احدث المقالات

حق المتهم في الصمت بقلم الأستاذ إبراهيم شخاري الباحث في علم الإجرام

حق المتهم في الصمت 

بقلم الأستاذ إبراهيم شخاري الباحث في علم الإجرام

إن الاختيار بين الصمت أو الكلام هو من ابسط حقوق المتّهم وحرياته الأساسية دون أيّ مسّ بسلامته الجسديّة والنفسية بما لا يضرّ بحقوق الدفاع كما هو من  اوكد  ضمانات المحاكمة العادلة. ونميّز في هذا المجال بين الصمت ألعمدي أو المتعمّد والصمت الطبيعي , فالصمت المقصود هنا هو الصمت ألعمدي الذي يكون فيه صمت المتهم مقصودا , أي انّه يمتنع عن الإجابة عن الأسئلة الموجّهة إليه من قبل المحقق أو القاضي وذلك بمحض إرادته , دون أن يكون هناك أي عائق صحي أو عاهة طبيعية[1]. وليس الصمت الطبيعي الذي يعني الحالة التي يكون فيها المتهم مصاب بعاهة أو إعاقة يعجز معها عن الكلام كالمنتمي إلى الصم والبكم.

 بالعودة للأساس التاريخي لهذا الموضوع تتجسّم لنا الطبيعة القبليّة والطبقيّة التي كانت سائدة قديما بين العبد والسيد. فالعبد لا يتكلّم حتى يتألم[2]على اعتبار انّه متاع تابع لممتلكات السيد وآلة تجبر على الكلام بالخضوع للتعذيب القاسي… مجتمعات قديمة كالمجتمع الروماني  اعتبرت الإدانة هي الأصل والصمت جريمة كبرى وهي عدوى تعدّت إلى القرون الوسطى التي اعتبرت التعذيب أساس الاعتراف إلى أن كان المنعرج مع منتصف القرن 18حيث هاجم فلاسفة التنوير كفولتير ومنتسكيو كلّ ضروب المعاملات القاسية والاّانسانية.

وتدعّمت هذه المواقف مع إعلان حقوق الإنسان و المواطن المؤرّخ في 27 أوت 1789 و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المؤرخ في 10 ديسمبر 1948 . أما الشريعة الإسلامية فقد سمت بالإنسان و احترمت فيه فكره, جسده وكرامته فاعتبرت أن الصمت حق أساسي للمتهم مما يجعل من البراءة هي الأصل.

لهذا الموضوع أهمية عملية تتجسم خاصة في ضرورة احترام حق المشتبه فيه في الصمت وتطبيقه منذ الوهلة الأولى التي تمّ فيها إيقافه. والدعوة إلى تمسّك المضنون فيه بهذا الحق.

 لهذا الموضوع أيضا أهمية آنية منبتها ما يعيشه المواطن التونسي بوجه خاص والمواطن العربي بوجه عام من صعوبة التواصل مع المؤسسات الأمنية والقضائية وحاجز الخوف الساكن في الأذهان والذي مبعثه خاصة البنية التحتية المزرية لهذه البناءات أولا وطبيعة المعاملات الفوقية ثانيا و انعدام الثقة ثالثا . مما يحيلنا إلى التساؤل عن كيفية تعامل الفقه والقانون مع حق المتهم في الصمت؟

للإجابة عن هذا الإشكال سنتعرض في فقرة أولى إلى التباين الفقهي في تناول هذا الموضوع  وفي فقرة ثانية إلى التعامل التشريعي مع هذا الحق.

فقرة اولى : التباين الفقهي .

في إطار توفير الضمانات اللازمة للمتّهم  أو بعبارة اصحّ للمشتبه به أو للمظنون فيه .ذهب -الفقه الى مسلكين متعارضين بين تأكيد الحق في الصمت وتأييده (ا) وبين دحضه ورفضه (ب) . وكل ّمسلك في ذلك له مؤيداته وحججه . 

ا-الشق المؤيد : ذهب جانب من الفقه إلى تأييد  الحق في الصمت فرأى في جبر المتهم على الكلام هو جبر على الكذب ونطق بما ينافي الحقيقة والحال أنّ الحق في الصمت يستمدّ قوته من مبدأ آخر لا يقلّ أهمية وهو اعتبار المتهم برئ حتى تثبت إدانته ومن القاعدة الفقهيّة لا ينسب لساكت قول . إذا هي رخصة قانونية أعطاها القانون للمتهم للدفاع عن نفسه بل إلى أكثر من ذلك جاز اليوم الحديث عن حق المشتبه فيه في الكذب.وهو ما دحضه الشق الرافض لهذا الحق .

ب – الشق الرافض : يرى جانب الفقه المعارض لهذا الحق أن الصمت يعارض رغبة العدالة في بلوغ الحقيقة ويصطدم حتما بحق المجتمع والعدالة في الإثبات وإظهار الحقيقة , وحق المجتمع هو حق عام . فلا يجوز تجاوزه للإقرار بوجود حق خاص بشخص من هذا المجتمع[3] . ترى هذه النظرية أن الشخص الذي يمتنع عن التصريح يستحق العقوبة التي يحددها القانون و يجب أن تكون قاسية و ذلك لتعبئة الناس كي يسارعوا إلى إعطاء الدولة ما تستحقه للنهوض بتحقيق العدالة و الوقوف في وجه المجرمين.[4] انّ الصمت بهذا المعني يكون بمثابة الاعتراف.

عموما فانّ الشق المؤيد لهذا الحق هو الغالب فالمتهم له مطلق الحرية لاختيار الطريقة الملائمة لدفاعه تجاه المؤيدات القائمة ضده و لو كان ذلك بملازمة الصمت من خلال الامتناع عن الإجابة [5]. فلا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلا في حالة التلبس أو بقرار قضائي، ويعلم فورا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة إليه، وله أن ينيب محاميا. وتحدد مدة الإيقاف والاحتفاظ  بقانون [6].

يتضح مما سبق أن حق المتهم في الصمت يتأرجح فقهيا بين الإلغاء والإبقاء لكنّه على المستوى التشريعي يشهد مسارا مغايرا. لذلك نتساءل عن الجهود الدولية والوطنية في تكريس هذا السلوك الايجابي؟.

فقرة ثانية : المسار التشريعي

إن دراسة المسار التشريعي لحق المتهم في الصمت يستوجب النظر أولا إلى مختلف التناول التشريعي لهذا الحق على المستوى الدولي وثانيا على المستوى الوطني .

ا-على المستوى الدولي : يعتبر الحقّ في الصمت أو الكذب من الحقوق التي نصّت عليها الإعلانات والصكوك والمعاهدات الدولية  التي غلّبت قرينة البراءة فكلّ شخص متّهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمحاكمة علنيّة تؤمّن له فيها الضمانات الضروريّة للدفاع عنه [7].  هذا الحق مضمون  في الإتنفاقية الأوروبية و محدد بوصفه حقًا مستقلا في لوائح المحكمتين الدوليتين بيوغوسلافيا ورواندا، كذلك النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية[8] .

هذا الحق كرّسته القوانين الوضعية فباستثناء بعض المقاطعات السويسرية فان اغلب التشريعات أقرت بحق المتهم في الصمت من ذلك تلزم المادة 114 من قانون الإجراءات الفرنسي قاضي التحقيق بتنبيه المتهم إلى حقه في الصمت .أيضا برز هذا الحق خاصة في القانون الأمريكي  مع تحذير أو حقوق أو قانون ميراندا المتهم بتهمة خطف واغتصاب فتاة والذي أقرت المحكمة سنة  1966 بحدوث انتهاك لحقوقه الدستورية في دعواه ضدّ ولاية اريزونا وأقرت بإلزامية تلاوة الشرطة الأمريكية لهذا النص بمجرّد إلقاء القبض على المشتبه فيه “يحقُ لك التزام الصمت , أي شيء ستقوله من الممكن أن يُستخدم ضدك في محكمة قانونية …”

ب- على المستوى الوطني : ذهب المشرع التونسي إلى إقرار حق المضنون فيه في اللجوء للصمت من ذلك تغليب الفصل 74 من مجلّة الإجراءات الجزائية لهذا الحق حيث نصّ : “إذا امتنع ذو الشبهة عن الجواب أو أظهر عيوبا تمنعه وليست فيه فإنّ حاكم التحقيق ينذره بأن البحث في القضية لا يتوقف على جوابه وبنص على هذا الإنذار بالمحضر”. ويدعّم الفصل 69 من نفس المجلّة هذا الحق بتنصيصه انّه  ” يثبت حاكم التحقيق هوية ذي الشبهة عند حضوره لأول مرة ويعرفه بالأفعال المنسوبة إليه والنصوص القانونية المنطبقة عليها ويتلقى جوابه بعد أن ينبهه بأن له الحق في ألا يجيب إلاّ بمحضر محام يختاره وينص على هذا التنبيه بالمحضر “.

إن الحق في الصمت يصبّ فعلا في مصلحة المتّهم على اعتبار انّه إحدى وسائل الدّفاع خلال مختلف مراحل الدعوى الجزائية وتجسيدا لمبدأ قرينة البراءة. إن أصل البراءة يعني أنّ القاضي وسلطات الدولة كافّة يجب عليها أن تعامل المتّهم، و تنظر إليه على أساس أنّه لم يرتكب الجريمة محلّ الاتهام ما لم يثبت عليه ذلك بحكم قضائي نهائي غير قابل للطعن[9] .

 يجد الحق في الصمت سنده وأسسه في دستور 2014 بالفصل 27 الذي بنصّ أن  “المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة تُكفل له فيها جميع ضمانات الدفاع في أطوار التتبع والمحاكمة” والفصل 29 الذي يعتبر انّه  “لا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلا في حالة التلبس أو بقرار قضائي، ويعلم فورا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة إليه، وله أن ينيب محاميا. وتحدد مدة الإيقاف والاحتفاظ بقانون”.

ما يمكن ملاحظته في هذا المجال أن هذه الإجراءات تدعّمت مع تنقيح وإتمام بعض فصول مجلة الإجراءات الجزائية من خلال القانون عدد 5 لسنة 2016 المؤرخ في 16 فيفري 2016 والذي دخل حيز التنفيذ بداية من غرة جوان 2016  والذي يعتبر مكسبا حقيقيا لما قدّمه من ضمانات حقيقية ترمي إلى تحقيق العدالة الجزائية.

 لكن ّهذا الحق يعاني في بلدي كما يعاني في اغلب دول العالم الثالث ويعيش عدّة انتهاكات انطلاقا من التعذيب المسلطّ على ذي الشبهة قصد سحب الاعترافات منه بلوغا إلى جهاز كشف الكذب والتخدير والتنويم المغناطيسي وكل ّ ضروب تغييب الإرادة والحركة وتوجيه سلطة على جسده لسحب أفكاره وأفعاله ومخططاته. وخاصة حالة الخوف والارتباك التي تنتاب ذي الشبهة بمجرّد وقوفه للمسائلة فتتغيّر ملامحه ويتعكّر مزاجه فتحوم حوله أفكار وأفكار يبحث من خلالها عن المخرج الرئيسي للخروج من هذا المأزق فيدور حوار داخلي مشتّت بين اعتماد نصائح احد الموقوفين الذين تعرّف عليهم وتبادل معهم الحوار والتسامر . او نصائح عائلته قبل التحفّظ عليه ..في النهاية تخرج كلمات يتيمة مركّبة فيها جانب من الحقيقة وجانب ممزوج بالتوليج .في هذا الموقف بالذات نحتاج رسالة اطمئنان وراحة نفسية نبثّها داخل المضنون فيه  وهنا نتحدّث عن حقه في الصمت وحقّه في الكذب . فالمتهم غير مجبر على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بالذنب وان يلتزم الصمت دون أن يدخل هذا الصمت في الاعتبار لدى تقرير الذنب او البراءة [10].

لكنّ الواقع مغاير لذلك تماما …

 فعن أيّ صمت نتحدّث ؟ ….السنا في حاجة للكلام أكثر من الصمت ؟

الحلم يراودني في بلدي وكلّ الدول العربية أن ندخل قسم الشرطة وقسم التحقيق كما ندخل إحدى البنوك أو احدي المؤسسات الرّاقية التي تفرض الاحترام والتقيّد بنظام عمل خاص بها وتتميّز بأناقة موظفيها ولباقتهم وذكائهم وخطابهم الراقي وحيادهم وحداثة تجهيزاتها وبنيتها التحتية…

 وأخيرا ما يسعنا إلا تبني هذه الشعارات الثورية التي تصرخ وتقول : ” نتكلّم ولا نتألم “. ” ننطق ولا نستنطق”

.حلم عربي يسحب الاعتراف بكلّ سلاسة واحترام ألا ترى المتحيّل الذي يسحب من بين يديك متاعك ونقودك بمجرّد خزعبلات يستعملها …ألا ترى كيف يسافر بك الشاعر في عالمه الوهمي بمجرّد كلمات ويجعلك تعيش بين المعاني وتسكن القصور وتقطف ثمار الجنّة وأنت جالس في كرسيّ بلاستيكيّ في إحدى مقاهي العاصمة. إنها إيحاءات وعلامات تدعّم  المحاكمة العادلة وإحدى الضمانات الأساسية لحقوق المواطن العربي في مرحلة ما قبل المحاكمة.وفي مرحلة وظرفية جديدة يشهدها المواطن العربي ويعيشها في إطار سياسة التصالح والمشاركة التي يتبناها المواطن والأمني بصفة عامة للخروج بالوطن نحو الحرية.

                             إبراهيم شخّاري , باحث في علم الإجرام

[1]  علي حسن الطوالبة , حق المتهم في الامتناع عن الكلام (الصمت) في التشريعات الجنائية المقارنة , مركز الإعلام الأمني البحريني , ص 3.

[2] – عادل عبد الحفيظ , قرينة البراءة ومبدأ حرّية الإثبات , رسالة ختم الدروس بالمعهد الأعلى للقضاء ,  تونس 2002-2003 .

[3]– علي حسن الطوالبة , مرجع سابق , ص 3.

[4]  D’après. Alec MELLOR Les Grands Problèmes Contemporains de L’instruction Criminelle – Paris – Domat Montchrestien1952-P233.

[5] – سفيان بالصادق , اعتراف المتّهم , رسالة ختم الدروس بالمعهد الأعلى للقضاء , السنة الدراسية 2002-2003 . تونس ,

 ص 124.

[6] – الفصل 29 من الدستور التونسي الجديد .

[7] – المادة 11-1 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المؤرخ في 10 – 12- 1948 .

[8]  ضاري خليل محمود وباسيل يوسف،المحكمة الجنائية الدولية ه، يمنة القانون أم قانون الهيمنة،منشأة المعارف ط. د، ، الإسكندرية، 2008 ، ص 451.

[9] – محمّد سليم العوا : في أصول النظام الجنائي الإسلامي ، القاهرة ، دار المعارف ، ط.2 ، ص 243 .

[10] – ضاري خليل محمود ، المحكمة الجنائية الدولية  هيمنة القانون أو قانون الهيمنة ، مطبعة الزمان ، بغداد ، 2003 ، ص362

image_print

تصنيفات: الإجراءات الجزائية,القانون الجزائي وعلوم الإجرام,المكتبة القانونية,تقارير ومنشورات,جديد الاصدارات,قسم القانون الخاص