احدث المقالات

جرائم أصحاب الياقات البيضاء – الباحث إبراهيم الشخاري

جرائم أصحاب الياقات البيضاء

الباحث إبراهيم الشخاري

الباحث في علوم الإجرام 

تتطوّر الجريمة وتزدهر بتطوّر الحياة وازدهارها فهي في حركية متواصلة ومتزامنة لكل تطور إنساني من حيث المعاملات والأجهزة وأساليب الحياة الحديثة. إذا نحن أمام خطوط متوازية ومتصارعة في تلاحق وتسابق بين الجريمة من ناحية وديناميكية الحياة وتطورها من ناحية أخرى. إنّ تطور الجريمة الذي هو في نهاية الأمر تطور الفكر والعقل البشري في اتجاه مغاير لاتجاه عقارب الساعة. لكننا نكاد نصطدم كلما ارتفعت قيمة المحجوز أو المسروق أو السيولة بأيادي ذات قفازات تتحرك في الكواليس دون أن تصلها يد العدالة الجزائية وسلطتها .جرائم ذوي الياقات البيضاء أو أصحاب المال والأعمال أو مالكي النفوذ والجاه .والتي عبر عنها عالم الاجتماع إدوين سذرلاند سنة 1939 بكونها “جريمة يرتكبها فرد من ذوي الطبقات الاجتماعية العليا وله مكانة مرموقة في نطاق مهنته”. والذي اعتبر أن أول من استعمل هذا المصطلح هو رئيس شركة جنرال موتورز في كتابه ” سيرة عامل من أصحاب الياقات البيضاء”قام فيه هذا العالم الأمريكي بدراسة 400 شركة أمريكية وأثبت أن جرائم أصحاب الياقات البيضاء أكثر خطورة من جرائم أصحاب الياقات الزرقاء(العمال) وانتهى بالقول أن السلوك الإجرامي لا يجب أن ينسب للفقراء فقط انطلاقا من ظروفهم الاجتماعية والبيئية والنفسية الصعبة بل يرجع أيضا للأغنياء أو ما يطلق عليهم بأصحاب الياقات البيضاء. من هذا المنطلق تمّ حصر جرائم الياقات البيضاء في الجرائم الاقتصادية بل أكثر من ذلك أصبح كل مصطلح مرادف للآخر .

يعرّف الفقه مجرم الياقات البيضاء بكونه الشخص الذي يتمتع بمستوى اجتماعي وعلمي واقتصادي مرموق ومتطور، ويتميز بعمله خارج الشرعية، مستغلا بذلك ثغرات القانون في تحقيق مشاريعه الإجرامية التي ستدر عليه أموالا كثيرة باعتبار وأنه يستخدم طرقا تبدو مقبولة اجتماعيا تجعل الفرد يعتقد بمشروعيتها إلا أنها من منظور قانوني هي محل إثم ولوم[1]

إن أهمية هذا الموضوع مستمدّة ليس من رغبتي في استعراض خصوصية الجريمة الاقتصادية وتميزها بل من خلال تطور مفهوم جريمة أصحاب الياقات البيضاء في تبنيهم للفعل الإجرامي بأساليب مستحدثة ولغايات شيطانية لا تتوارى عن الإيلام في سبيل بسط النفوذ وتوجيه الأفكار والسياسات . إذا سأحاول تبني مصطلح الياقات البيضاء باعتباره يتناغم مع واقع اخطبوط النخبة في مجتمعنا التونسي في سنة 2018 .

.نظرا لما يثيره هذا الموضوع من تحدي في الوقت الراهن ذهبنا إلى طرح الإشكال التالي: ما هي طبيعة جرائم أصحاب الياقات البيضاء ؟ هل هي مطلقة أم مقيّدة ؟

أمام هذا الطرح الآني والمستحدث للظاهرة الإجرامية لرجال المال والإعمال وجب علينا دراسة طبيعة جرائم ذوي الياقات البيضاء سواء بطابعها المطلق في جزء أول , ثمّ بطابعها المقيّد في جزء ثاني .

الجزء الأول : جرائم مطلقة

إنّ الوقوف على مختلف جرائم ذوي الياقات البيضاء يقتضي منّا في البداية التعريج على تعدد هذه الجرائم في فقرة أولى وتطورها في فقرة ثانية.

ا-جرائم متعددة : يمارس أصحاب الهندام والأيادي النظيفة أو ما نسميه بالإجرام الأنيق أفعال متعددة ومتميزة ومتطورة… من ذلك “جرائم الغش التجاري والجريمة المنظمة، وغسيل الأموال، وجرائم المعلوماتية، والحاسوب ويرى البعض أيضاً أنها جرائم تخريب الأموال العامة، والتهريب وتسويق السلع الرديئة، بينما يرى البعض أنها جرائم الرشوة والتهريب، والاختلاس والمخدرات والتهرب الضريبي والسوق السوداء”[2]
تتعدد هذه الجرائم داخل المجتمع التونسي على اعتبار ضعف الدولة وانعدام الرقابة والمحاسبة بما لا يضمن شفافية الأسعار و لا يقضي على الممارسات الاحتكارية والزيادات غير القانونية في الأسعار ولا يزيل كل الممارسات المخلة بقواعد المنافسة بما في ذلك الممارسات والاتفاقات التي تتم خارج البلاد وتترتب عنها آثار ضارة بالسوق الداخلية بما لا يضمن التوازن العام للسوق والنجاعة الاقتصادية ورفاه المستهلك.[3] .”
تتعدد جرائم أصحاب الياقات البيضاء في المجال الاقتصادي باعتباره المجال الحيوي والمتحرّك الذي لا ينام بالليل وباعتباره منبع الثروة والجاه . فلا شك أن هناك جرائم عادية لها آثار اقتصادية كالسرقة والاختلاس والتزوير والرشوة والابتزاز والنصب والاحتيال والغش والتدليس والتهرب الضريبي والسطو والمماطلة في سداد الديون وغيرها من صور الجرائم المالية، حيث يتأثر بها المجني عليه كسلب أمواله فلا يحقق تقدماً ونمواً اقتصادياً يستفيد منها أو يستفيد اقتصاد بلاده[4]. فنجد جرائم متعلقة بالغش والتهريب والتوريد والتصدير دون إعلام في المجال الديواني مع استفحال ظاهرة الغش الجبائى. في غياب بنك معطيات عن المهربين وأصحاب السوابق وأمراء المسالك ومالكي الطرقات الحقيقيين.
في الحقيقة يمتلك ذوي الياقات البيضاء طرقات بعينها بما فيها وما عليها من حجارة وأتربة و… وهي قابلة للإيجار للمهربين وأصحاب المال والإعمال لمدّة محددة . وهو ما يدخل في إطار تطور الجريمة في الميدان الاقتصادي .
ب- جرائم متطوّرة : كان التطور التكنولوجي و التجارة الالكترونية والعولمة وشبكة المعلومات و الانترنات الغطاء الجديد والوسيلة السهلة والمربحة والسريعة والإطار العام الحاضن لجرائم أصحاب الياقات البيضاء لذلك تتشابك أيادي الإخطبوط وتمتدّ في كلّ القطاعات الحيوية عبر تعمير استمارة الولاءات . والتسابق نحو التكتلات وإعلان الطاعة والخضوع مقابل من يدفع أكثر. إنّ تعقّد الحياة الاقتصادية قد لا يسمح للمبادرة الفردية والمواطن العادي من الاحتراس بقدر كاف من محاولات المراوغة والتحيّل في إطار طرق إجرامية مستحدثة صادرة عن أولئك الذين يضاربون على جهله[5] .
فهذا الفساد بعظمه ولحمه اختارت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003 ألا تعرفه تعريفاً فلسفياً أو وصفياً، بل انصرفت إلى تعريفه من خلال الإشارة إلى الحالات التي يترجم فيها الفساد إلى ممارسات فعلية على أرض الواقع ومن ثم القيام بتجريم هذه الممارسات وهي الرشوة بجميع وجوهها وفي القطاعين العام والخاص والاختلاس بجميع وجوهه والمتاجرة بالنقود وإساءة استغلال الوظيفة وتبييض الأموال والثراء غير المشروع وغيرها من أوجه الفساد الأخرى[6].
كما عرّفه الفصل الثاني من المرسوم الإطاري لمكافحة الفساد المؤرخ في 14 نوفمبر 2011 على انّه سوء استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصية. ويشمل الفساد خاصة جرائم الرشوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية أو سوء التصرف فيها أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة أو سوء استعمالها والإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال.

تحررت الجريمة أمام أصحاب الياقات البيضاء منذ ثورة 2011 في ظلّ ضعف وغياب كلي للرقابة والأخلاق واستبدالها بالبيروقراطية التي تضاعف الفساد وتغذّيه ليصبح الأساس والأصل في المعاملات وما يصاحبها من تفشي لرشوة الموظفين والمسئولين والشرطة والقضاء . ضف إلى ذلك تنامي ظاهرة بيع الوظائف في الخفاء وفي العلن مم يعطّل ويعرقل التطور الاقتصادي وينخره.

من هذه الجرائم المهددة للاقتصاد والتي تنتعش وتزدهر وقت الأزمات والثورات والحروب الأهلية نذكر جريمة غسل الأموال حيث يعدّ غسلا للأموال [7] كل فعل قصدي يهدف، بأي وسيلة كانت، إلى التبرير الكاذب للمصدر غير المشروع لأموال منقولة أو عقارية أو مداخيل متأتية، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، من كلّ جناية أو جنحة تستوجب العقوبة بالسجن لمدة ثلاث سنوات أو أكثر ومن كل الجنح المعاقب عليها بمجلة الديوانة .
ويعتبر أيضا غسلا للأموال، كل فعل قصدي يهدف إلى توظيف أموال متأتية، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، من الجرائم المنصوص عليها بالفقرة السابقة ، أو إلى إيداعها أو إخفائها أو تمويهها أو إدارتها أو إدماجها أو حفظها أو محاولة القيام بذلك أو المشاركة فيه أو التحريض عليه أو تسهيله أو إلى المساعدة في ارتكابه. هذه الجريمة بمقدورها إضعاف البنوك الوطنية مم ينعكس سلبا على ميزانية الدولة .
ترتبط جريمة غسل الاموال بجريمة الإرهاب حيث يعدّ مرتكبا للجرائم الإرهابية [8] كل من يحرض، بأي وسيلة كانت، على ارتكابها عندما يولد هذا الفعل، بحكم طبيعته أو في سياقه، خطرا باحتمال ارتكابها…..ومن يعزم على ارتكابها، إذا اقترن عزمه بأي عمل تحضيري لتنفيذه.

لقد تدعمت الجريمة بصفة عامة والجريمة الاقتصادية بصفة خاصة في ظل العولمة والتقنيات الحديثة فبرزت الجرائم الالكترونية منها الغش في التسويق ونقل الاموال بالوسائل الالكترونية وغسيل الاموال والتهرب الضريبي حيث تساعد التحويلات الالكترونية في إخفاء عائدات الجريمة ونقلها وإخفاء الإرباح المشبوهة عبر الإيداع ببطاقات الائتمان مباشرة. كما تتيح التجارة الالكترونية فرصاً للغش في البيع من سندات واسهم مزورة واستثمارات كاذبة، وكذلك الاعتراض واختراق سرية البنوك وسرقة الأرصدة وتحويلها إلي حسابات أخري[9].
إنّ محترفي الفعل الإجرامي يسيطرون على الاقتصاد ويتحكمون في دواليب الدولة ولهم من القدرة والاحترافية والعلاقات ما يجعلهم يبدعون في رسم طرق مغايرة للمألوف في عالم الجريمة ويلبسونها ما يريدون من حليّ الإشاعة الوطنية وتوجيه المواطن البسيط سواء عبر وسائل الإعلام او برامج سبر الآراء لأجل مكسبا ماديا جديدا غير مشروع.
إزاء هذه الرغبة الكبرى في ممارسة الجريمة الاقتصادية في ميدان متحرّك وغير ثابت ومتطور, كان لزاما على المشرع التسلّح المتواصل بالقانون للحدّ من هذه الجرائم .

الجزء الثاني : جرائم مقيّدة .

تشهد جريمة أصحاب الياقات البيضاء توسعا وانتشارا وتطورا سريعا يجعل من المشرّع في سباق تشريعي افرز ترسانة هامة من القوانبن وتضخم تشريعي( فقرة اولى ) ودعّم ذلك ببعث هياكل وهيئات في هذا الميدان الاقتصادي (فقرة ثانية ).
ا-تضخّم تشريعي: نظّم المشرع التونسي الجرائم الاقتصادية صلب المجلة الجزائية ودعّمها بنصوص خاصة مثل جرائم المنافسة والأسعار التي أطرها بموجب القانون عدد 36 لسنة 2015 المؤرخ في 15 سبتمبر 2015 والمتعلق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار وجرائم حماية المستهلك بقانون سنة 1992 او قانون البيع بالتقسيط لسنة 1998 او قانون سنة 2000 الخاص بالمبادلات والتجارة الالكترونية. والجرائم الجبائية التي تعتبر مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية لسنة 2000 الإطار التشريعي الخاص بالمخالفات سواء الموكولة لأعوان مصالح الجباية مراقبتها او لفرقة الأبحاث ومكافحة التهرب الجبائي المنبثقة عن قانون المالية لسنة 2017 . صحبة بعض القوانين الخاصة المتعلقة بمجلة الأداء على القيمة المضافة وغيرها من المجلات المهتمة بالمجال الجبائي.
ولا ننسى بالطبع جرائم الديوانة التي نظمها القانون عدد 34 لسنة 2008 بالفصل 379 وما بعده دون ان تكون جامعة لعديد النصوص التي لا زالت بمعزل عن هذه المجلة . وجرائم الصرف المنصوص عليها بالمرسوم عدد 98 لسنة 2011 المؤرخ في 24 اكتوبر 2011 والذي نقح القانون عدد 18 لسنة 1976 المؤرخ في 21 جانفي 1976 والمتعلق بمراجعة وتدوين التشريع الخاص بالصرف وبالتجارة الخارجية والمنظم للعلاقات بين البلاد التونسية والبلدان الأجنبية…
عديدة هي القوانين العامة والخاصة التي أرساها المشرع التونسي في إطار معالجته للطابع السريع لجريمة أصحاب الياقات البيضاء والتي يصعب الوقوف عليها جميعا , ولم يكتفي بذلك بل احدث عدّة هياكل للغرض .
ب- هياكل متعددة : لقد تدعّم المشهد الجزائي الاقتصادي من خلال القانون الأساسي عدد 77 المؤرخ في 6 ديسمبر 2016 والمتعلّق ببعث القطب القضائي الاقتصادي والمالي المختص حسب فصله الأول في البحث والتتبع والتحقيق والحكم في الجرائم الاقتصادية والمالية المتشعبة على معنى هذا القانون وفي الجرائم المرتبطة بها وذلك بالطورين الابتدائي والاستئنافي. ويقصد بالجريمة المتشعبة على معنى الفصل الثاني من هذا القانون الجريمة الاقتصادية والمالية التي تتطلب إجراء أعمال استقرائية معمقة ودقيقة باستعمال وسائل تحري خاصة أو فنية تقتضي الاستعانة بخبرات متخصصة أو هياكل متعددة الاختصاصات أو اللجوء إلى تعاون قضائي دولي، وذلك بالنظر خاصة لتعدد المضنون فيهم أو المتضررين أو أماكن ارتكابها أو لامتداد أثارها أو حجم الأضرار المترتبة عنها أو لصبغتها المنظمة أو العابرة للحدود الوطنية .

وتدعّم هذا المجهود التشريعي بالقانون الأساسي عدد 59 المؤرخ في 24 أوت 2017 المتعلّق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد والقانون الأساسي عدد 10 المؤرخ 7 مارس 2017 الخاص بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلّغين. إذا كانت نية المشرع واضحة ببعث أقطاب وهيئات ومجالس ولجان قصد تضييق المجال على جرائم أصحاب الياقات البيضاءمن ذلك مجلس المنافسة الذي يعتبر كيانا خاصا نظمه قانون 2015 .إضافة إلى هيئة السوق المالية واللجنة المصرفية ….

إذا نحن أمام تضخم تشريعي وترسانة هائلة من القوانين والهياكل والهيئات نعجز عن استعراضها في هذا المجال وهو ما يفترض معه القدرة على مواكبة الجريمة الاقتصادية وردعها نظريا ……..فهل تحقق ذلك؟

اوّلا : نلاحظ أنّ العقوبة المالية في الميدان الاقتصادي هي الطاغية والتي يمكن تفسيرها في رغبة المشرع في إيجاد عقوبة تتماشى والضرر المحدث لذلك كان لزاما المسّ من الذمّة المالية لمقترف الجرم سواء بإقرار عقوبة كالخطيّة أو المصادرة .
إذن العقوبة السجنية لا تهدّد أصحاب الياقات البيضاء إلا نادرا بل هي سيف على رقبة أصحاب الياقات الزرقاء .
ثانيا : أمام تعدد جرائم أصحاب المال والإعمال والتي شملت كل المجالات الاقتصادية بات المواطن التونسي سواء كان موظفا في القطاع العام أو الخاص أو كان عاطلا عن العمل أو كان طالبا أو تلميذا يعاني بدرجة أولى من غلاء المعيشة التي هي في تزايد يومي مستمر بدون شفقة أو رحمة والتي تدحرجت به إلى درجة الحاجة فانجرّ عنه تغير في السلوك والأخلاق على مستوى المعاملات يعيش التداين والاقتراض و انتهت به إلى تزايد نسبة الجريمة خاصة في الأحياء الشعبية .

ثالثا : شعارات مكافحة الفساد تغزو وطني للإبلاغ عن التجاوزات الموجودة في الإدارات والدواوين والوزارات في مقابل حماية صورية تجعل من المبلغ يقع في مصيدة وحرب أعصاب قد تصل به إلى توقيف عن العمل أو طبيب أعصاب.

الفرد هنا شمعة تحترق لتضيء حياة الإخطبوط وليس الوطن.

رابعا :..وطن تعيش فيه التماسيح والديناصورات والبارونات على عائدات الفساد والمخدرات وغسيل الأموال وتدفع لأجل تسهيل معاملاتها الرشاوى باليمين واليسار حتى أنها كما تسيطر على مسالك التوزيع والتهريب تسيطر أيضا على أزرار الإرهاب فلا تتوارى على التنكيل بأصحاب القبعات الزرق وعائلاتهم وتلطيخهم بالعار مدى الحياة .

خامسا : إنّ تحديد الجرائم الاقتصادية وإعطاء إحصائيات دقيقة عن قيمة الضرر الاقتصادي يشهد صعوبة كبرى خاصة في غياب الشفافية والوضوح. جرائم متعددة تعرقل منوال التنمية والاستثمار فتضعف معدل النمو والادخار والدخل وتجعل من فئة معينة تملك المال والقرار فيفتقر معه وطني للاستقرار والمناخ السياسي الملائم لزرع الثقة في المسئول الوطني مهما كان المنصب الذي يتولاه.

سادسا :على اعتبار أنّ الجباية المورد الرئيسي لميزانية الدولة كان لزاما اعتبار الضريبة واجبا مقدّسا يقوم به المواطن عن طواعية بل هي لدى الغرب مقترنة بصفة المواطنة. لنبلغ هذا المستوى كان لا بدّ من شعور المواطن بالعدالة الاجتماعية في اقتطاع الضريبة من ناحية وشعوره بالمساواة في الاقتطاع والأجور والامتيازات بين كل الموظفين من نفس الرتب .البحث متواصل عن جباية وطنية تكرس عدالة اجتماعية فعلية.

سابعا وأخيرا , رفعت شعارات الثورة التونسية “حرية ,كرامة , عدالة اجتماعية” “خبز وماء وبن علي لا ” هي في الحقيقة مطالب شعبية وعناوين كبرى عجزت حكومات ما بعد الثورة على تحقيقها لذلك نحن في حاجة أكيدة ونحن على مشارف السنة الثامنة من الثورة على مراجعة الخيارات الوطنية المعتمدة بالمراجعة والتدقيق في الديون الخارجية ونتائج المصادرة والثروات التونسية .

ابراهيم شخّاري . باحث في علم الاجرام


 
[1] – منصور القديدي جرّاي , خصوصية الجريمة الاقتصادية . التقرير الاول للتربص بالمحكمة الابتدائية بسوسة . السنة القضائية 2000 -2001 .

[2] – عبد القادر عبد الحافظ, الجهود والاتفاقيات العربية لمكافحة الجريمة الاقتصادية. الرياض . 2008 .ص 6 .

[3] – العودة للفصل الاول من القانون عدد 36 لسنة 2015 المؤرخ في 15 سبتمبر 2015 والمتعلق بإعادة تنظيم المنافسة والأسعار

[4]- طه محمد عبده , ورقة عمل مقدمة بشأن جرائم رجال الأعمال المالية و الإقتصادية بيروت 2-4 يوليو2012. ص 3.

[5]- عبد الرؤوف مهدي: المسؤولية الجنائية عن الجرائم الاقتصادية في القانون المقارن. منشأة المعارف بالإسكندرية. 1986.ص69 .

[6] -يراجع في ذلك :عادل عبد اللّطيف : الفساد كظاهرة عالمية وآليات ضبطها، مجلة المستقبل العربي، العدد 309، بيروت 2004، ص 95.

و محمّد السّعيد حمّادي , الآليات القانونية لمكافحة الفساد , محاضرة ختم التمارين , الهيئة الوطنية للمحامين بتونس , السنة القضائية 2011-2012

[7] – حسب الفصـل 92 من القانون عدد 26 المؤرخ في 7 أوت 2015 الخاص بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال.

[8] – حسب الفصل 5 من القانون عدد 26 المؤرخ في 7 أوت 2015 الخاص بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال .

[9] -طه محمد عبده , ورقة عمل مقدمة بشأن جرائم رجال الأعمال المالية و الإقتصادية , بيروت 2-4 يوليو 2012. ص 6 .

image_print

تصنيفات: الإجراءات الجزائية,القانون الجزائي وعلوم الإجرام,المكتبة القانونية,تقارير ومنشورات,قسم القانون الخاص