قانون الظل وحكومته العالمية

مجلة نقطة قانونية – 2018 

شخصيات عالمية تعيش في الظل ّ و تتحكّم في دواليب العالم وتحرّك الأحداث والعملاء والوزراء حسب مصالحهم الشخصية , لا يحكمهم في ذلك إلا الربح المادي فقط . شخصيات اختارت الظل لتأسس حكومات موازية تملك من السلطة والنفوذ وشبكة من العلاقات ما يجعلها تسيّر الأمور وتباشر بعيدا عن الإعلام وخلف الستار أعمال الحكومة المصرح بها والبارزة للعيان . قانون ظلّ عبارة عن مجموعة قواعد قانونية تطبّق على الجريمة وتسلط علي الفاعل العقوبة المناسبة في إطار المساواة وعدم التمييز بين جميع الأفراد والطبقات على اختلاف مراكزهم .فالنص القانوني يجرّم الفعل مهما كان مرتكبه فقيرا أوغنيّا .لكن قانون الظلّ هذا رغم احترامه لمبدأ الشرعية في التجريم والعقاب ينحدر على مستوى تنفيذ العقوبات ويميل نحو السراب .

تعود أهمية تناول هذا الموضوع إلى الرغبة الملحة في التطرق إلى فترة تاريخية معينة تميزت بإجراءات خاصة على مستوى تنفيذ العقوبة و الكشف عن حكومة تعيش خلف الستار تحرّك العملاء والوزراء وتعيّن الرؤساء والمسئولين . وهذا ما يجعلنا نطرح الإشكال التالي في رحلة نقدية بين حاضر الإنسان وماضيه : ما هي خصائص قانون وحكومة الظل العالمية ؟

للإجابة عن هذا الإشكال سنتعرض في فقرة أولى إلى قانون الظل الذي ساد في القرون الوسطى وفي فقرة ثانية إلى حكومة الظلّ التي تسيطر على العالم .

الفقرة الأولى : قانون الظل .

إنّ الحديث عن قانون الظلّ يفترض بنا العودة إلى الفترة التاريخية التي ظهر فيها قانون “ساكسونيا ” ( ا ) والتعريج عمّا تميّز به وانفرد على مستوى تنفيذ العقوبة ( ب ) .

ا-ظهوره :

يعود قانون الظل إلى القرن الخامس عشر ميلادي إلى ولاية “ساكسونيا” الألمانية ، إحدى أهمّ ولايات جمهورية ألمانيا الديمقراطية قبل الوحدة والتي شهدت ازدهارا تجارياً كبيرا بفضل مجهودات الفقراء والكادحين الذين يمثلون الطبقة العاملة والفاعلة في تلك الولاية وفي تلك الفترة لصالح طبقة أخرى تنعم بالبذخ والمناصب السياسية والمال وتسيّر دواليب الحياة وتنعم بالجاه والقرار تحت اسم النبلاء والأغنياء . إذن نحن أمام إحدى الأحداث الواقعية و التاريخية التي شهدتها ولاية ساكسونيا الالمانية والتي كان فيها أصحاب المال والتجارة يرون في أنفسهم أنهم طبقة اختارتها الطبيعة لتكون مميزة وحاكمة ومحظوظة وبعيدة كل البعد بآلاف السنين عن هؤلاء الفقراء والشغالين الذين يمتهنون الأعمال الشاقة وينهضون بالولاية من اجل إرضاء أسيادهم النبلاء . لذلك يجب أن يخصّهم المشرّع بقانون عادل يراعي مبدأ هام وضروري وهو مبدأ المساواة في العقوبة. قانون يعطي نفس العقوبة لمن أخطا وارتكب فعلا إجراميا. إذن لماذا قانون عادل يحقق المساواة بين الطبقتين على مستوى العقوبة يطلق عليه بقانون الظل ّ؟ ولماذا سمّي أيضا بقانون ساكسونيا إذا لم يكن فيه تفرّد وتميّز عن غيره من القوانين الموجودة في تلك الفترة ؟

ب- تميّز العقوبة :

يخضع المجتمع بولاية ساكسونيا إلى قانون خاص يتميز عن بقية الولايات بتقيده بمبدأ المساواة في العقوبة أي عدم التمييز بين السكان مهما كان انتمائهم سواء إلى طبقة الفقراء أو إلى طبقة الأغنياء .ومهما كانت خطورة الفعل المرتكب فهي تخضع لنفس العقاب . لكن المنعرج الحقيقي في طريقة تنفيذ العقوبة . فجريمة القتل في إطار قانون ساكسونيا إذا ارتكبها احد الفقراء ينفّذ فيه عقوبة الإعدام بقطع رقبته في وضح النهار أمام العامة . وإذا ارتكب هذه الجريمة احد الأغنياء فيكون التنفيذ بجلبه ليقف أمام عامة الشعب في الشمس حتى يستطيل ظلّه فتُقطع رقبة ظلّه وسط تصفيق الحاضرين وسعادتهم بعدالة العقوبة والمساواة أمام القانون.

أما بالنسبة لعقوبة الجلد نظير فعل السرقة فيكون عقاب السارق المنتمي إلى طبقة الفقراء بالجلد العلني في وضح النهار. وإذا كان السارق من طبقة الأغنياء فيعاقب ظلّه بالجلد العلنيأمام بقية العامة.

إذا كانت العقوبة بالسجن وسلب الحرية فيسجن المحكوم عليه إذا ما كان من الكادحين الفقراء ليقضي المدّة المحددة . أما إذا كان المجرم من النبلاء فيدخل السجن علنيا من الباب الرئيسي كغيره من المجرمين مواصلا سيره نحو الباب الخاص بنسبه الشريف ويستعيد حريته مجددا التي لم تقيّد أصلا ولم تسلب .

اذن هذه عدالة قانون ساكسونيا منذ القرن 15 التي كانت تتميز بالمساواة في العقوبة والعلانية بتنفيذها وخاصة ذلك البهرج المصاحب لتنفيذ العقوبة عبر تصفيق وسعادة الحضور من الفقراء .

لنعترف مبدئيا انّه لأوّل مرة يجب تبرئة الإعلام من توجيه عقول هذه العينة من البشرية التي هي بالأساس جاهزة وموجهة . لكن هذا الوضع تغير وباتت ساكسونيا اليوم من الأماكن المزدهرة اقتصاديا والمتميزة بسيادة القانون والتي استفاقت من الظلم والظلام واقرّت بالعدالة الحقيقية.

انه لمن البديهي عزيزي القارئ انك فهمت من خلال قانون هذه الولاية الألمانية القديمة تواجد هذا القانون الساكسوني بطريقة او أخرى في عالمنا العربي وواقعنا التونسي الحالي .والذي يمكن أن نستخلصه خاصة مع كواليس عملية تسليم رئيس الوزراء الليبي السابق البغدادي المحمودي للحكومة الليبية سنة 2012 و مع قرار العفو الخاص الذي أصدره رئيس الجمهورية على القيادي في حركة نداء تونس برهان بسيّس بإسقاط بقية العقاب السجني المحكوم به والإفراج عنه، بمناسبة الذكرى 70 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في القضية المتعلقة بإلحاقه سابقا بشركة ”صوتيتال” والحصول على فائدة مالية لا وجه قانوني لها .

وبطلان إجراءات التتبّع بموجب الخلاص في 14 قضية متهم فيها الأمين العام الجديد لنداء تونس سليم الرياحي بإصدار شيكات دون رصيد .

انّ العيش في كنف قانون تفاضلي كقانون ساكسونيا يعطيك انطباعا بان الواقع العربي وان كان لا يصرّح بهذا التمييز ولا يعيشه ظاهريا لكنه يعتمده في الظلام ويجد له التبريرات والحجج ويحاول بشتى الطرق تبنّي المصالحة معه . فالفقير الذي يسرق ليأكل ليس بالغنيّ الذي يسرق ليتمتّع. ألا يمكن بهذا المعنى أن يصبح الفقر مثله مثل الإعاقة أو الكبر في السن أو الطفولة .. تتطلب معاملة خاصة باعتماد قواعد الإنصاف التي تسمح للقانون بالتكيّف حسب الظروف التي يعيشها مقترف الفعل الاجرامي . لماذا لا يتمّ إضافة مصطلح الفقر في تعريف الضحية !!!

ان عدالة سكسونيا المزيفة صبغت الواقع الذي نعيشه وقطعت لسان الحق وهو ما عبّر عنه

ابن تيمية بقوله : “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة “

ان تواجد قانون الظلّ مثل قانون ساكسونيا على مر التاريخ لا ينفي إمكانية وجود حكومة ظلّ تقود العالم وتسيّره .

الفقرة الثانية: حكومة الظل

مم لا شك فيه إنّ التاريخ الإنساني يعجّ بكل مظاهر الصّلاح والفساد لكنّ الواقع المعيش قد يكشف لك حقائق صنعها الإنسان ليتحكم في أخيه الإنسان وهو ما اوجد حكومة ظلّ عالمية لها بداية واْصل ( ا ) واستمرارية ومواصفات ( ب ) .

ا-ظهورها :

ظهر مصطلح “حكومة الظل” لأول مرة مع النظام البرلماني البريطاني في أواخر القرن ال19 في بريطانيا في اطار تكليف زعيم المعارضة بعض النواب بمراقبة أعضاء الحكومة مراقبة لصيقة تجعل منهما بمثابة الظلّ الذي لا يفارق النواب في أعمالهم السياسية.ومن هنا جاءت تسمية حكومة الظلّ .

في البداية يجب الإقرار بوجود حكومة ظل عالمية تتجسد من خلال ما يسمى ب بيلدربيرغ . فماذا نقصد بهذا المصطلح ؟

مجلس أو مؤتمر بيلدربيرغ العالمي أو “حكومة العالم العميقة” أو “الحكومة الخفية العالمية” التي بعثت للحياة في نسختها الأولى سنة 1954 بفندق بيلدربيرغ في هولندا والذي يجمع ما بين 100 و150 شخصا من رجال المال و السياسة الأكثر سلطة ونفوذا في العالم وأصحاب الشركات العبر قطرية أو ما اعترف على تسميتها بالشركات متعددة الجنسيات المنتشرة في كامل أنحاء العالم والتي تمارس سيطرة خفية وخلفية على أصحاب القرار في الدول التي تمارس فيها هذه المؤسسات أعمالها ومشاريعها الاستعمارية وأباطرة المال والمصارف الدولية .

يجمع هذا المؤتمر أصحاب السلطة والسياسة والاقتصاد والاتصالات حيث يتم اختيار الحاضرين بكل دقة وتمعن من بين رؤساء بعض الدول ومن يملك بين يديه التأثير وينصاع لأوامره الرأي العام والمنتمين في الغالب إلى الحركة الماسونية . وتعتبر كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي إحدى قادة هذا المؤتمر ويعتبر هنري دي كاستري رئيس اللجنة المنظمة لهذا الاجتماع وهو في الأصل رئيس مجموعة التأمين الفرنسية “أكسا” وتكون دعوة الحضور لمالكي الثروة والسلطة والإعلام لحضور هذا المؤتمر شخصيّة لا تنسحب على زوجاتهم أو أبناءهم أو أصدقائهم أو حتى حراسهم الشخصيين .

ب-مواصفاتها :

مؤتمر بيلدربيرغ العالمي و الغير رسمي يتّصف بالسرية التامة والغموض سواء من حيث اتصالاته واجتماعاته السنوية وما ينبثق عنها من قرارات واتفاقيات والتزامات لا تصدر للعيان ولا ينبثق عنها أيّ بيان رسمي أو غير رسمي ولا تسجل المحاضر ولا آراء الحاضرين. وفي ذلك تخفي واضح من أعين الصحافة المرئية أو المكتوبة أو المسموعة. بهذا المعنى هل يمكن الحديث عن حكومة ظل عالمية يقودها أشباح العالم الذين يتوارثون هذه المكانة والحظوة والسلطة والقيادة والتحكم في خيرات وخيارات العالم !. إذا هذا العالم بمثابة سيارة لتعليم السباقة قائدها الظاهري هو متعلّم السباقة أمّا القائد الفعلي فهو معلّم السباقة الذي يخفي بين رجليه مكابح وفرامل أخرى يستعملها متى شعر بالخطر يداهمه أو متى أراد استغفال الممتحن وخلق انطباع لديه بأنه يحسن السباقة .

هذا المؤتمر أشبه بمؤتمر باريس المنعقد مع نهاية الحرب العالمية الأولى والذي سمّي نادي المنتصرين لأنه تم فيه تقسيم العالم واقتسام المستعمرات وتمخضت عنه عديد الاتفاقيات القاسية ضد الدول المنهزمة.

هذا المؤتمر يملك من الجرأة والمال والنفوذ ما يجعله يسيطر على الفكر والدماغ العالمي بتوجيه الرأي العام العالمي إلى الزوايا والثقب كقطيع أغنام وأبقار. دليلنا في ذلك ان كل من فضح أسرار هذا المؤتمر في بدايته يتم النيل منه وهو ما حصل للكاتب الاسكتلندي شريب سبيريدوفيتش الذي أصدر سنة 1926 كتابه “حكومة العالم الخفية”، وعثر عليه بعد ذلك مقتولا في أحد فنادق الولايات المتحدة الأمريكية . ونفس المصير كان للكاتب “وليام غاي كار”صاحب كتاب “أحجار على رقعة الشطرنج”الذي صدر سنة 1958 .

هذا النادي النخبوي الرأسمالي هو صورة كاريكاتورية لنفوذ وسلطة تسند إلى عضو مميز يمارس من خلالها قيادة القطيع في دولة ما فيختار بدوره رعاة وكلابا معينين لمساعدته في أداء هذه المهمة .

ينعقد هذا المؤتمر السنوي بمدينة ما فتصبح مدينة مغلقة يحرسها رجال الشرطة. وتحاط باْسيجة حديدية وتمنع معها كل أشكال التظاهر. كل هذه السرية والحراسة الأمنية والكتمان يبعث للريبة وهو ما جعل غيرهارد فيشنيفسكي يصف الاجتماع السنوي لهذه النخبة في كتابه “سلطة زعماء بيلدربيرغ” بكونه “مؤامرة النخبة الاقتصادية والسياسية والإعلامية”. أمام ما تملكه هذه النخبة العالمية من سلطة ونفوذ وبعيدا عن سياسة المؤامرة فانّ الربيع العربي وما تلاه من أحداث وانعكاسات مسّت بلدان الثورات العربية بما شمله من مشاكل اقتصادية واجتماعية تشعر مع طول الوقت ان أيادي خفية من الداخل أو من الخارج تحرك خيوط الإرهاب وتمول وتشتري الآراء والمواقف . لنفترض أنّ بداية الثورة التونسية كانت عبارة عن حراك شعبي تلقائي ضد الظلم والاستبداد والتهميش فان الوضع المتأزم الحالي سببه بالأساس رغبة بعض القوى في تدعيم سياسة الاستغلال وبسط النفوذ و توجيه الرأي العام بافتعال بعض الاضطرابات والتهديد بالاغتيالات او بتدعيم الفساد وتخدير المجتمع بالمخدرات الذي بدوره يغذي الجريمة بمختلف أنواعها .

الأكيد , انّ الحاكم الفعلي الذي يملك السلطة والنفوذ والقانون بيديه في العالم عموما وفي المجتمع التونسي على وجه الخصوص هو “الظلّ ” الذي يُكشف سواده في الشّمس ويستطيل فعله بتصفيق وترحيب مبالغ فيه من عامة الشعب . أماّ قراراته ومؤامراته و توصياته فهي بالليل . قال تعالى في سورة الأنفال .

” وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30).صدق الله العظيم .

إبراهيم الشخّاري . باحث في علم الإجرام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *