تفاصيل غرامة الحرمان في قانون الأكرية التجارية -بقلم الأستاذ هيثم المهناوي

تفاصيل غرامة الحرمان في قانون الأكرية التجارية

بقلم الأستاذ هيثم المهناوي – المحامي بتونس

 مجلة نقطة قانونية – 2018

ان تشريع الأحكام الخاصة بالاكرية بنوعيها المدنية و التجارية و افراد بعضها بقوانين  خاصة في القانون التونسي[1] و إضفاء أكثر خصوصية و حماية على المادة الكرائية هو إستثناء لمبدأ سلطان الإرادة باعتبار انه المبدأ الذي تقوم عليه النظرية التقليدية للإلتزامات و الذي تشكل بموجبه إرادة الأطراف الركن الجوهري  لكل عقد فلكل شخص الحرية في التعاقد أو في عدم التعاقد والحريّة في اختيار معاقده وفي تحديد شروط الإتفاق من حيث المكان والزمان والمحتوى والشكل والمدّة.

 ان تقيد  المشرع المطلق بمبدأ سلطان الإرادة تراجع لضرورة احترام النظام العام الاقتصادي الذي يهدف إلى إقامة الموازنة بين الأنشطة الاقتصادية  للأفراد من جهة و بين مالكي المحلات من جهة أخرى قصد حماية الطرف الضعيف في العقد و بمعنى أعمق يرمي إلى تنظيم الروابط التعاقديّة بطريقة مفصلة لا تغلب فيها مصلحة الطرف القوي المالك للمحل (الجدران) على  مصلحة الطرف الآخر المكتري الذي اكتسب حقوقا بذلك المحل و أصبحت له ملكية تجارية  لذلك بدا المشرع اكثر حرصا و يظهر ذلك جليا بتكريسه للقانون عدد 37 لسنة 1977 المؤرخ في 25 ماي 1977 المتعلق بتنظيم العلاقات بين المسوغين و المتسوغين فيما يخص تجديد كراء العقارات و المحلات ذات الاستعمال التجاري و الصناعي او المستعملة في الحرف” و سنتعرض صلب هذا المقال فقط الى مسالة رفض تجديد كراء المحلات ذات الاستعمال التجاري و ما يرتبه من حق في غرامة حرمان.

تشكل غرامة الحرمان إحدى الوسائل التي كرّسها المشرّع لحماية الأصول التجارية من التلاشي إضافة إلى المبادئ العامة التي رسمها قانون 1977 لتطبيق أحكامه على الأكرية التجاريّة.

ان المطالبة بغرامة الحرمان تستوجب أن تتوفر الشروط العامة لتطبيق قانون الأكرية التجارية، وهذه الشروط تقتضي توفر أصل تجاري يستغلّ بالمكرى لمدة سنتين على الاقل على الفصلين 189 من المجلة التجارية و الفصل الثاني من قانون 1977 .

         ان المطالبة بغرامة الحرمان تستوجب أن تتوفر شروط و اجراءات مفصلة جاء بها قانون الاكرية التجارية   (الجزء الاول )، و عند توفر تلك الشروط يمكن التعرض الى تقدير غرامة الحرمان (الجزء الثاني).

الجزء الاول : شروط  الانتفاع بغرامة الحرمان :

تقتضي المطالبة بغرامة الحرمان توفر أصل تجاري يستغلّ بالمكرى  لمدة سنتين على الاقل يكسب المسوغ الحق في تجديد الكراء (المبحث الاول) و صدور تنبيه برفض ذلك التجديد (المبحث الثاني) .

المبحث الاول: اكتساب حق تجديد العلاقة الكرائية :  (le droit au bail)

حرص المشرع خلال سنه للقانون عدد 37 لسنة 1977 المؤرخ في 25 ماي 1977 المتعلق بتنظيم الاكرية التجارية  أو المستعملة في الحرف، إلى حماية حق المتسوغين لمحلات ذات صبغة تجارية وذلك بمنح التاجر حق تجديد كراء المحل التجاري الذي يستغله عند انتهاء مدته وهو ما من شأنه ” أن يحقق توازنا بين الملكية العقارية والملكية التجارية التي تقتضي حماية حق المتسوغين التجار في الإيجار”([2]) بالرغم من ان البعض ذهب الى اعتبار الحق في تجديد الكراء التجاري هو قيد من قيود الملكية العقارية .

ان القول بطلب الحصول على تعويض مهما كانت صبغته يقتضي بالضرورة وجود حقوق مكتسبة معرضة للخطر او وقع الاضرار بها او سيقع الاضرار بها بالتالي فالمطالبة بغرامة الحرمان بوصفها غرامة تعويضية يشترط وجود علاقة كرائية لمدة سنتين على الاقل على معنى الفصل الاول من قانون 25 ماي 1977 الذي نص على انه”تنطبق أحكام هذا القانون على عقود تسويغ العقارات و المحلات التي يستغل بها ملك تجاري طيلة عامية متتاليين على الأقل سواء أكان على ملك تاجر أو صاحب صناعة أو صاحب حرفة

-عقود تسويغ الأراضي البيضاء التي أقيمت عليها بعد التسويغ بناءات لإستعمال تجاري أو صناعي أو حرفي بشرط موافقة مالك العقار موافقة صريحة أو ضمنية. – عقود تسويغ المحلات المستغلة بها مؤسسات تعليم خاص.

-عقود تسويغ العقارات أو المحلات المستغلة لمـصالح البلـديات بموافقـة صريحة أو ضمنية من طرف المالك.

-عقود تسويغ العقارات أو المحلات التي هي على ملك الدولة أو البلديات أو المؤسسات العمومية أو التي هي ذات مصلحة عمومية والعقارات المعدة مـن طرف المجموعات لأشغال ذات مصلحة عمومية.

ما هو الاختلاف بين العقارات و المحلات و ما مدى تأثير ذلك على اكتساب الاصل التجاري ؟

 اعتمد المشرّع في صياغته للفصل  المذكور مصطلحي ” العقارات ” و ” المحلاّت ” في مناسبة واحدة مما قد  يتبادر معه  إلى الذهن عند قراءة اولى  أنه وقع في التكرار فالمصطلحين لا يختلفان مبدئيا في المعنى إلاّ أن هذا التكرار مقصود منه باعتبار و ان المصطلحين يختلفان من حيث الموضوع بل ان احداهما يستوعب الاخر فالعقار بما هو كل شيئ ثابت في مكانه لا يمكن نقله دون تلف [3] اشمل من المحل و العقار يستغل به المحل و هذا الاخير عرفه البعض بانه مساحة مسيجة ومسقفة يتكون منها محل حقيقي للاتجار مما يقصي المساحات غير المسقفة و الجدران و الحيطان .

هل يتسلط حق المطالبة بتجديد الكراء على غير المحلات الاصلية لممارسة النشاط التجاري ؟

تشمل احكام قانون الاكرية التجارية عقود تسويغ المحلات أو العقارات إذا كان استعمالها لابد منـه لإسـتغلال الملك التجاري و تجدر الاشارة الى ان المشرع في كل مرة  يتدخل  لسن واضفاء اكثر حماية لصاحب الاصل التجاري  بحيث دائما ما يدخل توسيعا تشريعيا في مجال تطبيق القانون  انطلاقا من المجلة التجارية وصولا للقوانين الخاصة و خاصة قانون 1977 اذ ورد في الفصل 4 من المجلة التجارية  انه ”تكون خاضعة لأحكام هذا القانون الأفعال والأعمال القانونية التابعة لممارسة التجارة وتعتبر جميع الأفعال والأعمال التي يقوم بها التاجر كما سبق تعريفه بالفصل الثاني تابعة لممارسة التجارة ما لم تقم الحجة على خلافه” و يفهم من ذلك ان الاعمال التجارية المستغلة بمحل اخر فرعي ضروري لاستغلال النشاط التجاري  هو محل تابع للمحل الاصلي و الاعمال التي تمارس به هي اعمال بالتبعية و تبعا لذلك فان ممارسة ذلك العمل التجاري بالمحل التابع يخضع التاجر لقواعد القانون التجاري و امتيازاته  من ضمان للسرعة  و سلامة  في التعامل و حق في حماية النشاط و طلب تجديد الكراء بالتالي تلك العقارات و المحلات المستغل بها نشاط تجاري بالتبعية تخضع بالضرورة الى احكام قانون 25 ماي 1977 كما اضاف المشرع بعض الحالات الخاصة والمتعلقة بعقود تسويغ اخرى وهي بالأساس تلك الواردة بالفصل الثاني من  نفس القانون والمتعلقة فضلا عن عقود تسويغ المحلات التابعة والمحلات ذات الاستغلال المزدوج التي سبق ذكرها،بعقود تسويغ الأراضي البيضاء وبعقود تسويغ المحلات أو العقارات التي بها مؤسسات تعليم خاص وبعقود تسويغ المحلات والعقارات الواقعة للبلديات، وبالعقود الواقعة من الذوات المعنوية التابعة للقانون العام.

يشترط في خصوص عقود تسويغ الأراضي البيضاء فإنه  إقامة بناء على الأراضي البيضاء موضوع الإيجار مع احترام الشروط الواجب توفرها في المحل كما يجب أن تكون إقامة البناء أو استعمالهبموافقة من المالك سواء كانت هذه الموافقة صريحة أو ضمنية، سابقة أو لاحقة لإقامة البناء، وهو مظهر آخر من مظاهر يسر شروط الإنتفاع بحق تجديد الكراء[4].

عموما يجب أن تتوفر بها الشروط الدنيا لاستغلال  ذلك النشاط وهي بالأساس قابليته لإيواء الأصل التجاري فالشوارع والبطاح مثلا لا تعد كذلك كما يجب أن تكون ثابتة ثبوتا قويا في أماكن ليست على أملاك الدولة.

ماهو مدى تأثير توفر عنصر الحرفاء من عدمه على اكتساب الحق في تجديد الكراء ؟

 يتجه التذكير الى ان الشرط الجوهري لاكتساب الحق في التجديد يتمثل في الاستغلال الفعلي  للنشاط التجاري بالمحل المكترى حفاظا على عنصر الحرفاء بالاصل التجاري بما هو العنصر المحدد و الضروري لوجود الاصل التجاري على معنى الفصل 189 من المجلة التجارية الذي جاء فيه:” تندرج في محتويات الأصل التّجاري الأشياء المنقولة المخصّصة لممارسة أعمال التّجارة.

ويشمل الأصل التّجاري وجوبا الحرفاء والسّمعة التّجاريّة .

كما يشمل أيضا ما لم يقضي نصّ بخلافه سائر الأشياء الأخرى اللاّزمة لاستغلال الأصل التّجاري كعنوان المحلّ والإسم التّجاري والحقّ في الإجارة والمعدّات والآلات و السّلع وبراءات الاختراع وعلامات المعمل والأشكال والنّماذج وحقوق الملكيّة الأدبيّة والفنيّة.”

أكدت محكمة التعقيب التونسيّة بدوائرها المجتمعة([5])في تفسيرها لهذا الشرط أنّه يتعيّن على المكتري أن يثبت وجود أصل تجاري طبق التعريف الوارد بالفصل 189 من المجلّة التّجاريّة وما نلاحظه من خلال هذا الفصل هو أنّ المشرّع ميّز بين صنفين من العناصر الوجوبيّة والضروريّة لوجود الأصل التّجاري و لاكتساب الحق في تجديد الكراء وهي الحرفاء والسّمعة التّجاريّة أمّا ما عدى ذلك فهي ليست عناصر وجوبيّة ويمكن أن نجد بعضها دون الآخر بالتالي لا يمكن الحديث على اصل تجاري و لا على اكتساب الحق في تجديد الكراء في ظل غياب او تلاشي عنصر الحرفاء .

هل من الضروري استغلال المكرى لمدة سنتين بالتحديد ؟

 نص الفصل الثاني من قانون 1977 على التالي : ” المتسوّغون… الذين يثبتون أنهم يتصرفون في ملك تجاري… منذ عامين متتابعين” بالتالي النص واضح و الفقه و فقه القضاء التونسي مستقر في هذا الاتجاه إذ اعتبرت محكمة التعقيب أن استغلال الأصل التجاري بالمكرى لمدّة تقل عن المدة المفروضة قانونا يجعل الإيجار خاضعا لأحكام القانون العام ولا يمكن تجديده تطبيقا للقانون الخاص بالأكرية التجاريّة([6]) بل ذهبت محكمة التعقيب إلى أكثر من ذلك إذ جاء في قرارها عدد 852 المؤرخ في 21 جويلية 1977 أن استغلال الأصل التجاري لفترة تقل عن الفترة التي أوجبها القانون بشهر واحد لا يمكنّ المتسوّغ من الانتفاع بقانون الأكرية التجارية([7]).

تجدر الاشارة الى أن مدة الاستغلال التي فرضها المشرّع لا تخصّ استغلال العين المؤجرة لمدّة سنتين وإنما المقصود بمدّة الاستغلال هو الاستغلال الفعلي لذلك النشاط التجاري بتلك العين وهذا يعني أنّ المتسوّغ الذي ترك المحل المكرى مغلق خلال مدة زمنية  طويلة او استغل نشاطه بالمحل بصفة متقطعة  ثم عاد الى استغلاله لاحقا  قد لا يمكنه التمسك مبدئيّا بحق التجديد و بإمكان ان يحتج و يدفع مالك الجدران بهذا الدفع .

من له الحق في طلب تجديد الكراء التجاري ؟

الفصل 3 من قانون 1977 جاء صريحا و حدد الاشخاص المخول لهم طلب التجديد و هم المتسوغ الاصلي و المحال له و المكتري الثاني اذا توفرت بعض الشروط , اذ جاء بالفصل المذكور انه” لا يمكن ان يطلب الحق في تجديد التسويغ الا المتسوغون الذين احالوا الكراء او اصحاب الحق الذين يثبتون انهم يتصرفون في ملك تجاري شخصيا او بواسطة نوابهم و ذلك مدة عامين متتاليين .

و يمكن للمتسوغ الذي يثبت بسبب شرعي او الذي اعطى ملكه التجاري لوكالة حرة ان يتمسك بالتصرف الموجود.

و في صورة احالة ملك تجاري يمكن للمحال له ان يتمسك بالحقوق المكتسبة من طرف المحيل لاتمام مدة التصرف الشخصي المنصوص عليه بالفقرة السابقة و ذلك عند الاقتضاء ”.

 هل يؤثر عدم تسجيل النشاط بالسجل التجاري على اكتساب  الحق في تجديد الكراء التجاري ؟

بمقتضى القانون عدد 44 لسنة [8]1995 و المنقح بالقانون عدد 15 لسنة 2010 نظم المشرع إجراءات التسجيل  بالسجل التجاري  الذي يهدف الى  تجميع المعلومات الخاصة بالتجار والشركات، ووضعها على ذمة العموم  و تقوم بمسك ذلك السجل  كتابة السجل التجاري لكل محكمة إبتدائية ويشرف عليها رئيس المحكمة الإبتدائية  أو من يعينه من القضاة للغرض.

يهدف التسجيل بالسجل المذكور الى  تنظيم التجارة عموما  لمعرفة التجار والصناعيين والحصول على معلومات حول وضعهم القانوني و الإقتصادي  و هذه المعلومات تهم  التاجر المسجل  هويته، حالته، شروط ممارسة نشاطه و معلومات تهم المحل الممارس به النشاط : سند التصرف، التراخيص لذلك يمكن القول ان الهدف من ذلك التسجيل هدف اشهاري بالنسبة للتاجر الشخص الطبيعي يمكنه من الانتفاع بصفة التاجر و بإيجابيات القانون التجاري اما بالنسبة للشخص المعنوي و الشركة التجارية تحديدا فالهدف من التسجيل ليس الحصول على الصفة التجارية و إنما هو الحصول على الشخصية القانونية التي بموجبها يقع التفريق بين الذمة المالية للشركة و الذمة المالية الخاصة بكل شريك .

يمكن لأي شخص له مصلحة او تعلقت حقوقه بالنشاط  التجاري المرسم الاطلاع على  كافة المعطيات بل و بامكانه ان يتحصل على وثائق تتعلق بذلك النشاط بحصوله على اذن قضائي بموجب اذن على عريضة او عن طريق تنفيذ حكم تحضيري في اطار قضية منشورة و في هذه الحالة يسهل السجل التجاري ولوج الدائن الى العدالة لمعرفة كيفية الحصول على حقوقه بالتالي السجل التجاري يهم من لهم مصلحة بالنشاط التجاري من متعاملين معه و دائنين و مرتهنين في صورة رهن الاصل التجاري و لا علاقة للعلاقة الكرائية بين المسوغ و المتسوغ بهذه المعطيات بالتالي عدم قيام المتسوغ بالتسجيل بالسجل التجاري لا يحرمه من المطالبة  بحقه في  تجديد الكراء التجاري و لا يمكن للمسوغ ان يعارض بذلك او يتسبب به عند رفض التجديد .

المبحث الثاني :صدور تنبيه عن المسوغ برفض تجديد الكراء التجاري :

         يحق لمالك الجدران ان يعرب عن رفضه الصريح   من مسالة تجديد الكراء التجاري بدون وجود اي سبب او موجب لذلك وهو ما نص عليه الفصل 7 من قانون 1977 اذ نص على انه ” يمكن للمسوغ ان يرفض تجديد التسويغ و مع ذلك فان المسوغ يجب عليه فيما عدى الاستثناءات المنصوص عليها بالفصل الثامن و الفصول التابعة له ان يدفع للمتسوغ المحروم  من التجديد منحة  تعرف بمنحة الحرمان تساوي الضرر الحاصل بسبب عدم التجديد ”.

ان تسجيل رفض المسوغ تجديد الكراء يبقى خاضعا في شروطه و اجراءاته الى قانون الاكرية التجارية اذ جاء بمنطوق الفصل الرابع من قانون 25 ماي 1977 انه يتوجب على المسوغ الذي يرفض تجديد الكراء للمتسوغ توجيه تنبيه له قبل ستة أشهر من تاريخ انتهاء عقد الكراء الرابط بينهما.

والتنبيه هو عمل أحاديّ الجانب يصدر عن أحد طرفي العقد – المسوّغ – يعرب بموجبه على الطرف المقابل عن إرادته لإنهاء العقد عند إنتهاء أجل محدد وبناء على أن للتنبيه تأثيرات هامة خاصة على حق المتسوّغ  في تجديد التسويغ فقد أحاطه المشرّع بشكليات مشددة يؤدي عدم احترامها الى بطلانها و يفتح المجال للمتسوغ للقيام بقضية في ابطال التنبيه التجاري , اذن لتجنب ذلك على المسوغ الذي يرفض تجديد الكراء للمتسوغ توجيه تنبيه له قبل ستة أشهر من تاريخ انتهاء عقد الكراء الرابط بينهما ويجب ان يبين الاعلام الأسباب التي من أجلها وقع التنبيه بالخروج ويذكر  عبارات الفصل 27 والا يقع الغاؤه و عمليا فان محرر التنبيه ينقل نقلا حرفيا للفصل المذكور بالبند العريض باعتبار و انه شرط جوهري يهم النظام العام .

و تجدر الاشارة الى ان ذكر سبب التنبيه ضروري و جوهري وليس  مجرد شكلية عادية اذ يمكن المتسوغ من التثبت في شرعية التنبيه ومعرفة النوايا الحقيقية لمالك  العقار .

هل ان تبرير التنبيه بالخروج يعد ضروريا بالنسبة لرفض التجديد موضوع الفصل السابع من قانون 25 ماي 1977؟

إن مجرد رفض التجديد بلا قيد يعد عذرا في ذاته ويفضي الى الالتزام بدفع غرامة الحرمان فالمسوغ غير ملزم بذكر سبب الرفض الا اذا كان ينوي التفصي من دفع تلك الغرامة[9] .

وقد انقسم الفقهاء حول هذه المسألة اذ اعتبر البعض  ان المسوغ  مطالب بعرض دفع غرامة الحرمان صراحة كي يعتبر التنبيه صحيحا باحترام شرط التسبيب في حين يرى البعض الآخر وان مالك العقار غير  ملزم تماما بالتجديد اذ له الحق المطلق في رفضه مقابل دفع غرامة الحرمان  دون ان يقدم اي تبرير ، فالسبب هو ارادته في الرفض و اعمالا لحق دستوري[10] متمثل في حق الملكية و تفترض هذه النظرية الأخيرة ان التنبيه مبررا اذا كان الرفض  مجردا من اي سبب لاعتبار ان هذا الرفض يتضمن دون التنصيص على  ذلك صراحة ، عرض غرامة الحرمان.

 تجدر الملاحظة ان هذا الاتجاه الاخير هو اتجاه متناغم مع احكام الفصل 27 من قانون 1977 الذي جاء  فيه : ” يجب  على المتسوغ الذي يريد إما النزاع في أسباب الامتناع من  التجديد التي أدلى بها المسوغ واما المطالبة بغرامة الحرمان … أن يرفع  الأمر الى المحكمة ذات النظر .. ويتضح من هذه الأحكام ان المشرع لم  يقصد ببيان الأسباب ضمن التنبيه سوى الأسباب التي لا تمنح المتسوغ الحق  في غرامة الحرمان والتي وحدها تفتح  المجال للمنازعة في مدى جديتها وقد انتهج  فقه القضاء التونسي هذا المنهج اذ قررت محكمة  التعقيب ان التنبيه بالخروج الذي يحتوي على مجرد رفض التجديد يعتبر  تنبيها مسببا على معنى الفصل الرابع من قانون الاكرية التجارية [11]

يجب أن يكون التنبيه مطابق من حيث محتواه لقواعد القانون العام و تحديدا لاحكام الفصل السـادس من م م م ت الا ان محكمة التعقيب قررت ان التنبيه  الموجه بواسطة عدل منفذ والذي لا يتضمن تاريخ الاعلام لا يمكن الغاءه الا اذا  ألحق ضررا ما بالمتسوغ وعلى كل حال مسألة بطلان التنبيه واعتباره ملغى لعدم توفر احدى الشرائط الشكلية التي  اوجبها القانون هي مسألة  تهم النظام العام  وللمحكمة اثارتها من تلقاء نفسها تطبيقا لأحكام الفصلين 13و14 من م م م ت.

هل يصدر رفض التجديد دائما عن المسوغ مالك الجدران ؟

الاجابة طبعا بالنفي رغم انه في غالب الاحيان يكون رفض التجديد صادر عن مالك الجدران اعمالا لاحكام الفصل 7 من قانون 25 ماي 1977 الذي نص على انه يمكن للمسوغ أن يرفض تجديد التسويغ ومع ذلك فإن المسوّغ يجب عليه فيما عدا الإستثناءات المنصوص عليها بالفصل الثامن والفصول التابعة له أن يدفع للمتسوغ المحروم من التجديد منحة تعرف بمنحة الحرمان تساوي الضرر الحاصل بسبب عدم التجديد.

الا ان رفض تجديد الكراء يمكن ان يكون صادرا عن الجماعات العمومية المشار إليها بالفقرة الخامسة من الفصل الثاني من قانون 1977 لسبب مستمدّ من المصلحة العامة وهي حالة من حالات رفض التجديد غير المبرّر الذّي يفتح للمتسوّغ الحق في المطالبة بغرامة الحرمان.

في هذا الاطار  نص الفصل 16 من القانون المذكور على ما يلي ” يمكن الاٍمتناع من تجديد أكرية العقارات أو المحلات التي هي على ملك الدولة و البلديات والمؤسسات العمومية أو ذات المصلحة العامة وأكرية العقارات أو المحلات المعدّة من طرف جماعات لاشغال ذات مصلحة عامة وذلك لسبب مستمدّ من المصلحة العامة. وفي هذه الصورة فإن المتسوّغ المحروم… يتمتع بغرامة الحرمان المنصوص عليها بالفصل 7 من هذا القانون…” 

تجدر الملاحظة انّ رفض التجديد من قبل الأشخاص المعنوية العمومية لسبب مستمدّ من المصلحة  العامة لا يعفي تلك الأشخاص من دفع غرامة الحرمان للمتسوّغ المحروم من التجديد مع إعلامه بذلك الرفض قبل مضي ستة أشهر عن طريق عدل منفذ إذ جاء بالفقرة الثانية من الفصل 16 من قانون 1977 أنّ “…المتسوّغ المحروم الذي يجب أن يوجه إليه تنبيه قبل مضي ستة أشهر عن طريق عدل منفّذ يتمتع بغرامة الحرمان المنصوص عليها بالفصل 7 من هذا القانون ولا يطلب دفع هذه الغرامة إلا يوم الخروج من المحلات “.

اذن يمكن ان يصدر رفض التجديد من طرف مالك الجدران سواء كان شخص طبيعي او معنوي او من طرف الجماعات العمومية .

الجزء الثاني : تقدير غرامة الحرمان :

ان توفر الشروط المذكورة اعلاه و اتباع الاجراءات المنصوص عليها بقانون 25 ماي 1977 من طرف المتسوغ  و المسوغ ينتج عنه مباشرة حق المسوغ في استرجاع محله و في المقابل يحق للمتسوغ التمتع بغرامة الحرمان و هو ما يستدعي التعرض الى كيفية تقدير هذه الغرامة لما تثيره من صعوبات تطبيقية تطال عمل القاضي سواء على مستوى تحديد عناصر التقدير (المبحث الأول ) او على  مستوى اعتماد تاريخ التقدير ( المبحث الثاني ) .

المبحث الاول : تحديد عناصر التقدير :

قد يتوصل المتسوغ والمسوغ الى اتفاق على تحديد قيمة غرامة الحرمان يرضي الطرفين أما في صورة الاختلاف فإنه يجب على المتسوغ أن يطالب بتلك الغرامة لدى المحكمة ذات النظر في الثلاثة أشهر الموالية  لتاريخ ابلاغ الاعلام بالخروج وبعد مضي هذا الأجل يفقد المتسوغ حق الالتجاء الى المحكمة.

ويشكل تقدير غرامة  الحرمان أهم الصعوبات العملية التي  تعترض القاضي عند النظر في القضايا المرفوعة من المتسوغين التجار المحرومين من تجديد  ايجاراتهم سواء على مستوى تحديد عناصر التقدير ( المبحث الاول) او على  مستوى اعتماد تاريخ التقدير ( المبحث الثاني )

المبحث الاول  : عناصر التقدير

اقتضى الفصل السابع من قانون 25 ماي 1977 أنه ” يمكن للمسوغ  أن يرفض تجديد التسويغ ومع ذلك فإن المسوغ يجب عليه  أن يدفع  للمتسوغ المحروم من التجديد منحة تعرف بمنحة الحرمان تساوي الضرر  الحاصل بسبب عدم التجديد ” ويتضح ان رفض  تجديد التسويغ يؤدي الى  تعطيل استغلال النشاط التجاري للمتسوغ وهذا التوقف يلحق حتما  اضرارا جسيمة بالمتسوغ باعتبار أنه يؤدي الى تلاشي الأصل التجاري . ويتعلق الأمر بالضرر الرئيسي الذي يشمل العناصر الجوهرية للأصل التجاري أو بالضرر التبعي المشتمل على الخسارة التي تتولد من فقدان الأصل التجاري

فيما يتمثل الضرر الرئيسي الحاصل للمتسوغ مالك الاصل التجاري بسبب عدم تجديد الكراء ؟

بالرجوع الى أحكام الفصل السابع من قانون يتضح 1977 أن غرامة الحرمان لها صبغة تعويضية بما انها ترمي الى جبر الضرر الذي لحق صاحب الأصل التجاري والناجم عن حرمانه من المحلات المكتراة(20) بالاضافة الى ذلك فإن غرامة الحرمان يجب أن تساوي الضرر الحاصل بسبب عدم التجديد ويتمثل الضرر الرئيسي الذي يلحق  المتسوغ من جراء رفض التجديد يتمثل في خسارة الحرفاء العنصر الأساسي والجوهري في الأصل التجاري من جهة ، وفقدان حق البقاء بالمكرى من جهة ثانية  .

تجدر الاشارة في البداية الى أن القانون التونسي لا يميز بين الحرفاء والسمعة التجارية رغم انه يستعمل المصطلحين معا صلب الفصل 189 من م ت الذي يحدد فيه المشرع عناصر الأصل التجاري و تمثل السمعة التجارية الركيزة الأساسية لكسب الحرفاء باعتبار ان هؤلاء يمثلون مجموعة الأشخاص الذين يتعامل معهم التاجر على أساس العناصر الموضوعية التي يتميز بها المحل التجاري الى جانب العنصر الشخصي الذي  يرتبط بالتاجر نفسه .

ماهي المعايير التي تحدد على اساسها غرامة الحرمان ؟

اقتضت الفقرة الثانية من الفصل السابع من  قانون 1977 ان غرامة الحرمان تشمل بالخصوص قيمة الأصل التجاري عند التعامل وتضبط القيمة المذكورة حسب تقاليد المهنة ولتحديد تلك  القيمة يمكن ان تلتجأ المحاكم والخبراء في تقدير العنصر الجوهري للأصل التجاري الى طرق  مختلفة فنجد طريقة التنظير وتعني هذه الطريقة  أن يعتمد القاضي في تقدير قيمة الحرفاء على محلات تنظير يتولى الخبير  المنتدب البحث عنها واقحامها ضمن تقريـره ليعتمدها القاضي فيما بعد  للتثبت من القيمة المحددة من قبل الخبير وترتكز طريقة التنظير على  اعتماد محلات مماثلة للمكرى الذي سيغادره المتسوغ المحروم من التجديد من  حيث القيمة الكرائية للمحل والمساحة المستغلة والموقع التجاري اذ  يفترض ان يكون محل التنظير مجاورا للمكرى محل النزاع الى جانب ذلك  فإن محل التنظير يجب ان يكون مماثلا من حيث قيمة البناء ونوعية  النشاط وما يعاب على هذه الطريقة هو ان عناصر التنظير تنعدم في  كثير من الأحيان اذ يصعب ان تتوفر في المحلات المنظر بها الشروط  الأساسية للتنظير المشار اليها آنفا ثم وعلى فرض توفر هذه العناصر فإن  قيمة الأصل التجاري المنظر به لا تحقق الضمانات الكافية للمتسوغ المحروم  بما ان عملية التقدير قد لا تعكس القيمة الحقيقية للأصل التجاري.

 الا انه يمكن ان تقدر الغرامة بالاعتماد على معينات الكراء المعمول بها غير ان هذه الطريقة لا يمكن اعتمادها في القانون التونسي  باعتبار انها تخالف النص  تماما فقد تكون قيمة الكراء مرتفعة في حين ان قيمة الأصل التجاري تكون منخفضة والعكس ممكنا اضافة الى ان المشرع تبني صراحة هذه الطريقة  لتقدير الغرامة في صورة رفض التجديد لاسترجاع المكرى[12] ويعتمدها  بالنسبة لتقدير غرامة الحرمان صلب الفصل السابع .

ان طبيعة النشاط التجاري المستغل بالمكرى لها اهمية بالغة في تقدير  الغرامة اذ تختلف هذه الأخيرة باختلاف النشاط فكمية السلع المنتجة يوميا  والتي يقع بيعها تصلح ان تكون عنصر تقدير هام كالمخابر مثلا او كذلك عدد المترددين على قاعات السينما فقيمة الأصل التجاري بالنسبة لهذه القاعات  ترتبط أساسا بنسبة تردد المتفرجين على قاعة السينما وبمبلغ المداخيل  المتحصل عليها[13].

يمكن ان تعتمد المحاكم الخبراء عند تقديرهم لغرامة الحرمان على رقم المعاملات  الذي تم تحقيقه في السنة الأخيرة التي سبقت المطالبة بتلك الغرامة  وتبدو هذه الطريقة الأقرب الى الواقع الا انها تبقى غير كافية باعتبار ان المعادلة بين رقم المعاملات وقيمة الأصل التجاري قد تنعدم احيانا  اذ يمكن أن  يكون رقم المعاملات مرتفعا بالرغم من ان الأصل التجاري يوجد في حالة  عجز مالي ويبدو ان الطريقة التي تمكننا من تقدير قيمة الغرامة بأقرب  ما يكون الى الواقع هي طريقة  اعتماد الأرباح المحققة خلال الثلاث سنوات  الأخيرة التي سبقت المطالبة بغرامة الحرمان مع تطبيق للرقم المتحصل عليه  ضارب زيادة محدد وهذه الطريقة تتمثل في اعادة تكوين قيمة الصل  التجاري مع اعتماد المداخيل الصافية لهذا الأصل كركيزة لعملية التقدير  بزيادة ضارب مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة النشاط التجاري المستغل  وموقع المحل وكذلك عرف ذلك النشاط.

إن أهمية النشاط التجاري المسوغ هي عنصر أساسي في تقدير غرامة الحرمان وبصفة أخص تقدير قيمة الحرفاء ويعتمد الخبراء والمحاكم في أغلب الحالات عنصر الربح وأحيانا عنصري الربح ورقم المعاملات معا .

هل يمكن للقاضي ان يعتمد في تقديره لقيمة غرامة الحرمان التصريح الجبائي الخاطئ ؟

 نظريا اعمالا للسلطة التقديرية الكاملة للقاضي لا شيء يمنع القاضي من اعتماد تصريح جبائي خاطىء ضرورة ان في تحديد عناصر غرامة الحرمان وعند الاقتضاء  تعديل تلك  التصريحات استنادا على أهمية النشاط التجاري و في هذا السياق أكدت محكمة التعقيب التونسية في قرارها المؤرخ  في 6 جانفي 1988 على السلطة التقديرية لقضاء الموضوع حيث جاء  فيه تقدير محكمة الموضوع لمبلغ التعويض مسألة موضوعية  راجعة لاجتهادها وليست لمحكمة التعقيب الصلاحيات لمراجعة تقديرها  طالما كان حكمها معللا بما له أصل في الأوراق ” وتجدر الاشارة الى أنه اذا لاحظ القاضي من خلال التصريحات المدلى بها أن الأرباح في ارتفاع فيجب ان يشمل مبلغ التعويض النقص في الارباح الذي سيلحق المتسوغ المحروم من  التجديد والذي يحدده القاضي على ضوء تقرير الخبير استنادا على امكانية  تطورات التجارة .

ويتضح مما سلف بسطه أن طريقة التقدير بالاعتماد على الربح تحقق  للمتسوغ ضمانات قد لا تتضمنها الطرق الأخرى غير انه في الواقع قد تكون الارباح المحققة خلال  السنوات الأخيرة لا تعكس القيمة الحقيقية للأصل التجاري خصوصا اذا كان الأصل التجاري حديث النشأة وهو ما يمثل مشكل في التقدير .

يمثل التقدير على اساس الحرمان من حق الايجار العنصر الثاني للضرر الذي يلحق المتسوغ الى جانب العنصر الاول المتمثل في الحرفاء بما يحرم ذلك من حق بقاء المتسوغ  بالمحلات حتى يضمن  استمرارية استغلال النشاط التجاري ومسألة تقدير حق الايجار ضمن غرامة الحرمان تستدعي التعرض الى مفهوم ثمن العتبـــة (  Pas de Porte) ضمن مبلغ التعويض وتعني العتبة او الخلو المبلغ المالي الذي يسلمه  المتسوغ لمالك العقار مقابل تمكينه من المكرى ومنذ القرن العشرين أصبح الخلو يرادف معنى حق الايجار ” بعد أن كان  يعني امتياز التاجر بالحصول على مكرى يفتح مباشرة على الطريق  العام .

هل ان التعويض عن العتبة هو تعويض مستقل عن تعويض غرامة الحرمان ؟

 تجدر الاشارة في البداية الى ان ثمن العتبة مخالف للقانون باعتبار ان حق المتسوغ في تجديد الايجار  أساسه القانون وليس عقد التسويغ وأن البنود والشروط والاتفاقات التي  من شأنها النيل من حق التجديد المحدث بهذا القانون تكون لاغية ولا عمل  بها مهما كان شكلها وهو ما نص عليه الفصل 32 من قانون 25 ماي 1977 وبما أن حق  التجديد يمكن المتسوغ من مطالبة مالك العقار بغرامة الحرمان في صورة  رفض التجديد من هذا الأخير فإن اعتبار الخلو كمقابل لحق التجديد او كتعويض مستقل عنه يمكن المسوغ من التفصي من دفع غرامة الحرمان والتحيل  على مقتضيات الفصل 32 من قانون 1977 التي تهم النظام العام بالتالي يمكن القول ان الخلو لا يدخل ضمن مبلغ التعويض المسند للمتسوغ بعنوان غرامة الحرمان وانما يمكن للقاضي ان يقحم ثمن العتبة في غرامة  الحرمان من طريق  التعويض الجملي دون ان يخصص معينا من التعويض للخلو مثلما هو الشأن للحرفاء وبقية عناصر الأصل التجاري ، خاصة وان الفقرة الثانية من الفصل السابع من قانون 1977 توجب على القاضي ان يضبط قيمة الأصل التجاري حسب تقاليد المهنة عند تقديره لقيمة غرامة الحرمان  وتجدر الاشارة الى أنه بالرغم من أن ثمن العتبة يعد لاغيا قانونيا الا انه  تطبيقيا و على المستوى الواقعي  يقع  العمل به  بين المسوغين والمتسوغين  دون للجوء الى القضاء .

 انطلاقا مما سبق بسطه فان حق الايجار في حد ذاته يمكن  ان يكون له دور هام في تقدير غرامة  الحرمان  بحسب نوع النشاط المستغل بالمكرى لذلك فهو يدخل ضمن عناصر  تحديد غرامة الحرمان ضرورة انه لا شيء يمنع قانونا من اقحام حق الايجار  ضمن مبلغ الغرامة المذكورة خاصة وان الفصل السابع يتحدث عن قيمة  الأصل التجاري عند التعامل  والتي تضبط حسب تقاليد المهنة اضافة الى أن الفقرة الأولى من الفصل المذكور توجب ان تكون غرامة الحرمان مساوية  للضرر الحاصل بسبب عدم التجديد .

 اضافة الى عنصري الحرفاء وحق الايجار يمكن ان تشمل غرامة  الحرمان قيمة السلع التابعة للأصل التجاري اذا كان الانتصاب من جديد غير  ممكن او اذا كان الحل الانسب هو تصفية السلع حيث ما توجد ، ويجب الأخذ  بعين الاعتبار طبيعة الاستغلال والظرف الزمني  الذي ينتفع به المتسوغ  لتصفية مخزون السلع عند تقدير غرامة الحرمان.

ونشير في الختام أن قيمة الأصل التجاري عند التعامل تشمل  الضمان العادي الذي يمكن ان يتحصل عليه المتسوغ مقابل التفويت في حقوقه  عن الأصل التجاري في نفس الظروف المكانية والزمانية لتلك العملية .

ويتضح  مما سلف بسطه أن تقدير العناصر الاساسية لغرامة الحرمان يرتبط بالطريقة المتبعة في التقدير  ويبدو ان المحاكم والخبراء يحاولون التنسيق بين اطراف النزاع للاتفاق وابرام صلح بينهما وذلك بالاعتماد على تقاليد المهنة وطبيعة النشاط التجاري المستغل .

المبحث الثاني : اعتماد تاريخ التقدير

سكت المشرع عن تحديد التاريخ الذي يجب أن يعتمده القاضي في تقدير غرامة الحرمان  باعتبار انه يمكن أن تكون المدة الزمنية طويلة المدى بين تاريخ رفض تجديد الكراء التجاري والتاريخ الذي يستغرقه المتسوغ حتى يتمكن من الانتصاب من جديد بمحل آخر، ثمّ إنّ دعوى تقدير غرامة الحرمان قد تطول نسبيا خاصة مع كثرة القضايا المنشورة ، في حين أن قيمة العناصر المعتمدة لتحديد غرامة الحرمان تتغيّر من حين لآخر وتخضع للتقلبات الاقتصادية.

و باعتبار ان غرامة الحرمان يجب أن تشمل كامل الضرر الذي لحق المتسوّغ فعليّا فانه يجب مبدئيا أن تنتظر المحكمة خروج المتسوّغ من المحل وانتصابه بآخر ليقع ضبط قيمة الخسائر، لذا لم يكن من المتجه إقرار لا تاريخ إنتهاء الإيجار ولا تاريخ رفض التجديد ولا تاريخ التنبيه بالخروج.

  تطبيقيا يمكن للمحاكم أن تعتمد تاريخين عند تقدير مبلغ التعويض، تاريخ الحرمان القانوني و تاريخ الحرمان الفعلي.

ما مدى وجاهة اعتماد تاريخ الحرمان القانوني  في تقدير غرامة الحرمان ؟

ان المبدأ في القانون العام ينتهي عقد التسويغ بانتهاء المدّة المحدّدة بالعقد دون حاجة إلى توجيه تنبيه للمتسوغ إلاّ إذا كان العقد غير محدّد المدّة أمّا بالنسبة للأكرية التجارية فقد خصّها المشرّع بقواعد محدّدة فإذا كان عقد الإيجار التجاري محدّد المدّة فإن شغل المكرى من قبل المتسوّغ يتوقف قانونيّا عند انتهاء تلك المدّة شريطة أن يوجّه مالك العقار تنبيها بالخروج ستّة أشهر من قبل ,              اذ اقتضى الفصل الرابع من قانون 25 ماي 1977 أن أكرية المحلات الخاضعة لهذا القانون لا تنتهي إلاّ بتنبيه بالخروج يقدّم في أجل ستة أشهر من قبل، خلافا لمقتضيات الفصلين 791 و792 من مجلة الإلتزامات والعقود.

وإذا تجدّد الإيجار تجديدا ضمنيّا لعدم توجيه التنبيه من قبل المسوّغ في الأجل القانوني قبل نهاية مدّة العقد، أو تجديدا صريحا باشتراط تجديد مدّة الكراء بصفة صريحة ضمن عقد التسويغ في صورة عدم توجيه تنبيه بالخروج، فإن التوقيف القانوني لشغل المكرى يكون عند انتهاء المدّة المجدّدة أي ستّة أشهر بعد تاريخ الإعلام بالخروج.

وأمّا إذا كان عقد التسويغ غير محدّد المدّة فإن الكراء ينتهي بعد ستّة أشهر من تاريخ الإعلام برفض التجديد. لذلك لا يمكن اعتماد تاريخ توجيه الإعلام برفض التجديد من قبل مالك العقار كتاريخ لتوقيف شغل المكرى بصفة قانونيّة.

ويقتضي اعتماد تاريخ التوقيف القانوني لشغل المكرى عند تقدير غرامة الحرمان الاستناد إلى التاريخ الذي ينتهي فيه عقد الإيجار بصفة قانونية حسب الحالات المشار إليها آنفا وهو موقف دافع عنه البعض على اساس ان الضرر يجب أن يقدّر في الوقت الذي يتوقف فيه المتسوّغ عن شغل المحل بصفة قانونية لا غير وهذا يعني أن تقدير الضرر يكون في التاريخ الذي ينشأ فيه حق التعويض.

غير أنّ اعتماد تاريخ الحرمان القانوني في اغلب الاحيان يكوّن حاجزا أمام القاضي في تقدير القيمة الحقيقية للضرر خاصّة الضرر التبعي المشتمل على مصاريف النقل والانتصاب وكذلك المصاريف ومعاليم التسجيل الواجب دفعها في صورة شراء أصل تجاري…. ضرورة أنّ هذا الضرر لا ينشأ إلاّ في تاريخ لاحق عن التاريخ الذي يتوقف فيه المتسوّغ عن شغل المكرى بصفة قانونية.

و بناءا على ذلك فقد مكّن المشرّع المتسوّغ من حق البقاء بالمكرى[14] إلى حين يتم الدفع الفعلي لغرامة الحرمان إذ أنّه لا يجوز إجبار أي متسوّغ يمكنه إدعاء استحقاقه لغرامة الحرمان أو لإحدى الغرامات المنصوص عليها بالفصلين 9 و16 من هذا القانون على الخروج من المحلات قبل اتصاله بالغرامة ..”.

الا ان حقّ البقاء الذي منحه المشرّع للمتسوّغ المحروم من التجديد يتعارض مع اعتماد تاريخ الحرمان القانوني عند تقدير غرامة الحرمان رغم أنّ المشرّع يستدرك في نفس الفصل المذكور و يمكّن مالك العقار من إخراج المتسوّغ من المحل التجاري مقابل دفع غرامة وقتيّة ” يقدرها رئيس المحكمة الإبتدائيّة الذي يرفع إليه الأمر ويحكم فيه طبق الشروط المنصوص عليها بالفصل 28 من قانون 25 ماي 1977.

ونشير إلى أنّ تقدير الغرامة الوقتيّة تنطبق عليه اجراءات القضاء المستعجل حسبما ورد بالفصل 28 من قانون 1977 الذي أحال له الفصل 19 عندما يقع البتّ في النزاع المتعلّق بذلك التقدير” على أنّ أجل الحضور خلافا لمقتضيات الفصلين 203 و209 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية لا يمكن أن يكون أقلّ من ثمانية أيّام”.

ويتضّح ممّا سلف بسطه أن حق بقاء المتسوّغ بالمكرى يشكّل حاجزا قانونيّا لاختيار تاريخ الحرمان القانوني واعتماده  في تقدير غرامة الحرمان  ومن جهة أخرى فإنّ عناصر الضرر قد تتغيّر بنسبة كبيرة، بسبب التقلبات الاقتصادية، من تاريخ الحرمان القانوني إلى حين صدور الحكم.

اعتبر البعض ان تقدير الضرر في تاريخ الحرمان القانوني تقديرا غير عادل لأنه يحرم المتسوغ من جزء هام من الخسارة التي تلحق به و هو ما يستدعي التعرض الى ضرورة اعتماد تاريخ الحرمان الفعلي و المادي .

ما مدى وجاهة اعتماد تاريخ الحرمان القانوني  في تقدير غرامة الحرمان ؟

 ان دعاة اعتماد تاريخ الحرمان المادي في تقدير غرامة الحرمان اعتبروا انه اعتماد ذلك التاريخ يمكن القاضي من تقدير غرامة الحرمان في التاريخ الذي غادر فيه المتسوغ المكرى بصفة فعليّة مطابقة للواقع.

يمكن للقاضي ان يقدّر قيمة التعويضات التي يستحقّها المتسوّغ المحروم في التاريخ الذي يبت فيه في النزاع اذ أنّ هذه القيمة يجب أن تكون مساوية للثمن الذي يحقّ للبائع أن يتحصّل عليه من عمليّة بيع عاديّة حسب الشروط والظروف الزمنيّة بالتالي يجب أن يقع التقدير في تاريخ يكون فيه القاضي قادرا فعلا على تقدير الأصل التجاري بدقّة إلاّ أنه إذا تبيّن للقاضي يوم فصله في النزاع وأنّ المتسوّغ قد غادر المحل التجاري فإنّ ذلك يتطلب من القاضي الرجوع إلى التاريخ الذي غادر فيه المتسوّغ ليقدر قيمة التعويض عن الضرر الذي لحقه .

وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الفرضيّة، المتعلّقة بخروج المتسوّغ من المحلات قبل البتّ في النزاع، لا تثير صعوبات تطبيقيّة على خلاف الصورة التي يمارس فيها المتسوغ حقّه في البقاء بالمكرى و عموما يشكل بقاء المتسوغ بالمكرى القاعدة بما أنه لا يجوز إجبار المتسوّغ على الخروج من المحلاّت قبل اتصاله بالغرامة – الفصل 19 فقرة أولى من قانون 1977 – فإذا كان المتسوّغ، في تاريخ صدور الحكم، لا يزال موجودا بالمحلات فإنّ” تقدير الضرر يكون في أقرب تاريخ يقترن بالمغادرة الفعليّة للمتسوّغ من المحل التجاري، أي تاريخ صدور الحكم بالتعويض.

ويعتمد الفقه والقضاء المقارن عند تقدير غرامة الحرمان تاريخ صدور الحكم أو تاريخ القرار الإستئنافي الذي يقرّ الحكم المنشئ للحق([15]) و تبعا لذلك فإن غرامة الحرمان يجب أن تقدّر في أقرب تاريخ يقترن بتحقق الضرر فيكون ذلك التاريخ عندئذ تاريخ القرار الإستئنافي إذا بقي المتسوّغ بالمحلات في هذا التاريخ لذلك فإنّ القرار الإستئنافي الذي يقتصر على اعتماد تقدير قضاة الدرجة الأولى دون أن يثبت ما إذا تفاقم الضرر في تاريخ البتّ في النزاع يستوجب النقض.

 انطلاقا ممّا سبق بسطه أنّه يمكن تطبيق المبادئ العامة في مادّة المسؤولية المدنية على مادة غرامة الحرمان فيما يتعلّق بتاريخ التقدير الا انه قاعدة ضرورة تقدير غرامة الحرمان في أقرب تاريخ يقترن بالخروج الفعلي للمتسوّغ من المحلّ  قاعدة تتخللها بعض الاستثناءات من بينها ان ينصّ الحكم الذي اتّصل به القضاء على اعتماد تاريخ آخر او إذا وجد اتفاق بين الطرفين يضبط مبلغ غرامة الحرمان او اذا ما تبين ان الضرر قد تفاقم بعد صدور الحكم الابتدائي و اثناء نشر القضية الاستئنافية واثار المتسوغ هذا الدفع الا أنّه لا يمكن أن يؤخذ بعين الإعتبار تفاقم الضرر الذي يتسبّب فيه المتسوّغ بخطئه الشخصي باستعماله مثلا وسائل مماطلة لتأخير الخروج من المحلّ و عموما و على مستوى التطبيق تأذن المحاكم بتسمية خبير تعهد له مأموريه اجراء اختبار اصلي او تكميلي يأخذ بعين الاعتبار التغيرات التي تطرأ على قيمة الأصول التجارية في نشاط موضوع النزاع.


 

[1][1]القانون عدد 37 لسنة 1977 مؤرخ في 25 ماي 1977 التعلق بالمحلات ذات الاستعمال التجاري او الصناعي او المستعملة في الحرف .

القانون عدد 35 لسنة 1976 المتعلق بضبط العلاقات بين المالكين و المكترين لمحلات معدة للسكنى او الحرفة او الادارة العمومية .

القانون عدد 39 لسنة 1978 المتعلق بمنح حق الاولوية للمتسوغين في الشراء

[2] ) رشيد الصباغ : ” الملكية التجارية الأحكام الجديدة في القانون عدد 37 لسنة 1977 المؤرخ في 25 ماي 1977

[3]الفصل 3 و ما يليه من مجلة الحقوق العينية

[4]الاستاذة نادرة الطيب : مقال الحماية القانونية للاصل التجاري : موقع محاماة نت

[5] ) الدوائر المجتمعة  قرار عدد 24233  مؤرخ في 13 أفريل 1995 . قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 1994-1995  ص27  مركز الدراسات القانونية والقضائية

[6] ) قرار تعقيبي عدد 11831 مؤرخ في 13 جانفي 1977 م.ق.تش لسنة 1977 عدد 10 ص 75

[7] ) قرار تعقيبي عدد 852 ن.م.ت لسنة 1977 الجزء II ص 87

[8] القانون عدد 44 لسنة [8]1995 المؤرخ في 2 ماي 1995) المتعلق بالسجـل التجاري و الذي وقع تنقيحه و إتمامه بالقانون عدد 15 لسنة 2010 و المؤرخ في 14 أفريل 2010

[9] رفض التجديد في الاكرية التجارية : محاضرة ختم التمرين : الهيئة الوطنية للمحامين . الاستاذة امال الخليفي

[10] الفصل 41 من دستور 26 جانفي 2014 للجمهورية التونسية

[11] قرار تعقيبي عدد 5226 مؤرخ في 4 جوان 1981 ن م ت لسنة 1981 ص110

[12] الفصل 9 و ما يليه من قانون الاكرية التجارية

[13] محمد الصحبي بودربالة ” غرامة الحرمان” رسالة تخرج لنيل شهادة الدروس المعمقة 1978 ص51و52.

[14] الفصل 19 من قانون 1977

[15] ) مارتان و ريني موس ” الموجز في الأكرية التجاريّة رقم 349

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *