هل يجوز لإدارة الجباية إصدار قرار توظيف إجباري جديد يصحح القرار الملغى من المحكمة ؟

هل يجوز لإدارة الجباية إصدار قرار توظيف إجباري جديد يصحح القرار الملغى من المحكمة ؟

بقلم الطاهر الشحمي  القاضي بالمحكمة الإبتدائية بزغوان

مجلة نقطة قانونية

يعد التوظيف الإجباري إمتدادا و نتيجة للمراجعة الجبائية بحيث يبتدأ حين تنتهي هذه الأخيرة و لا يتم إلا في حالة من الحالات التي نص عليها القانون.
ويمكن أن تقضي المحكمة بإلغاء قرار التوظيف الإجباري . وهو ما يؤدي إلى إرجاع المطالب بالضريبة إلى الوضعية التي كان عليها قبل صدور قرار التوظيف الإجباري.
وهنا يجوز التسائل عن مدى جواز إصدار مصالح الجباية لقرار توظيف جديد يصحح القرار الملغى ؟

إن الإجابة عن هذا السؤال مبدئيا لا يمكن أن تكون إلا بالنفي و دليل ذلك أن المشرع التونسي لم يقم بتنظيم مسألة إصدار الإدارة الجبائية لقرار توظيف إجباري ثان صلب م ح إ ج وهو صمت يمكن أن يفسر في الغالب برغبته في منع الإدارة الجبائية من إصدار قرار توظيف جديد . وهو أيضا صمت يعكس رغبة المشرع في تغليب مصلحة المطالب بالضريبة على حساب الخزينة العامة للدولة ذلك أن لجوء مصالح الجباية إلى تصحيح قرار التوظيف الإجباري وذلك بإصدار قرار ثاني يقوم مقام قرار التوظيف الأصلي قبل صدور الحكم القاضي بإلغاءه أو بعده, من شأنه أن ينزع عن قرار التوظيف الإجباري صبغته النهائية و يجعل المراقبة الجبائية متواصلة. وهو ما ينال من مصلحة المطالب بالأداء و من الأمن و الإستقرار القانونيين الذين يسعى المشرع إلى تحقيقهما.

إلا أنه بالرغم من سكوت المشرع التونسي, فإن ذلك لم يمنع الفقه و فقه القضاء من الإعتراف بحق الإدارة الجبائية في إصدار قرار توظيف ثاني تصحيحي (1) إلا أنهما يسعفان قرار التوظيف الإجباري الجديد الذي يتم الطعن في شرعيته نظرا لسبق إلغاءه من قبل المحكمة من خلال وضع شروط لا بد أن تتقيد بها مصالح الجباية عند إصدارها لقرار توظيف جديد (2).
1-اعتراف الفقه و فقه القضاء بحق الإدارة الجبائية في إصدار قرار توظيف ثاني تصحيحي:
إعتبر فقه القضاء أنه “من المستقر عليه فقها و قضاءا أنه للإدارة تدارك الإخلالات الشكلية المتعلقة بمقرراتها الإدارية الواقع إلغاؤها إستنادا لذلك السبب الشكلي دون الخوض في أصل النزاع حتى و إن تعلق الأمر بقرارات التوظيف الإجباري” .
كما رأى جانب من الفقه أنه “يمكن للإدارة في حالة إصدارها لقرار توظيف مشوب بعيب شكلي أن تتولى تصحيح ذلك العيب و ذلك بإتخاذ قرار توظيف جديد يلغي و يعوض القرار الملغى و ذلك سواء صدر حكم قضائي يقضي بإلغائه أو حتى قبل صدور هذا الحكم” .
وترتيبا على ما سبق بيانه، يمكن القول أنه يجوز لمصالح الجباية إتخاذ قرار توظيف جديد إذا تفطنت بمناسبة إعتراض المطالب بالضريبة على قرار التوظيف الإجباري أمام المحكمة و قبل صدور الحكم في القضية أن القرار المعترض عليه يتضمن عيوب شكلية. كما يمكن أن تصدر إدارة الجباية قرار توظيف ثان في صورة الحكم بإلغاء قرار التوظيف الأول لأسباب شكلية.
لكن أليس في تبني هذا الموقف دعوة لمصالح الجباية إلى المساس بالإستقرار القانوني للمطالب بالضريبة ؟
تكتفي السلطة التي أصدرت قرار التوظيف الإجباري الأول بإصلاح الشكلية الواجبة الإحترام على مستوى المراجعة الجبائية أو على مستوى إصدار قرار التوظيف الإجباري وتصدر قرار توظيف ثان يعوض قرار التوظيف الأول. وهو ما من شأنه المساس بشرعية ذلك القرار و يجعله عرضة للإلغاء على أساس إتصال القضاء بإلغاء قرار التوظيف الإجباري الأول و مساسه بالأمن و الإستقرار القانونيين للمطالب بالأداء.
الا ان فقه القضاء و الفقه وضعا شروط لا بد أن تتقيد بها مصالح الجباية عند إصدارها لقرار توظيف جديد.
2-شروط جواز إصدار الإدارة الجبائية لقرار التوظيف الجديد التصحيحي:
يضع جانب من الفقه ثلاثة شروط متلازمة لا بد من توفرها معا حتى يجوز لإدارة الجباية إصدار قرار توظيف جديد.
يتمثل الشرط الأول في وجوب أن يتعلق قرار التوظيف الإجباري الجديد بنفس الأداءات المطالب بها.
و بالنسبة للشرط الثاني فهو أن لا يترتب عن قرار التوظيف الإجباري الثاني تعكير لوضعية المطالب بالأداء مقارنة بالقرار الأول.
أما الشرط الثالث و الأخير فهو يتمثل في ضرورة أن لا ينتج عن قرار التوظيف الإجباري التصحيحي إفراغ الإجراء الذي تم على أساسه الإبطال من معناه .
وعلاوة على هذه الشروط الثلاث التي كرسها الفقه, الواجب توفرها لجواز إصدار قرار توظيف ثان من قبل الإدارة, أضاف فقه القضاء الإداري التونسي شروطا ثلاث أخرى.
يتمثل الشرط الأول في وجوب إبطال قاضي الموضوع لقرار التوظيف الإجباري من أجل عيب شكلي أو خلل إجرائي دون أن يتولى البت في أصل النزاع و في الوضعية الجبائية للمطالب بالأداء .
أما الشرط الثاني فهو يتمثل في ضرورة تعلق قرار التوظيف الإجباري الثاني بنفس الفترة المشمولة بقرار التوظيف الأول .
وبالنسبة للشرط الثالث فهو أن لا يكون العيب الشكلي الذي شاب قرار التوظيف الأول من بين الإجراءات غير القابلة للتصحيح . ويخضع هذا الشرط الأخير إلى رقابة القاضي الجبائي الذي يفرق بين الإجراء القابل للتصحيح و العيب الشكلي غير القابل للتصحيح.
وفي هذا الصدد, إعتبرت المحكمة الإدارية أنه يجوز لإدارة الجباية تصحيح الإجراء المتعلق بمدة المراجعة متى إعتمدت نفس أسس التوظيف السابقة و نتائجه .
ويرى جانب من الفقه أن الموقف الذي إعتمدته المحكمة الإدارية في غير طريقه لأن قرار التوظيف التصحيحي يجب أن يتعلق بنفس الفترة المشمولة بقرار التوظيف الملغى اذ لايمكن تصحيح الإجراء المتعلق بالسنوات التي شملتها المراجعة. إلا أن هذا الرأي غير مقنع ضرورة أن التعليل الذي إنتهجته المحكمة الإدارية يبدو سليما لأن تصحيح الإجراء المتعلق بمدة المراجعة لا يندرج في إطار إعادة المراجعة ولا في نطاق الفصل 38 من مجلة الحقوق و الإجراءات الجبائية بل يبقى خاضعا لسائر القواعد القانونية المتعلقة بالتقادم و التي تقتضي إحتساب مدته من تاريخ تبليغ القرار للمعني بالأمر و ذلك بصرف النظر عن القرار الأول ضرورة أن التدارك لا يشمل سوى السنوات غير المشمولة بالتقادم طبق الفصول من 19 إلى 27 من م ح إ ج التي تخول للإدارة الجبائية تدارك الإغفالات و الأخطاء و الإخفاءات التي وقعت معاينتها في أساس الأداء أو في تطبيق نسبه أو في إحتسابه .
وترى المحكمة الإدارية مثلا أن تجاوز إدارة الجباية لمدة المراجعة المعمقة هو عيب شكلي غير قابل للتصحيح على إعتبار”أنه يستخلص من مقتضيات الفصل 40 من مجلة الحقوق و الإجراءات الجبائية أنه لايمكن تجاوز المدة القصوى لعملية المراجعة إلا في الحالات الإستثنائية المنصوص عليها بالفقرة الأخيرة من ذات الفصل و أن مخالفة إدارة الجباية لتلك الشروط يمثل إهدارا لإحدى الضمانات التي كفلها المشرع لفائدة المطالب بالأداء وهو ما يؤدي بالضرورة إلى إبطال عملية التوظيف” .
ويستنتج من خلال الشروط التي وضعها الفقه و فقه القضاء, أن قرار التوظيف التصحيحي يبقى إجراء إستثنائيا لا يمكن أن تلجئ اليه الإدارة في جميع الحالات.
إلا أن فقه القضاء لم يحصر العيوب الشكلية التي قد تشوب قرار التوظيف الإجباري و التي يمكن أن تصححها الإدارة الجبائية و تقوم بإتخاذ قرار توظيف ثان يعوض قرار التوظيف الأول الملغى من طرف المحكمة.
لذا يستحسن أن يخرج المشرع التونسي عن صمته و يتولى “التنصيص على عدم جواز إصدار قرار توظيف إجباري جديد (ثان) في صورة إلغاء قرار التوظيف الإجباري الأول لأسباب شكلية” من أجل توفير الأمن الجبائي للمطالب بالأداء وحمايته من التجاوزات التي يمكن أن تصدر عن الإدارة في تطبيقها للتوظيف الإجباري. و في إنتظار تدخل المشرع لا بد أن يراقب القاضي الجبائي الإخلالات و العيوب التي يمكن أن ترد بقرار التوظيف و التي تقوم إدارة الجباية بتصحيحها بإتخاذ قرار توظيف جديد يصحح و يعوض القرار الأصلي, في مسار تحقيق التوازن المنشود بين سلطات الإدارة و ضمانات المطالب بالضريبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *