احدث المقالات

لماذا يطالب عدول الإشهاد بإكساء محرراتهم بالصبغة التنفيذية ؟ – بقلم الأستاذة إيمان لحرش عدل الإشهاد بدائرة قضاء المحكمة الإبتدائية بقابس

لماذا يطالب عدول الإشهاد بإكساء محرراتهم بالصبغة التنفيذية؟

 بقلم الأستاذة إيمان لحرش

عدل إشهاد بدائرة قضاء المحكمة الإبتدائية بقابس

تتبوأ مهنة عدالة الإشهاد بتونس مكانة متميزة ضمن المهن القضائية من خلال مركزها المحوري في توفير الأمن التعاقدي  وحماية المراكز القانونية واستقرار المعاملات وتحقيق السلم الإجتماعي والتنمية الاقتصادية،حيث ساهمت الوثيقة العدلية بشكل كبير وعبر التاريخ في التنمية الإقتصادية والاجتماعية بحيث أنها تعطي نبذة تاريخية عن تطور المجتمع وأنسابه والمعاملات العقارية وقيمة العقار في ظرف زمني معين.

فعدالة الإشهاد مهنة متجذرة في التاريخ القديم قدم المعاملات البشرية لتبقى  دفاتر عدول الإشهاد شاهدة أمينة على العصر الذي أنشأت فيه يتم من خلالها تقصي مختلف المهام التي كانت ولازالت تؤمنها مؤسسة الإشهاد العدلي والتي ساهمت من موقع فعال في نشر ثقافة توثيق المعاملات والإحتكام للتشريعات.

واليوم التجربة العملية تقيم الدليل على أهمية هذا المرفق كمساهم في التنمية في جميع المجالات وكمنظم للعلاقات بين مختلف أفراد المجتمع التجربة ذاتها أظهرت دور المهنة كمساعد للدولة تستطيع بواسطته تحصيل مختلف الحقوق الجبائية المترتبة لفائدتها،حيث عبأ عدل الإشهاد عدة فراغات مؤسساتية وكان مقصد الجميع في حال النزاع وحال الوفاق أيضا وكان سندا للدولة في سياستها الجبائية إذ لعب دورا فعالا في إتجاه ربط الدواخل بمركز السلطة السياسية ومن خلال فعله في عملية بناء الدولة المنظمة والحديثة [1].

وهي بذلك تشكل إحدى الدعائم الأساسية لضمان استقرار المعاملات وتشجيع وجلب الاستثمارات، والمساهمة في تحقيق التنمية  الاقتصادية والاجتماعية،ومساعدة القضاء على فض النزاعات والخلافات من خلال تمكينه من وسائل الإثبات.

وفي إطار العمل على مزيد تعزيز هذا الدور لعدالة الإشهاد تتجه اليوم الحاجة لضرورة إكساء  محرارت منتسبيها بالصبغة التنفيذية بما ينعكس إيجابيا على المردود العام للعمل وفقا لأسس علمية قانونية مبنية على أعلى درجات الخلق القويم الذي يعكس النتائج الحقيقية للأداء.

حيث تعرف الصبغة التنفيذية بكونها الأثر المترتب عن صحة الحجة العادلة بعد استيفائها لكافة شروطها الشكلية والموضوعية وعليه فهي امتداد لقاعدة الحجية والثوبيتة التي اكتسبتها في المهد،إذ تعد المحررات الرسمية في بعض التشريعات المقارنة سندات تنفيذية،تخول لذوي الشأن اللجوء مباشرة إلى مصلحة التنفيذ لاستيفاء حقوقهم دون حاجة لاستصدار حكم قضائي بذلك وﺎلمقصود ﺒﻬﺎ ﻓﻲ ﻨظر القانون المعاصر ﻫﻲ:اﻷﺜر الذي ﻴﺘرﺘب ﻋﻠﻰ إﻋﻤﺎل السند التنفيذي  متى توفرت فيه الشروط الموضوعية والشكلية المنصوص عليها في القانون الإجرائي.[2]

وسيعتبر إقرار هذه الآلية خطوة كبيرة من شأنها الحد من تدفق القضايا على المحاكم، حيث أن محررات العدول ستعتبر بقوة القانون سندات تنفيذية، والمختص بتنفيذها مكاتب التنفيذ دون اللجوء للقضاء العام، وفي ذلك يظهر جليا البعد التطويري من حيث ترشيد القضايا المنظورة في المحاكم أو الحد من تدفقها، وهذا سينعكس إيجابا على كفاءة وفعالية أداء المحاكم عموما.

وإن يطالب المنتسبون لمهنة عدالة الإشهاد اليوم بضرورة إكساء محرراتهم بالصبغة التنفيذية فإن ذلك ليس ببدعة ضرورة أنه إجراء يكرس فاعلية ونجاعة الحجة العادلة .

وهو إجراء معمول به في أغلب البلدان فالقانون الفرنسي –مثلا-من خلال المسطرة المدنية أجاز للموثق تسليم نسخ العقود المذيلة بالصيغة التنفيذية ،فجعل بذلك النسخة التنفيذية للعقد الموثق في مرتبة واحدة مع النسخة التنفيذية للحكم القضائي[3] وكذا القانون الليبي والجزائري [4]والمصري[5] وغيرهم من القوانين المقارنة.

ﻓالتوثيق أﺼﺒﺢ ﻓﻲ وﻗﺘﻨﺎ الراﻫن ﻴﻠﻌب دورا ﻫﺎﻤﺎ ﺠدا ﻓﻲ اﺴﺘﻘرار المعاملات وﺘﺤﻘﻴق اﻷﻤن التعاقدي ﺒﻴن اﻷطراف المتعاقدة ﺒﻐض النظر ﻋن ﺠﻨﺴﻴﺎﺘﻬم،وﻫو ﺒﻬذﻩ الصفة ﻗد ﻴﺴﺎﻫم ﺒﺸﻜل ﻜﺒﻴر ﻓﻲ ﺘﻨﻤﻴﺔ وﺠذب اﻹﺴﺘﺜﻤﺎر الوطني واﻷﺠﻨﺒﻲ ،ﻓﻀﻼ ﻋن ﻜوﻨﻪ ﻴﻤﺜل ﻤﻠﺠﺄ  آﻤﻨﺎ لكل المتعاقدين الذين ﻴرﻏﺒون ﻓﻲ ﺤﻤﺎﻴﺔ ﻤﺼﺎلحهم وحقوقهم المادية والمعنوية [6].

ولما كان تحقيق الحكامة القضائية رهين سلوك أيسر المساطر القانونية في أسرع الآجال لتحقيق العدالة فان ذلك مرتبط بضرورة  إصلاح المنظومة القضائية ، توجه وإن تبنته وزارة العدل ببلادنا  فإنه لن يحقق فاعليته ما لم  يتم إيلاء الحجة العادلة بتونس المكانة التي تستحقها،ولن يكون ذلك إلا بخلق آليات قانونية جديدة وإكساء محررات منتسبيها بالصبغة التنفيذية ليواكب بذلك الفكر القانوني التونسي التشاريع المقارنة ويوسع من دائرة السندات التنفيذية  حتى تشمل أيضا محررات عدول الإشهاد.

وفي كل ذلك تخفيف للعبء على المحاكم وذلك بتقليص عدد المنازعات إذ تضفي على عقود وتصرفات ذوي الشأن الصيغة التنفيذية لإنفاذ العقود دون حاجة للجوء القضاء مما سيوفر الوقت والجهد والتكاليف المالية عليهم مما سيكون له أثر إيجابي على الحركة الاقتصادية والتجارية بما تضفيه  هذه الآلية من  حمائية للعقود وللتصرفات الموثقة.

 ومن الضروري التأكيد على أن المطالبة اليوم بتعزﻴز ﻤﻜﺎﻨﺔ الحجة العادلة ﺒﻴن ﺴﺎﺌر السندات التنفيذية و ﻤﻨﺤها القوة التنفيذية، سيكون لغاية تسهيل المعاملات المالية والإقتصادية  بين الأفراد والحفاظ عليها دون المساس أو خرق  القانون، لكن إذا نشب نزاع ﺒﻴن طرﻓﻲ العقد أو طرأ أﻤر ﺤﺎل دون ﻤواﺼﻠﺔ التنفيذ ﻓﺈﻨﻪ ﻴﻤﻜن ﺘﻌطﻴل القوة التنفيذية التي  ﻴﺘﻤﺘﻊ ﺒﻬﺎ و وﻗف ﺘﻨﻔﻴذﻩ طﺒﻘﺎ للقانون إلى  حين الفصل في النزاع.

    هذه  الآلية ستخفض من كلفة التحصل على الحقوق ومن مدة التقاضي  وهو ما يمثل مصلحة أكيدة للمواطن التونسي وضرورة يفرضها واقع المعاملات اليوم ،هذا المواطن الذي تكاد حقوقه تهضم من جراء المدة المهولة التي تتطلبها عملية الفصل في ملفاته وكذلك لجهاز العدالة الرازح تحت مئات الآلاف من الملفات التي يمكن حلها  بالقوة التنفيذية .

  وبناءا على ما تم بسطه تطرح جملة من الإشكاليات :لماذا يطالب عدول الإشهاد اليوم بإكساء محرراتهم بالصبغة التنفيذية؟ ما مدى نجاعة هذه الآلية القانونية؟  أين تكمن فاعلية هذه التقنية في إيصال الحقوق؟؟؟

لن تكون الإجابة عن جملة التساؤلات المطروحة بالأمر البسيط -بل هي نسبية في جميع الأحوال –سيتوجب أولا تحليل مبررات منح القوة التنفيذية للحجة العادلة (في جزء أول)ثم بيان أهمية هذه الآلية القانونية في تحقيق أعلى درجات الأداء والنجاعة القضائية والسرعة في التوصل بالحقوق وذلك من خلال التعرض لنموذجين من العقود(جزء ثاني).

الجزء الأول :  أساس خضوع الحجة العادلة للسند التنفيذي:

هناك إتجاه يرى أن إضفاء القوة التنفيذية  على العقود التوثيقية أساسه الخضوع اﻹرادي  للمدين  بمعنى رﻀﺎء المدين المسبق ﺒﺎلتنفيذ ﻀدﻩ ﺒﻤﻘﺘﻀﻰ العقد الموثق وﺨﻀوﻋﻪ للتنفيذ الجبري  ﻓﻲ ﺤﺎلة عدم وفائه اختياريا  ﺒﺎﻹلتزام  الثابت  في العقد ،وهذا الخضوع مفترض بمجرد إتباع أشكال معينة ودون اللجوء للقضاء[7].

وهناك اتجاه ثاني ﻴرى أن صفة الموثق ﻓﻲ ﺤد ذاﺘﻬﺎ ﻫﻲ التي ﺘﺒرر منح القوة التنفيذية للسندات التي يحررها ﻓﻬو ﻴﻤﺎرس ﻤﻬﺎﻤﻪ طﺒﻘﺎ للقانون و ﻴراعي اﻹﺠراءات التي ﻀﺒطﻬﺎ ﻤﻤﺎ ﻴؤدي إلى الثقة ﻓﻲ ﺘﺄﻜﻴدﻩ للحق، ﻓﻬو ﻴوﺜق التصرف ﺒﻌد التأكد ﻤن ﻫوﻴﺔ اﻷطراف وﺼﻔﺎﺘﻬم، ﺜم ﻴﻘوم ﺒﺘﻼوة العقد ﻜﺎﻤﻼ ﻤﺒﻴﻨﺎ آﺜﺎرﻩ القاﻨوﻨﻴﺔ وﻏﻴر ذلك ﻤن اﻹﺠراءات بصورة تؤكد وجود الحق دون الإلتجاء إلى المحاكم .[8]

إن الغاية من إضفاء الصبغة التنفيذية على العقد التوثيقي وإعتباره سندا تنفيذيا قائما بذاته  هو تنفيذ ما تضمنه العقد من التزامات  بين طرفيه ،وإتباع الدائن لإجراءات التنفيذ الجبري ضد المدين المتعنت الرافض لتنفيذ الالتزامات بصفة طواعية وذلك بصفة مباشرة دون الحاجة للجوء إلى القضاء والمطالبة بتثبيت الحق الموضوعي الذي يدعيه  لأنه ثابت أصلا في العقد التوثيقي.

وفي فرنسا  يعود  للأمر الملكي الصادر بتاريخ 02 أوت 1708 الذي أعطى للموثقين ﺴﻠطﺔ وﻀﻊ ﺨﺎﺘم التنفيذ على العقود التوثيقية التي يحررونها.

ويرجع ذلك إلى ميل الأفراد إلى توثيق معاملاتهم في عقود توثيقية تتمتع بالصيغة التنفيذية ويتم إنجازها في وقت قصير أفضل من اللجوء للقضاء لإستصدار حكم قضائي وإجبار المدين على التنفيذ ولكن بعد طول  الإجراءات وعناء كبيرين وفي ذلك ضياع للوقت والمال معا مما يؤدي إلى خسائر فادحة يصعب تداركها لاحقا .

وقد تواصل العمل بذلك لليوم الحالي.

وﻴﻌﻠل ﺒﻌض الشراح اﻹﺤﺘﻔﺎظ ﺒﻬذا اﻷﺜر ﺒﻤﻘولة أن المدﻴن الذي ﻴﻠﺘزم ﺒدﻴن أﻤﺎم الموﺜق ﻴﻌﺘﺒر أﻨﻪ ﻗد ارﺘﻀﻰ ﺒذلك وﻤﻨﺢ داﺌﻨﻪ ﺴﻨدا واﺠب التنفيذ ﻔ ﺒﻬذا الدين،وﻴﻌﻠل البعض اﻵﺨر ذلك ﺒﺄن اﻹلتزام الذي ﻴﺤﺼل التعهد ﺒﻪ أﻤﺎم الموثق ﻴﺒﻠﻎ ﻓﻲ الثبوت والتحقق درﺠﺔ ﺘﻐﻨﻲ الدائن ﺒﻪ ﻋن إﺜﺒﺎﺘﻪ ﺒﺴﻠوك طرﻴق التقاﻀﻲ الوعر بإجراءاته الطويلة وأوﻀﺎﻋﻪ المعقدة ﻋﻠﻰ أن ﻴﺒﻘﻰ للمدﻴن الحق ﻓﻲ أن ﻴﻠﺠﺄ ﻘﻀﺎء ﻤﻌﺘرﻀﺎ ﻋﻠﻰ إﺠراء التنفيذ الجبري ﻋﻠﻴﻪ ﻜﻠما رأى وجها لذلك.[9]

                أخلص للقول بأن ضرورة إضفاء الصبغة التنفيذية على محررات عدول الإشهاد اليوم هو وليد لواقع  يفرض نفسه بسبب متطلبات المرحلة الحالية وأمام تنامي حاجيات الأفراد ونمو التعاملات المالية فيما بينهم مما يفترض معه إنشاء قواعد  جديدة تتماشى مع هذا التطور وتواكب مستجداته الراهنة.

   وجعل عدل الإشهاد شخصا يوفر عدالة وقائية تشارك العدالة الرسمية  في تحصين حقوق الأفراد وتأمين ركائز السلم القانوني والعدالة الوقائية داخل المجتمع،وبالتالي تحقيق الأمن التعاقدي وإشاعته بين  الأطراف المتعاقدة ،والذي يعتبر فيه عدل الإشهاد ركنا هاما  في تحقيق  التنمية ورافد من روافد تشجيع الاستثمارات الأجنبية  والوطنية و تخليق التجارة التعاقدية وإستقرار المعاملات  .

وعليه  لزاما إخضاع  أعمال عدل الإشهاد  للصبغة التنفيذية في محاولة لتفعيل العمل التوثيقي يحقق به الموثق عدل الإشهاد أحسن نتائج في ضمان حقوق المتعاقدين.

     الجزء الثاني: الصبغة التنفيذية للحجة العادلة: آلية قانونية وبامتياز لتحقيق النجاعة لقضائية وسرعة التوصل بالحقوق

يتفق الجميع بأن العدالة مكلفة ومعقدة الإجراءات وفي أحيان كثيرة بطيئة وإن كان رجال الفكر والقانون يتفقون على ضرورة وجود عدالة سريعة وفعالة فقد كان من الأجدر أولا التطرق إلى مكامن الخلل في المنظومة القانونية وإصلاحها ،ولعل أكبر خلل أن الحجة العادلة في تونس هي حجة رسمية عرجاء بحيث يتحدث القانون المنظم لمهنة عدالة الإشهاد وهو القانون عـ60ــدد لسنـــ1994ـــة  والمؤرخ فــ23ـي  ماي 1994 عن حجية العقود دون تقرير القوة التنفيذية لها على عكس ماهو معمول به في كافة الدول التي أخذت بنظام التوثيق في العالم.

وتعد تقنية الصبغة التنفيذية للمحررات عدول الإشهاد آلية قانونية ترمى وبامتياز لسرعة توصل الأفراد بحقوقهم بأقل التكاليف وفي أقصر الآجال ولتبسيط هذا التقنية سيتناول  هذا المقال دراسة نموذجيين من العقود وهما :كتائب الاعتراف بدين وعقد الكراء

كتائب الاعتراف بدين:

تفاقمت في السنوات الأخيرة ظاهرة المماطلة في سداد الديون  فالكثير عانى من مماطلة بعض مدينيه واستهتارهم، وضاعت بسبب ذلك الكثير من  الحقوق وفوتت المنفعة لا فقط على صاحب الحق وإنما  أيضا على مصلحة المجموعة عامة  ضرورة  أن هذه الحالات قد تبعث بإشارات غير مطمئنة  للمستثمر سواء كان تونسيا أو أجنبيا وتقلل من الثقة بسوق الإستثمار وهو ما ينعكس سلبيا على النمو الإقتصادي للبلاد.

    فالأصل أن ترصد العديد من الضمانات القانونية تخول لذلك المستثمر سرعة التوصل بحقوقه في صورة هذه المماطلة وذلك لتحفيزه على مزيد الإستشمار  بما يساهم في دفع عجلة التنمية بالبلاد،عوضا أن يضطر للجوء إلى المساطر القضائية من أجل التنفيذ، الشيء الذي يتطلب مجهودا كبيرا ووقتا طويلا ويشكل سببا لإرهاق الأطراف فقد يطول أمد النزاع بينهم.

وفي كل ذلك تبقى الأموال خارجة عن دائرة التعامل وهو ما يحدث ضررا بالاقتصاد الوطني الذي يقوم على سرعة التداول لتحقيق الربح.

وتبعا لذلك تتعزز الدعوة إلى البحث عن سبل أنجع وطرق أسرع لإرجاع الحقوق إلى أصحابها ومعالجة جملة الإشكاليات المذكورة سلفا ولا يكون ذلك إلا بإقرار الصبغة التنفيذية للكتائب المحررة لدى عدول الإشهاد إن كنا فعلا  نطمح إلى أن تتحول تونس إلى ساحة للإستثمار الدولي.

إن هذا الإجراء سيشكل نقلة نوعية مهمة جداً،و سيقضي على الكثير من الإشكالات إذا تم تفعيل ذلك كما يجب، وسيختصر الكثير من المراحل والإجراءات والوقت على صاحب الحق المشروع، ويقلل من درجة الضرر الواقعة في حقه، وكذلك سيحد كثيراً من عبث المماطلين وإضرارهم بأصحاب الحقوق المالية، وتفويت منفعة الربح عليهم، ويحفز المستثمرين على مزيد الإستثمار.

ومن الضروري التأكيد أنه ليس كل كتب موثق يصلح لأن يكون سنداً تنفيذياً. ﺇﻥ السند التنفيذي ﻴﻭﺼﻑ ﻋﻠﻰ ﺃﻨﻪ “ﻜل ﻋﻤل ﻗﺎﻨﻭﻨﻲ ﻴﺅﻜﺩ ﻭﺠﻭﺩ ﺤﻕ ﻤﻭﻀﻭﻋﻲ للدائن ﺠﺩﻴﺭ بالحماية التنفيذية”[10] ﻭﺇﻨﻤﺎ ﻴﺠﺏ ﺃﻥ ﺘﻜﻭﻥ للحق الذﻱ ﻴﺘﻀﻤﻨﻪ ﺨﺼﺎﺌﺹ ﻤﻤﻴﺯﺓ ﺘﺠﻌﻠﻪ ﺠﺩﻴﺭﺍ بتلك الحماية .

 الخصائص الواجب توفرها في الكتب حتى يكون سندا تنفيذيا.

1- تحقق وجود الحق : يجب أن يكون الحق المشمول بالعقد محقق الوجود بمعنى أن يكون المدين قد أقر وصرح وأشهد على نفسه أنه ملتزم للدائن بدين،  كما يجب أن يكون هذا الدين غير متنازع فيه لا من حيث وجوده أو مضمونه،

وفي تحديد طبيعة الالتزامات في العقود التوثيقية  يذهب الرأي الغالب في الفقه إلى أن وجود هذا العقد يجعل الحق الذي يحتويه محقق الوجود طالما أنه محدد فيه لأن إبرام العقد عمل قانوني مؤكد لوجود الحق الثابت فيه [11] .

2- أن يكون الحق معين المقدار: لا بد أن يقع في الحجة العادلة المعدة كسند تنفيذي تحديد الحق الموضوعي المعين    المقدار الذي يجري التنفيذ عليه. فيكون التنفيذ المباشر إذا كان محل الحق مبلغا ماليا أو شيء مثلي أما إذا كان الحق الموضوعي يتمثل في التزام بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل فإن التنفيذ غالبا ما يكون غير مباشر.

وتظهر أهمية تعيين المقدار تطبيقا للقاعدة الشرعية التي تقضي أن لا يأخذ الدائن أكثر من حقه ولذلك يتعين أن يكون هذا الحق محددا تحديدا دقيقا.[12]

3-أن يكون حال الأداء: من الثابت أن المطالبة بالوفاء بالحق تبقى رهينة لحلول أجل الأداء وعليه لا يجوز التنفيذ قبل حلول أجل الدين سواء كان أجلا قانونيا أو اتفاقيا أو قضائيا [13].

فلا يمكن الاحتجاج على المدين بالتزام على عاتقه دون حلول أجله لأنه قبل أن يصبح الحق حال الأداء لا يوجد حق واجب الاقتضاء أو مخالفة للالتزام بعمل أو الامتناع يسمح للدائن بممارسة التنفيذ الجبري لاقتضائه[14].

وعليه فالحجة العادلة يجب أن تقوم صحيحة بكامل شروطها وشكلياتها وإجراءاتها القانونية ويجب أن يتوفر الحق ولا بد من تحقق وجوده وحلول أجل الوفاء به ليكون سندا تنفيذيا بحد ذاته، يمكن للدائن من اقتضاء حقه بموجب الحجة العادلة كسند تنفيذي جبرا على المدين دون الحاجة لاستصدار حكم قضائي.

أخلص للقول بأن مهنة عدالة الإشهاد في تونس ستبقى أداة من أدوات ضبط المعاملات واستقرارها في إطار تكريسها لمفهوم العدالة في مفهومها الواسع ،ثم أن أي ضعف يصيب هذه المهنة سيؤدي بدوره لاختلال المعاملات  وارتفاع حجم المنازعات وهو ما سيؤثر على سير النمو الإقتصادي والاستثمار بها.

كما من الضروري الإشارة  إلى أن ﺘﻤﺘﻊ محررات العدول بهذه القوة التنفيذية ليس  ﻤطﻠﻘﺎ وﻻ ﺨﺎليا ﻤن أي ﻗﻴد أولا شرط  ﺒل ﻻﺒد ﻤن ﺘوﻓر الشروط القانونية المذكورة سلفا  وإلا فإنه ﺴﻴﻜون ﻋرﻀﺔ للطعن ﻓﻴﻪ ﻤن طرف ﻜل ذي ﻤﺼﻠﺤﺔ، وﻫو ﻤﺎ ﻴؤدي ﺒﺎلضرورة إلى ﺘﻌطﻴل ﻗوﺘﻪ التنفيذية إلى حين الفصل في الطعن، ﻓﺈذا ﺜﺒت ﺘوفر كل الشروط المذكورة اﺴﺘﻌﺎد العقد ﻗوﺘﻪ التنفيذية،لكن إذا ثبت وجود عيب أو خلل  ففي هذه الحالة ﻴﺘوﻗف ﺘﻨﻔﻴذ العقد ﺒﺼﻔﺔ ﻨﻬﺎﺌﻴﺔ.

*في عقود الكراء( التسويغ ):

هناك تصور خاطئ لدى  العامة مفاده أن مجرد التنصيص صلب العقد على أن بنود العقد تنفذ دون حاجة للجوء للقضاء هو كافي لعدم اللجوء للقضاء واللجوء مباشرة للتنفيذ وهذا  خطأ شائع  فالصيغة التنفيذية  هي الطريق الوحيد  لذلك .

وقد يبرم عقد تسويغ بين طرفين طرف أول بصفته مسوغ (مؤجر) وطرف ثاني بصفته متسوغ (مستأجر)ويحدث أن يخل أحدهما أو كلاهما بالإلتزامات الواردة في عقد التسويغ.

وعليه يلجئ الطرف المتضرر للقضاء لطلب تنفيذ بنود العقد ويتكبد عناء ذلك الكثير من الوقت والجهد والمال تصرف كلها بين مكاتب المحامين وأروقة المحاكم ليتحصل بعد ذلك حكم.

ولأنه لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ عليه لابد من تنفيذ ذلك الحكم بإستصدار نسخة تنفيذية منه ليتكبد مزيدا من عناء .

لكن لو تم تحرير عقد التسويغ لدى عدلي إشهاد، ولو يقع إكسائه بالصبغة التنفيذية-مثلما نطالب بذلك اليوم – فإن ذلك يضمن له تنفيذ العقد دون اللجوء إلى المحاكم وفي ذلك سرعة في إيصال الحقوق لأصحابها في أسرع وقت لأن “العدالة البطيئة تقتل الحق” .

هذه القوة التنفيذية لمحرراتنا التي نطالب بها تمكن من استقرار المعاملات وتفادي اللجوء إلى المساطر القضائية من أجل التنفيذ، الشيء الذي يتطلب مجهودا كبيرا ووقتا طويلا ويشكل سببا لإرهاق الأطراف فقد تطول الخصومة القضائية بينهم.

وحتى يلجئ أحد الأطراف العلاقة التسويغية إلى إستخدام عقد التسويغ كسند تنفيذي  يجب عليه أولا إعلام  الطرف الآخر  بالسند التنفيذي قبل الشروع في التنفيذ  وبعد الأعلام يحق لطالب التنفيذ اللجوء لمكتب عدل تنفيذ تابع للمحكمة الواقع بدائرتها العقار محل التسويغ  لإتخاذ إجراءات التنفيذ وفقا لما يجري عليه العمل  كما لو كان  لدى طالب التنفيذ حكما قضائيا.

ولابد من كتابة العقود المذيلة بالصبغة التنفيذية  بعبارات واضحة وجازمة حتى لا يخضع إلى تفسيرات مختلفة تؤدي في النهاية أيضا إلى اللجوء للقضاء.

إن عقد التسويغ  المكسى بالصبغة التنفيذية يكون له قوة  السند التنفيذي وعليه يخضع لذات الأحكام  المقررة للسندات التنفيذية

                ماهي الحالات التي يستخدم فيها المتسوغ عقد التسويغ كسند تنفيذي؟

1      -صورة إنتهاء مدة عقد الكراء وإمتناع المستأجر عن تسليم العين : فقد يحدث أن تنتهي مدة عقد الإيجار ويرفض المستأجر الخروج  من العين رغم أن العقد نص على وجوب تسليم العين  المؤجرة عند نهاية  مدة عقد الإيجار يجب في هذه الصورة أن تكون بنود العقد متضمنة أثر التسليم للعين عند نهاية العقد  وأن لا توجد منازعة حول تجديد العقد مثل جملة (…قابلة للتجديد مرة أخرى ).

فالمسوغ لا يجوز له إخلاء المتسوغ وإستلام العين عند نهاية مدة العقد إذا كان العقد متضمن بند تجديد للعقد لمدة أخرى .

2-صورة إمتناع المستأجر عن دفع معينات الكراء وتضمن العقد بند ينص على أنه يحق للمؤجر طلب الفسخ فيحق للمؤجر طلب تسليم العين كأثر مترتب على الفسخ بمعنى أنه إذا تأخر المستأجر عن الوفاء بدفع معينات الكراء الشهري  جاز للمؤجر أن يطلب إخلاء المستأجر من العين المؤجرة جبرا إذا كان العقد متضمنا جزاء الفسخ  والإخلاء في حالة عدم السداد أو التأخر في الوفاء بالأجرة.

3-.صورة طلب فسخ العقد لإخلاء المستأجر بأي بند من بنود العقد:ومثال ذلك ترتيب الفسخ كجزاء على إخلاء المستأجر بالالتزام الواقع عليه بعدم تغيير غرض إستعمال العين المؤجرة  أو إحداث تغيرات بها  أو التصرف في العين دون موافقة الأجير.

وتتعدد الشروط والأحكام وتختلف  الصور لكن في جميع الصور فإن عقد التسويغ  إذا كان يتضمن الحق المراد تنفيذه والجزاء المترتب عن الإخلال بالتزام معين كان كالحكم القضائي تماما.

بعض الحالات التي يستخدم فيها المتسوغ عقد التسويغ كسند تنفيذي:

-للمتسوغ أن يطلب  التمكين من الإنتفاع من العين المؤجرة بكافة مقوماتها (التسليم….).

صورة طلب إجراء ترميمات ضرورية.

صورة منع تعرض المسوغ والغير للمتسوغ في الإنتفاع بالعين

كذلك الحال بالنسبة للمستأجر له أن يلجأ ومباشرة  لطلب تمكينه من الإنتفاع بالعين المؤجره إذا حال المؤجر بينه وبين ذلك  ويمكن الإستئناس في وضعية الحال بموقف فقه القضاء الجزائري: فبالنسبة للعقود التوثيقية المتضمنة إيجار عقار ذو طابع سكني أو تجاري  فإن المحكمة العليا  قضت بما يلي :” إن عقد الإيجار السكني أو التجاري المحدد المدة هو سند تنفيذي يمكن المؤجر بعد انتهاء مدة الإيجار و بعد الحصول على نسخة تنفيذية من الموثق، محرر العقد، مباشرة إجراءات إخلاء الأماكن ، بدون إنذار سابق من المؤجر[15].

اليوم دعوة إلى توسيع دائرة السندات التنفيذية  لتشمل  الحجة العادلة المحررة من طرف عدلي إشهاد،ضرورة أنه إجراء من شأنه أن يعزز من شأن قواعد الثقة بسوق إيجار المساكن، وهو ما يحفز المستثمرين على الدخول للسوق العقاري.

      الخاتمة:

          أختم بالدعوة لضرورة التسريع بالنظر في مشروع قانوننا يستجيب لتطلعاتنا وطموحاتنا  بإقرار الصبغة التنفيذية لمحرراتنا،يكون في قالب قانوني حديث ليكون أداة فعالة في تحقيق السلم القانوني وإرساء دعائم العدالة الوقائية بتونس

كما من الضروري التأكيد على أنه لابد من بلورة تصور شامل لمهنة عدالة الإشهاد كما يجب لها أن تكون على نحو يصون كرامة العدل ويحمي حقوق المتعاقدين وبما ينعكس إيجابيا على أداء عدل الإشهاد لمهامه على الوجه الأمثل، وينعكس إيجابيا على المردود العام للعمل على أسس علمية قانونية مبنية على أعلى درجات الخلق القويم الذي يعكس النتائج الحقيقية للأداء.

وحتى لا تكون الهوة كبيرة بين الواقع وبين طموح النص القانوني الجديد لا بد من قانون يواكب متطلبات المرحلة ويدعم ويقوي دور عدل الإشهاد في ضبط المعاملات وتوثيقها./

بقلم الأستاذة إيمان لحرش

عدل إشهاد بدائرة قضاء المحكمة الإبتدائية بقابس


 

[1]   نرجس دبش :الإشهاد العدلي بتونس شهادة على العصر 1875-1876 بحث لنيل شهادة الماجستير في التاريخ الحديث ،كلية العلوم  الإنسانية والإجتماعية بتونس سنـ2007ـة  طبع شركة فنون الرسم والنشر والصحافة مارس 2010 صفحـ145ـة.

 [2]   د.أحمد خليفة شرقاوي ،القوة التنفيذية للمحرر  القانونية ،دار شتات للنشر و ا ، مصر ، سنة ،2011 الموثقة دراسة مقارنة ،دار الكتاب   صفحة351.

[3]  ينص الفصل 502 من قانون المسطرة المدنية الفرنسي على ما يلي :

« Nul jugement, nul acte ne peut être mis à exécution que sur présentation d’une expédition revêtue de la formule exécutoire       ,     à moins que la loi n’en dispose autrement ».

[4]  ونظم المشرع الجزائري في قانون الإجراءات المدنية والإدارية في الكتاب الثالث التنفيذ الجبري للسندات التنفيذية ومن هذه السندات العقود التوثيقية بموجب المادة 600  /ف11 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية التي تعتبر بدورها من الأعمال القانونية التي منحها القانون قوة السند التنفيذي،ليساوي بذلك المشرع الجزائري  العقود الثوثيقية بالأحكام    القضائية من حيث درجة التنفيذ.

[5]  القانون المصري نفس الموقف فنص في المادة الثانية من قانون التوثيق المصري على أن من مهام مكاتب التوثيق “وضع الصيغة التنفيذية على صور المحررات الرسمية الواجبة التنفيذ”وهو الموقف الذي دعمه من خلال المادة 280 من قانون المرافعات المصري.

  [6]  دكتور بن عمار مقني، مهنة التوثيق في القانون الجزائري ،دار الجامعة الجديدة الإسكندرية مصر 2013  ،صفحة 07

  [7]  د فتحي والي: التنفيذ الجبري دار النهضة العربية القاهرة  الطبعة 1971 ص95.

[8]   -2 د أحمد مليحي التنفيذ وفقا لنصوص قانون المرافعات معلقا عليها  بآراء الفقه وأحكام  النقض مكتبة دار النهضة العربية  القاهرة   توزيع دار الفكر العربي،صفحـــ213ـة.

[9] –  د. عبد العزيز خليل إبراهيم بريوى قواعد وإجراءات التنفيذ الجبري والتحفظ دار الفكر العربي، الطبعة الثانية 1980 صفحة 101،102 .

   أحمد خلاصي، قواعد وإجراءات التنفيذ الجبري، منشورات عشاش، الجزائر، (ب.س ط. ) ، ص81 .[10]

[11]  أحمد خلاصي، مرجع سابق ص 46.

[12] عمار بومزراق ،المبسط في طرق التنفيذ، دون دار النشر، (ب.س ط. ) ،ص34.

[13]    محمد حسنين، التنفيذ القضائي وتوزيع حصيلته،مكتبة الفلاح، الكويت، (ب.س )ط. ، ص 61.

[14]   . أحمد خلاصي، قواعد وإجراءات التنفيذ الجبري، منشورات عشاش، الجزائر، (ب.س ط. ) ، ص54

  15 – قرار صادر  بتاريخ 20/02/2014 ملف رقم 921219 (قرار منشور في مجلة المحكمة العليا  لسنة 2014 عدد 2 صفحة 165).

image_print

تصنيفات: عدول الاشهاد,قسم المهن القانونية