صندوق الكرامة ورد الإعتبار بقلم الباحث إبراهيم الشخاري

صندوق الكرامة وردّ الاعتبار

الباحث إبراهيم الشخاري

مجلة نقطة قانونية 

العدالة الانتقالية , عنوان نبيل ومسار متكامل من الآليات والوسائل المعتمدة لفهم ومعالجة ماضي انتهاكات حقوق الإنسان بكشف حقيقتها ومساءلة ومحاسبة المسئولين عنها وجبر ضرر الضحايا ورد الاعتبار لهم بما يحقق المصالحة الوطنية ويحفظ الذاكرة الجماعية ويوثقها ويرسي ضمانات عدم تكرار الانتهاكات والانتقال من حالة الاستبداد إلى نظام ديمقراطي يساهم في تكريس منظومة حقوق الإنسان[1] .في هذا الإطار تمّ بعث هيئة ﺗﺘﻤﺘﻊ ﺑﺎﻟﺸﺨﺼﻴﺔ اﻟﻤﻌﻨﻮﻳﺔ واﻻﺳﺘﻘﻼل اﻟﻤﺎﻟﻲ واﻹداري يطلق عليها اسم هيئة الحقيقة والكرامة تهدف لاستكمال مسار العدالة الانتقالية وكشف الحقيقة وجبر الضرر في سبيل إنجاح المسار الديمقراطي.انتقلت الهيئة من مرحلة معالجة الملفات ودراستها و الاستماع للضحية وتقييم الضرر

إلى مرحلة التعويضات التي استدعت إحداث رئاسة الحكومة صندوق للمساهمة في جبر الضرر والتكفل بتعويض ضحايا الاستبداد . فماذا نقصد بصندوق الكرامة ؟

يتولى صندوق الكرامة الذي وقع إحداثه بقانون المالية لسنة 2014 المساهمة في جبر الضرر والتكفل بالتعويض لضحايا الاستبداد وقد تمت الموافقة عليه في صيغته الأصلية خلال الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب المخصصة لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2019 والمصادقة عليه بعد الجدل الواسع بشأن الفصل العاشر من مشروع هذا القانون المتعلق بصندوق الكرامة وتم ّ رفض مقترحين لتعديله يعكسان التباين الحقيقي بين مؤيد لهذا الصندوق ورافض له وكلّ له حجج ومؤيدات تدعّم مواقفه . فماهي حجج الرافض لانبعاثه والمؤيد له ؟

نجد مقترح أول تقدمت به كتلتي الائتلاف الوطني والحرة لحركة مشروع تونس ينص على إيقاف مساهمات الدولة للصندوق لسنوات 2019 و2020 و2021 .

مقترح ثاني تقدمت به كتلة النداء يقضي بحذف حساب صندوق الكرامة وردّ الاعتبار لضحايا الاستبداد وتحويل بقايا موارده إلى ميزانية الدولة لفائدة العائلات المعوزة.

اقتراحات تمّ رفضها , وتؤكد التعارض بين الكتل البرلمانية وتضارب المصالح والأفكار بين كتلتي النهضة من ناحية ، المتمسّكة بصندوق الكرامة ، والتي ترى فيه إجراء مهم ّ لإنجاح المسار الديمقراطي . وكتلة نداء تونس الرافضة لهذا الصندوق والمطالبة بمقترح تعديل الفصل 10 الذي ينصّ على “حذف صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد المحدث بمقتضى الفصل 93 من القانون عدد 54 لسنة 2013، وتحول موارده إلى ميزانية الدولة وتخصص لتمويل برنامج العائلات المعوزة وتلغى جميع التراتيب المتعلقة بالصندوق المذكور”. كما تعتبر حركة نداء تونس ان جبر الضرر سيتحمله الشعب التونسي المطحون بين غلاء المعيشة وتدهور صرف الدينار التونسي وارتفاع نسب البطالة .

هذا الرفض لمقترح التعديل ذهب بكتلة النداء إلى مغادرة جلسات لجنة المالية والتهديد بمقاطعة مناقشة مشروع قانون المالية وبالتوجّه بطعن الى المحكمة الإدارية سندهم في ذلك وجود خطا إجرائي يتمثل في أنّ الإطار الأمثل والأنسب لاحداث وتعديل وتحديد موارد هذا الصندوق هو قانون المالية لسنة 2014 .

حسم وزير المالية هذا الجدال بتأكيده على تخصيص 10 مليون دينار من ميزانية الدولة لسنة 2019 لفائدة صندوق الكرامة وردّ الاعتبار لضحايا الاستبداد وفق ما ينص عليه مشروع قانون المالية لسنة 2019.

أهمية هذا الموضوع متأتية من كونه موضوع الساعة باعتبار الجدل القائم داخل قبة البرلمان حول عديد النقاط الهامة التي تخص موارد التعويضات وجبر الضرر التي لا تشمل فقط التّعويض المادي بل كذلك التعويض المعنوي وردّ الاعتبار للضّحايا واسترداد حقوقهم،

تقف أهمية الموضوع في تحديد الضحية الحقيقي الذي يستحق جبر الضرر الشامل خاصة واني على ثقة في أنّ مصطلح “مناضل” قد تم ّ استهلاكه ولم يعد ذو جدوى باعتباره تسمية تطلق على كلّ من دافع عن هذا الوطن أو باعه وخانه خاصة في فترة الاستعمار ,

كما تطلق على النقابي وشبه النقابي . تطلق أيضا على منتسبي الحزب الحاكم زمن حكم المخلوع . أما اليوم فالنضال وسام يتقاسمه الظالم والمظلوم . الجلّاد والضحيّة على حدّ السواء.

هذا ما يجعلنا نطرح الاشكال التالي : كيف تمّ تنظيم صندوق الكرامة وردّ الاعتبار.

للإجابة عن هذا الإشكال سنتعرض في جزء أول إلى مهمة التسيير والتصرف.

ثمّ إلى كيفية جبر الضرر وردّ الاعتبار للضحايا . حتى نجلو طبيعة صندوق الكرامة وأهميته.

الجزء الأول :التمويل والتسيير.

انه لمن الأهمية بمكان تنظيم صندوق الكرامة وردّ الاعتبار قبل بثّ الروح فيه وانبعاثه للوجود عبرالتدقيق في موارده في فقرة أولى و تحديد تركيبته وطريقة تسييره في فقرة ثانية.
فقرة أولى : موارد الصندوق .
يحدث صندوق يطلق عليه صندوق “الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد” تضبط طرق تنظيمه وتسييره وتمويله بأمر[2] ونص الفصل 93 من قانون المالية لسنة 2014 على إحداث حسابا خاصا يطلق عليه اسم «صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد» يتولى المساهمة في التعويض لضحايا الاستبداد. على هذا الأساس لا بد من التساؤل عن موارد هذا الصندوق ؟
تتكون موارد صندوق الكرامة من نسبة من الأموال الراجعة لميزانية الدولة والمتأتية من تنفيذ القرارات التحكيمية الصادرة عن لجنة التحكيم والمصالحة المحدثة بمقتضى الفصل 45 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها وتضبط هذه النسبة بقرار من رئيس الحكومة و الهبات والتبرعات والعطايا غير المشروطة و كل المصادر الأخرى التي يمكن رصدها لفائدة الصندوق طبقا للتشريع الجاري به العمل.

ويتمّ رصد اعتمادات من ميزانية الدولة عند فتح الصندوق في حدود 10 مليون دينار.

حيث يتولى الصندوق المساهمة في جبر الضرر والتكفل بالتعويض لضحايا الاستبداد طبقا لأحكام الفصول 10 و11 و12 و13 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها.

بالطبع لن يكون بمقدور الحكومة التونسية في ظل الأوضاع الراهنة تمويل هذا الصندوق لسبب بسيط وهو حجم التعويضات الضخمة التي يحتاجها الصندوق . مم ذهب بالهيئة إلى التصريح بالتمويل الخارجي خاصة وقد عبّرت عديد الدول استعدادها لتمويل الصندوق.

ان اموال الصندوق ستذهب كتعويضات تشمل أبناء جنسنا من الذين تم التنكيل بهم وبعائلاتهم وتعرضوا للاغتصاب أو التعذيب ولعبت أيادي الظلم بمستقبلهم والذين ينتمون لمختلف الأحزاب والتيارات الوطنية . إذن هذا الصندوق يحمل هدفا نبيلا لذلك تم إسناد إدارة شؤونه وتسييره إلى لجنة تصرّف خاصة.

فقرة ثانية :التسيير و التصرف .

توكل مهمة التصرف في صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد للجنة تحدث للغرض برئاسة الحكومة. تضبط بمقتضى اتفاقية تبرم بين رئيس الحكومة ووزير المالية شروط وكيفية التصرف في موارد هذا الصندوق.

تتركب لجنة التصرف في هذا الصندوق من ممثل عن رئاسة الحكومة (رئيس) وممثل عن الوزارة المكلفة بالعدل (عضو) و ممثل عن الوزارة المكلفة بالمالية (عضو) وممثل عن الوزارة المكلفة بالتنمية والتعاون الدولي (عضو) وممثل عن الوزارة المكلفة بالشؤون الاجتماعية (عضو) و ممثل عن الوزارة المكلفة بالصحة (عضو) و ممثل عن الوزارة المكلفة بالعلاقة بين الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان (عضو) و المكلف العام بنزاعات الدولة (عضو). ويتم تعيين الأعضاء بمقرر من رئيس الحكومة بناء على اقتراحات الوزارات والهياكل المعنية .

تجتمع لجنة التصرف في الصندوق بدعوة من رئيسها ولا تكون مداولاتها قانونية إلا بحضور نصف أعضائها على الأقل، وفي صورة عدم توفر النصاب القانوني بعد استدعاء أول فإن اللجنة تجتمع بصفة قانونية بعد استدعاء ثان في أجل لا يتجاوز سبعة أيام مهما كان عدد الأعضاء الحاضرين. تتخذ لجنة التصرف في الصندوق قراراتها بأغلبية الأصوات وفي صورة التساوي يرجح صوت الرئيس .

يمكن للرئيس أن يستدعي كل شخص يرى فائدة في مساهمته في أشغال اللجنة دون المشاركة في عملية التصويت و يضبط رئيس اللجنة جدول أعمال اجتماعاتها ويتولى تسييرها، وتضمن مداولات اللجنة ومقرراتها بمحضر يتم إمضائه من قبل رئيسها وجميع الحاضرين.

تكلف الهيئة العامة للمقاومين ولشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية برئاسة الحكومة بكتابة اللجنة وتتولى في هذا الإطار إعداد جدول الأعمال ومتابعة أعمال اللجنة وحفظ وثائقها. ويمكن للجنة التصرف في الصندوق طلب معلومات ولها الحق في الاطلاع على الوثائق التي تمكنها من القيام بأعمالها. كما تتولى لجنة التصرف في الصندوق القيام بأعمالها وفقا لأحكام الفصل 4 من هذا الأمر الحكومي وترفع تقارير حول نشاطها إلى رئيس الحكومة كل ستة أشهر. وتحمل مصاريف لجنة التصرف في الصندوق على ميزانية رئاسة الحكومة. ويأذن رئيس لجنة التصرف في الصندوق بدفع مصاريفه بعد أخذ رأي أعضائها [3]. إنّ نجاح تنظيم صندوق الكرامة من حيث الموارد والتركيبة وطريقة التصرف بمقدوره أن ينعكس بالإيجاب على إعطاء الحقوق والتعويضات لأهلها وجبر ضرر الضحايا بكل نزاهة ومصداقية .

الجزء الثاني : جبر الضّرر للضحايا .

يعتبر صندوق الكرامة فرصة لردّ الاعتبار لضحايا الاستبداد والظلم واسترداد حقوقهم لذلك من الضروري التدقيق في تعريف الضحية المعني بهذه التعويضات (فقرة اولى ) والوقوف على كيفية جبر الضرر ( فقرة ثانية ).

فقرة أولى : تعريف الضحية

يمكن تعريف الضحية على معنى القانون الخاص بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها كونه كل من لحقه ضرر جراء تعرضه لانتهاك سواء كان فردا أو جماعة أو شخصا معنويا. وتعد ضحية أفراد الأسرة الذين لحقهم ضرر لقرابتهم بالضحية على معنى قواعد القانون العام وكل شخص حصل له ضرر أثناء تدخله لمساعدة الضحية أو لمنع تعرضه للانتهاك.
ويشمل هذا التعريف كل منطقة تعرضت للتهميش أو الإقصاء الممنهج [4]. ويعرف الإنهاك على معنى هذا القانون كل اعتداء جسيم أو ممنهج على حق من حقوق الإنسان صادر عن أجهزة الدولة أو مجموعات أو أفراد تصرفوا باسمها أو تحت حمايتها وإن لم تكن لهم الصفة أو الصلاحية التي تخول لهم ذلك. كما يشمل كل اعتداء جسيم وممنهج على حق من حقوق الإنسان تقوم به مجموعات منظمة [5].. من خلال هذا التعريف هل يمكن اعتبار ان التعويض او جبر الضرر الذي يتحصل عليه الضحية سواء كان شخص طبيعي أو اعتباري كافي باعتباره يمثل منطقة معينة أم نحن في حاجة لتعويض مناطق مهمشة بعينها .

الإشكال هنا في كيفية تعويض الجهات المنسية و المهمشة ؟ الم يكن من الأجدر العمل على تقسيم البلاد الى مناطق حمراء في حاجة أكيدة وملحة للتدخل الإنساني والمعيشي وبدرجة اقل مناطق صفراء يتم الاشتغال عليها في السنوات المقبلة . سنوات عديدة مضت منذ ثورة 2011 ولو انشغلنا بترميم منطقة مهمشة واحدة لكان بمثابة الانجاز خاصة وان مفهوم الضحية يشمل المناطق المهمشة التي في حاجة ماسة لجبر الضرر .

فقرة ثانية : معايير جبر الضرر

القرار الإطاري العام عدد 11 لسنة 2018 المؤرخ 29 ماي 2018 المتعلّق بضبط معايير جبر الضّرر وردّ الاعتبار لضحايا الاستبداد .الذي يضبط في فصله الأول معايير جبر الضرر المتعلقة بالتعويض المادي والمعنوي لفائدة ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان .وإجراءات رد الاعتبار والاعتذار واسترداد الحقوق وإعادة التأهيل والإدماج . كما يضبط طرق صرف التعويضات بحسب جسامة الانتهاك وآثاره . وينتفع بمقتضى هذا القرار حسب الفصل الثاني , ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان من الأشخاص الطبيعيين والمعنويين كما عرفهم القانون الأساسي عد53 لسنة 2013 والمتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمه .

ان جبر ضرر ضحايا الانتهاكات حق يكفله القانون والدولة مسؤولية على توفير أشكال الجبر الكافي والفعال بما يتناسب مع جسامة الانتهاك ووضعية كل ضحية. على أن يؤخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المتوفرة لدى الدولة عند التنفيذ.

جبر الضرر نظام يقوم على التعويض المادي والمعنوي ورد الاعتبار والاعتذار واسترداد الحقوق وإعادة التأهيل والإدماج ويمكن أن يكون فرديا أو جماعيا ويأخذ بعين الاعتبار وضعية كبار السن والنساء والأطفال والمعوقين وذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى والفئات الهشة.

كما توفر الدولة العناية الفورية والتعويض الوقتي لمن يحتاج إلى ذلك من الضحايا دون انتظار صدور القرارات أو الأحكام المتعلقة بجبر الضرر. و تتكفل الدولة بمصاريف التقاضي في كل قضايا حقوق الإنسان على معنى هذا القانون لفائدة الضحايا وذلك في نطاق القوانين المتعلقة بالإعانة العدلية والإعانة القضائية أمام المحكمة الإدارية [6].

عموما تحتسب القيمة المادية حسب طبيعة التصنيف لنوع الانتهاكات القابلة للتعويض عن الضرر المادي والمعنوي لذلك تمّ تخصيص كل صنف بضارب معيّن يتم بموجبها احتساب نسب التعويض فنجد صنف أول يخص الانتهاكات التي تمسّ الحق في الحياة وتم تخصيص نسبة 100 في المائة للوحدة الحسابية لقيمة التعويض وصنف ثاني يخص الانتهاكات الماسة من السلامة الجسدية والنفسية تراوحت فيها نسبة الضارب بين 70 إلى 25 في المائة .وصنف ثالث حول الانتهاكات التي تمس من حق الفرد في الحرية والأمن على شخصه خصها ب40 في المائة كضارب وحدة حسابية وصنف رابع يتعرض للانتهاكات المتعلقة بالحقوق المدنية والاجتماعية خصّها ب 15 في المائة ضارب الوحدة الحسابية . وكل صنف يحظى باحتساب خاص في قيمة التعويض حسب الصنف.

أيضا ينتفع الضحية الذي تعرض لانتهاك المنع من الارتزاق وإشكال الاعتداء على حق الشغل على معنى العنوان الرابع من القرار الإطاري العام عدد 11 لسنة 2018 بالإدماج وإعادة الإدماج . كما يتمتع الضحية بإمكانية إعادة التأهيل واسترداد الحقوق السياسية والمدنية .

ما يحسب لهذا القرار الإطاري انه تميز بالشمولية ولم يستثني ضحايا التمييز من قدامى مقاومي الاستعمار الفرنسي الذين تم حرمانهم من التمتع بحقوقهم على قدم المساواة مع غيرهم من المقاومين ليصبحوا معنيين بأحكام القانون عدد 9 لسنة 1974 وكل النصوص المنقحة له .

إن هذا القرار فيه رفع من معنويات الضحايا بأهم إجراء يتخذ لصالهم وهو ردّ الاعتبار بتقديم رئيس الجمهورية اعتذارا رسميا وعلنيا باسم الدولة التونسية فيه إقرار واعتراف بمسؤوليتها عن انتهاكات حقوق الإنسان والالتزام بعدم تكرارها مع تسلّم شهادة اسمية من نص الاعتذار على معنى العنوان الثامن من هذا القرار. ويراعى في ذلك كل ما تم اتخاذه من قرارات وإجراءات إدارية أو قضائية سابقة لفائدة الضحايا .

ان جبر الضرر والتعويض عن ما لحق النفس من انتهاكات وتعدي دون التقيد بحقبة تاريخية معينة بمقدوره أن يرفع من معنويات المظلوم الذي عاش سنوات من القهر يعجز المال ورد الاعتبار على إتيان هذا الحق وما ترتب عنه من آثار أمام حالة الصمت الوطني التي دعم سياسة التعذيب والتنكيل والتعدي على حقوق الضحايا بمختلف أطيافهم والحرمان من أبسط الحقوق كالحق في التنقل والحق في التعليم وتقييد تحركاتهم نحو خلق تصور يرجع كرامة الضحية. .. إنّ التعويض المادي لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من التعويضات التي يتمتع بها الضحية في إطار عام وشامل من جبر الضرر لكن الوضعية الصعبة التي تمر بها البلاد من غلاء المعيشة واضطهاد للطبقة الفقيرة وتدحرج للطبقة المتوسطة يجعل الحكم بصعوبة تحقيق هذا الأمر.

يكون جبر الضرر شامل و نهائي على حد تعبير رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة . فالهيئة مهمتها واضحة ومحددة فهي التي تقيّم الضرر وكيفية جبره أما تنفيذ جبر الضرر فهي مسالة بيد رئاسة الحكومة المناط بعهدتها إصدار الأوامر .

. ما يعاب على هذه العدالة الانتقالية هو بطئها وعدم تسلحها بالسرعة الكافية الذي تجعل منها لا تتعدى السنوات الأولى ما بعد الثورة حتى تتحقق الأهداف التي كان المواطن التونسي يأمل في تحققها وينتظر في قرارات ثورية تلاشت مع الأيام وطوي المواطن الثورة وما يتبعها طي النسيان فأصبحت من الماضي البعيد الذي لا يرغب في تذكرها ولا حتى الحديث عنها .

كل إحداث جديد ينبني على تصور وأفكار قد تتماشى مع الواقع وقد تتصادم معه. قد تكون صالحة في وقت ومكان معين وقد ترفض في وقت اخر.لكن الهدف النبيل والتصور الجميل كالرجل الحكيم قد يبقى مجرد صورة في ركن القصر أمام سياسة التكالب على المناصب والرغبة في النيل من طعام الرعية ومحاولة سرقة رغيف الخبز خاصة مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي التشريعي والرئاسي.

إنّ جبر الضرر هو هدف وتصور نبيل يمد من خلالها المواطن التونسي يده إلى الضحية ليتقاسم معه إحساس المواطنة . لكن كان من الأجدر إضافة هذه الكلمات للقرار الإطاري العام المتعلّق بضبط معايير جبر الضّرر وردّ الاعتبار لضحايا الاستبداد :” لا ينسحب هذا التعويض الشامل بمختلف جزئياته على كل من ثبت توليه منصب سياسي “.

إنّ الانشغال بصندوق الكرامة في هذا الوقت بالذات غير ذي جدوى لان الضحية في نهاية الأمر هو شخص تونسي عاش الخصاصة والتهميش والأجدر بالدولة التونسية استرجاع الأموال المنهوبة في الداخل والتي هي على شكل قروض تم دفنها واعتبرت في عداد الموتى والأموال المجمّدة لشركات التوظيف المالي الوهمية واستغلالها في إعادة البناء .

أيضا , يشمل تعريف الضحيّة كل منطقة تعرضت للتهميش أو الإقصاء الممنهج حسب الفصل العاشر من القانون المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها فهل يمكن الحديث عن تعويضات لهذه المناطق في شكل مشاريع واستثمارات حقيقية واموال يضخّها الصندوق في هذه المناطق ؟.

إبراهيم الشخّاري . باحث في علم الإجرام .


[1] – الفصل الاول من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلّق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها

[2] – الفصل 41 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلّق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها

[3] – يراجع في ذلك فصول الأمر الحكومي عدد 211 لسنة 2018 المؤرخ في 28 فيفري 2018 المتعلق بضبط طرق تنظيم صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد وتسييره وتمويله.

[4] – الفصل 10 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلّق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها.

[5] -الفصل 3 من نفس القانون.

[6] – يراجع في ذلك الفصول 11 , 12 و 13 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلّق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها .

image_print

تصنيفات: حقوق الإنسان,قسم القانون العام,مقالات الرأي