احدث المقالات

دور الجنس في الحفاظ على أسرة السجين لضمان نجاح عملية التأهيل بقلم الباحث منير العش

دور الجنس في الحفاظ على أسرة السجين لضمان نجاح عملية التأهيل

الباحث منير العش
تزعزع تجربة السجن من منظور أقارب النزيل استقرارهم النفسي وتأثر على تنظيم حياتهم اليومية وإدارة علاقاتهم الاجتماعية، إضافة إلى مساسها بهويتهم الاجتماعية والشخصية. كذلك هناك حقيقة إنسانية مفادها أن العيش يعني ربط العلاقات وأن نكون معا، فكل شخص يكون غير كامل ويتآكل بسبب النقص، فعدم وجود علاقات عاطفية وجنسية مع الشريك المرغوب يمكن أن تصبح معاناة يومية.
عموما قد يؤدي السجن إلى إحداث انهيار الروابط الأسرية وهذا يشكل تهديدا للغاية العقابية القائمة أساسا على التأهيل لإعادة الإدماج، فتجربة السجن يجب ألا تؤدي إلى عزل الشخص عن عائلته، وجدران السجن لا يمكن أبدا أن تكون عقبة أمام التيارات العاطفية بين الرجل وزوجته والأطفال، لذلك إذا كان الرجال والنساء قادرين أثناء وجودهم في السجن على الحفاظ على الروابط مع عائلاتهم، فإنه سيتم الحد من الآثار الضارة للسجن وعلى الأرجح تسهيل إعادة إدماجهم في المجتمع بعد الإفراج عنهم من خلال ما للأسرة من دور في تحقيق تأهيل النزيل.
الفقرة الأولى: دور الجنس في المحافظة على الرابطة الأسرية للنزيل
يتأثر القرين والأبناء كثيرا من حبس النزيل، إذ يخضعون للعديد من التمثيلات المهينة والنمطية وغالبا ما يرتبطون مع صور من الابتذال والخطورة، علاوة على ذلك، كثيرا ما يتهمون بالتواطؤ أو المسؤولية عن الأعمال المجرمة التي ارتكبها النزيل، إنهم يعانون اللامبالاة الأخلاقية للمجتمع تجاه المذنبين وأكثر من ذلك تجاه أقاربهم. بذلك يكون السجن ظرفا طارئا يطبع رحلة حياة أسرة النزيل، فهو يكسر البديهي في حياتهم اليومية، ويعيد رسم حياتهم، ويضعف أمنهم الوجودي الذي يعد أساسيا لحفظ الذات في المجتمع الحديث.
إذا فالسجن يؤثر بشدة على عائلة النزيل مما قد ينعكس سلبا على الغاية التأهيلية للعقوبة السالبة للحرية، لذلك وجب العمل على التخفيف من تأثير السجن على الشريك بمعنى قرين النزيل وكذلك التخفيف من هذا التأثير على الأبناء، ويلعب الجنس دورا رياديا في تحقيق هذه الغاية.
أ‌- التخفيف من تأثير السجن على قرين النزيل
بالنسبة لمعظم الناس، أن يعلم أن قرينه قد تم إيقافه فإن ذلك يمثل صدمة كبيرة، عدة أزواج لا يعرفون شيئا عن عالم القضاء والسجون قبل أن يجدوا أنفسهم في مواجهة معه، على الرغم منهم، إنه طريق محفوف بالمشاعر والأحداث من جميع الأنواع، من ذلك ما ينتابهم من شعور بالعار، أو إحساس بالذنب، أو القلق، أو العزلة، إلخ.
وفي هذا المستوى لا أحد في مأمن من أي شيء، حيث لا يمكن معرفة متى الكارثة ستضرب، إنها ثقيلة جدا لتحمل عواقبها، الخوف والخجل والعزلة والقلق والرفض والغضب، تعاش كلها من قبل القرين عندما يتم سجن قرينه. فهو يجد نفسه بمفرده، مع نفسه، دون أي شخص يتحدث معه، يسارره…
تبدأ معاناة القرين منذ لحظة إيقاف قرينه، إذ يعاني لا سيما صعوبة الحصول على معلومات خلال فترة الإيقاف، فخلال هذه المدة، لا يتم ابلاغ أي معلومات له حول المدة، الحالة الصحية للشخص الموقوف، فيما هو متورط بالتدقيق… هذه الأوقات من الصمت مؤلمة جدا ومقلقة لإنسان في حالة صدمة.
ومما يزيد الوضعية سوء اكتشاف طريقة عمل السلطة القضائية، الدخول إلى عالم القانون هو مثير للقلق لقرين يجهل كيفية التصرف مع العدالة فهو يواجه إجراءات لا يفهمها، طريقة عمل ومفردات لا يتقنها، تبدو العدالة غامضة، وضعف المساعدة يساهم في مزيد دعم الشعور والإحساس بالاحتجاب.
كذلك نادرا ما يتم إبلاغ هذا القرين بالتقدم في ملف التحقيق، وذلك باسم الإجراءات القانونية والسرية، فتمتلك القرين الرغبة في أن يستمع إليه من قبل القضاة، لكن عدم وجود اتصال وأوجه القصور في المعلومات المتحصل عليها تساهم في الاحساس بالعجز وتنميه.
إضافة إلى كل هذا فإن عنف عملية البحث ومسها أحيانا بفضاء الحياة الخاصة، تجعل القرين يشعر بأنه مشتبه به بينما خصوصياته منتهكة، مما يولد شعورا بالعار وضغط يوجه إلى انعدام الأمن مما يدفع للحط من المعنويات التي تنقب البنى النفسية للأفراد.
إن أحداث خارجية خطيرة مثل تجربة السجن يمكن أن تخل بالتوازن الآمن الشخصي وكذلك الزوجي، ففي ظل هذه الظروف كلا القرينين يعاني بالفعل، المعاناة تنمو بشكل مستمر متغذية من التواجد في حالة عدم القدرة على أن يهتما ببعضهما البعض، مما يسبب شدة الألم إضافة للطبيعة المعقدة والمتناقضة للمشاعر الناتجة عن تمزق حميمية الزوجين. إن عيش تجربة السجن يتطلب من شريك النزيل قوة داخلية والثبات لمواجهة مثل هذا الاضطراب.
إذا كان سجن شخص يسجله في وقت محدد في قطيعة مع الحياة التي كان معتادا عليها في السابق، فإنه يؤدي أيضا بقرينه إلى إعادة تعريف وقته وحياته حيث تجربة السجن هي تجربة زمن حتى بالنسبة له، فخلال هذه المحنة يفقد قرين النزيل السيطرة التامة على وقته ويواجه العديد من القيود الناشئة مباشرة عن العمل القضائي والسجني التي يواجهه.
يشكل حبس القرين للقرين الآخر نقطة انطلاق لسرد قصة ذاتية ورحلة حياة تنبض بسرعة عالية، وتمثل حدثا بارزا يخلق متنافرات متعددة، معرفية وعاطفية ومادية، قائمة على الألم والتساؤل حول الوضع الظالم الذي وجد فيه، خصوصا وأن العلاقة الزوجية يجب عليها التكيف مع مجموعة جديدة من القيود التي تشكل صعوبة في التواصل، أو حتى الفهم، والخوف من المستقبل والألم من الانفصال، إلخ. مع الإشارة في هذا المستوى أن السجن يؤدي إلى تغيير في أدوار الأسرة التقليدية وأدوار الجنسين خصوصا إذا كان النزيل هو الرجل، إذ تكتسب المرأة الاستقلال والرجل يفقد الحكم الذاتي، لذلك خوفا من أن يفقد المكانة الذي جرت العادة على أن تمنح له ولإعادة التوازن، فإن الحل الذي يتبعه هو الإيهام وفرض الإحساس بأن له سلطة على حياة شريكه، مع الإشارة إلى تعدد الأدوار فيما يتعلق بالمرأة عندما تعمل وتكون مسؤولة عن بيت وعن رعاية أطفالها وتلبية مطالب الزوج والصعوبة التي تنشأ في هذا المجال.
من المؤكد يتقبل الأزواج المنفصلين لأسباب مهنية البعد المادي الذي غالبا ما يخدم التقدم الاجتماعي للأسرة، لكن على العكس من ذلك، في سياق تجربة السجن الفصل مؤلم، لا سيما وأنه لا تقابله منافع مالية أو حراك اجتماعي مجزي. إن هذا الفصل يخلق فراغا يزعزع استقرار الحياة اليومية مما يدفع لإعادة تنظيم الصفوف، فالسجن يزعزع التقسيم المضبوط للأدوار الأسرية والاجتماعية، من ذلك أن إيداع الرجل السجن يعيد تقسيم المهام بين المذكر والمؤنث، وتحتل النساء مؤقتا على الأقل وظائف اجتماعية وأسرية وعزت عادة للرجال، وهو لا يخلو من عواقب على العلاقة مع النزيل.
في سياق مصيبة السجن التي ألمت بالأسرة، قد يحظى قرين النزيل بدعم من البيئة العائلية وخاصة من أبويه، وقد تكون المساعدات مالية، وقد يكون الدعم أيضا متمثلا في قائمة خدمات لوجستية، وأخيرا قد يكون الدعم النفسي. إلا أن هذا الدعم الذي يتلقاه قرين النزيل قد يخلق لديه الشعور بفقدان الاستقلالية، لكن الظروف المادية والحاجة هي الحكم في مثل تلك المحنة خاصة بالنسبة لزوجة النزيل، إذ قيامها بدور الأم والعائل الوحيد في الأسرة لا شك أن من شأنه إيجاد مشكلة اقتصادية بالغة الصعوبة للأسرة. مع العلم أن هناك من النساء خاصة من توقفن عملهن أو تستقلن، رغبة في أن يكن متاحين للزيارة التي تكون أوقاتها تتعارض مع القيود التي تفرضها الحياة العملية في بعض الأحيان، وصعوبات الربط بين العمل والقيام بالزيارات تبرز أكثر حدة عندما تكون المسافة بين المنزل والسجن كبيرة، ويجب الإشارة إلى أن هناك من الزوجات خاصة من يغادرن وظائفهن بسبب أنهن لم يعدن في حالة بدنية وعقلية تسمح لهن بمواصلة نشاطهن.
وفي إطار حديثنا على الدعم المعنوي، يجب أن نشير إلى المعتقد الديني للأفراد باعتباره دعما أساسيا لبعض الأزواج لتمكينهم من الصمود، إذ يتم اعتماده على أنه يقين عن وجود القدر وأن هذه المحنة ليست إلا ابتلاء وامتحان، فالإيمان الديني بصفة عامة يقلل مشاعر الوحدة لأنه يوفر الشعور بالانتماء إلى جماعة المؤمنين ويعطي انطباعا بأن المؤمن دائما برفقته قوة إلهية التي نسميها بمصطلح الله.
عموما خلال تجربة السجن، يسعى القرينين لاختراع استراتيجيات لمواصلة التعايش والتواصل، بالرغم أنه قد يبدو من التناقض أن نطلب مسألة الثقة والتآزر بين اثنين حيث يقبع أحدهما في السجن، إلا أنه سيكون من الخطأ أن نجعل من قرين النزيل غير صبور وغير متضامن، فدائما هناك أولئك الذين يختارون التضامن والبقاء مع الحبيب متجاوزين الانتظار المؤلم والممل والطويل. مع التأكيد خاصة أنه عندما يدخل أزواجهن السجون، النساء يعبرن عن القلق إزاء المستقبل والصعوبات المادية التي يواجهونها، سلسلة من القضايا العالقة، المادية وكذلك الشخصية.
وفي هذا المستوى المتعلق بالتضامن، الزوجات خاصة غالبا ما يبررن اختيارهن للشريك، وفي نهاية المطاف وفائهم، على النحو التالي: “أنا لم اختره رجل عصابة، وأنا أحب زوجي، وليس العدد السجني”، كما أن زوجة النزيل تجيب بشكل غير مباشر على الآراء المسبقة التي تجرد الجاني من جميع أدواره الاجتماعية والأسرية بالقول: ” كونه مجرم لا يعني أنه ليس زوجا صالحا وأبا جيدا”.
إن السجن يسبب الانفصال الحاد بين النزيل وقرينه، انفصال يعني قطع العيش المشترك، انفصال يقطع مع الحميمية الزوجية والعاطفية، انفصال يؤدي أيضا فقدان حرية التبادل واللقاء متى يرغب الأطراف، انفصال صعب جدا على القرين في الحد الذي لم يتم اختياره أو التفاوض عليه على عكس الحالات الاجتماعية الأخرى، فعندما يتم إيقاف المذنب فكسر الحياة المشتركة يكون مفاجئا وعنيفا حتى بالنسبة لأولئك الذين يخشى سجنهم.
بالإضافة إلى ألم الفراق والوحدة، هناك القلق الذي يأسر كيان القرين من معرفة أن قرينه محتجز في ظروف معيشية من المفترض أنها مؤلمة جدا وخطيرة، فهو قلق للغاية حول ما يمكن أن يحدث للنزيل، مخيلته حول السجون وثبات الحدود بين الداخل والخارج تغذي التوتر لديه، فمخاوف القرين حول ما يعيشه النزيل متعددة، إنه يخشى من الاعتداءات الجسدية بين النزلاء وسوء المعاملة من موظفي السجن تحت الإفلات من العقاب، هذا غالبا ما يعتقده، أيضا الفزع من العنف الذي يمكن أن يوجهه النزيل لنفسه، صحة النزيل هي مصدر قلق دائم، والخوف من عدم إبلاغه من قبل سلطات السجن إذا كان هناك مشاكل تزيد قلقه، لذلك قبل كل زيارة يقلق حول الحالة التي سيجد فيها النزيل ويدقق خلال الزيارة في العلامات التي تمكن من تقييم مستواه البدني والنفسي.
علاوة على ذلك، هناك الخشية من الآثار الضارة للسجن على النزيل، فالقرين يستنكر لا سيما قلة النشاط في المؤسسة السجنية ويخشى اللقاءات السيئة، فهو يتقاسم الصورة الاجتماعية المنتشرة بشكل كبير المتمثلة في أن السجن مدرسة الجريمة، وهكذا يخشى أن السجن يعزز التوجه الإجرامي لمن يزور ويساهم في تنمية احترافه.
كل هذه الضغوط تجعل من تجربة السجن مثلما تؤثر على جسد النزيل، فإنها تصل أيضا جسد القرين، فحالته الصحية تتدهور، الألم الأكثر شيوعا هو اضطراب النوم، فقدان أو زيادة مفرطة في الوزن، مشاكل الضغط… البعض يصبح متهالكا نتيجة لانخفاض الضغط الناتج عن التعب الشديد، والبعض الآخر على العكس، عصبي جدا ويعاني من الضغط العالي بشكل غير طبيعي، هناك إرهاق بدني شديد ناتج عن صعوبة النوم وعدم إيجاد وقت فراغ، الرحلات إلى السجن والقلق المستمر هي أيضا عوامل إرهاق.
وحتى زيارة النزيل وإن كانت في ظاهرها لحظة راحة إلا أنها في باطنها عامل أساسي في تعكير صحة ونفسية الزائر، فصالة الاستقبال هي لحظة ألم وإحباط خصوصا مع معرفة الصعوبات التي يمر بها الزوار من ممر تملؤه الكآبة إلى انتظار لفترات طويلة وما إلى ذلك.
بالإضافة إلى ذلك، حركة المرور في الممرات، التي في كثير من الأحيان مظلمة وقمعية، للانضمام إلى صالات الزيارة تتسبب بانتظام في عدم الراحة خصوصا خلال الزيارة الأولى، ويعلو شعور بعدم الاعتبار عندما، على سبيل المثال، غرفة الانتظار قبل الوصول إلى صالة الاستقبال لا تحتوي على مقاعد كافية تكفي جميع الزوار.
كذلك هناك التوترات بين القرين الزائر والمشرفين على المؤسسة العقابية نتيجة المواجهة المتولدة عن منطق الطوارئ للزائر والمنطق الروتيني لعون السجون، فهناك شعور بعدم الاحترام يشعر به الزائر في علاقته مع عون السجون يغذيه الشعور بأن هذا الأخير لا يقدر حالته. إضافة لكون وجوبية الخضوع إلى مجموعة من تدابير الرقابة والمراقبة تعتبر بالنسبة للقرين الزائر علامة على أن الادارة تشتبه فيه بدوره، مما يولد لديه الشعور بالاشتراك مع النزيل في جرمه. علاوة على ذلك، فإن تدابير المراقبة تحث على فقدان الخصوصية مما يغذي انطباعه بالتجريد من الإنسانية.
وتتفاقم المواجهة المنطقية بين الطوارئ والروتين من خلال حقيقة أن المشرفين على المؤسسة السجنية غالبا ما يكونون غير قادرين على الاستجابة لحالة وطلبات الزائر، وفي الواقع في كثير من الحالات، إيجاد حل لطلب الزائر لا يتوقف على هؤلاء المشرفين، وبالتحديد أعوان السجون، بالرغم من أنهم أول من يستقبل الطلبات، هذا هو الحال مثلا عندما يسأل القرين متى يتلقى رخصة الزيارة، المشرفين يعبرون عن قلة الحيلة، عدم الاستجابة يعتبر مثل الرفض من قبل القرين، هذه التجربة تنمي الشعور بأنه يتم تجاهل طوارئه، وبالتالي الشعور بالتجاهل من قبل المؤسسة، ظهور عجز المشرفين يساعد أيضا على بناء تصور عن السجن كمؤسسة استبدادية لا أحد يستطيع أن يجد معها مخرجا.
الفقر العلائقي الكبير في العلاقات بين المشرفين على المؤسسة السجنية والأقارب عموما يولد أيضا لدى القرين الشعور بالاستبعاد، الشعور بأنه خارج المنطقة المشتركة، خصوصا أنه غالبا ما ينتظر من هؤلاء المشرفين العمل مع مزيد من التعاطف. وحتى إذا كانت الاتصالات جيدة وحتى ودية، فالعلاقات هي بالضرورة محدودة وغير متوازنة وقصيرة، وهذا يجعل القرين دائما يشعر بعدم الاحترام. هذا الوضع يؤدي حتما إلى الإقصاء المتبادل بين الطرفين، خصوصا مع علاقة القوة التي هي طبيعية وغير ملموسة، والتي تعتبر الحارس أو المشرف الفاعل ويأخذ القرين الزائر على أنه شيء أو آلة أو بربري. هذا يخلق حتما أوضاع مهينة للقرين، تؤجج مشاعر الازدراء والإهمال وفقدان الاعتراف المثبت في علاقاته مع موظفي السجن.
تجربة الاحتقار تأتي أيضا من الإطار المعماري للسجون، الجدران الصادمة والحالة المتردية لبعض صالات الاستقبال وكذلك عدم وجود التهوية وعدم وجود الطلاء أحيانا على الجدران والسقوف، أيضا عدم وجود مصدر للمياه مع أنه لا يمكن للزوار أن يذهبوا إلى صالون الزيارة مع زجاجة ماء، كذلك عدم وجود المراحيض، ولا ننسى غياب تكييف الهواء مما يجعل الجو يصبح بسرعة لا يطاق خاصة في الصيف، كل هذا يعتبر من قبل القرين علامات عدم احترام.
كذلك لا ننسى في هذا المستوى، أن القرين يدين الأوساخ بقوة في صالات الاستقبال وغرفة الانتظار، حيث انعدام النظافة يدهور بشكل كبير الصورة الذاتية ويشكل تعديا عنيفا على كرامة الزائر عموما، مع الشعور بأن السلامة الجسمية ملوثة، وهذا يزيد من الشعور بالتجريد من الإنسانية.
يجب أيضا التأكيد على أن جهل أسلوب عمل السجون وعدم معرفة كيفية التصرف، يجعل القرين يستحضر كل الطبيعة المثيرة للقلق عند لقاءه مع السجن الذي يمثل عالم آخر، إذ يجد نفسه في حالة من سوء الفهم حيث أن عليه أن يفهم قواعد ومعايير هذه المؤسسة، إنه في موقف متناقض بالانتماء وعدم الانتماء إلى المؤسسات العقابية التي تقع في فجوة بين الداخل والخارج، الجهل بكيفية نظام السجون ومشكلة التوجيه يزيد بشكل كبير من الإجهاد الذي يعاني منه القرين.
ومما يزيد من آلام أقارب النزيل بشكل أعم النظر إلى تدني مركزهم في التمثيل الجماعي، فأصعب أمر عندما يسجن قرينك أن تشعر أن دائرتك الاجتماعية تنحل، أن ترى علاقاتك تندثر، أصدقائك وعائلتك وجيرانك وزملائك يباعدون زياراتهم بشكل متزايد أكثر فأكثر، مكالماتهم تقل أكثر فأكثر، إلى أن يتركونك جميعا وحدك، عندها تبدأ حقا العزلة، تسير في الشارع وتسمع الناس يتهامسون من وراء ظهرك، تدرك أن لن يتم دعوتك في أي مكان وتفهم أنك دائما ستتناول الطعام وحدك انطلاقا من الآن، إنه وضع مؤلم للغاية.
يجد قرين النزيل نفسه موضوع أحكام تحط من القدر ويشتبه فيه أو يتهم بأنه المسئول الأول عن الفعل المرتكب، هذه الصورة الاجتماعية المهينة تساهم في التخفي الاجتماعي وذلك بعزل هذا القرين واستبعاده أو الاستبعاد الذاتي بسبب العار، فكثيرا ما يرتبط مركز قرين نزيل مع صور من الابتذال ونقص التعليم أو الضعف الفكري وغالبا ما يظهر بأنه حالة اجتماعية. هذا القرين وفي مواجهة الصور الاجتماعية المحقرة الموجهة من قبل الآخرين، يشعر أن السجن يعين له مكانة اجتماعية متدهورة، على هذا النحو، فهو يعيش اختبارا للهوية بسبب الفجوة بين هويته الافتراضية وهويته الاجتماعية الحقيقية.
عموما غالبا ما يتجلى الاستبعاد الاجتماعي ويترافق مع تمزقات علائقية، وهنا ثمة اتفاق بين عدد كبير من الباحثين على أن قرين النزيل يواجه مثل هذا الموقف على إثر إيداع النزيل السجن، فشبكة العلاقات مع الأصدقاء والعائلة يعاد تكوينها، إذ يمكن أخذ القرين في منطق الإقصاء، أو عزل نفسه من تلقاء نفسه إذا خشي من تدمير هويته بالنسبة للآخرين وانتابه شعور بأن لا يكون مفهوما من قبل المحيطين به، الانسحاب يكون في بعض الأحيان ردا على حكم الآخرين فيما يتعلق بالنزيل، فالاختلاف حول دعم النزيل يمكن أن ينال من علاقات القرين الذي يمكنه قطع بعض العلاقات عندما لا يستطيع تحمل انعدام اهتمامهم بقرينه النزيل أو عدم دعمهم له.
إن القرين يعيش تجربة سجن قرينه بكثير من الألم وبشعور قوي بالعار، هذه التجربة تنتج إعادة تحديد عميقة لكيفية تفكيره وكيف يرى العالم، إنها نقطة تحول متشعبة في حياته، التغييرات في هويته الشخصية والاجتماعية ترتبط دائما بكسر يبدو كصراع لتقديم نفسه مما يسبب الشك في هويته، السجن يخلق تحويلات هوية مؤلمة بالنسبة خاصة للقرين الذي يفشل في تنفيذ عملية التعويض بإيجاد حالة بديلة وتبسيط التجربة.
وما يزيد الوضع تأزما الشعور بأنه وقع التخلي عنه من جميع الأطراف الفاعلة، المؤسسات الاجتماعية والقضائية والإصلاحية التي لا تتساءل حول ظروفه المعيشية والنتائج المترتبة على الإدانة على عائلة النزيل عموما، هناك أسف لعدم وجود الدعم المالي الذي يسمح بتعويض خسارة الأجر أو تساعد على دفع تكاليف رحلات الذهاب إلى السجن، إضافة لغياب فضاء للدعم النفسي، هذا يدفع القرين للاعتقاد أن مشاكله لا تعتبر مستحقة للحل لأنه هو نفسه لا ينظر إليه بوصفه يستحق الدعم.
يجب أن نشير أن هناك من الأزواج من ينتابه شعور بالذنب لأنه حر خارج أسوار المؤسسة العقابية، وذلك ناتج عن شعوره بعدم القدرة على الوفاء بمهمته وأسفه الشديد لعدم تمكنه من معاينة تصرف الزوج والحياد دون ارتكاب الجرم، ويترجم هذا الشعور بالذنب بأن يمنع القرين على نفسه أي لحظة سعادة بما أن قرينه المسجون لا يمكنه أن يستفيد من هذه المتع. ويمكن تشبيه هذه الصورة بحالة الأفراد الذين نجوا من معسكرات اعتقال أو الأشخاص الذين نجوا من حادث أو هجوم إرهابي قتل فيه عدة أشخاص، هؤلاء يعانون من الشعور بالذنب للبقاء على قيد الحياة خصوصا إن كان بين الضحايا أحد أقرباءهم.
كذلك قد نجد نفس الشعور بالذنب عند القرين الذي يعتقد أن قرينه بريء ولكن لم يكن لديه ما يكفي من الموارد للاحتجاج والدفاع عن نزيل مظلوم، فالانتماء إلى وسط اجتماعي يقوم على الحرمان يجعله من ذوي تجربة تقترب من التجربة القتالية، السجن بالنسبة له هو مأساة غير متوقعة، ظلم ليس لديه ضده أي وسيلة لإسماع صوته.
وجود الشعور بأنه يواجه مؤسسة جبارة، يجعل القرين يعتقد أنه ليس لديه أي قوة وأي هامش لا للفعل ولا لردة الفعل، فالمعركة تبدو خاسرة سلفا، حيث الأسلحة تم توزيعها بطريقة غير متساوية بالمرة. القرين مقتنع أن الإدارة السجنية لا يمكن أن تتغير حتى وإن اعتمد موقف قتالي، وهو دائم الخوف على رخصة الزيارة أن يتم تعليقها أو سحبها باسم مبدأ الأمن بعد ملاحظة احتجاجية منه، كذلك الخوف من أن يضر موقفه التطلبي والاحتجاجي بالنزيل، إنه يخشى أيضا أن يؤدي سلوك غير منقاد لنقل النزيل إلى سجن بعيد عن مقر سكناه.
كل هذا طبعا لا يمنع القرين من أن يقوم بتحويل وضعه من الفرد المعاني إلى الفرد الساطي، وذلك بالسعي للحصول على بعض التحكم في الأحداث وفي اضطرابات حياته من خلال إيجاد الموارد اللازمة المادية والمعنوية ليرتد إلى الوراء وينتشر من جديد، فيستعيد المعنى من اللامعنى، وهكذا يعيد تعريف الوضع من أجل الحد من توصيف حالة عدم اليقين الاجتماعي، فيقدم نفسه بأنه مقاتل يكافح باستمرار الأحكام المسبقة المرتبطة كونه قرين نزيل، يكافح من أجل تحسين ظروف الاعتقال وإعداد الدفاع عن النزيل وكذلك بناء برنامج خروج ذلك النزيل، والقرين الذي يميل إلى أن تكون تجربته قتالية لا يكتفي بمجرد تحمل وضعيته كزوج للنزيل ولكن يكون موقفه متشددا جدا من خلال تبني موقف حاسم ناقد تجاه نظام القضاء والسجون بإدانة الاخلالات والانحرافات.
عموما نستنتج أن للسجن آثار جد مؤلمة وقاسية على قرين النزيل، وكنا قد أتينا على العديد منها، ومما يزيد هذه التجربة تدميرا للقرين خضوع التفاعلات بينه وبين النزيل للسيطرة أو على الأقل وقوعها تحت التهديد، فالسجن يمثل طرفا ثالثا يتدخل في العلاقات الحميمية التي تجمع شخصا وذلك العزيز على قلبه لتمنعها، فعدم وجود الخصوصية هي القضية الحاسمة في معظم الأحيان المشار إليها بواسطة النزلاء وأزواجهم.
إن الرغبة القوية ليكونا مع بعضهما البعض لم تشبع حقا أبدا بسبب الظروف التي يتم فيها عقد الاجتماعات، كما لو أن اللقاءات التي يطول انتظارها من زيارة لأخرى لا تزال مسلوبة، فالعوامل التي تعوق العلاقة الحميمة في صالات الزيارة كثيرة: ضيق الوقت، إطار الصالات وتنظيمها، وجود الأسر الأخرى، استحالة خلق الانسجام بسبب الحظر…
إذا كان قرين النزيل موصوم باللاشرعية في المجال الاجتماعي، مع المحرمات المستمرة حول الحياة الجنسية، فبالتأكيد سيتم تهميش قضية العلاقات العاطفية بينه وبين النزيل، فعندما يرتكب أحد الزوجين جريمة ويحبس فهناك من يحبس هو الآخر ولكن خارج أسوار السجون ويتحمل العديد من المتاعب رغم أنه غير مذنب، إنه القرين الذي يؤخذ بذنب قرينه ويحرم من الحصول على حقه الشرعي والقانوني في الاختلاء بقرينه.
يجب التنبيه إلى كون حظر الاتصال الجسدي والمعانقة والتقبيل يحمل خطورة أكبر بكثير في السجن من الخارج خاصة بالنسبة للزوجات، فجميع هؤلاء النساء أمام صالات الزيارة هؤلاء النساء السجينات بالخارج، الكثير منهن يخربن حياتهن، إنها أشياء تهدئهن جدا، الجنس العناق الحنان، كيف يعشن من دونها؟
فبالرغم من كون علاقتها بالرجل علاقة عاطفية يكون التوجه الجنسي فيها طارئا وعرضيا، إلا أن الزوجة تعاني الإحباط الجنسي بالدرجة نفسها التي يعاني بها الزوج النزيل، وهي لا تتألم من جوعها الجنسي فحسب بل إنها تكره الحياة التي كلفتها بوظيفة لا تتفق وعنفوانها، فتنشأ كراهيتها للحياة الزوجية التي خدعت بمظاهرها ثم تنتهي بمقت الزوج وكره ذاتها. يجب تجنب الآثار السيئة الناتجة عن حرمان الزوجة من زوجها طَوال فترة سجنه، فالناحية الجنسية للرجل أو المرأة مهمة كالشمس والهواء، والحرمان منها تترتب عليه أضرار صحية ونفسية رهيبة.
لقد أوضح الباحثون أن المشاكل النفسية الخمس التي تعانيها زوجة النزيل والتي تسبب لها معاناة شديدة هي: افتقاد شخص ما عزيز عليها، كذلك الإحساس بالضياع، أيضا الشعور بالإحباط الجنسي، والافتقاد التام لأي مصدر من مصادر الترفيه والرفاهية، وأخيرا افتقاد الحياة الاجتماعية.
يشكل الحرمان الجنسي خطرا ليس فقط على حاضر زوجة النزيل بل أيضا على مستقبلها، فاليوم غير مشبعة وغدا باردة، حيث إذا ظلت المرأة تحصل مع الزمن على شهوة ناقصة أو منعدمة ينتهي بها المطاف بنزعة لا مبالاة تجعلها باردة كما تتقهقر شهوتها بالتدريج، والبرودة هي ظاهرة العجز النسائي. وبالرغم أنها لا تسبب أي عائق أثناء الجماع حيث فبإمكان المرأة أن تمارس الجنس دون مشاركة زوجها المتعة، فتماما كالرجل المصاب بالعجز، أجهزتها الجنسية لا تمتلئ بالدم والأجسام الكهفية لا تتصلب ولا يخرج بظرها من مخبئه، والغدد تنقطع عن الإفراز ويظل مدخل المهبل جافا كما أن مخطط شهوتها يكاد لا ترتفع نسبته إلا قليلا ولا تعرف معنى الرعشة الكبرى، وهكذا تكون المرأة في واد والمتعة في واد آخر لأن البرودة قد سيطرت عليها. هذا الوضع ليس هينا خاصة على المستوى النفسي، فهو يسبب العديد من الأمراض كالقلق الدائم والتشنج والاكتئاب…
عموما إن تجربة السجن والحرمان الجنسي ينتج عنها تشكل عامل لزعزعة الاستقرار بالنسبة لأي زوجين، لذلك بقاء العلاقة على قيد الحياة لا يمكن النظر فيه إلا بداية من خلال إعادة رسم العلاقة بينهما حيث الجانب الجسدي مفتقر، لكن العلاقة بين الزوجين تقوم على التبادل: إنها تتطلب اثنين يحافظان بشكل متبادل على روابط المودة والألفة والدعم والحنان والحب، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال التكامل بين الجسدي والنفسي في إطار من الخصوصية.
إن ظلمات السجن تتجاوز هيمنتها وأثارها النزيل لتحيط بقرينه الذي يجد نفسه فجأة ودون ذنب يعاني صدمة الفراق وتداعياتها النفسية والجسدية، إضافة إلى الانعكاسات المادية العائلية والاجتماعية لسجن أحد أفراد الأسرة، والعلاقة الحربية التي ستفرض عليه في إطار علاقته بالمؤسسة العقابية والتي لا حول له ولا قوة في إطارها.
يجد القرين في إطار هذه التجربة نفسه مجبرا على عيش تجربة موازية، وهي تجربة الحرمان الجنسي وما سينجر عنها من أثار سلبية ومن تعكير لوضعه، في الوقت الذي يكون فيه بأمس الحاجة لإكسير حب يدعم صموده في مواجهة الآثار القاتمة لسجن حبيبه.
إن الجنس بما يمثله من جانب جسدي وجانب نفسي عاطفي في إطار من الخصوصية بين القرين والنزيل يمثل سلاحا فعالا في مواجهة التأثيرات السلبية للسجن على القرين، فما يهم في تلك اللحظات الخاصة التي يختلي فيها الزوجان بعضهما ببعض هو ذلك الشحن المعنوي والعاطفي المتبادل أين يبقى الاتصال الجسدي المادي ثانوي أو فقط مجرد آلية لتحقيق ذلك الشحن، فالجنس ليس هدفا في حد ذاته بل الهدف الخصوصية وما يترتب عنها من موجات إيجابية تتجاوز القرين وكذلك النزيل لتشمل كذلك الأبناء، خاصة وأن تجربة السجن تعتبر اعتداء ليس فقط ضد القرين ولكن أيضا على بنية الأسرة بأكملها.
ب‌- التخفيف من تأثير السجن على الطفل ابن النزيل
تعتبر العلاقة الزوجية من أسمى العلاقات الإنسانية، وهي علاقة تقوم أصلا على المشاعر النبيلة والأحاسيس الجميلة التي تربط بين الذكر والأنثى في إطار علاقة شرعية، يجد فيها كل من الزوجين السكينة النفسية والراحة القلبية والاستقرار الجسدي، وحينئذ ترفرف السعادة على هذه الأسرة وينعم فيها الأبناء بالرضا والاستقرار في ظل هذين الأبوين المتحابين المتآلفين، حتى يخرج الأبناء بعد ذلك أشخاصا أسوياء، بعيدين كل البعد عن الانحراف والجنوح.
ويعتبر انحراف الأحداث مشكلة اجتماعية قبل أن يرقى إلى كونه يشكل مشكلة قانونية، فمشكلة الأحداث الجانحين من المشاكل الاجتماعية الهامة التي تواجه جميع المجتمعات النامية منها والمتقدمة، وعلى الرغم من الجهود التي تبذل لمواجهتها إلا أنها لا تزال في تزايد مستمر، والاحصائيات الخاصة بالانحراف والجريمة تشير إلى الزيادة الكبيرة في عدد حالات السلوك المنحرف بأنواعه المختلفة بين الصغار والكبار.
يعرف الانحراف بمعناه الواسع بأنه انتهاك للتوقعات والمعايير الاجتماعية، والفعل المنحرف ليس أكثر من أنه حالة من التصرفات السيئة التي قد تهدد الحياة نفسها، هذا ما جعل العلماء الاجتماعيون متفقون جميعا على دراسة جميع أنواع الانحراف وإلقاء الأضواء على السلوك البشري والبناء الاجتماعي.
ويقتصر مصطلح جنوح الأحداث على الأفعال التي تعد جريمة إذا ارتكبها الشخص البالغ، ويعرف الحدث الجانح بأنه الصغير الذي أتم السن التي حددها القانون للتمييز ولم يتجاوز السن التي حددها لبلوغ الرشد، ويقدم على ارتكاب فعل يعتبره القانون جريمة كالسرقة أو القتل أو الإيذاء أو الاغتصاب أو أي فعل آخر يعاقب عليه القانون الجزائي لمساسه بسلامة المجتمع وأمنه، مما يعتبر انحرافا حادا، أو بعبارة أدق انحرافا جنائيا.
تتضح أهمية مشكلة جنوح الأحداث وخطورتها من تعدد الأبعاد والجوانب المرتبطة بها، ومن معرفة مختلف أشكال السلوك الجانح الذي يقوم به الجانحون وآثار ذلك على الجانح نفسه في توافقه مع المجتمع، وعلى مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والخلقية والقضائية في المجتمع الذي يعيش فيه.
يمثل الجانحين خطرا كبيرا على أنفسهم، ذلك أنهم نتيجة لانحرافهم وقيامهم بأشكال السلوك المضادة للمجتمع، وما يصاحبه من عمليات مقاومة له من جانب المجتمع متمثلة في الإجراءات القانونية والقضائية والشرطية والاجتماعية، يتعرضون لمجموعة من العمليات النفسية الخطيرة التي تزيد من قلقهم واضطرابهم النفسي، وربما تجعل منهم في النهاية شخصيات منحرفة تضع أقدامها على طريق الإجرام بمسالكه المختلفة، أو ربما تخلق منهم شخصيات محبطة وحاقدة على المجتمع لا تعرف سبيلا إلى تحقيق أهدافها إلا بالعنف والعدوان والضغط، وبعد فترة ربما يقعون فريسة للمرض النفسي أو العقلي.
كما أن هؤلاء المنحرفين يمثلون خطرا على حياة الأفراد الآخرين في المجتمع، من حيث أنهم عنصر قلق واضطراب يظهر كل حين شكل من أشكال السلوك المنحرف الذي ربما يعرضون فيه حياة الآخرين للخطر، وذلك حينما يسعى المنحرف إلى البحث عن فريسة يقتنصها بسرقة أو نصب أو اغتصاب، أو يمارس سلوكا فاضحا مما يخالف القانون، أو غير ذلك. كل هذا ينتج عنه اضطراب علاقات الجانح بغيره من الناس، وعدم إمكان إقامة علاقات إنسانية سليمة فيما بينهم.
لقد آمن الجميع بحق الحدث في الرعاية الكريمة وحسن التوجيه والتنشئة السليمة، حتى إذا كبر ونضج وأصبح قادرا على مواجهة تبعات الحياة فإنه يضطلع بنصيبه كاملا في بناء المجتمع. لكن الحدث قد تصادفه العديد من العوامل التي تحيد به عن الطريق السوي والتي تدفع به إلى طريق الانحراف، حيث أن مستقبل الإنسان من اتزان أو انحراف ومن توافق أو فشل ومن سعادة أو تعاسة يتوقف إلى مدى بعيد على سنوات الطفولة وطبيعة الجو الاجتماعي الذي اكتنف هذه السنوات.
من الحقائق الثابتة عقلا وتجريبا، أن البيئة الوحيدة الملائمة لنمو الجسمي والنفسي السليم للطفل، وللتنشئة الاجتماعية الجيدة هي البيئة العائلية. والمقصود بعملية التنشئة الاجتماعية مجموعة العوامل التي تساهم في تشكيل السلوك الاجتماعي للفرد بحيث يتفاعل مع الجماعة التي ينتمي إليها، وبحيث تشكل شخصيته تشكيلا متوافقا مع مجتمعه، وهي تهدف إلى أن يكتسب الفرد في مختلف أدوار حياته الاتجاهات والمعايير السلوكية التي تمكنه من التعامل مع الجماعة والاندماج فيها. كما تعرف أيضا بأنها عملية التفاعل الاجتماعي التي تكتسب عن طريقها طرق التفكير والشعور والعمل الضرورية للمشاركة الفعالة داخل المجتمع، كما أنها العملية التي عن طريقها نكتسب الثقافة بكل ما تتضمنه من معايير قيم ورموز.
وهذا المعنى يؤكده القول بأنها عملية التعليم التي عن طريقها يكتسب الفرد المعايير والقيم والمهارات الضرورية للتصرف على نحو ملائم في المجتمع، وحيث أنها عملية تعليم للقيم والمعايير، فقد وجدنا كثيرا من المحاولات العملية الاجتماعية لتفسير الانحراف تدور في نطاق البيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها الفرد التي تتم فيها عملية التعليم عن طريق الأسرة.
قد تكون التنشئة الاجتماعية في الأسرة ناقصة أو منحرفة عما ترتضيه ثقافة المجتمع الذي ينشأ فيه الحدث لكي يصبح مواطنا صالحا منتجا فيه، وتعزى أسباب النقص أو الانحراف إلى عوامل متعددة ومتباينة، فللانحرافات التي تشهدها العائلة تأثيرا سلبيا على حياة الأطفال مما يدفعهم إلى الانحراف والجنوح، فغياب أحد الوالدين يقف وراء نسبة كبيرة من جنوح الأحداث، وعموما فإن تفكك الأسرة أو الأسرة المحطمة وانهيار الجو الاسري والمستوى الأخلاقي للأسرة لا يتيسر معه تزويد الطفل بقواعد المشاركة الاجتماعية، وبذلك يجد الحدث نفسه حرا لأن يصطنع لنفسه ما شاء من معايير.
عندما يكون الشخص يعاني من مشاكل مع القانون، عالمه وعالم عائلته يعرف العديد من الاضطرابات في العديد من مجالات حياتهم، فأسرة النزيل تعتبر بيئة لنشأة أبناء خارجين عن القانون، هائمين على وجوههم، نفوسهم يعتصرها الألم والحزن والشعور بالحرمان، يهابون الآخرين ويخشون التعامل معهم.
إن اختلال توازن الأسرة لابد أن يؤدي إلى اضطراب تنشئة الطفل بطريقة صالحة متكاملة، ولقد وجدت معظم الأعمال والبحوث في الأطفال الذين سجن أحد أبويهم المشاكل النفسية والاجتماعية المختلفة بشأن احترام الذات والاندماج الاجتماعي والمهارات الاجتماعية، إضافة لمشاكل التركيز والمشاركة في المدرسة، وأيضا المشاكل الصحية وغير ذلك من التداعيات اليلبية. حيث أن غياب الآباء لسبب مقبول اجتماعيا مثل الخدمة العسكرية أو العمل يكون له تأثير أقل سلبا على التنمية الاجتماعية والعاطفية للأطفال من غياب لسبب غير مقبول اجتماعيا.
وطبعا هذه الآثار بفئاتها الثلاث˸ النفسية العاطفية، والسلوكية، والاقتصادية الاجتماعية، لا تمس على الدوام جميع الأطفال ذوي أحد الوالدين مسجونا بالقدر نفسه، فمن المهم أن نأخذ في الاعتبار في كل حالة على حدة العديد من عوامل الخطر والوقاية، من ذلك الوضع السابق للأسرة وعمر الطفل والعلاقة مع الوالد النزيل وطبيعة الجريمة الخ.
يعتبر أثر الفراق على أبناء النزيل ضارا وخاصة إذا كانوا من الأطفال، وهذا الأثر رغم أنه ضار في جميع الأحوال إلا أنه يختلف من حالة إلى أخرى، إذ يعتمد مثلا على علاقة الأطفال بالأب، هل هي علاقة وثيقة أو متهرئة، فإذا كانت وثيقة فإن مشاعر الطفل بألم الفراق تكون حادة، أما إذا كانت العلاقة متهرئة فإن الطفل كذلك لا يسلم من الأذى لأنه سوف يصاب بالحيرة والارتباك بسبب غياب الأب في السجن وانقطاعه عنهم بسبب هذا الإيداع، مع الإشارة لإمكانية أن ينشغل الأطفال الصغار عن هذا كله وينسون الأب النزيل مما يؤدي إلى تفاقم الشعور بالمرارة عند الأب نفسه.
إنه لمن الصعب تحديد جميع ردود الفعل النفسية التي يمكن أن يتسبب فيها سجن أحد الوالدين بالنسبة للطفل، فهو حدث ينطوي على تغييرات كبيرة في حياة هذا الطفل، والتي قد يكون لها عدة آثار على نفسيته وعاطفته مما يجعله يتعرض لطائفة من المشاعر، على وجه الخصوص˸ الخوف والقلق وأعراض الاكتئاب والشعور بالخذلان والخوف من النسيان من قبل الوالد النزيل أو أن يتم التخلي عنه.
في بعض الحالات، يمكن للأطفال تطوير بعض الاضطرابات السلوكية، ومن الممكن أيضا أن يطور أعراض جسدية مثل الصداع واضطرابات في الجهاز الهضمي، ويمكن أيضا أن يعاني من كوابيس وسلوك عدواني، أو على العكس يمكن أن يحدث سلوك انكماش في بعض الحالات ويرتد في نموه، كذلك وجد أن كثيرا من الأبناء لديهم تبول لا إرادي إذا كانوا صغارا ويعانون من الفشل الدراسي ويمارسون الكذب والسرقة أحيانا.
الحرمان العاطفي وفقدان الإحساس بالأمن وافتقاد الحب الذي يسمح لعاطفة الفرد بالنمو السليم وما ينتج عن ذلك من إحباط وقلق وتوتر نفسي، يخلق إمكانية الإحساس بالكراهية تجاه العضو الذي ارتكب من الأفعال ما جعله يودع بالسجن، كل ذلك يسبب الألم لكافة أفراد العائلة، وهذه الكراهية تعمل على خنق وافتقاد العلاقات الأسرية السوية التي من المفترض أن تقوم على الحب والإيثار.
إن معظم الأعمال والدراسات وجدت في الطفل الذي يتم احتجاز أحد والديه مشاكل نفسية واجتماعية مختلفة، حيث تؤثر تجربة السجن على احترام الطفل لذاته وتؤثر كذلك في مهاراته الاجتماعية وتقلل تركيزه وأداءه المدرسي.
وقد تمت ملاحظة أن الأطفال من أمهات سجينات رد فعلهم السلوكي يكون ذو بعد داخلي مثل أحلام اليقظة أو البكاء، في حين أن الأطفال الذين يسجن والدهم سوف تتميز رد فعلهم السلوكي ببعده الخارجي كما الهروب من المنزل أو تعاطي المخدرات، فنتائج عواقب سجن أحد الوالدين متباينة حسب جنس الوالد المسجون، وأساسا الطفل الذي يقبع والده في السجن يتبنى سلوكا معادي للمجتمع، حيث أن ردود فعله تكون متعاقبة وتتصف بالاحتجاج والغضب والإنكار، وتتركز جهوده حول الحصول على التعويض، إضافة لسيطرة الشعور بالذنب عليه مما يولد بحثه عن العقاب، ولا ننسى في هذا المستوى معاناة هذا الطفل من القلق والخوف من الهجر وشعوره القوي بالجرح النرجسي وفقدان السيطرة على الذات.
ووفقا لبعض الدراسات، فإن الأطفال مع أحد الوالدين في السجن في خطر 5-6 مرات أكثر في اتباع السلوك الإجرامي إذا لم يتم إجراء أي تدخل لفائدتهم، ولكن من المهم تنسيب هذا القول حيث أن إجرام أحد الوالدين هو أحد عوامل الخطر للجنوح في المستقبل بين عدة عوامل أخرى، مع التأكيد على أن موقف الأبوين في التعامل مع الوضع سيكون له تأثير كبير على الموقف الذي سيعتمده هذا الطفل تجاه الجريمة في وقت لاحق.
هناك ما يدعو إلى التساؤل حول حقيقة سبب الجريمة بين الأجيال إذا كان هناك واحدة، هل تفسر بتأثير الوالد المذنب أو من آثار اعتقاله على تصرفات الوالد الآخر؟ أو هل أن ظروف الحياة المتدهورة التي وجد فيها الطفل، بعد حبس الوالد، يمكن أن تؤدي إلى السلوك الإجرامي؟
أشار علماء الإجرام في كثير من الأحيان إلى أن طفولة والحياة الأسرية لمعظم المجرمين كانت صعبة أو رهيبة، الحس السليم يفرض القول أن أسرة غائبة أو مفككة هي أول عامل للانحراف، فبالتأكيد أنهم لم يولدوا مجرمين، إن الأطفال يعوضون فقرهم في الروابط الأسرية عن طريق علاقات سيئة.
إن المشكلات الاجتماعية تنتج عن غياب السلطة الضابطة ممثلة في الأب النزيل وما يرتبط بغيابه من تأثيرات سلبية في العلاقات داخل الأسرة بجانب مشكلة الطلاق والتفكك الأسري. كذلك الطفل الذي يسجن أحد والديه قد يجد نفسه في ظروف معيشية صعبة أو غير مستقرة، فحبس أحد الوالدين غالبا ما يضعف الوضع الاقتصادي للأسر، مما يحرمها من مصدر دخل مما سيؤثر بالضرورة على الطفل، فكما كتب فوكو: “إن السجن ينتج بشكل غير مباشر الجانحين من خلال إسقاط أسرة السجين في العوز”.
كما أن السجن في كثير من الأحيان يؤدي إلى تغيير في رعاية للطفل وخاصة إذا كانت الأم، فعند سجن الأب يجد الطفل نفسه في معظم الأحيان في عهدة الأم بمفردها، ليس نفس الأمر إذا كانت هذه الأخيرة هي من في السجن، فحبس الأم سيكون بالتالي أكثر أهمية وتأثيرا على الطفل من سجن الأب لأنه عادة ما ينطوي العديد من التغييرات في تنظيم حياة الطفل، إن حبس أحد الوالدين أمر صعب بالنسبة للأطفال لأنه يمثل انفصال حتمي وقاس جدا، والفصل بين الطفل ووالدته يمكن أن تكون له عواقب وخيمة على تطوره النفسي والعاطفي.
من المؤكد أن الأمومة والمسؤوليات المرتبطة بها تشكل مخاوف حقيقية خاصة للأمهات النزيلات مما دفعنا في الواقع إلى الانحناء لاحتياجات تلك الأمهات، ولكن أيضا وربما خصوصا يجب الانتباه إلى هؤلاء الأطفال الذين في كثير من الأحيان يحتاجون إلى الإبقاء على علاقة كبيرة مع الأم.
وأخيرا، واحدة من أهم التأثيرات الضارة لسجن أحد الوالدين بالأبناء هو الخجل الناجم عن وصمة العار التي تعاني منها عائلة الجاني عامة، فوصمة العار لدى الأطفال الذين يتم احتجاز أباءهم هو أمر تتهرب منه على نطاق واسع السياسات الأسرية وتسعى لتفاديه.
الأقارب، بما في ذلك الأطفال، هم بطريقة أو بأخرى مدانون مع الجاني، فمع التعامل مع المشاكل الأخرى التي يمكن أن يتسبب فيها السجن، الأسرة عليها ان تتعامل مع حكم أفراد المجتمع والأصدقاء والأقارب الآخرين وزملاء الدراسة، إلخ. هذه الظاهرة تشكل عقوبة لأفراد الأسرة رغم أنهم أبرياء، يقضونها في نفس الوقت مع الجاني، فالرفض والشعور بالذنب الذي ولدته عيون الآخرين يمكن أن يدفع ببعض العائلات حتى للانتقال من مقر سكناهم.
في الوقت الذي يحتاج فيه إلى الدعم في هذه الفترة الصعبة، يجد الطفل مع أحد الوالدين مسجونا نفسه في دوامة من الخجل والعار الذي يفاقم الوضع، فوصمة العار الاجتماعية لها تأثير خطير على الطفل الذي سجن أحد أبويه بغض النظر عن الاختلافات التي تترتب عن نوع الجرم ومدة العقوبة.
هذا الوضع يزيد من الأزمة التي يعيشها الأطفال، وفي كثير من الأحيان قد يجعلهم قلقين على مصير ذويهم، ويمكن أن يجعلهم يميلون إلى تحميل أنفسهم الذنب أو تحميله للوالد المتبقي، وهذه الأشكال من الذنب هي مماثلة لتلك التي تصيب الأطفال ذوي الأبوين المطلقين.
بالنسبة للطلاق والذي يمكن أن يكون أثرا ونتيجة لسجن أحد الزوجين، فإنه يؤثر على الحالة النفسية للأبناء وعلى توازن شخصيتهم، ويؤدي إلى اضطراب عملية التنشئة الاجتماعية لديهم، وغالبا ما يشعر الأبناء ببعض المشاعر السلبية مثل الخوف والقلق والإحساس بعدم الأمان والحيرة والوحدة… كذلك نجد أن سلوكيات الأبناء تتأثر بالسلب فقد يمارس الأبناء هذه السلوكيات˸ الانطواء والانعزال والانسحاب إلخ، أو يمارسوا هذه السلوكيات˸ كراهية الوالدين والحقد على المجتمع والعدوان والتخريب والعنف إلخ.
ويجب أن نشير إلى كون خلال الطلاق، لا يعاني الأطفال من الفصل نفسه أكثر من الصراع بين الوالدين، فالعلاقة الأبوية غالبا ما تنطوي على معركة غالبا ما يصر عليها الطرف النزيل ولوقت طويل لاسترداد إما السلطة الأبوية أو حق الزيارة، وعلاوة على ذلك، كثير من الآباء يشعرون بالقلق حول حقوقهم الأبوية عندما يسجنون حيث يستطيعون بالكاد ممارسة حقهم في زيارة أطفالهم لهم، فمجيء الطفل مرهون بالزوج السابق او الشخص الذي له حضانة الطفل، خصوصا وأن العديد من الأزواج السابقين يجعلون من الطفل وسيلة ابتزاز. عموما معظم الأطفال الذين انفصل أباءهم يفقدون الاتصال مع والدهم النزيل أو لم يعد لهم معه آلا لقاءات عرضية.
حقيقة، إن أطفال النزلاء يعتبرون ضحايا فعليين للمؤسسة العقابية، إذ يعاقبون بآبائهم، إضافة لاستغلالهم أيضا كوسيلة للعقاب. هذا الوضع يعطي للأطفال شعورا بأنهم ضحايا حقيقيين للسجن وربما للمجتمع عامة، إنهم يعانون أكثر من آبائهم.
إذا كان الفصل المادي هو بالفعل حدث صعب على الطفل، فإن الفصل النفسي، المحو الكامل لأحد الوالدين سيكون أكثر ضررا. فمن المهم أن يستمر وجود الذي ليس هنا، من المهم السماح للطفل بالحفاظ على الاتصال مع النزيل حيثما كان ذلك ممكنا وخصوصا من خلال الزيارات، لكن مع الأسف، واقعيا الزيارات تكون عادة حافلة بمظاهر الإحباط من جميع الجهات، حيث تكون الزيارة عادة قصيرة ولا يتوافر فيها عنصر الخصوصية، هذا يزيد عادة بقدر كبير من التوتر الذي يبديه الأطفال والناتج أصلا عن الخوف من الموقف أو عدم القدرة على تفهمه، مما جعل العديد من النزلاء أو غالبيتهم يفضل عدم تلقي زيارة أطفاله رغم الاشتياق إليهم.
النزلاء بالنظر في صالات الاستقبال وخاصة غياب اللحظات الخاصة التي تمكن من الحفاظ على علاقة أبوية، إضافة إلى وعيهم في كثير من الأحيان بمظهرهم الثقيل، يبحثون عن تجنب مزيد تعميق صدمة الطفل. فالكثير من الآباء يلوموا أنفسهم بتشجيع من الحس السليم، ويرجعون اضطراب الطفل إلى حبسهم.
ويلاحظ في هذا الإطار أن بعض الزوجات خاصة لا تخبرن أطفالهن بأن أباءهم نزلاء، بل يقلن لهم أن أباءهم مسافرون خارج الدولة أو أنهم مرضى بالمستشفيات البعيدة، أو أنهم يعملون بأماكن بعيدة. هذا طبعا يعتمد على مدى صلابة العلاقة بين الزوجين والتي تلعب فيها الحياة الجنسية وما توفره من خصوصية دورا رياديا كما سلف وأبرزناه في سياق حديثنا عن دور الجنس في التخفيف من آثار السجن على القرين.
هناك دراسة أمريكية أجريت سنة 1996 أقرت بأن ربع أطفال السجينات تجهل اعتقال الأم، وأن 40٪ من الآباء يخفون الحقيقة على الأبناء، وفي 24٪ من الحالات فقط الأطفال المتقدمون في السن يعلمون. وأرجعت هذه الدراسة الحاجة للخداع لثلاثة أسباب: أولا الرغبة في الحفاظ على صورة إيجابية عن الأب، ثانيا الخوف من رفض الطفل لأن الآباء والأمهات يعتقدون أن الآباء الطيبين ينشؤون أطفالا جيدون، وثالثا وأخيرا اعتماد الأب على زوجته لدعم الروابط الأسرية فكذب الأم على أطفالها يخفف من خطر تشوه سمعته، وبالتالي خطر أن تتركه. عموما أن تقول الحقيقة أم لا للأطفال فيما يتعلق بالسجن والجرم فهذه واحدة من المعضلات التي يجب أن تحل من قبل الوالدين.
غالبا ما يعيق الآباء بخطاب يعتبرونه متناقضا الاعتراف بشرعية العقوبة وذلك لأنهم يعتبرون دون هذه الإعاقة أن دورهم التربوي متنازع فيه، بالرغم من أن عدم الاعتراف بالحقيقة أيضا يجعل كذلك دورهم التربوي متنازعا فيه.
بالإضافة إلى ذلك بعض الأفعال هي صعبة للغاية للشرح، لا يمكن لأي شخص أن يقنع ابنه بسهولة بأن والده في رحلة عمل أو أن الحياة جميلة، إخفاء السجن عن الأطفال يعتمد على الإمكانيات الخاصة للبيئة الاجتماعية: فالبعض يخترع المشاكل الصحية، أو التمديدات في العطلة المقضية في الوطن الأم، وغير ذلك من الخزعبلات.
إن مسألة كيفية قول السبب ومدة الحبس تنشأ عندما يعرف الأطفال بأمر السجن، فإذا كان الأطفال عادة يطرحون أسئلة جريئة ووقحة، فهي صعبة للغاية للآباء والأمهات عندما تتعلق بالسجن، عمر الأطفال غالبا ما يبرر أن لا يتم إخبارهم عن السجن والجريمة، حيث هناك سن تستحق أو تمكن من أن يتم إخبارهم فيها، هذا بالإضافة إلى وجوب العثور على الطريقة المناسبة، وطبعا من الأفضل دائما أن نقول لهم بدلا من أن يعلموا من الغير، فالعديد من النزلاء يعتقدون أنه من المهم أن يقول بنفسه وبكلماته أسباب إيداعه السجن.
في نهاية المطاف، يمكن أن يكون لسجن أحد الوالدين عواقب وخيمة على الأطفال، وهي تختلف حسب العمر ويبقى البعض منها حتى بعد السجن، يجب أن تكون الصدمة المتولدة عن هذا الوضع محل استجابة سريعة من أصحاب المصلحة والبالغين الذين يسهرون على مصلحة الطفل.
تقتضي مصلحة الطفل ومن وراءها مصلحة المجتمع بأسره أن يكون لكل طفل الحق في الحفاظ على علاقة شخصية واتصال مباشر مع والديه على نحو منتظم ما لم يكن ذلك يخالف مصلحته. وفي هذا الإطار، صحيح أن قرين النزيل له دور ريادي في تأمين الحفاظ على هذا الاتصال وكذلك تجاوز آثار سجن قرينه على الأطفال، إلا أن النزيل نفسه يتحمل دورا ذو شأن في هذه المسألة ويمكن حتى أن يكون ذو أهمية تساوي أو تفوق دور القرين. النزيل لا يمكنه أن يضطلع بذلك الدور إلا إذا توفرت الظروف المناسبة لذلك والإطار الذي يستوعب هذا الدور، هذا الإطار الذي يجب أن يراعي هشاشة نفسية الطفل وحاجته لوقت خاص يقظيه مع النزيل في عزلة عن ملامح السجن المخيفة وجوه المقلق، أين يستطيع التحدث، السؤال، التعبير، اللعب، البكاء… وتزداد هذه الحاجة شدة إذا كان النزيل الأم.
هذا الإطار من الخصوصية المتأكدة والوجوبية بين النزيل وابنه، الهادفة لتحقيق مصلحة الطفل الفضلى، يتوفر تبعيا عند الاعتراف للنزيل بالممارسة الجنسية، حيث أن هذه الاعتراف في جوهره اعتراف للنزيل بخصوصية لقاء قرينه وهذه الخصوصية تنسحب على الطفل لتوفر لقاء عائلي خاص.
هذا اللقاء الحميمي البعيد عن المراقبة سواء كان بين النزيل وابنه أو بين النزيل وقرينه، فهو يمثل وسيلة هامة للحفاظ على الرابطة الأسرية للنزيل، هذا الحفاظ الذي سينعكس إيجابا على تأهيل النزيل باعتبار الأسرة تلعب دورا رياديا في نجاح الهدف التأهيلي للعقوبة السجنية.
الفقرة الثانية: دور الأسرة في تأهيل النزيل
تحث النظريات العقابية الحديثة على تنظيم صلات النزيل بالمجتمع الخارجي، وتتضمن هذه الصلات تأمين الاتصال بالنزيل والسماح لبعض أفراد أسرته وأقاربه بزيارته، فالسياسة العقابية اليوم تذهب إلى الإقرار بحق النزيل الإنسان في تلقي الزيارات، نظرا لفائدتها الكبيرة في تدعيم شعوره بالانتماء إلى المجموعة وفي تسهيل عملية تأهيله. فللزيارة العائلية مكانة خاصة وفائدة عظمى في نفوس النزلاء، وذلك للحفاظ على صلة القرابة والتواصل والاطمئنان الأسروي، كما يتم تسهيل إعادة إدماجهم في الوسط المجتمعي في حالة الإفراج، ومواءمة الشخص الجانح بمحيطه المعايش يقوده نحو التعاطف النفسي، وسوية الذات الاجتماعية بكل ثقة ومسؤولية.
تمثل الأسرة مكانا للتعبير والتوترات الدائمة بين العناية بالذات والاهتمام بالآخرين، وسجن أحد أعضائها يعيد تحديد التوازن بين هذه الأبعاد الأساسية للعلاقات الأسرية، فقوة وشدة الارتباط مع النزيل يرتبط أساسا بغلبة الاهتمام بالآخرين، وغالبا ومهما كانت طبيعة العلاقة بين النزيل وقرينه، لا يتم وصف التزام القرين كتضحية أو قيد، إذ هو بالنسبة للقرين هبة من الذات تفرض بديهيا.
إذا أقر القرين أنه من الضروري تخفيف آلام النزيل وجعله ينسى لبعض الوقت السجن وظلماته فإنه أيضا يقر ضرورية حمايته ضد تلك المؤسسة، فتكرار الزيارات هو منع للمعتقل من الغوص بشدة في التنشئة الاجتماعية للسجن، ومواجهة للآثار المزيلة للشخصية والمقصية من الواقع لهذه المؤسسة، من خلال دعم هوية النزيل باعتبار الأسرة هي مكان إنتاج ومحافظة أو إعادة بناء الهوية، فالأسرة في هذا المستوى ليست إلا مؤسسة أو مساحة من العلاقات العاطفية والشخصية الأساسية لبناء الهوية الفردية.
فالأسرة لها من طاقات كبيرة وقوة مؤثرة تساعد على إصلاح النزيل وإعادة توازنه النفسي والاجتماعي عن طريق إعادة الثقة بالنفس وتغيير الشخصية التي لا تتغير تحت الضغط والإرهاب، ولكن تتغير بدافع ذاتي ينمو عند النزيل عندما يحس ويشعر أن هناك من يهتم به ويرعاه ويبذل كل ما في إمكانه من طاقة وجهد في سبيل تغييره وإصلاحه، فالعائلة توفر الحب للنزيل الإنسان، حب يسبغ السلوك والتفكير بصبغة عاطفية وتصاحبه حالات انفعالية خاصة من عطف وحنان تمتزج فيها دوافع الحياة العميقة بالعواطف والحركات المعنوية اللطيفة، مما يدعم الاستعداد النفسي للنزيل لتقبل برنامج التأهيل إضافة إلى تسهيل عملية انضباطه داخل المؤسسة العقابية.
أ‌- دعم الاستعداد النفسي للنزيل لتقبل برنامج التأهيل
تحمل العقوبة في طياتها معنى الإصلاح بتقويم إرادة الجاني باستخدام الوسائل الملائمة لتحقيق إعادة التأهيل الاجتماعي، حتى يتمكن الفرد من فرض قيود على نفسه في المستقبل باحترام حدود معينة.
وتستمد العقوبة الجزائية أهميتها العملية بتحقيق أغراضها الردعية والإصلاحية والتعويضية وخاصة التأهيلية، غير أن تحقيق هذه الأهداف التي تطمح إليها السياسات الجنائية الحديثة، لا يتوقف فقط على التزام الإدارة العقابية بمختلف أساليب المعاملة الإصلاحية والتهذيبية، وإنما يستوجب كذلك قدرة النزيل الشخصية على استيعاب مقتضيات البرنامج التأهيلي الذي يقع إخضاعه إليه وتأقلمه مع ظروفه فضلا عن وعيه وقناعته بأغراضه.
قد يتعارض الطابع التأهيلي للعقوبة الجزائية مع السجن في حد ذاته الذي يثير العديد من المسائل لعل أهمها حرمان الشخص من أعز شيء لديه بعد حياته وهو حريته، وربما كان الموت في بعض الأحيان يعتبر أفضل لدى الإنسان من السجن وفي ظروف تقشعر لها الأبدان، فسلب الحرية يولد حتما أثار نفسية سيئة، إذ تتلخص معاناة المحكوم عليه في الشعور بالغربة وبعدم الثقة والخوف من المستقبل ومن ردة فعل المجتمع ومدى إمكانيته وقدرته على الاندماج فيه من جديد، كما يشعر النزيل بصراع داخلي نتيجة تمسكه بنمط اجتماعي معين عليه أن يتجاوزه من أجل التعايش مع نمط مغاير داخل المؤسسة السجنية، مما يسبب له توتر نفسي يظهر عبر سلوك اجتماعي متعدد الأوجه كالعزلة مثلا.
يمثل الإيداع في السجن عبئا نفسيا باهظا على النزيل، ويؤدي ذلك إلى العديد من الضغوط النفسية، وهذه الضغوط يختلف تأثيرها باختلاف النزلاء من حيث لياقتهم النفسية أي قدرتهم على احتمال الضغوط النفسية أو ما يسمى أحيانا رصيد الإحباط.
ومن أهم الضغوط النفسية للسجون إماتة الشعور بالفردية، فشعور الفرد بذاتيته وآنيته أمر ملازم للحياة الاجتماعية العادية خارج أسوار المؤسسة السجنية، ولكن هذا الشعور بالفردية والذاتية والهوية الشخصية سرعان ما يفتقده النزيل. ومن مظاهر انعدام الشعور بالذاتية في السجن طريقة الحياة الموحدة داخل الزنازين وتناول نفس الطعام مع نفس الأشخاص في نفس المواعيد، إضافة لانعدام الخصوصية حتى في قضاء الحاجات الطبيعية من بول أو غائط، ناهيك عن أن النزيل عادة ما يرمز إليه برقم يكون هو أساس التعامل معه. فالنزيل يتعامل مع حياة مختلفة عما عهده بحكم وجوده في المؤسسة السجنية، وهي كلها ليست مختارة منه وربما مرفوضة منه لما تحمله من كبت للحرية وإحباط ومعاناة نفسية، وهو ما من شأنه أن يعيق عملية التأهيل.
إن الضعف النفسي للنزيل يجعله عرضة دوما في السجن إلى امتحان خضوع وطاعة وأحيانا إلى امتحان قوة لكسر إرادته، وقد ينتزع منه كل ما يساعده في المحافظة على سمات شخصيته من ملابس وأدوات زينة وأشياء تخصه، فينظر إلى نفسه منذ تلك اللحظة كشخص منقوص القيمة وخاضع لنوع من التشوه، فالنزيل منذ وصوله السجن يجد نفسه محروما من أدواره التي كان يعرفها في العالم الخارجي، ويختزل وجوده إلى دور وحيد أن يكون نزيلا.
كذلك يعاني النزلاء بوجه عام من شعورهم بأنهم بالإضافة إلى فقدهم الشعور بالفردية موضوعون تحت المراقبة بصفة دائمة، إما من قبل الحراس أو حتى من رفقاء الزنازين الذين يدور الهمس أو الطنين حيالهم بأنهم جواسيس من قبل إدارة السجن على زملاءهم النزلاء.
ومما يزيد من الضغط النفسي للسجن صدمة الإيداع، فعندما يعتقل شخص ما خاصة لأول مرة يجد نفسه في عالم آخر وفي أوضاع تختلف تماما عن الأوضاع التي عرفها حتى اعتقاله وفي إطار جديد من المعاملة المفاجأة والتجربة الجديدة، فالانفصال الفجئي عن كامل الحياة العادية وخاصة الوقوف أمام المجهول هي دائما من أسباب ضعف الشخص الذي يواجه السجن، فدخول السجن وخاصة عند ارتكاب المذنب الجريمة الأولى يعتبر بمثابة خبرة صدمية عنيفة ومريرة بل ونقطة بداية سوداء في حياته، وهذه الخبرة الصدمية تؤدي به إلى الشعور بالمرارة واليأس والقنوط والإحباط. ومما لا شك فيه أن الحرمان من الحرية هو العامل الأساسي المحدث لهذه الخبرة الصدمية، ناهيك عن أن النزيل يعرف أن دخول السجن يعتبر بمثابة وصمة عار تلاحقه طوال حياته، كما أنه يعرف ما سوف يلقاه من تجنب الناس وتوجسهم منه بعد أن يخرج من السجن، هذا يجعل حالة الشخص المدان تبدو متوترة إلى حد الإحباط والسقوط مما يجعله في أدنى الأسباب منفعلا وقلقا وحذرا، فهو كثير الانزواء والانطواء على النفس.
أيضا من بين الضغوط النفسية للسجون، افتقاد الأسرة التي تشكل الجماعة الأولى التي يرتبط بها الفرد طوال حياته أوثق ارتباط، فبالدخول خلف القضبان يفارق النزيل أفراد عائلته ويعاني من اجترار سؤال مضمونه ما الذي سوف يقوله لأطفاله كمبرر لغيابه عن الأسرة بسبب إيداعه السجن، إن فراق النزيل لأحبابه من الأبناء والزوجة لهو أمر يبعث عن الألم.
لا يفرق السجن بين النزيل وأسرته فحسب، بل يمس كذلك جوهر علاقته الاجتماعية التي تتحول من علاقة يتحكم فيها المعني بالأمر ويحدد أشكالها إلى علاقة مفروضة عليه باعتباره لا يختار نوعية البشر الذين سيقيم معهم في نفس الغرفة كما لا يمكنه تحديد المسافة الجسدية التي تفصله عن الآخر، فالعلاقة الحميمية التي تقاس بالمسافة الصفر في الفضاء الحر تصبح مفروضة على المحكوم عليه داخل الفضاء السجني.
وتتدعم الضغوط النفسية للسجون بسبب روتين الحياة داخل المؤسسة العقابية والذي يفقد النزيل كثيرا من دافعيته وحافزيته، لأن حياة السجن تدور على وتيرة واحدة، حيث نفس الوجوه الكئيبة لزملاء الزنازين، ونفس الوجوه المتجهمة للحراس، ونفس العمل الذي يؤدى إن كان في ورشة السجن أو في مزرعة ملحقة به. هذا كله يؤدي إلى شعور النزيل بفقد دافعيته بحيث تقل قدرته على التفكير السليم وحل المشكلات، ويتدعم هذا الشعور إذا كانت مدة المحكومية طويلة حيث ينتاب هذا النزيل شعور بأن انقضاء مدة العقوبة والخروج من السجن وممارسة الحياة العادية أمر بعيد المنال، فتنتابه الهواجس بأنه قد يموت داخل أسوار السجن، وحتى إن طال به الأجل فإنه سيخرج من السجن شيخا عجوزا فانيا لا يقدر على شيء من العمل أو الكسب مما يهبط كثيرا من دافعيته وحيويته.
الواقع أن النزيل لا بد له من أن يعاني من ضيق نفسي شديد لعزلته عن العالم وتقييد حريته، وإرغامه على الحياة في بيئة ضيقة محدودة تحت ظروف صارمة، فالسجن بيئة تمثل ضغطا شديدا على النزلاء، وهذه البيئة الضاغطة تمثل مع الظروف الخاصة بالنزيل من الناحية النفسية والاجتماعية والاقتصادية ثنائيا يبهظ كاهله بحيث يتعرض هذا النزيل الإنسان لأنواع ولأشكال عديدة من الاضطرابات النفسية.
يعتبر القلق والاكتئاب من أهم الانتكاسات النفسية التي تصيب النزيل. والقلق هو شعور عام غامض غير سار بتوقع الشر أو توقع وقوع الأمور غير السارة بوجه عام، ويصاحب ذلك قدر كبير من التوتر والضيق، وهذا التوتر قد يكون مجهول السبب أو المصدر، وهذا هو القلق المرضي مقابل القلق السوي عندما نقلق على نتيجة الامتحان أو نقلق عندما نصاب بأحد الأمراض الجسيمة. ومن أعراض القلق الشعور بالآلام من الناحية اليسرى من الصدر مع تسارع ضربات القلب والشعور بالانتفاخ والغثيان وعدم القدرة على التركيز والسرحان، وهذه الأعراض توجد عامة في القلق السوي وفي القلق المرضي، ولكنها في حالات القلق المرضي تكون شديدة الوطأة.
أما الاكتئاب، ففي أبسط مظاهره هو حالة انفعالية يصاحبها العديد من المظاهر مثل الشعور بعدم الكفاية ونقص النشاط ونقص الاهتمام بالأشياء المحيطة، إلى جانب الشعور بالتفاهة وعدم الأهمية والحط من قيمة الذات، كما يتميز الاكتئاب بنظرة سوداوية للحياة والمستقبل وغزارة الأفكار التي تدور حول الموت والانتحار.
إن معاناة النزيل من القلق أمر متوقع، ذلك أن عوامل إثارة القلق هي بضاعة حاضرة في حياته داخل المؤسسة السجنية من عزلة عن أسرته وروتين حياة السجون وتلهفه إلى انقضاء مدة العقوبة إلى غير ذلك، وقد تؤدي مشاعر القلق ببعض النزلاء إلى مخالفة التعليمات والشجار مع زملاء الزنازين أو افتعال المشاكل مع الحراس أو المداومة على التشكي والتذمر والتمارض، وهذا معناه أن الإقامة في السجن من عوامل إثارة القلق.
كذلك التواجد في السجن من الأمور التي تدعو النزيل إلى الشعور بالحزن والاكتئاب وتتزايد أعراضه بحيث يشعر بتدني روحه المعنوية وهبوطها إلى درجة الصفر، ومن المظاهر التي يتخذها الاكتئاب عند النزلاء العزلة والانكفاء على الذات واجترار ذكريات الحياة خارج أسوار السجن.
في الحياة العادية خارج السجن فإن أي شخص معرض بالطبع للشعور بالقلق والاكتئاب، ولكنه يستطيع أن يخفف شيئا من التوتر عن نفسه بشيء من التسلية أو الترويح أو التماس صحبة من يرغب من الأهل والأصدقاء، بل يمكنه زيارة الطبيب النفسي طلبا للمشورة، لكن هذه المهدئات لأعراض القلق والاكتئاب في الحياة اليومية خارج السجن ليست متاحة بحال داخل السجن.
كل هذه العوامل والضغوط النفسية التي تحيط بإيداع النزيل وظروف إقامته بالمؤسسة العقابية، جعلت علماء النفس يشيرون إلى وجود عائق حقيقي أمام تأدية السجون لوظيفة الدفاع الاجتماعي، فهي لا تساهم إلا في إحباط عزيمة كائن حي يتمتع بالإحساس والشعور، وتعيق إعادة الثقة الكاملة إلى نفسية المذنب حتى يستطيع التكيف والادماج والانسجام مع الآخر.
لتفادي هذا الوضع، يجب تقديم العون المعنوي للنزيل الإنسان حتى يتمكن من التآلف مع البيئة الجديدة، والسعي لتجنيبه قسوة الظروف الصعبة التي يمر بها في بدء حياته داخل السجن بعد قطع الصلة بينه وبين عمله وأهله ومحيطه وبيئته، يجب زرع الثقة في نفسه بغية الوصول إلى محاولة تكيفه وإدماجه وسط المجتمع قادرا متحملا كل المسؤوليات في العيش الكريم.
إن الدور الإصلاحي المنوط بإدارة السجون دور مهم، يستند إلى مجموعة من القوانين والرخص والامتيازات التي تتيح فرصا أكبر لاندماج النزلاء بشكل إيجابي مع ظروف الاعتقال، وتجدد لديهم الأمل في مستقبل أفضل، وتهيئهم للاندماج بعد الإفراج عنهم بشكل تدريجي وسليم ضمن النسيج الاجتماعي. وهنا يكمن دور الاهتمام بالجانب النفسي الذي من شأنه إذكاء الأمل في نفوس المحكومين بعقوبات سالبة للحرية، وكذلك الحد من صدمة السجن ومساعدة جميع النزلاء على تقبل واقعهم الجديد وقبول الفضاء السجني باعتباره ليس فضاء للعقوبة فقط وإنما فضاء للرعاية والإصلاح.
إن عملية الإدماج لها مفهوم واسع وتأثير بالغ في حياة النزلاء، نظرا لما يحمله هذا المصطلح من معاني وأهداف إنسانية وتربوية وأخلاقية واجتماعية يصبح معها النزيل قادرا على التكيف نفسيا واجتماعيا وعمليا في الحياة اليومية العادية، وهذا لن يتأتى إلا بوجود عزيمة قوية وإرادة فعالة لدى النزيل.
لا يمكن في هذا الإطار إنكار الدور الذي تلعبه الناحية النفسية والتكوينية في توجيه سلوك الأفراد، وهذا يعني أن بعض الأفراد من يتقبل بصفة تلقائية فكرة الصلاح ويبتعد عن الفساد ويخضع لنظام الضبط الاجتماعي، بينما يوجد على النقيض من ذلك بعض الأفراد يصعب عليهم استيعاب قيم المجتمع والخضوع لنظامه، وبمعزل عن الدور الذي تؤديه الأسرة أو المجتمع في ضبط وتوجيه سلوك الأفراد لا شك أن الشخص يتحمل في جميع الأحوال قسطا من المسؤولية في توجيه سلوكه، فميكانزمات الضبط الذاتي أقوى تأثيرا من ميكانزمات الضبط الخارجي، حيث أن لها القدرة على أن يتقبل الفرد معايير الجماعة وقوانين المجتمع بعد أن يستدمجها داخله من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، وبعدها يستمر الفرد في الالتزام بها حتى لو لم يكن هناك من يراقب ويرى ما يحدث.
يجب الأخذ بيدي النزيل الإنسان وتنوير الطريق أمامه للتكفير عن خطاياه وتطهير نفسه من الأحقاد والدرن، وتنمية وعيه بالمسؤولية تجاه نفسه ومجتمعه وأسرته حتى يكون عضوا صالحا قادرا على مواجهة الحياة العادية بكل حرية. ذلك لا يتم إلا من خلال تجدد الإحساس لديه بأنه مازال موضع اهتمام وبأن المجتمع لم ينبذهم مما ينمي الثقة بنفسه وبالمستقبل، لذلك فإن الأنظمة العقابية الحديثة تقر حق فاقد الحرية في الزيارات وتوليها اهتماما كبيرا لما لها من أثر فعال وإيجابي على نفسية النزيل ورفع روحه المعنوية، فهي تدعم علاقته بالمجتمع الخارجي حتى لا يفقد الشعور بالانتماء للمجتمع الذي سوف يخرج إليه أن آجلا أو عاجلا.
تلعب الزيارات دورا أساسيا في إعادة إحياء الرغبة في مواصلة العلاقة مع العالم الخارجي وفي رفض الذوبان في ثقافة المؤسسة السجنية، وتعطي النزيل ثقة أكثر في نفسه فيتواصل مع أسرته ولا يتعرض لصدمات أكثر، ومن ومضات التأثير الإيجابي للزيارات على نفسية النزيل والتي تعتبر دعما لاستعداده النفسي لتقبل البرنامج التأهيلي، أنه غالبا ما يولي اهتماما كبيرا لمظهره عند الزيارة سواء من خلال اللباس أو تعليق ابتسامة أو غير ذلك، إضافة لكون العديد من النزلاء المدخنين بغزارة يمتنعون عن التدخين أثناء الزيارة، إن الاستحمام وارتداء ملابس نظيفة يشكل تخليا عن زي العقوبة من أجل زي المدينة، طريقة لتطهير والتخلص مؤقتا من هوية نزيل ليصبح الأب والزوج.
لكي تكون الزيارات مساهمة بشكل فعال في الحفاظ على روابط النزيل مع المجتمع، وفي نهاية المطاف إعادة إدماجه، يجب أن تكون متكررة بما فيه الكفاية وذات مدة كافية، وعليها أن تحدث في ظروف لائقة تضمن خصوصية مناسبة لتبادل فعالة وبناء، فبدون هذه الخصوصية لا يمكن الحديث عن دعم نفسي للنزيل بل بالعكس يمكننا الحديث عن نكول نفسي وتأزم.
يجب أن نشير في إطار حديثنا عن الزيارات إلى الخصوصية النفسية لزيارة الطفل للنزيل، فبالنسبة للعديد من النزلاء، الأطفال في كثير من الأحيان تمثل سبب تمسكهم بالحياة، حتى بعضهم يقول إن أطفالهم هي واحدة من الأشياء الوحيدة الجيدة التي قاموا بها في حياتهم، لذلك من المهم أن نفهم كيف يتم تقييد الأبوة والأمومة في حالة السجن، وأثر هذا القيد على تكيف الأم خاصة في الوسط السجني ومدى تقبلها لبرنامج التأهيل.
إن إيداع الأم السجن يخلف شعورا بفصل مزدوج حيث أنها قطعت عن المجتمع وعن أطفالها، هذا ليس من دون عواقب على إعادة الإدماج الاجتماعي، فالفصل يمكن أن يؤدي عند بعض الأمهات لضغوطات نفسية وجسدية هامة، فالانفصال وفقدان حقوق الوالدين يمكن أن يصبح مصدر قلق كبير بالنسبة للأمهات مما يؤثر في القدرة على التكيف داخل المؤسسة السجنية ويضعف فرصهم في إعادة التأهيل.
لا يمكن أن تضمن علاقة الأم مع أطفالها في حد ذاتها إعادة الإدماج الناجح، وإنما هي مصدر مهم جدا من الدوافع التي يمكن أن تسهم بشكل إيجابي في إعادة إدماج الأمهات النزيلات من خلال دعم استعدادهن النفسي لتقبل برنامج التأهيل، لذلك وبما أن الأم قد فصلت مؤقتا عن أولادها وأنها لا تستطيع أن تمارس دورها كأم كما جرت العادة، فمن المهم النظر في الزيارات والتواصل مع أطفالها خلال فترة الاعتقال، لأنه في هذه الأوقات الأم يمكن أن تمارس دورها بشكل مباشر، فالزيارة العائلية المحاطة بالخصوصية بين أم وأبنها مطلوبة وبشدة.
حاجة النزيل للخصوصية أثناء الزيارة لا تقتصر على حاجته الأبوية بل تشمل أيضا حاجته للحياة الجنسية باعتبارها شكلا من أشكال التفاعل مع الآخر، جزء من العلاقات الاجتماعية والإنسانية والعاطفية، في مواجهة الفقر في العلاقات الإنسانية لهؤلاء النزلاء وقلقهم بشأن استمرار إخلاص أزواجهم لهم في ظل معاناة كل من زوجات وأزواج النزلاء من الإحباط الجنسي في أثناء فترة المحكومية.
وغالبا ما يظهر النزلاء القلق إزاء الآثار المترتبة خاصة على سجن طويل على قدراتهم الجنسية وكذلك على هويتهم الجنسية، الخوف من عدم معرفة الإغراء، ألا يعرف كيف يمارس مع الآخر، الخوف من أن يمس في القدرة الجنسية، النزيل قلق حول فقدان إحدى القدرات التي قد حرم منها فترة طويلة. علما أن هذه المخاوف بشأن الجنس تضاف إلى المخاوف حول إطلاق السراح والمتمثلة خاصة في مشاكل السكن والعمل والخوف من عدم التعرف على المجتمع إلخ.
إذا كانت الإدانة الجنائية تحرم المدان الحرية، فإن نشاطه الجنسي لا يزال متوفرا وينبغي ألا نسعى لتجميده لأنه متأصل في طبيعة الإنسان، فما وراء التعبير عن الحاجة الجنسية نجد التقاسم والتبادل الذي سوف تجعله يشعر أقل بالوحدة وأنه على قيد الحياة، ويشعر بانفراج نفساني من خلال تمكنه من إفراغ شحنات الضغط التي يشعر بها. هذه الاعتبارات يجب أن نضعها في صلب وظيفة إعادة التأهيل للعقوبة، وإلا سنكون قلقين حول التوفيق بين الحرمان الجنسي في الاحتجاز وهدف إعادة التأهيل المخصصة للإدارة العقابية، خصوصا وأن الدور الإصلاحي والتربوي التي تنتهجه المؤسسات السجنية يهدف بالأساس إلى إعادة الثقة في نفوس المدانين.
وفي هذا المستوى يجب أن نؤكد أن لجوء النزلاء للاستمناء بسبب غياب الحياة الجنسية المشتركة مع الآخر يعتبر حاجزا فولاذيا أمام خلق الاستعداد النفسي الواجب توفره عند النزيل لإنجاح برنامج التأهيل، فالاستمناء غالبا ما ينظر إليه من قبل النزلاء بوصفه الممارسة الجنسية الوحيدة الممكنة التي تعاش كممارسة بديلة ومفروضة من قبل إدارة السجن التي تحظر أي شكل آخر من أشكال النشاط الجنسي، بذلك تكون ممارسة جنسية حصرية وليست ممارسة عرضية كما يمكن أن تكون في كثير من الأحيان للأفراد في الخارج. وعلاوة على ذلك، هناك غياب لجميع أبعاد الحياة الجنسية من لقاء وإغواء وحنان إلخ، وهناك غياب للتصرفات المحيطة بالمتعة من قبلات ومداعبات واتصال مع جلد الشريك إلخ. كل هذه الأشياء التي تجعل هذا الجنس هو دائما شيء آخر يذكرنا بأننا موجودون لأن الآخر موجود غائبة، إذ الجنسية تنطوي بالضرورة على اتصال مع الآخر، الشعور بأننا اثنين، لا يمكن تلخيصها على إثارة منطقة مثير للشهوة الجنسية، إن الحد من النشاط الجنسي للممارسة الانفرادية تسهم في مشاعر الإقصاء من المجتمع.
إن الجنسية في شكل الاستمناء، التي تمارس في السجن، تفقد النزيل الإنسان قدراته الاندماجية لأنها لا تزال محرومة من كل ما يسبق وكل ما يرافق المتعة من تواصل وقرب مع الآخر، فهي مبتورة عن كل علاقة غيرية تتضمنها عادة الحياة الجنسية مما يعزز الشعور بالوحدة لأنها تذكر النزيل كل يوم، أن الجنسية التي تمارس سابقا في اثنين، يجب الآن ممارستها بشكل فردي. كذلك تغرس في نفسه شعورا بعدم الجدوى وانتفاء القيمة، فما نفع إشارات سكة الحديد مالم يتيسر للقاطرة قوة السير وما نفع تفاحة حمراء ناضجة يسيل لها اللعاب إذا لم يكن حاملها جائعا.
كذلك الجنسية في شكل الاستمناء تفقد النزيل جانبا من إنسانيته، فإن كان الاستمناء يسمح مبدئيا ببقاء عمل الأعضاء فليس الرغبات الجنسية التي يصعب في بعض الأحيان بقاءها كجزء من حياة جنسية فوضوية ومقموعة وغير كافية وساعية إلى سد الإحساس بالافتقار وعدم الاكتمال من خلال استخدام وسائل إثارة غير مكتملة وغير مرضية، مع العلم أن الرغبة الجنسية هو ما يميز الجنس لدى الإنسان عن الحاجة لدى الحيوان.
يقوم الجنس لدى الإنسان على القدرة على إعطاء مشاعر اللذة لممارسيه، وهي لذة متوقعة ومحسوسة ومباشرة ومتبادلة ولا يعترضها أية سلبية عند الوصول إليها، وهي على هذا النحو تغري الفرد وتحفزه على معاودة الكرة للحصول عليها من جديد، وهو ما يمكن النزيل من الاستفادة من جميع ما يغذي العقل وينعش النفس ويروض الذات للتغلب على الفراغ السجني والخروج من الضائقة النفسية اليائسة، مع الإشارة إلى أن من يفضل الاستمناء على العلاقة الجنسية الطبيعية يشبه شخصا يؤثر على كرمه عناقيد عنب صناعية أو مرسومة. لذلك يجب فعلا النظر في المسألة الجنسية عامة وخصوصية الزيارات العائلية خاصة داخل المؤسسة العقابية إذا أردنا فعلا الحديث عن تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي للنزلاء طيلة مدة العقوبة ومساعدتهم على الاندماج مستقبلا في المجتمع حين يتم الإفراج عنهم، وجعلهم يتجهون إلى الحياة بقلب مطمئن ونفس هادئة مما سوف ينعكس على إنتاجهم في الحياة جودة وسلامة وسوف يسمح لحياتهم بأن تعمر وتزدهر.
إن حياتنا الجنسية بكامل عناصرها من رغبة واستثارة واستجابة وأداء ورضي تؤثر في حياتنا النفسية بكامل عناصرها من تكامل وتوازن وفعالية، لذلك دعى العديد من الأخصائيين النفسانيين إلى ضرورة اعتماد أماكن مخصصة لاختلاء النزيل بشريكه الجنسي، الذي هو مبدئيا قرينه، داخل المؤسسات العقابية، لأنه يستحيل على الزوجين البقاء لمدة طويلة بعيدين عن بعض، فالنزيل في البداية يكون مستعدا لجميع أنواع الحرمان شأنه شأن القرين، غير أنه بمرور الوقت قد يؤدي بهما معا أي النزيل وقرينه إلى انحرافات سلوكية وأخلاقية كالشذوذ الجنسي والخيانة، وهذا ينعكس على سلوكياته حيث يعاني من اضطرابات وقلق دائم يفقد بموجبه السيطرة على غضبه، مما يجعله نفسيا غير مستعد وغير متقبل لكل مساعي الإصلاح والتأهيل التي قد تصدر عن المؤسسة العقابية.
تؤثر الحياة الجنسية المضطربة لسبب ما في مجرى الحياة النفسية وتؤدي إلى اضطرابها، لذلك تمتع النزيل بحق الممارسة الجنسية الطبيعية تحفظه من الخروج عن طبيعته البشرية، وإن عدم تمكينه من ذلك سينعكس سلبا على حالته النفسية. والاضطرابات النفسية للنزلاء تخلق كثيرا من المشكلات بينهم مما يكلف الدولة جهدا هائلا لتوفير الكوادر البشرية والموارد المادية للسيطرة على مثل هذه المشكلات، ولذلك فإن تمكين النزلاء من تلك الممارسة سيكون عاملا فاعلا في تحقيق التوازن النفسي لهم ومن ثم تفادي أو على الأقل التقليل من تلك المشكلات، فتوجيه الشخص إلى ما يطمئن إليه يعود عليه بالثقة بالنفس والتكيف مع البيئة الداخلية للسجن، مما يزيده اعتزازا وقوة وتقديرا لنفسه، كما يسهل في عملية الإدماج والتوافق الشخصي في المحيط المحروس.
إن الرجال الذين سبق وتزوجوا ثم عادوا إلى حياة العزوبية العفة تتراجع من أمامهم شيئا فشيئا، والمثل العامي صدق إذ قال أعزب دهر ولا أرمل شهر، والحياة الجنسية للفرد تؤثر في تكوين وبناء وأداء شخصيته، لذلك فالحرمان الجنسي يتعارض مع الجهد الذي تبذله المؤسسة السجنية الحديثة لفتح أبواب الأمل في نفوس المدانين بأن الحياة لا يمكن أن تضيق على الخاطئين، وإنما يمكن الرجوع بكل اطمئنان لمباشرة الحياة العادية والعملية والطبيعية وسط المجتمع بحرية مسؤولة. وفي هذا الإطار الممارسة الجنسية الطبيعية للنزيل ليست بالأمر الجديد، وتعتبر عاملا من عوامل الضبط النفسي للنزيل أثناء تنفيذ العقوبة، وأيضا تمثل واحدة من أسباب اندماجه السريع في المجتمع بعد انتهاء فترة محكوميته.
لقد بين علماء الإجرام أن هناك ارتباطا وثيقا بين السلوك السوي والمنحرف من جهة وبين الصحة النفسية من جهة أخرى، وباعتبار أن حياتنا الجنسية وثيقة الصلة بحياتنا النفسية وتكامل الحياتين له أن يضمن انفراج وهدوء الحياة الإنسانية، فإن العلاقات العائلية في إطار من الخصوصية يمكنها إخراج النزيل من العتمة اليائسة إلى نور الأمل والثقة بالنفس وإضاءة معالم حياته الخاطئة مما يدفعه للتوبة بكل معانيها القائمة على خلاص الإنسان من المزالق والهفوات الجاهلة الضائعة والتمييز بين الخطأ والصواب، وهذا يمثل خير وسيلة إلى إصلاح النفس والذات، وتنمية القدرة على تحمل المسؤولية الذاتية والاجتماعية خصوصا وأن غياب الإشراف المباشر في إطار الزيارة العائلية القائمة على الخصوصية يحدث في النزيل الشعور بالحرية التي تولد أيضا الشعور بالمسؤولية.
يحقق الغذاء العاطفي الاتزان النفسي والسعادة الحقة، مما يحقق إستدماج المعايير الاجتماعية بنجاح، وبتحقق هذا الاستدماج فسيتراجع أي فرد عن أي سلوك منحرف، ليس خوفا من العقاب ولكن امتثالا للمعايير الاجتماعية حتى لو اختفت الضرورة التي أوجدت تلك المعايير، وهنا يتصرف كميكانزيم داخلي للضبط الاجتماعي. هذا الاستدماج لا يمكن أن يتم إلا إذا كان المعني بالأمر مستعدا نفسيا لاستيعابه، فغياب الاستعداد النفسي يعني آليا فشل كل محاولات الإصلاح العقابي وعدم تقبل النزيل لبرنامج التأهيل مما ينعكس طبعا بالسلب على إعادة إدماجه في المجتمع، والعائلة ومن وراءها الزيارات التي تتم في خصوصية تامة بعيدة عن أعين وأذان الحراس وما يمكن أن تشمله من لحظات صراحة وحب وجنس، تعتبر دعامة جوهرية لرفع معنويات النزيل وشحن همته وتنمية شعوره بالثقة بالنفس، وفي نفس الوقت الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبها وعدم العودة إليها مرة أخرى.
إن العاطفة تلعب دورا هاما في توحيد النشاط العقلي والاتجاهات النفسية للنزيل، وبتوفيرها بواسطة الزيارات الحميمية يتجاوز دور العائلة مسألة دعم الاستعداد النفسي للنزيل الإنسان لتؤثر بشكل إيجابي وملحوظ على انضباطه داخل أسوار السجن.
ب‌- تحقيق انضباط النزيل داخل المؤسسة السجنية
تحديد المجتمع بكونه مجموعة من المؤسسات تجعلنا نتساءل عن أهم وظائف المؤسسات، وبما أن السجن مؤسسة يصبح التساؤل عن وظائفه مشروعا، ولعل من أبرز هذه الوظائف الوظيفة الانضباطية الهادفة إلى خلق وولادة المجتمع الانضباطي الشامل خاصة وأن أعضاء هذه المؤسسة ينعتون بكونهم لا يخضعون ولا يقبلون أي نوع من أنواع الانضباط حيث تحكمهم الرغبة في الانفلات من القواعد والقوانين الانضباطية والمجتمعية، لذلك يمكن اعتبار عملية سجن المنحرفين هي بالأساس تدريب لهم وتعويد لهم على الانضباط.
هذا يدفعنا للتأكيد على أن المؤسسات العقابية يقع على عاتقها مسؤوليات عظمى في مكافحة الجريمة والقضاء على الانحراف بشتى الوسائل الإصلاحية والتربوية والتأهيلية، والأخذ بأيدي الأفراد المنحرفين إلى الطريق السوي والسلوك الأخلاقي القويم. فدور السجن يرتكز على تغيير النمط السلوكي للأفراد وتصرفاتهم، فهو ثكنة صارمة إلى حد بعيد، وهو مدرسة بدون تساهل، وشغل قائم، لكنه في نهاية الأمر يظهر وكأنه الشكل الأكثر مباشرة والأكثر حضارة بين كل العقوبات، فهو نظام قانوني اقتصادي من جهة، وتقني انضباطي من جهة أخرى، ومثل هذا المسار المزدوج أعطاه صلابته التي يحتاج إليها.
وتعتبر السجون مؤسسات شمولية تقوم على نظام سلطوي، وهذه السجون كمؤسسات شمولية تبهظ كاهل الفرد بما تمارسه حياله من ضغوط، فكل مظاهر الحياة اليومية للنزلاء يتم ضبطها والتحكم فيها من قبل إدارة السجن، ومن هذه المظاهر مواعيد تناول الطعام ومواعيد النوم والراحة وساعات العمل المكلف بها النزيل ونوعية هذا العمل إلخ، ولا يسمح للنزيل بأية حال من الأحوال بخرق هذا الروتين للحياة اليومية في السجن، أما إذا ارتكب أية مخالفة فإن العقاب الصارم بانتظاره، وهذا معناه أن مظاهر الحياة لنزلاء السجون مجدولة ولا اختيار في هذه الجدولة.
تنعكس هذه الشمولية سلبا على النزلاء، وتتجاوز عواقبها الضارة بل عواقب الحبس الضارة عامة النزلاء لتشمل أقاربهم وكذلك موظفي السجن. فالتوترات، والصراعات، والعنف، والمخدرات، ومشاكل الصحة العقلية والنفسية، والتلاعب، وصراع القوة، والحرمان، والعزلة، والشعور بالوحدة والتحييد، كلها أبعاد تميز المؤسسة العقابية وترسم صورة قاتمة للمشهد السجني. وإضافة إلى هذه الصعوبات نجد ظاهرة الاكتظاظ طول مدة العقاب، والاستحالة المتزايدة لإيجاد توازن في السياسات العقابية المطبقة على الميدان.
بما أن السجن مؤسسة شمولية فإنه يعتمد أساسا في تنظيمه على إجراءات الضبط، والعلاقة بين إجراءات الضبط وبين انتشار الممارسات العنيفة واضحة وموجودة، حيث أنه كلما اتخذت إدارة السجن إجراءات أمنية أكثر صرامة وتبنت سلوك الإخضاع التام كلما لجأ النزلاء في مقابل ذلك إلى العنف كوسيلة لصيانة الكرامة، فضلا عن إظهار إمكانية مقاومة الإدارة وأسلوبها. فغالبا ما يشعر النزيل أن الشيء الوحيد المطلوب منه هو الخضوع، لذلك يفقد المبادرة الشخصية ويشعر بالقضاء على ذاتيته، وهو ما يؤدي به إلى الثورة على السجن بكل مكوناته، وقد كشفت عدة دراسات خاصة على السجون الأمريكية أن تنفيذ الإجراءات الأمنية الصارمة أو ما يسمى بالحبس التام في هذه السجون أدى إلى انتشار العنف والاعتداء بداخله.
ومما يزيد من شحن التوتر والعنف داخل المؤسسة العقابية ويصعب عملية تحقيق الانضباط داخلها الحرمان الجنسي الذي يعيشه النزلاء، فالسجن كما اعتبره فوكو “سلطة عقاب مؤسساتية وسلطة غير رسمية للسيطرة على الحياة الجنسية للأفراد المسجونين”، الرغبة والحاجة الجنسية هي أبعاد ذاتية للفرد فشلت مؤسسة السجن في تدميرها بالفعل أو حتى السيطرة عليها.
إن الرغبة الجنسية وإن كانت تتقلص في الفترة الأولى من الاعتقال إلا أنه تدريجيا مع استمرار فترة السجن يوجد بين النزلاء انخفاض مفاجئ في الرغبة الجنسية ثم صعود مكثف ثم انخفاض بطيء ومؤكد، يرتبط هذا الاضطراب الدوري بمشاعر الكراهية الناتجة عن الإدانة والكراهية ضد المؤسسة السجنية، فالحرمان من الممارسة الجنسية الطبيعية له عواقب وخيمة حقا على الحياة الجنسية للنزلاء، ولكن أيضا الجنس يمثل اضطرابات وخطورة مستمرة على النظام الداخلي للسجن.
تتحمل الإدارة العقابية وحدها مسؤولية حسن سير المؤسسة السجنية، فيكون من واجبها الحفاظ على الأمن داخلها، وللقيام بهذه المهمة تتمتع بجملة من الحقوق والامتيازات، فالسجون يجب أن تكون أماكن آمنة للعيش والعمل، وهذا يعني أن تكون آمنة على النزلاء والموظفين والزوار، فكل شخص في السجن يجب ألا يخشى على سلامته الجسدية. وفي هذا الإطار مصلحة السجون تعرف جيدا الإمكانات الاحتجاجية للنزلاء، لذلك فهي تسعى بطريقة أو بأخرى إلى عزل النزلاء عن بعضهم البعض وإعاقة تدفق المعلومات، من ذلك نقل المعتقلين بانتظام لكسر التضامن وصد تشكيل الاحتجاجات المنظمة إضافة لكون خلط المعتقلين بشكل الدوري يؤدي لزعزعة استقرار الروابط بينهما.
عموما ينبغي أن تكون السجون أماكن يسود فيها النظام والأمن، والأمن ينطوي على أكثر من مجرد السيطرة، فهو يفترض وجود مجموعة من القواعد التي تحكم الحياة اليومية لجميع أولئك الذين هم داخل السجن للتأكد من أن الجميع، موظفين ونزلاء وزوار، يمكن أن يذهبوا إلى أعمالهم ويقوموا بأنشطتهم دون خوف على أمنهم الخاص، فكل من الموظفين والنزلاء يجب أن يعملوا في إطار هذه القواعد، ويجب أن يثبت الموظفون أنهم يقومون بمهمتهم بإنسانية في إطار القانون، فإذا كان هذا هو الحال، فإن الغالبية العظمى من النزلاء سوف يستجيبون بشكل بناء.
واقعيا، يرى الجهاز الوظيفي للمؤسسة السجنية في المحجوزين أفرادا يعانون من المرارة وكتومين وغير جديرين بالثقة، بينما ينظر هؤلاء إلى موظفين السجن كأفراد خبثاء وذوي قدرة ومتعجرفين. وفي هذا المستوى يميل الموظفون إلى الشعور بأنهم المتفوقون، والمحجوزون بأنهم الأدنى مرتبة باعتبارهم ضعاف ومذنبون وقابلون للوم. حتى الحوار من جهة لأخرى يتوجب القيام به بنبرة ولهجة صوت خاصة، إذ أن إحدى وظائف الحراسة ضبط الاتصال. ويطلق على هذه العلاقة “علاقة نحن وهم” والتي تعني قيام حاجز غير قابل للتخطي بين الفريقين.
تلتجئ الإدارة لضبط الأمن داخل المؤسسة العقابية إلى اعتماد المعاملة التأديبية التي تستهدف ردع المحكوم عليه عن السلوك السيء وعن مخالفته لأحكام النظام الداخلي، وبالتالي تنمية الاتجاهات الإيجابية في تصرفاته من خلال فرض بعض الجزاءات أو الالتزامات حتى يعتاد على تحمل المسؤولية. والمساءلة التأديبية هي من الصلاحيات المخولة للإدارة العقابية، والتي تلجأ إليها كلما أخل النزيل بالواجبات المحمولة عليه، فالأنظمة العقابية تتضمن عقوبات تأديبية توقع على المخالف وتختلف باختلاف الفعل المرتكب وتتمثل في جوهرها بفرض أعباء إضافية على النزيل، أو حرمانه من بعض المزايا الممنوحة له، كالمنع من التنزه أو الزيارة، وتصل في حدودها القصوى إلى عزله بصورة منفردة عن بقية النزلاء لمدة معينة.
تؤسس العلاقات بين النزلاء وموظفي السجن أو بصفة أدق أعوان السجون جميع تنظيم السجن وتقوم على علاقات القوة، وعلاقات القوة لا تضمن سوى الأمن الصلب، وفي هذا المستوى يجب التأكيد على عدم إمكانية الاستغناء عن الأمن الحيوي الذي يساعد خصوصا على الحفاظ على جو هادئ نسبيا داخل السجن.
وبما أن من أولى مهام المشرفين على النزلاء تقويمهم وتأهيلهم للاندماج بالحياة الحرة فإن حسن معاملة النزلاء هو تحصيل حاصل، فلا عمل ولا مجهود تأهيلي أو علاجي أو إصلاحي يمكنه أن يعطي نتائج إذا تم بالقسوة والقهر، وهذا أمر بديهي، وعلى هذا الأساس يمكن التوفيق بين الإجراءات الضاغطة التي يتعين اعتمادها لإعادة التوازن إلى الجماعة وبين عملية التأهيل التي تعتبر الهدف النهائي لهذه المؤسسة.
يجب أن تكون شخصية المحكوم عليه هي المنطلق في تحديد أسلوب المعاملة الملائم لها والقابل للتطور والمراجعة تبعا لتطورها لبلوغ التأهيل على إثر انتهاج أنجع الطرق وأسلمها، وقد أثبتت الدراسات السلوكية في سيكولوجية التعلم أن تعديل السلوك يتم بطريقة أفضل تحت ظروف المكافأة والتعزير حيث يتوفر الدافع أو الحافز لدى الفرد، لذلك فاعتماد المكافأة التي تمنح على أساس حسن سلوك المحكوم عليه يجعلها تكتسي بالأساس بعدا تفريديا يحرص على إكساب النزيل الإنسان مزيدا من الثقة في النفس ومن القدرة على تحمل المسؤوليات.
إن استخدام أسلوب الثواب والعقاب يقوم على المكافأة على السلوك الإيجابي والعقاب على السلوك السلبي، فالمكافأة تكون عن حسن السلوك وللتشجيع عليه ولا يستفيد منها من أساء التصرف واستهتر بالإجراءات المفروضة عليه، وتركز هذه النظرية على المظاهر المشروعة لتعديل السلوك، وكثير من برامج تعديل السلوك قد أستحدث من أسلوب الثواب والعقاب وبخاصة مع الأفراد الذين يرتكبون أنواع من السلوك تعارض القضايا الأخلاقية والقانونية.
لئن كان الهدف الواضح من الزيارات الحميمية يبقى تحسين أوضاع السجون، فإن سلطات السجون تنظم من خلال هذه الآلية شكلا جديدا من أشكال السيطرة، حيث هذا الامتياز يمكن أن يصبح سلاحا في يد إدارة السجن، فالوصول إلى هذه الآلية ليس نفسه لجميع النزلاء، حيث التمتع بهذه الزيارة يعتمد على حسن السير والسلوك للفرد في السجن، بذلك تصبح الزيارات الحميمية في الواقع امتيازا إضافيا في يد الإدارة ضد النزلاء.
في هذا السياق، يبدو أن الفائدة من الزيارات الزوجية، والتي تقف وراءها احتمال حدوث لقاء جنسي حميم مع القرين يمكن أن يكون ورقة مساومة في علاقة حارس السجن والنزيل، فالترسانة القمعية الخاصة لإدارة السجون من تقرير ومجلس تأديب وكذلك كتلة العقوبات تشكل الخيار للنزيل إما الخضوع أو العقاب، إضافة إلى كون إعطاء النزيل وعائلته شعور أكبر بأن لديهم ما يخسرونه يشكل حافزا للخضوع يستخدم الميل الطبيعي للبحث الفردي للابتعاد عن أدنى حرج، وهذا يمكن المؤسسة العقابية من إدارة أعم للتوترات داخل أسوار السجن ومن إدارة أكثر فردية للنزيل وذلك باستخدام الإجراءات التأديبية التي هي التهديد من احتمال إلغاء الزيارات الحميمة، فالنزلاء يعلمون أن الحصول على الزيارات الزوجية هو في قلب الدينامكيات العلائقية السجنية، وهو وإن كان منظما فإنه ينطبق أيضا في سياق العقوبات التأديبية.
إن الحارس أو بالأحرى عون السجون وردا على خرق للقواعد أو سلوك عنيف وغير مناسب للنزيل لديه سلاح فعال، تقرير تأديبي مرجح أن يؤدي إلى عقوبة الحرمان من الزيارة الزوجية، وعلى الرغم من أن هذا الحرمان من الزيارات الحميمة في نهاية المطاف يعتمد غالبا على تقدير من مدير السجن فإن عون السجون هو الذي في الخط الأول لتوصيف انتهاك النظام.
وعون السجون لفرض احترام هويته المهنية والأمن داخل المؤسسة العقابية من قبل النزلاء، لا يجب أن يتصور السلطة الممنوحة له على النزلاء بأنها سلطة مطلقة شمولية، فهي سلطة مكرسة في إطار التفاوض داخل السجن تحقيقا للهدوء أكثر منها انضباط تطبيقي بحت مفروض من الأعلى إلى الأسفل، فوظيفة حفظ الأمن تعني على وجه الخصوص قبول مبدأ أن علاقة السلطة بين المشرف والنزيل ليست قاطعة، فالسجن ليس إلا مسرحا للتفاوض اليومي بين الحراس والمعتقلين، والنشاط الجنسي المنظم يوفر للمؤسسة السجنية أداة تفاوض وضغط وإدارة للنزلاء أكثر فعالية لحفظ الأمن، فالتحدي الذي يواجه إدارة السجون هو الحصول على مقابل راحة الأزواج عند الزيارة الحميمية الهدوء داخل أسوار المؤسسة العقابية.
حقيقة، أصبحت الحقوق التي تعزز الروابط الأسرية مرتبطة بتحقيق الأمن، وتمكنت الإدارة العقابية من استخدامها كأدوات للحفاظ على السلام بما أنها تندمج في نظام الامتيازات والعقوبات التي تحكم السجون، والواقع أن نظام الامتيازات الذي هو أقرب إلى مبدأ العصا والجزرة هو واحد من الأسس الجوهرية للحياة السجنية، ويتألف هذا النظام من امتيازات تسمح للنزيل بالتمتع بمزيد من الحرية أو الخصوصية وفي نفس الوقت يمكن سحبها في أي وقت، إنها تستخدم للضغط على المعتقلين وتشكل بحد ذاتها أداة سلطة في أيدي الموظفين، فما على النزيل إلا تبنى السلوك الجيد في الاحتجاز وما على الزوار إلا احترام النظام الداخلي وموظفي السجون.
إذا فالأقارب عامة مثلهم مثل النزلاء دمجوا في ديناميكيات العصا والجزرة، فمزيد من الحرية في غرف الزيارة هو امتياز يمكن أن يفقد إذا لم يتم اعتماد سلوك يتفق مع المتطلبات المؤسسية. في هذا المستوى الخوف من فقدان هذه المزايا وأكثر من ذلك من العقاب ينبغي أن يشجع الأقارب للانخراط في السلوك الذي يلبي قواعد السجن، وهكذا فإن تدابير تعزيز الروابط الأسرية أي الزيارات الحميمية يمكن استخدامها كوسيلة لحوكمة السجن لضمان تسيير أكثر سلمية مما يثري بذلك امتيازات الإدارة العقابية.
تلعب الأسرة دورا أساسيا في ضبط سلوك الفرد وتوجيهه وجهة سليمة، فتأثير الأسرة على توجهات الفرد له آثار في مجال تحديد سلوكه في المستقبل. وتساهم الزيارات الزوجية الحميمية في الحد من العدوانية والتوتر والعنف في السجون، فهي تؤثر بشكل مباشر وفعال في سلوك الفاعل الاجتماعي داخل الفضاء السجني.
في هذا الإطار قام ثلاثة باحثين من جامعة فلوريدا الدولية بالولايات المتحدة بدراسة حول التأثير الذي يمكن أن يكون للزيارات الحميمية على العنف الجنسي في السجن، وشملت هذه الدراسة السجون التي تنظم مثل هذه الزيارات والسجون التي لا تنظمها، وغطت بيانات 50 ولاية خلال فترة سنتين (2004-2006)، وقد أظهر الباحثون مع هذه الدراسة العلمية الواسعة أن الاعتداءات الجنسية هي أقل بكثير في السجون حيث يتم السماح بزيارات حميمية، حيث سجل 57 حادث لكل 100000 نزيل بهذه السجون، بينما بلغ المعدل 226 حادث بالسجون التي لا تأذن بمثل تلك الزيارات.
لقد أكد العديد من الباحثين والمهتمين بالشأن السجني على الآثار الإيجابية للزيارة الحميمية باعتبارها حافزا للانضباط، فهي تتمتع بتأثير مهدئ على الأجواء السجنية وتخدم السلام في الاعتقال بتشكيلها لمصدر استرضاء للنزلاء، ما يجعلهم أقل عدوانية وساعين إلى تحقيق انضباطهم الذاتي. فالرجل الذي يفطم جنسيا تتطور لديه العدوانية التي قد أو قد لا يعرف توجيهها، أما جميع أولئك الذين يحضون بزيارات حميمية فعند خروجهم من الغرف تحوم حولهم سحابة، لقد تخلصوا من تلك الطاقة الزائدة.
إن سعي النزيل ونجاحه في تحقيق انضباطه الذاتي يدل على إمكانية التقويم الذاتي وضبط الفرد لسلوكه بمعزل عن أي تأثير خارجي، مما يحث إرادته على عدم تكرار القيام بالذنب، وفي ذلك نجاح لعملية التأهيل عامة.
عموما إن العامل النفسي له تأثير عميق في سلوك الفرد الجانح وسط محيط مليء بأصناف من مرتكي الإجرام، والزيارات الحميمية تشكل شاحن هائل لنفسية النزيل الإنسان، وهي لا تؤثر على رعاية النزيل وسلوكه في الاحتجاز فقط، ولكن أيضا على آفاق الإفراج عنه، فهي تتضمن دعوة لرفع قيمة إنسانية كل شخص محتجز وتكريس الاستماع والحوار والمساعدة النفسية والاجتماعية في إطار الاحترام المتبادل بين النزلاء والموظفين في السجن، فهي تمثل غرفة معادلة الضغط لإعادة الدمج في المجتمع. لكن حرمان النزيل من هذه الزيارات، أو بالأحرى من إشباع حاجاته الجنسية كإنسان، تولد انعكاسات خطيرة على تأهيله.

الكاتب: منير العش، مشروع إنسان… شبه مواطن… حقوقي وباحث في علوم الإجرام، مدافع عن الفئات التي يلقي بها المجتمع في المستنقع دون ذنب ثم يتنكر لها ويعلنها ورما خبيثا …

image_print

تصنيفات: القانون الجزائي وعلوم الإجرام,قسم القانون الخاص,مقالات الرأي