الصبغة التنفيذية للحجة العادلة ومبدأ التقاضي على درجتين- الأستاذة إيمان لحرش – عدل الإشهاد بقابس

الصبغة التنفيذية للحجة العادلة ومبدأ التقاضي على درجتين.

الأستاذة إيمان لحرش – عدل الإشهاد بقابس 

يتفق الجميع بأن العدالة مكلفة ومعقدة الإجراءات وفي أحيان كثيرة بطيئة، وإن كان رجال الفكر والقانون يتفقون على ضرورة وجود عدالة سريعة وفعالة فقد كان من الأجدر أولا التطرق إلى مكامن الخلل في المنظومة القانونية وإصلاحها.
في هذا الإطار تعالت أصوات السادة عدول الإشهاد مطالبين بحقهم في إكساء محرراتهم بالصبغة التنفيذية ، تصحيحا لمسار حجة رسمية عرجاء تتميز بقوتها الثبوتية دون التنفيذية.
وتأتي المطالبة اليوم بتعزﻴز ﻤﻜﺎﻨﺔ الحجة العادلة ﺒﻴن ﺴﺎﺌر السندات التنفيذية و ﻤﻨﺤها القوة التنفيذية، لغاية تسهيل المعاملات المالية والاقتصادية بين الأفراد والحفاظ عليها دون المساس أو خرق القانون.
كما يعد إقرار الصبغة التنفيذية للحجة العادلة آلية ستخفض من كلفة التحصل على الحقوق ومن مدة التقاضي، وهو ما يمثل مصلحة أكيدة للمواطن التونسي وضرورة يفرضها واقع المعاملات اليوم ،هذا المواطن الذي تكاد حقوقه تهضم من جراء المدة المهولة التي تتطلبها عملية الفصل في ملفاته وكذا الأمر بالنسبة لجهاز العدالة الرازح تحت مئات الآلاف من الملفات التي يمكن حلها بالقوة التنفيذية.
ورغم شرعية مطالب السادة عدول الإشهاد فإن حقهم في إقرار الصبغة التنفيذية لمحرراتهم يجابه اليوم بعديد المغالطات:من قبيل أن إقرار الصبغة التنفيذية للحجة العادلة يتعارض مع مبدأ التقاضي على درجتين،وأن هذه الآلية ستضيق من اختصاصات زملائنا المحامين.
يستنكرون على عدالة الإشهاد حقها في الإصلاح وقد تناسوا أنها تعيش اليوم أزمة حقيقيّة، وأنّها لم تحظى بعناية تشريعية تنفض عنها غبار حقبة من الزمن الرديئ وترتقي بها إلى عمق الإصلاحات وتعالج جملة المعوقات القانونية والمؤسساتية التي بقيت تلقي بظلالها إلى اليوم على هذا المرفق وعلى منتسبيه ،وكأن أن قدر مهنة عدالة الإشهاد أن تبقى مهنة أسيرة لنوستالجيا الماضي وبعيدة عن المتغيرات الراهنة التي يشهدها عالم اليوم
واليوم المنتسبين لهذه المهنة يطالبون بمراجعة عميقة وشاملة لتشريع الجاري به العمل قصد إصلاح وتنظيم المهنة وإيلائها المكانة القانونية التي تستحقها بما يتماشى والمعايير الدولية، وذلك دون المساس باختصاصات باقي المتداخلين في المنظومة القضائية .
فعدالة الإشهاد هي أساس العدالة الوقائية وعليه فلا تعارض بين مطلب إقرار الصبغة التنفيذية للحجة العادلة وبين مبدأ التقاضي على درجتين،بل من الخطأ الفادح الإيهام بوجود علاقة بين المفهومين.
ويتجه لبيان هذا الخطأ وتفنيد تلك المغالطات:تحديد ماهية الصبغة التنفيذية التي يطالب السادة عدول الإشهاد(أولا )ثم ضبط نطاق مبدأ التقاضي على درجتين(ثانيا).للوقوف على إنتفاء أي علاقة بين المفهومين.
1 تحديد ماهية الصبغة التنفيذية للحجة العادلة:
يمكن تقديم تعريف أولي للصبغة التنفيذية بكونها الأثر المترتب عن صحة الحجة العادلة بعد إستيفائها لكافة شروطها الشكلية والموضوعية وعليه فهي إمتداد لقاعدة الحجية والثوبيتة التي إكتسبتها في المهد ،وهي تخول لذوي الشأن اللجوء مباشرة إلى مصلحة التنفيذ لاستيفاء حقوقهم دون حاجة لاستصدار حكم قضائي.
والصبغة التنفيذية التي يطالب بها اليوم السادة عدول الإشهاد هي -إن صحت العبارة – “صبغة تنفيذية خاصة” وليس المقصود بها الصبغة التنفيذية العامة المنصوص عليها صلب أحكام الفصل 286 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية التونسية.
وهي صبغة تنفيذية خاصة لأنها تستمد خصوصيتها من إرادة الأطراف الذين اتفقوا على إيرادها صلب بنود العقد المحرر من طرف عدل إشهاد،بمعنى أن هذه الصبغة التنفيذية تكون بطلب من الأطراف المتعاقدة،وهي ليست مطلقة ،بل تستمد شرعيتها من إتفاق الأطراف المتعاقدة على تنصيصها صلب العقد.
وبمعنى آخر يجب أن يتضمن العقد المحرر من طرف عدل إشهاد البند التالي:”اتفقا طرفي العقد على أنه في صورة الإخلال بتنفيذ بنود ذلك العقد فإنه يحق للطرفيين طلب التنفيذ بموجب الشكليات المحددة للصبغة التنفيذية.”
فالتنصيص على هذا البند سيمكن أطراف العقد – وذلك في صورة عدم التنفيذ- من الانتفاع بشكليات الصبغة التنفيذية والتنفيذ مباشرة دون حاجة للجوء للقضاء ،وفي مقابل ذلك كل عقد خال من هذا البند لا يمكن لأطرافه طلب الانتفاع بشكليات الصبغة التنفيذية لحجة العادلة.
ولأكثر توضيح فإن طلب التنصيص على إعمال الصبغة التنفيذية لا يكون إلا أثناء تحرير العقد، أما وقد أقفل الكتب دون طلب طرفي العقد من محرر العقد التنصيص عليها ،فإنّه لا يمكن لهم طلب إيقاعها لاحقا لأن إرادتهما لم تتجه منذ البداية إلى طلب إعمال الصبغة التنفيذية في صورة مماطلة أحد طرفي العقد عن التنفيذ وبالتالي لا يمكن إضافته، وما عليهم في هذه الصورة إلا الإتّجاه للإجراءات العادية واللجوء للتقاضي .
كما من الضروري التوضيح إلى أن ﺘﻤﺘﻊ محررات العدول بهذه القوة التنفيذية ليس ﻤطﻠﻘﺎ وﻻ ﺨﺎليا ﻤن أي ﻗﻴد أولا شرط ﺒل ﻻﺒد أن يكون العقد مستوفيا لإجراءاته الشكلية والموضوعية وإلا فإنّه ﺴﻴﻜون ﻋرﻀﺔ للطعن ﻓﻴﻪ ﻤن طرف ﻜل ذي ﻤﺼﻠﺤﺔ، وﻫو ﻤﺎ ﻴؤدي ﺒﺎلضرورة إلى ﺘﻌطﻴل ﻗوﺘﻪ التنفيذية إلى حين الفصل في الطعن.
أخلص للقول أن آليّة الصبغة التنفيذية التي يطالب بها السادة عدول الإشهاد تندرج في إطار تحقيق العدالة الوقائية بمعنى تأمين توصل الأفراد بحقوقهم دون اندلاع خصومة قضائية بين طرفي العقد المذيل بالصبغة التنفيذية ،وعليه فإختلاف نطاق المفهومين يقيم الدليل على عدم تعارض إقرار الصبغة التنفيذية للحجة العادلة بمبدأ التقاضي على درجتين
فقرة ثانية: نطاق مبدأ التقاضي على درجتين :
مبدأ التقاضي على درجتين: هو من أهم مبادئ ضمانات المحاكمة العادلة وهو من أهم المبادئ العامة في القانون الإجرائي وهو يتيح الفرصة للخصم الذي أخفق في دعواه لعرض نفس النزاع أمام محكمة أعلى درجة فتنظر فيه من حيث الوقائع والقانون لتفصل فيه من جديد إما بإقراره وتأييده وإما بنقضه وإبطاله.
لكن متى نتحدث عن مبدأ التقاضي على درجتين؟
لا يمكن الحديث عن مبدأ التقاضي على درجتين إلا في إطار خصومة قضائية؟ فهل أنه عندما يقع التنصيص أثناء تحرير عقد أمام عدل إشهاد على أن طرفي ذلك العقد اتفقوا على أنّه في صورة عدم تنفيذ بنود ذلك العقد سيقع اللجوء لشكليات الصبغة التنفيذية وإكساء ذلك العقد بالصبغة التنفيذية؟هل نحن حينها في إطار خصومة قضائية؟أم أننا بصدد توثيق إرادة طرفي العقد.
الإجابة قطعا ستكون كالآتي :نحن لسنا في إطار خصومة قضائية وإنما نحن في إطار مجلس عقد يوثق فيه عدل الإشهاد إرادة أطرافه، واتفاق الأطراف هنا يقوم مقام القانون .
وعليه في وضعية الحال لا تحدثني عن مبدأ التقاضي على درجتين وبالتالي لا يمكن الحديث عن خرق لهذا المبدأ لأننا نتحدث عن توثيق لإرادة الأطراف ولسنا في إطار خصومة قضائية.
بل أكثر من ذلك المشرع التونسي أولى لمبدأ سلطان الإرادة مكانة بارزة في المنظومة القانونية ،بحيث أن ما اتفقا عليه المتعاقدان يقوم مقام القانون بينهما ،وهذا ما ذهبت إليه محكمة التعقيب التونسية في قرارها المؤرخ في 18-2-1967 والذي يكاد يكون نقلا حرفيا لأحكام الفصل 242 م اع الذي ينّص على أنّه:”ما انعقد على الوجه الصحيح يقوم مقام القانون فيما بين المتعاقدين .”
وفي هذا الإطار لنا أن نتساءل كيف للبلدان ذات التقاليد العريقة في الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان أن تقر آلية الصبغة التنفيذية لمحررات العدول إذا كانت هذه الآلية ستهضم فعلا حقوق الأطراف؟؟
علما وأنّه في فرنسا يعود تاريخ تطبيقها إلى الأمر الملكي الصادر بتاريخ 02 أوت 1708 الذي أعطى للموثقين ﺴﻠطﺔ وﻀﻊ ﺨﺎﺘم التنفيذ على العقود التوثيقية التي يحررونها،ولا تزال تعتمدها إلى تاريخ اليوم ، فالقانون الفرنسي أجاز للموثق تسليم نسخ العقود المذيلة بالصيغة التنفيذية ،فجعل بذلك النسخة التنفيذية للعقد الموثق في مرتبة واحدة مع النسخة التنفيذية للحكم القضائي وكذا القانون الليبي والجزائري والمصري وغيرهم من القوانين المقارنة.
ألم تنّص المواثيق الدولية على هذا المبدأ:”لكل شخص أدين بجريمة حق اللجوء وفق القانون إلى محكمة أعلى لتعيد النظر في قرار إدانته وفي العقاب الذي حكم به عليه.” فهل أن تلك البلدان جميعها قد انتهكت المواثيق الدولية ؟لم تحترم المبدأ التقاضي على درجتين وهضمت حقوق منظوريها ؟هل نحن أكثر ديمقراطية من تلك البلدان !!؟؟؟؟؟
أختم بالقول عدالة الإشهاد تتمسك بالصبغة التنفيذية للحجة العادلة تمسك بحقها المشروع في قانون يستوعب خصوصية هذه المهنة و يرتقى لتطلعات المنتسبين لهذا القطاع.


[1]  ينص الفصل 502 من قانون المجلة المدنية الفرنسية على ما يلي :

« Nul jugement, nul acte ne peut être mis à exécution que sur présentation d’une expédition revêtue de la formule exécutoire ,  à moins que la loi n’en dispose autrement ».

[2]  ونظم المشرع الجزائري في قانون الإجراءات المدنية والإدارية في الكتاب الثالث التنفيذ الجبري للسندات التنفيذية ومن هذه السندات العقود التوثيقية بموجب المادة 600  /ف11 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية التي تعتبر بدورها من الأعمال القانونية التي منحها القانون قوة السند التنفيذي،ليساوي بذلك المشرع الجزائري  العقود الثوثيقية بالأحكام    القضائية من حيث درجة التنفيذ.

[3]  القانون المصري نفس الموقف فنص في المادة الثانية من قانون التوثيق المصري على أن من مهام مكاتب التوثيق “وضع الصيغة التنفيذية على صور المحررات الرسمية الواجبة التنفيذ”وهو الموقف الذي دعمه من خلال المادة 280 من قانون المرافعات المصري.

[4] الفقرة 5 من المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

بقلم الأستاذة إيمان لحرش
عدل إشهاد بدائرة قضاء المحكمة الإبتدائية بقابس
يتبع

image_print

تصنيفات: عدول الاشهاد,قسم المهن القانونية