احدث المقالات

التعاون القضائي الدولي لمكافحة الاتجار بالبشر بقلم الباحث منير العش

التعاون القضائي الدولي لمكافحة الاتجار بالبشر

بقلم الباحث منير العش 

مجلة نقطة قانونية

يعتبر التعاون القضائي الدولي إحدى أهم الآليات الرئيسية في المجال الجزائي لمكافحة الجريمة بشكل عام والجريمة المنظمة بشكل خاص وجريمة الإتجار بالبشر بشكل أخص، هذه الجريمة التي أصبحت من أكثر الجرائم المهددة للمجتمع الدولي والتي أصبحت بحق الميزة الإجرامية للقرن الحادي والعشرين.

أضحى اليوم التعاون والتنسيق المتبادل بين الدول، واللذان يعتبران دعامتان أساسيتان للوقاية من خطر الجريمة والتصدي لها في نفس الوقت، ضرورة في مواجهة فكرة أن الحدود الدولية تعترض القضاة لا الجناة. فمع تزايد قوة التنظيمات الإجرامية وتحول الجريمة إلى عابرة للحدود، أصبح من غير الممكن للدولة بمفردها أن تتصدى للإجرام مهما بلغت قوتها، فوجود أدوات الجريمة ومرتكبوها على أكثر من إقليم وما يترتب عنه من اندثار الأدلة وضياعها يوجب إرساء التعاون القضائي بين مختلف الدول من أجل مكافحة فعالة للجريمة المنظمة بمختلف أصنافها ومنها جريمة الإتجار بالبشر.

لقد حرصت الدول على إرساء التعاون القضائي الدولي بغاية مقاومة وتتبع والقضاء على هذه الظاهرة الإجرامية الماسة بآدمية الإنسان وكرامته، إلا أن هذا التعاون لم يحقق النتائج المرجوة منه وذلك بسبب الصعوبات التي يواجهها.

الفقرة الأولى: إرساء التعاون القضائي الدولي لمكافحة الإتجار بالبشر

أرهقت الصبغة المركبة والمتشعبة لجريمة الإتجار بالبشر باعتبارها جريمة منظمة المجتمع الدولي، إذ في أغلب الحالات يعجز القضاء الوطني لكل دولة منفردة عن التصدي لتلك الجريمة البشعة، وهو الأمر الذي أصبح معه التعاون القضائي الدولي أمرا لازما.

تعتبر جريمة الإتجار بالبشر من الجرائم المنظمة التي تجتمع كل العناصر المكونة لها ومرتكبيها وضحاياها داخل إقليم دولة واحدة، أو تتوزع مختلف هذه المكونات على أكثر من دولة الأمر الذي يحتم اجراء التحقيقات الجزائية اللازمة والتتبعات والملاحقات القضائية أمام ولايات قضائية متعددة. لذلك اتجه المجتمع الدولي نحو إرساء التعاون القضائي، وتعتبر آلية تسليم المجرمين والمساعدة القضائية المتبادلة أهم وسائل التعاون القضائي الهادفة لإنهاء حصانة الإفلات من العقاب وضمان تتبع جميع المجرمين المتداخلين والمساهمين في هذه الظاهرة الإجرامية الخطيرة.

  • تسليم المجرمين

يمثل التسليم الإجراء الذي تسلم به دولة استناد على معاهدة أو تأسيسا على معاملة بالمثل إلى دولة أخرى شخصا تطلبه الدولة الأخيرة لاتهامه أو لأنه محكوم عليه بعقوبة جزائية، بذلك يطلق تسليم المجرمين على العملية التي بواسطتها تطلب دولة ما من دولة أخرى إعادة شخص لمواجهة اتهامات أو عقوبة في الدولة الطالبة. وعموما يمكن تعريف تسليم المجرمين بأنه تخلي دولة لأخرى عن شخص ارتكب جريمة لكي تحاكمه عنها أو لتنفذ فيه الحكم الذي أصدرته عليه محاكمها، وذلك باعتبار أن الدولة طالبة التسليم هي صاحبة الاختصاص الطبيعي أو الأولى بمحاكمته وعقابه.

لا يعتبر نظام تسليم المجرمين نظاما جديدا أو مستحدثا أو خاصا بجريمة الإتجار بالبشر، بل هو أحد أقدم أشكال التعاون القضائي الدولي في المسائل الجزائية عامة، وهو يعتبر تطبيقا عمليا للتضامن الدولي في مكافحة الإجرام لما فيه من خروج عن الحدود الجغرافية للدول بغاية ملاحقة المجرمين والتصدي للجريمة.

يعتبر التسليم سواء في إطار جريمة الإتجار بالبشر أو غيرها من الجرائم المنظمة العبر وطنية آلية ناجعة وفعالة من آليات التعاون الدولي، وآلية ضامنة لعدم الإفلات من العقاب ولهدم صنم الإفلات من العقاب بطريقة عملية. وهذه الآلية غير ممكنة التفعيل والتطبيق إلا بتوفر أساس قانوني يجيزها وينظمها، ويتمثل الأساس القانوني لتسليم المجرمين في القانون الوطني والمعاهدات الدولية الثنائية والمتعددة الأطراف.

وانقسم الفقهاء في تحديد طبيعة التسليم إلى ثلاث فئات:

ترى الفئة الأولى أن التسليم يعد من أعمال القضاء، وغايته إيقاع العقاب العادل بالمجرم الذي انتهك حرمة قوانين الدولة طالبة التسليم والتي تتشابه مع قوانين الدولة المطلوب منها ذلك والتي تهدف كلها إلى إحقاق الحق وإقامة العدل. ويؤيد أصحاب هذا الرأي موقفهم بأن السلطة التي تقوم بإجراء التسليم والفصل فيه هي السلطة القضائية، كما أن رفض أو قبول التسليم يكون بقرار قضائي نهائي غير قابل لأي طريقة من طرق الطعن فيه. لكن هذا لا يمنع من انتقاد هذا الرأي كون التسليم يعد بمثابة تأمين مثول الجاني أو المتابع أمام الجهات القضائية المختصة لمحاكمته فقط، فهو لا يعد من قبيل الأعمال القضائية هذا من جهة ومن جهة أخرى نجد أن أحكام القضاء المتعلقة بالتسليم وخاصة بالنسبة للبلدان التي تأخذ بالنظام القضائي في التسليم لا تلزم السلطة التنفيذية أن تبقي هذه الأخيرة حرة في قبول التسليم أو رفضه.

أما الفئة الثانية فترى أن التسليم هو عمل إداري من أعمال السيادة تباشره الحكومة بمقتضى هذا الحق ولا يمكن للسلطة القضائية أو الدولة طالبة التسليم إجبار حكومة الدولة المطلوب منها التسليم على التسليم إذا ما رأت هذه الأخيرة أن شروط التسليم غير متوفرة أو أنه لا يجوز التسليم في مثل هذا النوع من الجرائم أو لأي سبب آخر يحول دون التسليم القانوني.

أما الفئة الثالثة فترى أن صعوبة الإقرار بوجود طبيعة واحدة للتسليم يقتضي التسليم بوجود طبيعة مزدوجة للتسليم، فهو من جهة يعتبر عملا قضائيا من حيث الإجراءات التي يقوم بها القضاء في إصدار الأوامر بالقبض والتحقيق وإصدار قرار التسليم بهدف إنزال العقاب بالجاني أو المتابعة من أجل جريمة، ومن جهة أخرى فإن القرار النهائي لقبول التسليم أو رفضه يبقى للسلطة السياسية ويصبح دور القضاء دورا استشاريا.

عموما يكتسب تسليم المجرمين في جرائم الإتجار بالبشر أهمية كبيرة، فمن ناحية قد يتمكن مرتكبو هذه الجرائم من الهرب من الدولة التي قاموا بارتكاب جريمتهم فيها واللجوء إلى دولة أخرى، وقد يسهم فرد أو جماعة من الأفراد في الإعداد والتحضير والمساعدة في ارتكاب هذه الجرائم انطلاقا من إقليم دولة أخرى غير تلك التي ارتكبت فيها الجريمة. كما أن جريمة الإتجار بالبشر قد ترتكب وتستمر في نطاق الاختصاص الإقليمي لعدة دول وقد ينعقد الاختصاص بعقاب هذه الجريمة لإحدى هذه الدول ويتعين على هذه الأخيرة في حالة وجود أو لجوء المتهم بارتكاب الجريمة إلى إقليم دولة أخرى أن تطلب تسليمه لمحاكمته.

إن الدور المركزي للتسليم كآلية من آليات التعاون الدولي في التصدي للجريمة المنظمة عبر الوطنية ومنها جريمة الإتجار بالبشر أمر لا محيد عنه، إذ أنه يمكن المجتمع الدولي من محاولة تدعيم مقاومته لهذا الصنف من الجرائم. ولا يعد التسليم الإجراء الوحيد الذي تعول عليه الدول لتحقيق التعاون القضائي بل ثمة إجراءات أخرى لا تقل أهمية عن مؤسسة التسليم ومنها المساعدة القضائية المتبادلة بين الدول.

  • المساعدة القضائية المتبادلة

يعتبر التصدي لجريمة الإتجار بالبشر من أوكد المسائل التي ترهق كاهل المجتمع الدولي، فالقضاء على هذه الظاهرة الإجرامية ليس بالأمر الهين ذلك أن هذه الجريمة وباعتبارها جريمة منظمة فهي تمتاز بالتوغل والانتشار واتساع نطاق مكوناتها مما يجعل الكشف والسيطرة على الشبكات القائمة عليها أمرا جد صعب. وتزداد هذه الصعوبة تأكدا مع استفادة التنظيمات الإجرامية القائمة على هذا النوع من الإجرام من التطور العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي التي يشهده العالم.

تفرض هذه الوضعية على المجتمع الدولي إن أراد فعلا التصدي للإتجار بالبشر أن ينوع من آليات التعاون، فكلما تنوعت هذه الآليات كلما كانت حظوظها في التصدي لهذه الجريمة المنظمة أوفر، لذلك فإن مؤسسة تسليم المجرمين لا تكفي للقضاء على هذه الجريمة مما دفع لتعزيزها في إطار التعاون القضائي الدولي بالمساعدة القضائية المتبادلة بين الدول.

تتمثل المساعدة القضائية المتبادلة أو كما يصطلح على تسميتها المساعدة القانونية المتبادلة في العملية التي تلجأ إليها دولة عندما تطلب من دولة أخرى تقديم معلومات أو أدلة بغرض إجراء تحقيق أو تتبع قضائي. ونظرا لأهمية هذه الآلية على مستوى التعاون القضائي الدولي فقد أولتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة اهتماما بالغا، حيث تم تكريسها صلب المادة 18 من هذه الاتفاقية، وتعتبر هذه المادة من أطول المواد التي تضمنتها الاتفاقية حيث تضم 30 فقرة.

تخضع المساعدة القضائية المتبادلة بين الدول إلى مجموعة من الشروط الواجب توفرها حتى يتسنى تفعيلها وتطبيقها كآلية للتعاون القضائي الدولي، من ذلك أن الفقرة الأولى من المادة 18 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة تنص على أن “المساعدة بين الدول يمكن أن تتم في إطار التحقيقات والإجراءات القضائية والملاحقات على أن تمد كل منها الأخرى تبادليا بمساعدة مماثلة عندما يكون لدى الدولة الطرف الطالبة دواع معقولة للاشتباه في أن الجرم ذو طابع غير وطني”. كما نجد الفقرة الثانية تنص على أن “المساعدة المتبادلة تقدم بالكامل بمقتضى قوانين الدولة الطرف متلقية الطلب ومعاهداتها وترتيباتها ذات الصلة فيما يتصل بالتحقيقات والملاحقات والإجراءات القضائية المتعلقة بالجرائم التي يجوز تحميل هيئة اعتبارية المسؤولية عنها”. كما تحدد الفقرة الثالثة أغراض المساعدة التي تتمثل في الحصول على أدلة وأقوال من الأشخاص، تحديد مواقع وهوية الشهود والمشتبه فيهم، تنفيذ عمليات التفتيش والضبط، تجميد الأصول، تقديم المستندات القضائية، تحديد أو تعقب العائدات الناتجة عن الجريمة، تقديم المعلومات والأدلة والتقييمات التي يقوم بها الخبراء…”.

تتنوع صور المساعدة القضائية المتبادلة بين الدول ويمكن أن نورد منها على سبيل الذكر لا الحصر: الإنابة القضائية وتتمثل في سماح دولة لدولة أخرى بأن تقوم في إقليمها نيابة عنها بأي إجراء قضائي متعلق بدعوى ناشئة عن جريمة عبر وطنية ومنها جريمة الإتجار بالبشر، وتشمل هذه الإجراءات القضائية سماع شهادة الشهود أو تبليغ الوثائق القضائية أو إجراء المعاينة وفحص الأشياء. ونجد كذلك ضمن صور المساعدة القضائية المتبادلة تسليم الاشياء والعائدات المتحصلة عن الجريمة وأيضا تبادل الأدلة.

إن جريمة الإتجار بالبشر شأنها شأن كل الجرائم المنظمة وخاصة العابرة للحدود منها، تتطلب التعاون القضائي بين الدول سواء من خلال تسليم المجرمين أو من خلال تبادل المساعدة القضائية وذلك لضمان نجاح تتبع الجناة والتحقيق معهم ومقاضاتهم. ولئن كان العزم الدولي متوفرا وسائرا على درب تكريس وتفعيل التعاون القضائي الدولي لمكافحة الإتجار بالبشر، فإن هذا العزم وهذا التكريس يبقى غير كاف لتحقيق غاية التعاون وتفعيله بشكل مناسب، فإرساء التعاون الدولي يبقى عليلا من الناحية العملية وذلك نظرا لاصطدامه واقعا بالعديد من الصعوبات.

الفقرة الثانية: صعوبات التعاون القضائي الدولي لمكافحة الإتجار بالبشر

لا يمكن لمؤسسة قضائية وطنية دون تعاون مع الجهات القضائية الأجنبية أن تتصدى للجريمة المنظمة عامة وجريمة الإتجار بالبشر خاصة، حيث لا يمكنها أن تمارس سلطاتها في الملاحقة والتحقيق والإدانة إلا إذا كان هناك تعاون قضائي دولي فعال بين الأجهزة القضائية لمختلف الدول المعنية بالجريمة.

دفع هذا الأمر بالمجتمع الدولي لتكريس وتفعيل التعاون القضائي بين الدول لمجابهة الإتجار بالبشر، إلا أن هذا التعاون قد شابته محدودية عملية أثرت سلبا على الجهود الدولية الساعية لمكافحة هذه الظاهرة المقيتة وجعلت مظاهرها تتفاقم ووتيرتها تتصاعد خصوصا مع مساهمة التطور التقني والتكنولوجي والمعلوماتي بشكل بارز في دعم إمكانيات الجريمة المنظمة ودعم قدرتها على التوغل والتفشي داخل المجتمعات.

إن تصاعد وتيرة الجريمة المنظمة نتيجة التطور التقني والتكنولوجي والمعلوماتي أسهم بشكل كبير في خلق وإبراز الصعوبات التي تواجه التعاون القضائي الدولي مما كشف عن الوهن الواقعي للأجهزة القضائية وقصورها في السيطرة على الجريمة المنظمة عامة، ولعل من أبرز الصعوبات التي واجهت التعاون القضائي الدولي لمكافحة الإتجار بالبشر والجريمة المنظمة عامة نجد الهشاشة التي ميزت وتميز الضابطة العدلية وكذلك افتقار بعض الدول للإمكانيات التكنولوجية المتطورة واللازمة للتصدي لمثل هذه الجرائم.

  • هشاشة الضابطة العدلية ومحدودية دورها في التصدي لجريمة الإتجار بالبشر

تتفق كل الأنظمة القانونية الوطنية على أن من أخص خصائص الأجهزة القضائية ومن أوكد مهامها تطبيق القانون ومكافحة الجريمة في مفهومها العام بما يعني مكافحتها أيضا للجريمة المنظمة بمختلف أصنافها وأشكالها، وهو ما أكد عليه المجتمع الدولي ودعمه القانون الدولي. وفي هذا الإطار نصت المادة 26 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية على تدابير تعزيز التعاون مع أجهزة إنفاذ القانون، وتتمثل هذه التدابير في:

“1- تتخذ كل دولة طرف التدابير الملائمة لتشجيع الأشخاص الذين يشاركون أو كانوا يشاركون في جماعات إجرامية منظمة على:

أ- الإدلاء بمعلومات مفيدة إلى الأجهزة المختصة لأغراض التحري والإثبات فيما يخص أمورا منها:

* هوية الجماعات الإجرامية المنظمة أو طبيعتها أو تركيبتها أو بنيتها أو مكانها أو أنشطتها؛

* الصلات، بما فيها الصلات الدولية، بأي جماعات إجرامية منظمة أخرى؛

* الجرائم التي ارتكبتها أو قد ترتكبها الجماعات الإجرامية المنظمة؛

ب- توفير مساعدة فعلية وملموسة للأجهزة المختصة يمكن أن تساهم في تجريد الجماعات الإجرامية المنظمة من مواردها أو من عائدات الجريمة.

2-  تنظر كل دولة طرف في إتاحة إمكانية اللجوء، في الحالات المناسبة، إلى تخفيف عقوبة الشخص المتهم الذي يقدم عونا كبيرا في إجراءات التحقيق أو الملاحقة بشأن إحدى الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية.

3- تنظر كل دولة طرف في إمكانية منح الحصانة من الملاحقة لأي شخص يقدم عونا كبيرا في عمليات التحقيق أو الملاحقة المتعلقة بجرم مشمول بهذه الاتفاقية، وفقا للمبادىء الأساسية لقانونها الداخلي.

4- تكون حماية أولئك الأشخاص على النحو المنصوص عليه في المادة 24 من هذه الاتفاقية.

5- عندما يكون الشخص المشار إليه في الفقرة 1 من هذه المادة موجودا في إحدى الدول الأطراف وقادرا على تقديم عون كبير إلى الأجهزة المختصة لدى دولة طرف أخرى، يجوز للدولتين الطرفين المعنيتين أن تنظرا في إبرام اتفاقات أو ترتيبات، وفقا لقانونهما الداخلي، بشأن إمكانية قيام الدولة الطرف الأخرى بتوفير المعاملة المبينة في الفقرتين 2 و3 من هذه المادة.”

كما تنص المادة 27 من نفس الاتفاقية على التعاون في مجال إنفاذ القانون، فنصت على أن:

“1-  تتعاون الدول الأطراف فيما بينها تعاونا وثيقا، بما يتفق والنظم القانونية والإدارية الداخلية لكل منها، من أجل تعزيز فاعلية تدابير إنفاذ القانون الرامية إلى مكافحة الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية. وتعتمد كل دولة طرف، على وجه الخصوص، تدابير فعالة من أجل:

أ-  تعزيز قنوات الاتصال بين سلطاتها وأجهزتها ودوائرها المختصة، وإنشاء تلك القنوات عند الضرورة، من أجل تيسير تبادل المعلومات بصورة مأمونة وسريعة عن كل جوانب الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية، بما في ذلك، إذا رأت الدول الأطراف المعنية ذلك مناسبا، صلاتها بأي أنشطة إجرامية أخرى؛

ب- لتعاون مع الدول الأطراف الأخرى، فيما يتعلق بالجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية، على إجراء تحريات بشأن:

* هوية الأشخاص المشتبه في ضلوعهم في تلك الجرائم وأماكن وجودهم وأنشطتهم، أو أماكن الأشخاص الآخرين المعنيين؛

* حركة عائدات الجرائم أو الممتلكات المتأتية من ارتكاب تلك الجرائم؛

* حركة الممتلكات أو المعدات أو الأدوات الأخرى المستخدمة أو المراد استخدامها في ارتكاب تلك الجرائم؛

ج- القيام، عند الاقتضاء، بتوفير الأصناف أو كميات المواد اللازمة لأغراض التحليل أو التحقيق؛

د- تسهيل التنسيق الفعال بين سلطاتها وأجهزتها ودوائرها المختصة، وتشجيع تبادل العاملين وغيرهم من الخبراء، بما في ذلك، رهنا بوجود اتفاقات أو ترتيبات ثنائية بين الدول الأطراف المعنية، تعيين ضباط اتصال؛

ه- تبادل المعلومات مع الدول الأطراف الأخرى عن الوسائل والأساليب المحددة التي تستخدمها الجماعات الإجرامية المنظمة، بما في ذلك، وحسب مقتضى الحال، الدروب ووسائط النقل، واستخدام هويات مزيفة، أو وثائق مزورة أو مزيفة، أو وسائل أخرى لإخفاء أنشطتها؛

و- تبادل المعلومات وتنسيق التدابير الإدارية وغير الإدارية المتخذة حسب الاقتضاء لغرض الكشف المبكر عن الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية.

2- لوضع هذه الاتفاقية موضع النفاذ، تنظر الدول الأطراف في إبرام اتفاقات أو ترتيبات ثنائية أو متعددة الأطراف بشأن التعاون المباشر بين أجهزتها المعنية بإنفاذ القانون، وفي تعديل تلك الاتفاقات أو الترتيبات حيثما وجدت. وإذا لم تكن هناك بين الدول الأطراف المعنية اتفاقات أو ترتيبات من هذا القبيل، جاز للأطراف أن تعتبر هذه الاتفاقية أساس التعاون في مجال إنفاذ القانون فيما يتعلق بالجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية. وتستفيد الدول الأطراف، كلما اقتضت الضرورة، استفادة تامة من الاتفاقات أو الترتيبات، بما فيها المنظمات الدولية أو الإقليمية، لتعزيز التعاون بين أجهزتها المعنية بإنفاذ القانون.

3- تسعى الدول الأطراف إلى التعاون، في حدود إمكانياتها للتصدي للجرائم المنظمة عبر الوطنية التي ترتكب باستخدام التكنولوجيا الحديثة.”

عموما يتطلب التحقيق والتتبع والملاحقة القضائية في جرائم الإتجار بالبشر متابعة دقيقة لنشاط المنظمات الإجرامية في الداخل والخارج مع ما يعنيه ذلك من تعاون دولي، ويتطلب نجاح هذه العمليات سهر أجهزة الضابطة العدلية على استجماع أكبر قدر ممكن من المعلومات والأدلة ضد كل المتداخلين في الجريمة. كذلك يجب أن يتم تشجيع الضحايا على الإدلاء بشهاداتهم وما لديهم من معلومات أمام السلط القضائية المختصة والتعاون معها على تعقب المجرمين وملاحقتهم حتى تقع محاسبتهم ومعاقبتهم.

مع الأسف، غالبا ما يثبت الواقع العملي إحجام الضحايا على الإدلاء بشهاداتهم ورفضهم التعاون مع السلطات، وذلك لعدة أسباب من ضمنها الخوف من انتقام الجناة والخوف من الوصم الاجتماعي وكذلك انعدام الثقة في السلطات المختصة التي تعتبر غير مؤهلة للتعامل مع ضحايا الجرائم المنظمة عامة.

كما يثبت الواقع العملي ضعف الضابطة العدلية والسلطات المختصة في توفير الأمان للشخص الذي شارك أو كان يشارك في جماعات إجرامية منظمة ويكون قادرا على تقديم معلومات حساسة وعون كبير للأجهزة المختصة قد تمكنها من الكشف عن هوية الجماعات الإجرامية المنظمة أو طبيعتها أو تركيبتها أو بنيتها أو أنشطتها، لذلك يتراجع ويمتنع المشارك في المنظمة الإجرامية عن الإدلاء بكل تصريح يمكن أن يفيد في التصدي للمنظمة الإجرامية وكشفها ويحجم عن التعاون مع السلط المختصة.

بذلك تبرز عمليا محدودية دور الضابطة العدلية في التصدي للجريمة المنظمة ومنها جريمة الإتجار بالبشر، ومما يعمق هذه السلبية التي تميز دور الضابطة العدلية في هذا المجال وهشاشتها النقص الفادح في كيفية تبادل المعلومات سواء على المستوى الوطني أو العالمي وعدم تنسيق التدابير الإدارية والأمنية لغرض الكشف المبكر عن الجرائم ولما لا تفادي وقوعها.

إن هذا القصور الذي يميز عمل الضابطة العدلية والذي يجعل من التعاون الفضائي الدولي قاصرا عن بلوغ مرماه ويحد بشكل كبير من الجهود الدولية الرامية للتصدي للجريمة المنظمة قد يزداد عمقا في بعض الدول التي تعاني افتقارا في الإمكانيات التكنولوجية المتطورة.

  • افتقار بعض الدول للإمكانيات التكنولوجية المتطورة

طال التطور العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي جميع مجالات الحياة الإنسانية، وكان له تأثير كبير وبارز على الظاهرة الإجرامية فمس الجريمة التي انتقلت من طورها التقليدي البسيط إلى طور مركب ومعقد وحديث تجاوزت خلاله الجريمة حدود إقليم الدولة الواحدة لتمتد مكوناتها وآثارها إلى دولة أو عدة دول أخرى.

كما مس هذا التطور المجرم الذي لم يعد يعول في إطار أعماله الإجرامية على الوسائل التقليدية البسيطة، بل أصبح يتخذ من التطور العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي مصدرا للخلق والإبداع على مستوى أدوات ووسائل وطرق التنفيذ الإجرامي ومطية لإنجاح مساره وخططه الإجرامية.

دفعت هذه الأمور بالدول للتعاون فيما بينها والعمل على تعزيز فاعلية تدابير القانون الرامية إلى مكافحة الجريمة المنظمة العبر وطنية عامة وجريمة الإتجار بالبشر خاصة، وأكدت الأمم المتحدة في كل الاتفاقيات المعنية بمكافحة الإتجار بالأشخاص على ضرورة أن تعتمد كل دولة طرف على وجه الخصوص جملة من التدابير الفعالة التي تهدف إلى تعزيز قنوات الاتصال بين سلطاتها وأجهزتها ودوائرها المختصة وإنشاء تلك القنوات عند الضرورة من أجل تيسير تبادل المعلومات بصورة سريعة عن كافة جوانب الجرائم المشمولة بتلك الاتفاقيات، كما ترمي تلك التدابير إلى التعاون مع الدول فيما يتعلق بتلك الجرائم، وترمي لإجراء تحريات حول هوية الأشخاص المشتبه في ضلوعهم في تلك الجرائم وأماكن وجودهم وأنشطتهم ورصد حركة عائدات تلك الجرائم أو الممتلكات المتأتية من ارتكابها، فضلا عن التحريات حول حركة الممتلكات أو المعدات أو الأدوات الأخرى المستخدمة أو المراد استخدامها في ارتكاب تلك الجرائم.

يجب أن نؤكد في هذا السياق على أن جميع هذه الأعمال وكل ما من شأنه أن يكرس التعاون بين الدول من أجل التصدي ومكافحة جريمة الإتجار بالبشر وغيرها من الجرائم المنظمة لا يتطلب فقط العزم والتكريس والقوانين بقدر ما يتطلب توفر إمكانيات مادية حقيقية وذات فاعلية من شأنها تدعيم وتحقيق التعاون الدولي وبلوغ هدفه والنتائج المرجوة من وراءه، وهذه الإمكانيات هي في الأساس إمكانيات تكنولوجية قادرة على مجاراة التطور العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي الذي أصبحت تتغذى منه وتعتمده الجريمة المنظمة، بل يجب أن تكون الدول سباقة في هذا المجال حتى تستطيع التصدي بفاعلية للمنظمات الإجرامية.

في الحقيقة تفتقر العديد من الدول الإمكانيات التكنولوجية التي قد تمكنها من لعب دورها في التعاون الدولي الصاد لجريمة الإتجار بالبشر والجريمة المنظمة عامة، ونفرد بالذكر في هذا الإطار الدول النامية التي تشكو الهشاشة على جميع الأصعدة، فغياب التكنولوجيا وعدم مواكبة هذه الدول للتطورات العالمية في المجال التقني والعلمي والاتصالي والمعلوماتي وغيره من المجالات أمر ثابت لا نقاش فيه، ونلمسه في جميع الأصعدة سواء الحيوية منها أو الثانوية، فهذه الدول تعيش حالة من التخلف التكنولوجي الأمر الذي ينعكس سلبا على التعاون الدولي لمكافحة الجريمة.

 

الكاتب: منير العش، مشروع إنسان… شبه مواطن… حقوقي وباحث في علوم الإجرام، مدافع عن الفئات التي يلقي بها المجتمع في المستنقع دون ذنب ثم يتنكر لها ويعلنها ورما خبيثا …

image_print

تصنيفات: الإجراءات الجزائية,القانون الجزائي وعلوم الإجرام,القانون الدولي الخاص,قسم القانون الخاص,مقالات الرأي