر على التتبع بعد رفض التعرف .و مثل التَّنَمُّرُ (التهديد بالعنف أو البلطجة) و غيرهم كثير من الافعال التي يزخر بها القانون المقارن سواء الكندي او السويسري او غيرهم الذين يكرسون بصفة واضحة ان لا ترتقي هذه الافعال الى اعتداءات جنسية و الا خرجت من مجال تطبيق التحرش الجنسي.

الاستثناء: لكل مبدأ استثناء ولهذا كرس المشرع التونسي على معايير تميز بين وجود تحرش جنسي من عدمه الا وهي “الغايات”:
1) الغاية الاولى “وذلك بغاية حمله على الاستجابة لرغبات المعتدي أو رغبات غيره الجنسية. ولفهم هذه العبارات كان من الاحرى اللجوء للمعنى اللغوي لكل كلمة حتى يتوضح المعنى:
-ما معنى فعل حمل؟ و يعني فعل حمل فلانا على امر: اي اغراه به.
-ما معنى الاستجابة؟ في حين تعني الاستجابة : تلبية ، الرضا و التقبل.
-ما معنى رغبات؟ اما لفظ الرغبات: يحيل الى ميل الشخص نحو الحصول على امر ما. ” والرغبة تختلف من حيث معناها هذا عن الحاجة. اذ ان الرغبة ذات طبيعة نفسية لاشعورية بينما الحاجة ذات طبيعة بيولوجية مادية . و الحاجة هي ضرورة تنبع من الطبيعة كالنوم و الاكل و الشراب. بينما الرغبة هي حالة ذهنية ترتبط عادة بعدد من التأثيرات المختلفة”.
 ومعنى هذه الغاية الاصرار على اغراء شخص بتقبل فكرة عقلية جنسية او افكار غيره الجنسية. وهذا يستبعد تحقيق حاجات جنسية مثل الاحتضان و التقبيل و غيرهم (…).
لقد نص الفصل 226 ثالثا على الغايات من التحرش و ذلك تأكيدا منه على وجود حالات لا تتوفر فيها او تنعدم فيها الاستجابة للرغبات المعتدي او رغبات غيره الجنسية حتى يقع التفرقة بينهم. فالتنصيص على هذه الغاية بالذات يعد معيارا للتمييز بين حالات تتجه فيها رغبة المعتدي نحو التحرش الجنسي او تنعدم الجريمة التحرش الجنسي :
• من ذلك التدخل و العلاج الطبي يستوجب القيام بأفعال تتضمن ايحاءات جنسية او محاورة الشخص مع الطبيب المعالج حول مسائل و مشكلات جنسية من ذلك طبيب النساء”gynécologue ” او طبيب “sexologue ” او غيرهم من الاطباء المعالجين .
• او المحامي من خلال مناقشة “الامور الجنسية” كسبب من اسباب الطلاق او القاضي في اطار مناقشة اسباب الطلاق ” وخصوصا منها ذات الطبيعة الجنسية”. او اعوان الضابطة العدلية عند تقديم شكوى في اطار قانون عدد 58 لسنة 2017.
• كما لا يعد تحرشا جنسيا كل من تعمد ملامسة و ملاطفة و معانقة و تقبيل الاب او الام او الاخت او الاخ او الفصول او الاصول لاحد فصوله و اصوله او اقاربه وهو ما يدخل في اطار المعاملات طبقا للعادات و التقاليد والحنو.
• كما لا يعتبر التحرش اذا ما قبل الشخص افعال و اشارات و اقوال الشخص الاخر التي تضمن ايحاءات جنسية طالما ان هناك رضا متبادل.
2) أو بممارسة ضغط خطير عليه من شأنها إضعاف قدرته على التصدي لتلك الضغوط كما كرس ايضا الزامية وجود ضغوط خطيرة تمارس على المعتدى عليه من شأنها إضعاف قدرته على التصدي لتلك الضغوط. و الضغط “في فقه القضاء الفرنسي یستوجب استعمال عدة طرق وهي الإكراه والضغط و التهديد و إصدار الأوامر ، واشتراط استعمال هذه الطرق یعني عدم رضا الضحیة مما یجعلنا نفهم أن رضا الضحیة واستجابتها الإیجابیة تخرج الفعل عن مفهوم التحرش الجنسي، بمعنى یصبح أمرا جائزا قانونا “.
يحدث التحرش الجنسي عادة في الاماكن العمومية واماكن التجمعات مثل الاسواق و الشوارع ووسائل النقل نظرا للاكتظاظ السكاني و اماكن العمل و اماكن الدراسة اي في رياض الاطفال و المدارس و المعاهد و الكليات و المكتبات العمومية …
عقوبة التحرش الجنسي: الفصل 226 ثالثا (جديد)
ان جزاء التحرش الجنسي هو السجن مدة عامين وبخطية قدرها خمسة آلاف او في صورة توفر ظرف من ظروف التشديد يقع السجن باربع سنوات و بخطية قدرها عشرة الاف دينار.
على مستوى الاهداف من التحرش الجنسي
 تنال من كرامته : اذلال الشخص او تحقيره او تصغيره او تحطيم احترام الذات لدى الضحية.
 أو تخدش حياءه: فيه اذى معنوي و اخلاقي او جسدي.

المبحث الثاني : موقف فقه القضاء من جريمة التحرش الجنسي
اعتبرت محكمة التعقيب في قرارها الصادر بتاريخ 7 نوفمبر 2017 الذي استعرضه التقرير السنوي للمحكمة انه في قضية قيام حارس بتلمس ثديي تلميذة عمرها 10 سنوات في عدة مناسبات الى اعتبار فعل تلمس ثديي الطفلة الضحية و قرصها في عديد المناسبات هو فعل اكتملت فيه شروط جريمة الاعتداء بفعل الفاحشة على انثى لم تبلغ سن التمييز.
ميزت محكمة التعقيب بين الاعتداء بفعل الفاحشة و التحرش الجنسي و اعتبرت ان جريمة التحرش الجنسي “تقوم على… تكرار الجاني لأفعال و اقوال تهدف لإجبار الضحية على الاستجابة لرغباته الجنسية و لا تفترض الاعتداء المباشر على جسم الضحية” و ذهبت الى ان تعريف التحرش الجنسي من قبل منظمة الصحة العالمية والامم المتحدة “كل سلوك فيه ايحاء جنسي” لا يمكن تطبيقه . و تؤكد على كون جريمة التحرش الجنسي تتميز بكون الافعال و الاقوال الصادرة عن الجاني لا تتسلط مباشرة على جسم الضحية و لكن يمكن ان تكون جريمة التحرش الجنسي هي وسيلة تحقيق اعتداء جنسي اخر. وفي هذه الحالة يتم تطبيق العقوبة الاشد. وهو ما اكده التقرير المحكمة التعقيب لسنة 2017 ” لأن في ارتكاب فعل اللمس و التلمس يتحقق إشباع مباشر لرغبة جنسية وهو ما يشكل جريمة مفاحشة ولكن جريمة التحرش تقوم على تكرر أفعال أو أقوال لا تتصل بجسم المتضرر و لكنها تهدف للوصول لتحقيق رغبات جنسية للفاعل وجاء في هذا الإطار تعريف التحرش الجنسي المتعمد من قبل منظمة الصحة العالمية و الأمم المتحدة من كونه يمثل “كل سلوك له إيحاءات جنسية غير مرحب بها من قبل الطرف الآخر و يشمل أيضا طلب خدمات جنسية أو تصرفات ذات طابع جنسي ويمكن أن يكون عبر الكلام أو النظرات أو عرض مواد جنسية في مكان العمل بحيث يراها الطرف المستهدف.
 و هذا موقف سليم من محكمة التعقيب نظرا لان المشرع التونسي نظم جريمة عرض مواد جنسية طبقا لفصل 226 مكرر من م ج: ” يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها ألف دينار كل من يعتدي علنا على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة بالإشارة أو القول أو يعمد علنا إلى مضايقة الغير بوجه يخل بالحياء. ويستوجب نفس العقوبات المذكورة بالفقرة المتقدمة كل من يلفت النظر علنا إلى وجود فرصة لارتكاب فجور وذلك بكتابات أو تسجيلات أو إرساليات سمعية أو بصرية أو الكترونية أو ضوئية. كما يجرم القانون الاساسي عدد 61 لسنة 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالبشر جريمة عرض مواد جنسية في الفصل 12 منه على معاقبة كل شخص” بالسجن مدة ثلاثة أعوام وبخطية قدرها عشرة آلاف دينار “كل من يتعمد استعمال شبكات الاتصال والمعلومات لارتكاب إحدى الجرائم المنصوص عليها بهذا القانون و ذلك بقطع النظر عن العقوبات المقررة لتلك الجرائم”.
 ان موقف محكمة التعقيب موقف سليم لان هناك نصوص قانونية واضحة تنظم ” أيضا طلب خدمات جنسية أو تصرفات ذات طابع جنسي ويمكن أن يكون عبر الكلام أو النظرات”. وهو كرسته المجلة الجزائية ان النساء اللاتي تمتهن الدعارة و لو مرة واحدة يعتبر “خناء” و يعاقب و كذلك الشخص المشارك طبقا للفصل 231 من م ج ” ان النساء اللاتي في غير الصور المنصوص عليها بالتراتيب الجاري بها العمل يعرضن أنفسهن بالإشارة أو بالقول أو يتعاطين الخناء ولو صدفة، يعاقبن بالسجن من ستة أشهر إلى عامين وبخطية من عشرين دينارا إلى مائتي دينار. ويعتبر مشاركا ويعاقب بنفس العقوبات كل شخص اتصل بإحدى تلك النساء جنسيا”.كما يعاقب الفصل 233 من م ج بالسجن من 3 سنوات الى 5 سنوات و خطية من 500 دينار الى الف دينار اذا كانت دعارة او خناء شخص ما “امرأة او طفلة” اذا كانت نتيجة هناك ضغط او استعمال للإكراه والسلاح و تحيل او ارتكبت ضد قاصر او” إذا كان مرتكب الجريمة زوجا للمجني عليه أو أحد أسلافه أو وليه أو كانت له سلطة عليه أو كان خادما أجيرا أو معلما أو موظفا أو من أرباب الشعائر الدينية أو إذا استعان بشخص أو بعدة أشخاص”. فكلما اعطى المشرع وصفا للأفعال المكونة لجريمة ما لا يمكن الحكم الا بمقتضى هذا النص الواضح و الصريح المكرس لتلك الافعال المذكورة و المحددة. فكل من يمارس الشذوذ الجنسي يعاقب طبقا للفصل 230 م ج ” اللواط او المساحقة اذا لم يكن داخلا في اي صورة من الصور المقررة بالفصول المتقدمة يعاقب مرتكبه بالسجن مدة ثلاثة اعوام.” كما نص المشرع التونسي على جرائم مخلة بالنظام العام الاخلاقي و خصوصا بالحياء العام حيث تكون المرأة فيها فاعلا و مشاركا لا ضحية الا وهي جريمة الزنا و تعتبر جريمة جنسية رضائية بين شخصين متزوجين او احدهما متزوج ( الفصل الفصل 236 م ج). كما يعتبر العلاقات الجنسية خارج اطار الزواج بين المرأة و الرجل المنظمة في اطار مجلة الاحوال الشخصية باعتبارها جريمة زواج على خلاف الصيغ القانونية ( الفصل 18 من مجلة الاحوال الشخصية).و يعاقب الفصل 234 من م ج المساعدة على الفجور: “بقطع النظر عن العقوبات الأشد المنصوص عليها بالفصل السابق يعاقب بالسجن من عام إلى ثلاثة أعوام وبالخطية من مائة دينار إلى خمسمائة دينار كل من اعتدى على الأخلاق بتحريض الشبان القاصرين ذكورا أو إناثا على الفجور أو بإعانتهم عليه أو تسهيله لهم”.
كما يعاقب القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 مؤرخ في 3 أوت 2016 يتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته في فصله الاول الى منع كل أشكال الاستغلال التي يمكن أن يتعرض لها الأشخاص وخاصة النساء والأطفال ومكافحتها بالوقاية من الاتجار بهم وزجر مرتكبيه وحماية ضحاياه ومساعدتهم. ويعد اتجارا بالبشر طبقا للفصل الثاني منه: “يعد اتجارا بالأشخاص استقطاب أو تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو تحويل وجهتهم أو ترحيلهم أو إيواءهم أو استقبالهم باستعمال القوة أو السلاح أو التهديد بهما أو غير ذلك من أشكال الإكراه أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال حالة استضعاف أو استغلال نفوذ أو تسليم أو قبول مبالغ مالية أو مزايا أو عطايا أو وعود بعطايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر وذلك بقصد الاستغلال أيا كانت صوره سواء من طرف مرتكب تلك الأفعال أو بوضعه على ذمة الغير لاستغلاله. ويشمل الاستغلال استغلال بغاء الغير أو دعارته أو غيرها من أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسرا أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو التسول أو نزع الأعضاء أو الأنسجة أو الخلايا أو الأمشاج أو الأجنة أو جزء منها أو غيرها من أشكال الاستغلال الأخرى. سواء داخل الإقليم او خارج الإقليم الوطني في حدود قواعد اختصاص المحاكم التونسية المنصوص عليها بهذا القانون”. و كذلك حدد الفصل 4 منه على انطباق “أحكام المجلة الجزائية ومجلة الإجراءات الجزائية ومجلة المرافعات والعقوبات العسكرية والنصوص الجزائية الخاصة على جرائم الاتجار بالأشخاص و الجرائم المرتبطة بها المنصوص عليها بهذا القانون بقدر ما لا تتعارض مع أحكامه”. و بالنسبة للأشخاص الطبيعيين فقد كرس المشرع العديد من العقوبات لتجريم جرائم الاتجار بالبشر سواء بالتحريض على ارتكابها او الجرائم المرتبطة بها ( الفصل 9 )” بنصف العقوبات المقررة لجرائم الاتجار بالأشخاص المنصوص عليها بهذا …وإذا كان العقاب المستوجب هو الإعدام أو السجن بقية العمر يعوض ذلك العقاب بالسجن مدة عشرين عاما”.
و في الاخير و تطبيقا للفصل 534 من مجلة الالتزامات والعقود: «ما حكم به القانون لسبب معين جرى العمل به كلّما وجد السبب المذكور”. و على عكس الجرائم التي اعطاها المشرع وصفا دقيقا لافعالها المجرمة فان نص الفصل 226 ثالثا جديد من م ج جاء عاما و غير محدد للافعال او الاقوال او الاشارات و يرجع للقضاء التونسي ان يحدد افعال التحرش الجنسي وهو ما كرسه حين اعتبر انها بداية اقوال و افعال و ذلك تطبيقا لقاعدة قانونية الفصل 534 من مجلة الالتزامات والعقود الذي ذكر انه: ” إذا خص القانون صورة معينة بقي إطلاقه في جميع الصور الأخرى”.
اذن جريمة التحرش الجنسي تتميز باستقلاليتها و تميزها عن بقية الجرائم لان المشرع حدد ظروف تشديدها مثلما فعل مع بقية الجرائم الاخرى الجنسية و غير الجنسية و حدد الجزاء و حتى ان هذه الجرائم قد تتشارك في ظروف التشديد و اعطى الحق للطفل القاصر عند البلوغ ان يلتجئ للقضاء للقصاص قانونا من المعتدي . و بالتالي هي جريمة لا تتحقق فيها الاعتداءات الجنسية وحيث تتميز لذلك جريمة التحرش بالجنسي حسب تقرير محكمة التعقيب لسنة 2017 :” بكون بداية الأقوال و الأفعال الصادرة عن الجاني لا تتسلط مباشرة على جسم الضحية و تكرر تلك الأفعال بشكل فيه استنزاف لإرادة الرفض عند الطرف الآخر وبشكل مخل بالحياء لحمل الضحية على الرضوخ للرغبات الجنسية للجاني ولذلك يمكن أن تكون جريمة التحرش الجنسي هي وسيلة تحقيق اعتداء جنسي آخر وفي هذا السياق اعتبر المشرع بالفصل 226 ثالثا أنه لا تحول العقوبات ا لمقررة لجريمة التحرش من تطبيق العقوبات الأشد لجرائم اعتداء أخرى دون إمكانية تطبيق توارد موضوعي بينهما لأن السعي الغير مشروع في تحقيق اعتداء جنسي كان بدوره محل تجريم في شكل جريمة التحرش الجنسي .”
التفرقة بين جريمة التحرش الجنسي و جريمة الاعتداء بفعل الفاحشة
و اكدت المحكمة التعقيب ان فقه القضاء استقر في عدة قرارات و خصوصا منذ قرار مؤرخ في 1996 ان الفعل الفاحش يكفي ان يكون بمجرد ” اللمس والتلمس” و لكن يجب ان يكون ذلك بشكل يخدش عاطفة الحياء لان فيها مس بعرض المتضرر. و توسع فقه القضاء في تقدير الافعال المندرجة ضمن الاعتداء بفعل الفاحشة ليجعل من “الفعل الفاحش هو كل فعل مناف للآداب و يمتد لجسم المتضرر و ذلك مع اخلاله بالحياء”.” وقد أكد فقه قضاء هذه المحكمة هذه الخاصية ضمن القرار عدد 50370 المؤرخ في 26 جوان 1996 عند ما رأت المحكمة أنه يكفي لقيام جريمة الإعتداء بفعل الفاحشة مجرد “اللمس و التلمس”ولكن يجب أن يكون ذلك بشكل يخدش عاطفة الحياء لأن الفقه مستقر على أن هذه الجريمة تنطوي على مس بعرض المتضرر وقد حاول فقه القضاء التوسع في تقدير الأفعال الداخلة في الإعتداء بفعل الفاحشة و التي لم تقتصر على لمس العورة وحتى مجرد الكشف عنها وكان ذلك في إطار مزيد حماية المتضررين و خاصة الأطفال منهم لعجزهم عن تقدير قيمة الإعتداء المسلط عليهم ومؤثراته النفسية الخطيرة عليهم في مستقبل حياتهم و عدم قدرتهم على حماية أنفسهم أو وقف الإعتداء. “
ولئن لم يحدد القانون بالتدقيق الافعال المكونة للفاحشة الا ان فقه القضاء استقر الى اعتبار فعل الفاحشة متكونة ” من كل فعل خادش للحياء مسلط على ذات شخص للنيل من عرضه ولا لزوم ان يكون ذلكم الفعل واقعا بالعضو التناسلي وعلى عورة المجنى عليه بالذات بل أن مجرد التقبيل المتكرر الذي يشتم منه القصد الجنائي يعتبر من هذا القبيل” . وقد تدعم هذا لتعريف القضائي الموسع للاعتداء بفعل الفاحشة من خلا ل حكم جزائي عدد 412 مؤرخ في 11/05/1977 باعتبار الفعل المنافي للآداب الذي يمتد الى جسم المجنى عليه ويخدش حياءه يعد اعتداء بفعل الفاحشة ولو لم يقع الفعل على عورته”. وقد استمر فقه القضاء على تعريفه لفعل الفاحشة فقد ذهب الى اعتبار قيام جريمة الاعتداء بفعل الفاحشة بالاكتفاء بلمس مكان العفة و الحياء وتنصرف التعريفات الى نفس الاتجاه حتى ان تعريف محكمة التعقيب في 1991 فعل الفاحشة ” بكونه كل عمل مخل بالحياء يستطيل جسم المرء وعورته ويخدش عاطفة الحياء عنده”. في حين لم تخرج القاضي “سامية دولة عن تعريف المجمع عليه في فقه القضاء للاعتداء بفعل الفاحشة: “يراد بفعل الفاحشة قانونا ان يعمد الجاني الى الاتيان حركة جنسية تجاه المتضرر اساسها هتك حرمة العورات. و قد ذهب اغلب فقهاء القانون الى تبني نفس هذا التوجه الموسع لتعريف الاعتداء بفعل الفاحشة اذ هو ” جميع الافعال التي تعد من قبيل الافعال الفاحشة كالمساس بالعورات او الاحتضان وغيره “.