احدث المقالات

الضحية “الدافعة” لإرتكاب الجريمة دراسة في علم الضحية – بقلم الباحثة كوثر يعيش

الضحية “الدافعة” لإرتكاب الجريمة

دراسة في علم الضحية

بقلم الباحثة كوثر يعيش 

لا ترتكب الجريمة من الفراغ، حيث يجد الجاني نفسه مدفوعا بعدة عوامل داخلية أو خارجية نحو تحقيق الفعل المحظور. في هذا السياق، يكاد يجمع الباحثون في علم الضحية على أن المجني عليه نادرا ما يمثل عنصرا جامدا في وقوع الفعل الإجرامي، إذ يكون له في الغالب دور هام في إرتكاب الجريمة عليه عن طريق تدخله بعدة أشكال، من ذلك تصرفاته ومواقفه، فتكون متسببة فيها وتأتي الجريمة كشكل من أشكال الرد عليها. كما أن رضاء الضحية وموافقتها يمثلان دافعا هاما للجاني للإقدام على جريمته، وهو ما يجعل منها مساهمة فيما حصل لها.
فقرة أولى: الضحية المتسببة في وقوع الجريمة
إعتبر جانب من الفقه أن الضحية يمكن أن تمثل السبب الرئيسي في الذي حصل عليها. فلولا تدخلها بتصرفها اللامسؤول أو اللامدروس العواقب لما وقعت عليها الجريمة. وبهذا، تتسبب الضحية إيجابا أو سلبا في إرتكاب الفعل المحظور.
أ‌- التسبب الإيجابي للضحية في إرتكاب الجريمة
اعتبر الأستاذ عزت عبد الفتاح في مؤلفه حول دور الضحية في جريمة القتل بغاية السرقة أنه “في عدة حالات، تبدو الضحية وكأنها تحفز أو تغري المجرم، حيث يجد المجرم نفسه مدفوعا بطرق عديدة نحو الخروج من هدوئه وارتكاب الجريمة عليها.” فتأثير الضحية إذا، لا يتوقف على بعث الفكرة الإجرامية لدى الجاني، بل يمتد إلى دفعه نحو ارتكاب السلوك الإجرامي عليها كردة فعل على استفزازها أو تحفيزها له بأي شكل من الأشكال.
يعتبر « Marvin Wolfgang » المؤسس لمفهوم “الضحية المحفزة” سنة 1958 في إطار دراسته التي أجراها حول جرائم القتل في فيلادلفيا، والتي كشفت على أن للضحية الدور الهام في وقوع أغلب الجرائم التي تمت دراستها. وقد تمثلت الضحية المحفزة، حسب هذه الدراسة، في الضحية الذي قامت بفعل إيجابي ومباشر في الجريمة. فهي أول من استعمل العنف مباشرة ضد قاتلها اللاحق، أول من بادر بالكشف واستعمال سلاحها القاتل، وأول من بادر بتوجيه قبضته الى الطرف الاخر.
لا يقتصر مفهوم الضحية المحفزة على جرائم القتل، بل يشمل مبدئيا جميع الجرائم التي يمكن للضحية فيها أن تأخذ دور المبادر والدافع نحو وقوع الجريمة، حيث أثبتت أبحاث علم الضحية أن وقوع بعض الجرائم يرجع إلى الموقف المثير أو المستفز الذي يوجهه المجني عليه إلى الجاني، والذي من شأنه أن يثير الغضب والميول الإجرامية في نفس هذا الأخير مما يدفعه إلى ارتكاب الجريمة.
يتمثل هذا الموقف المثير أو المستفز في صدور أفعال أو أقوال ضد شخص الجاني بصورة تولد لديه حالة من الغضب والانفعال الشديدين، فيكون رد فعله الطبيعي ضد ما صدر من المجني عليه هو ارتكاب الجريمة.
في هذا المستوى يمكن أن نشير الى جريمة الاغتصاب والدور الذي يمكن أن تلعبه الضحية في وقوعها، وهو ما عبر عنه «Menahim.Amir» في إطار دراسته حول “الاغتصاب المحفز من طرف الضحية” في فيلادفيا، حيث اعتبر أن الضحية هي التي حفزت المجرم لارتكاب جريمة الاغتصاب ضدها، سواء عن طريق مظهرها أو تصرفاتها مما جذب انتباه المجرم اليها، سواء كان ذلك عن وعي منها أو عن غير وعي.
ومع الأسف، هناك من يرى أن الفتاة التي تخرج ليلا بلباس مغري أو التي اعتقد الجاني أنها، عن طريق تصرفاتها ومواقفها، ترغب في إقامة علاقة جنسية معه، هي التي حفزت المجرم لاغتصابها.
إمتد مفهوم الضحية المحفزة ليشمل عديد الفئات من الضحايا من بينهم الطفل الضحية لإعتداء جنسي، حيت يرى بعض الباحثين أن الطفل قد يكون هو المحفز للإعتداء الجنسي عليه ويكون ضحيته الشخص الراشد الذي لم يقدر على مقاومة إغرائه. إذ ينكر هذا الجانب من الباحثين أن الطفل يأخذ دائما وضعية الملاك البريء الذي وقع ضحية وحوش مفترسة. ونجد تطبيقا لهذه الصورة غالبا في العلاقات الجنسية المجرمة بين البنت القاصرة والرجل الراشد.
عموما، يجب أن التأكيد على أن مفهوم “الضحية المحفزة” لا يمثل مفهوما قانونيا أو حتى أخلاقيا، ولا يهدف الى القاء اللوم على الضحية وتحميلها المسؤولية في وقوع الجريمة عليها، فمفهوم “الضحية المحفزة” هو فقط مصطلح خاص بالأبحاث في علم الضحية في إطار تصنيف أفعال الضحية ويشير فقط الى الدور والموقف الذي لعبته الضحية في ارتكاب الجريمة والذي لا يمثل مبررا لوقوعها.
من أبرز الصور التي تكون فيها الضحية محفزة على الجريمة، نجد صورة الاستفزاز التي اعترفت بها عديد التشريعات القانونية المقارنة والتي أبدت موقفين في الغرض.
اعتبر جانب أول من هذه التشريعات الاستفزاز عذراً مخففاً عاماً يؤدى توافره إلى تخفيف العقوبة الموقعة على الجاني أياً كانت الجريمة التي يتوافر فيها هذا العذر، ومن هذه التشريعات نذكر على سبيل المثال قانون العقوبات الإيطالي وقانون العقوبات السويدي.
في المقابل، أخذ الجانب الثاني من التشريعات بعذر الاستفزاز كعذر خاص مخفف للعقوبة تم التنصيص عليه بنصوص محددة ومحكمة لا يجوز القياس عليها أو التوسع فيها، ومن ذلك نذكر التشريع الفرنسي الذي نص على الاستفزاز كظرف مخفف للعقوبة في جرائم حددها على سبيل الحصر، وهي جرائم: القتل والضرب والجرح والسب. أما المشرع المصري فقد أخذ بالاستفزاز كعذر قانوني خاص في حالة مفاجأة زوج لزوجته حال تلبسها بالزنا وقتلها في الحال مع شريكها في المادة 237 من قانون العقوبات.
بإلقاء الضوء على موقف المشرع التونسي نتبين أنه لم يهتم بعذر الاستفزاز، إذ لم يضع نصا خاصا يحدد الاستفزاز أو يبين شروط الاخذ به، لكنه كان قد أخذ به سابقا كعذر قانوني مخفف للعقاب في صورة الزوج القاتل لزوجته أو لمن وجد معها وهما بحالة وقاع، أي متلبسين بجريمة الزنا، صلب الفصل 207 من المجلة الجزائية قبل تنقيح 12 جويلية 1993.
لم يمنع غياب التكريس القانوني لعذر الاستفزاز اعتماده كظرف تخفيف قضائي، حيث لم يتخلف فقه القضاء عن الاعتداد بعنصر الاستفزاز الذي اعتبرته محكمة التعقيب من ظروف التخفيف الأكثر شيوعا، كحسن ماضي المتهم وحداثة سنه والبواعث التي دفعته لارتكاب فعله.
ومن جانبه، ساند جانب الفقهاء الإلتجاء إلى هذا العذر، وإستندوا في ذلك إلى حالة الغضب الشديد التي تنتاب الجاني عند قيام المجني عليه بارتكاب الأفعال أو الأعمال أو الأقوال مستفزة تجاه الجاني، فتثير هذا الأخير وتدفع به نحو الجريمة. وبالتالي، يكون الشخص المرتكب للجريمة تحت تأثير الاستفزاز غير متمتع بإرادة كاملة تمنعه من ارتكاب الجريمة. فالشخص الذي يرتكب الجريمة تحت تأثير الاستفزاز يعتبر مجرما أقل خطورة ممن أقدم على الجريمة هادئ الأعصاب ومتمتع بكامل إرادته. كذلك، يعتبر استفزاز المجني عليه خطأ يجب طرحه من خطأ الجاني.
وفي هذا الإطار، وضع الفقه شرطان لقيام حالة الاستفزاز حتى تؤدي إلى تطبيق ظروف التخفيف.
يتمثل أول هذين الشرطين في صدور فعل غير محق من الضحية، بمعنى أنه يجب أن يصدر عن المجني عليه سلوك إيجابي سواء اتخذ شكل القول أو الفعل يهين الجاني ويمس من اعتباره. فلا تتوافر حالة الاستفزاز بشأن المتهم الذي ارتكب جريمته تحت تأثير الانفعال المتولد عن شائعة وصلت إلى مسامعه عن المجني عليه الذي لم يصدر عنه أي تصرف خاطئ.
أما للشرط الثاني فيتمثل في إرتكاب الجاني لجريمته وهو في حالة الغضب الشديد، وهو ما يفيد ضرورة المعاصرة بين الاستفزاز والجريمة أي أن يرتكب الجاني فعلته وهو في حالة الغضب الشديد. تولد هذا الشرط عن الأساس الذي يقوم عليه عذر الاستفزاز والذي يتمثل في حالة الانفعال الشديد الناتج عن استفزاز المجني عليه الذي يضيق من حرية اختيار الجاني، مما يبرر تخفيف مسئوليته.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على أن مفهوم المعاصرة بين الاستفزاز والجريمة لا يعني وقوع الجريمة عقب صدور الاستفزاز مباشرة بحيث لا يفصل بينهما أي فاصل زمني، ولكنه يفيد وقوعها في وقت قريب جدا من الاستفزاز طالما أن حالة الانفعال الشديد الناتجة عن الغضب ظلت مستمرة معه حتى لحظة الجريمة. ويبنى على ما تقدم أن مرور فترة زمنية كافية لزوال حالة الغضب والثورة، وقيام الجاني بالرد بعد هدوء أعصابه واستعادته لنفسه يمنع من قيام عذر الاستفزاز، لأن القانون لا يعذر الجاني الذي يمارس هذا النوع من الانتقام الهادئ والمتروي.
وبالتالي، يمكن للضحية أن تتسبب في وقوع الجرمية عليها عن طريق تحفيزها أو استفزازها للجاني، وهو ما يدل على أن لها دورا لا يصح تجاهله عند تحديد مسئولية الجاني سواء خلال وضع النصوص التشريعية أو خلال إصدار الحكم من طرف السلطة القضائية. فالقاضي، أثناء تعرضه للأحداث القضية، عليه أن لا يتجاهل موقف الجاني الذي تعرض لحالة الاستفزاز من الضحية، وهو ما دفع به لارتكاب الجريمة عليها. ويعتبر هذا الموقف القضائي والفقهي متماشيا مع ما تمليه السياسة الجنائية الحديثة في مجال علم الضحية.
إذا، يمكن الإقرار بأن الضحية قد تلعب دورا إيجابيا في الجريمة عن طريق تحفيزها أو استفزازها للجاني مما يدفعه لخرق القانون الجزائي وارتكاب الفعل المحظور. ويجب أن نؤكد في هذا المستوى على أن الضحية لا تقف عند الدور الإيجابي في إيقاع الجريمة، بل يمكنها أيضا من خلال استهتارها أن تتسبب في ارتكاب الفعل الاجرامي.
أ‌- التسبب السلبي للضحية في إرتكاب الجريمة
مثلما تتدخل الضحية إيجابيا في دفع المجرم نحو اقتراف الجريمة عليها، يمكن أن تساهم بصورة سلبية في وقوع الفعل المحظور عليها، من خلال اهمالها، لامبالاتها، قلة حذرها وعدم اخذها للاحتياطات اللازمة. فالمجرم الذي الذي يبحث عن ضحية مناسبة لجريمته المحددة مسبقا، قد يجد في الشخص المهمل أو المتهور ضحية مثالية له.
يشمل هذا الصنف من الضحايا كل شخص يعي الخطر وتداعياته ولكنه يتوجه نحوه إما بسبب ثقة مفرطة في النفس في النجاة أو بسبب قوة إرادة التحدي لديه سعيا منه لإثبات قدرته على تجاوز الخطر. كما يشمل هذا الصنف أيضا كل من يسيء تقدير النتائج الضارة للعمل الذي يقوم به أو كل من لا يأخذ الإحتياطات اللازمة لمنع حدوثها.
يتحدد إهمال الشخص أو تهوره بمعيار موضوعي مجرد وهو معيار الشخص المتوسط في حذره وانتباهه. فالضحية في هذه الصورة هي الشخص المقصر في إدراك مدى ما يترتب على سلوكه من نتائج ضارة في الوقت الذي يتوجب عليه الحيطة والحذر عند مباشرته لسلوكه وتصرفاته.
بالنسبة للإهمال، فقد تباينت آراء الفقهاء بشأن تحديد جوهره. فمنهم من نظر إليه بمنظور نفسي داخلي واعتبر الإهمال عيبا في الإرادة، فجوهر الإهمال يتمثل في خمول الإرادة. وجوهر هذا الخمول يتمثل في مزيج من عدم إستحثاث ملكة الإنتباه وعدم تحريك الإرادة في سبيل تفادي وقوع الضرر. كما أن منهم من عاد بالإهمال إلى عوامل نفسية مرضية تؤدي الى حدوث الإهمال، ومنها النسيان المرضي وفيه يفقد المريض معلوماته وخبراته وميوله الشخصية بالشكل الذي يفضي في نهاية الأمر الى ان لا يبقى لدى المريض من خزين معلوماته وخبراته الا ما تمليه عليه المطالب الغريزية الطبيعية.
عموما، تتحمل الضحية المهملة جزءا من مسؤولية وقوع الجريمة عليها. فعلى الرغم من أنها لم تقم بفعل ايجابي يحفز الجاني لارتكاب الجريمة نحوها، إلا أنه لولا اهمالها وقلة حذرها لما وقعت عليها الجريمة. لذلك، فقد إعتبر جانب من الباحثين في علم الضحية أن كل فرد لم يأخذ الاحتياطات اللازمة ليحمي نفسه يمكن اعتباره هو من سهل وقوع الجريمة عليه.
وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى عديد الدراسة التي أجريت حول عمليات السرقة وسرقة العربات ذات محرك والتي كشفت أن لامبالاة الضحية وإهمالها له دور رئيسي في جرائم الاعتداء على الملكية، حيث أن ما يقارب ثلث المنازل التي تعرضت الى السرقة تنقصها الحماية اللازمة، تقريبا نفس النسبة بالنسبة لسرقة العربات ذات محرك التي تركت بدون حماية، وكذلك بالنسبة لسرقة الأشياء من السيارات التي تركت مفتوحة الأبواب أو النوافذ.
إضافة لتلك الجرائم، نجد العديد من الأمثلة الرائجة حول اهمال الضحية، من ذلك صورة الشخص الذي يسرف في الشرب ويخرج للشارع في وضعية سكر تام فيقع ضحية سرقة أو تحيل. فشرب كمية هامة من المشروبات الكحولية تفقد الشخص قدراته الدفاعية مما يجعله في وضعية جسدية وعقلية أدنى من الشخص المعتدي عليه.
كما أن الضحية التي توفر كمية هامة من المشروبات الكحولية للمجرم وتحفزه نحو الإفراط في السكر تعتبر مساهمة في إضعاف تحكمه في نوازعه الإجرامية التي يمكن أن تتجه في لحظة ما نحوها.
كذلك، من صور إهمال الضحية أن تتبجح على الملأ بكونها تحمل مبلغا هاما من المال، فيسيل لعاب الطماعين والمحترفين لجرائم السرقات. هذا بالإضافة إلى أن ارتداء المرأة لمصوغها بطريقة بارزة وتجولها به في مناطق شعبية فقيرة أو وسائل نقل عمومية يجلب انتباه المجرمين اليها وقد تدفع بالمحتاجين إلى سرقتها.
في نفس هذا الإطار، إعتبر الباحثون في علم الضحية أن الأشخاص الذين يطلبون النقل المجاني في الطريق العام هم ضحايا متهورون، فهذا الفعل يجعل منهم في وضعية ارتباط بالسائق الذي يمكنه ان يرتكب عليه عديد الجرائم أولها تحويل الوجهة، الاغتصاب، العنف، القتل…
وبالتالي، يبرز اهمال الضحية وقلة حذرها في عديد القرارات التي تتخذها، وهو ما دفع بشق من الفقهاء إلى اعتبار الضحية المتهورة أو المهملة مسؤولة عن الجريمة التي ارتكبت ضدها باعتبار أنها تساهم في خلق الوضعية الملائمة التي يستغلها الجاني لارتكاب الجريمة عليها، ولولا عدم دراستها للعواقب واخذها للاحتياطات اللازمة لما وقعت عليها الجريمة.
بذلك، نجد أن الضحية تتسبب في وقوع الفعل المحظور عليها سواء عن طريق تدخلها السلبي أو الإيجابي، وهو ما يدعو الى تحميلها جزءا من مسؤولية الفعل المسلط عليها. لكن ماذا لو كانت الضحية راضية بما يقع عليها، فهل تعتبر بذلك مساهمة في وقوع الجريمة؟

الفقرة الثانية: الضحية المساهمة في إرتكاب الجريمة
تقوم سياسة الدولة في التجريم والعقاب على أساس اعتبارات المصلحة العامة، وهو ما يجعل من رضاء الضحية كمبدإ عام ذو أثر منعدم في قيام الجريمة ومسؤولية الفاعل عنها. فرضاء الضحية مبدئيا لا يمحو الجريمة ولا يسقط العقاب، سواء كان قبل ارتكاب الجريمة أو كان متزامنا لارتكابها، حيث أن العقاب في المسائل الجنائية من حق المجتمع، وليس من حق الأفراد. فليس من حق المجني عليه الانتقام لنفسه، وكذلك ليس من حقه التنازل عن العقاب. وهو ما يعدم أثر رضائه بصورة مبدئيا في قيام الجريمة أو التنازل عنها.
لم يعرف المشرع التونسي رضاء المجني عليه ولم يجعل منه سببا من أسباب الإباحة التي حصرها في الدفاع الشرعي (الفصلان 39 و40 من م.ج) وفي القيام بواجب سواء كان ذلك بمقتضى نص قانوني أو إذن من السلطة التي لها النظر (الفصل 42 من م.ج). أما حالة الضرورة، وإن لم يتعرض لها أي نص صلب المجلة الجزائية، فقد أجمع الفقه وفقه القضاء على أنها سبب من أسباب الإباحة.
يعرف الفقه الرضاء بأنه الإذن الصادر من شخص من أشخاص القانون الخاص بإرادته الحرة والحقيقية أو شخص من أشخاص القانون العام إذا ما عمل في نطاق القانون الخاص إلى الغير مدركا وعالما لما سيقع من هذا الإذن من اعتداء أو إيذاء أو ضرر ضد من صدر منه هذا الرضاء.
وحتى يكون الرضاء صحيحاً ومنتجاً لآثاره القانونية، يتعين توفر عدة شروط في الشخص الذي يصدر عنه الرضا، أهمها أن يكون هذا الشخص مميزا ومدركا.
والتمييز هو توافر الملكة الذهنية والنفسية لدى الشخص بالقدر الذي يمكنه من فهم طبيعة الفعل الذي يقع مساساً بحقه مع معرفة ما يرتبه الفعل من نتائج وآثار وأن يكون مدركاً لطبيعة ما يفعله. وفي هذا الإطار، حدد المشرع سن التمييز الجزائي بثمانية عشر سنة وأقر بصفة ضمنية بتأثير رضاء القاصر على مسؤولية الجاني في بعض الجرائم المحددة، لكنه في نفس الإطار وضع قرينة قانونية قاطعة صلب الفصل 38 من م.ج مفادها انعدام التمييز بالنسبة للطفل الذي يقل سنه عن الثلاثة عشر عاما، حيث أن الثابت في هذه السن أن الطفل لا يكون مدركا لخطورة الأفعال المسلطة عليه وغير قادر على التمييز بين ما هو مباح وما هو ممنوع منها.
كذلك، يجب أن يكون الشخص حر الاختيار بحيث لا تخضع إرادته لإكراه أو خوف تعدم لديه حرية الاختيار.
بالتطرق إلى النصوص المجرمة، يمكن أن نجد وضعيتين للضحية الراضية بالجريمة. تتعلق الوضعية الأولى بالضحية التي صدر عنها رضاء ضريح بارتكاب الجريمة عليها، بينما تتعلق الوضعية الثانية بالضحية التي تبدي رضاءها تحت عامل الواجب.
أ‌- الرضاء التام للضحية بوقوع الجريمة
يعتبر رضاء الضحية بمثابة تعبير عن إرادة منفردة تتخذ عموما صورة القبول بالفعل المجرّم وبالنتيجة المرتبة عنه قبل صدور الفعل الضار، وهي بذلك تختلف عن الرضاء في القانون المدني الذي يتجسد في اجتماع إرادتين أو أكثر وتوافقها على إنشاء علاقات قانونية إلزامية بين المتعاقدين.
يثير التطرق إلى موضوع رضاء الضحية بالجريمة استغراب العديدين، إذ كيف يمكن أن توافق الضحية على ارتكاب الجريمة عليها؟
نتبين رضاء الضحية في العديد من الجرائم، ومن أبرزها موافقة الضحية على موتها، وهو ما يبرز في صورة القتل الرحيم والمساعدة على الانتحار. إذ يعتبر الحق في الحياة من أهم الحقوق التي يتمتع بها الانسان، وهو حق مقدس أقرته الدساتير والأنظمة القانونية والدولية وأحاطته بسياج من الحماية بأن فرضت الجزاء الرادع لمن يحاول الإعتداء على هذا الحق.
لكن، وباعتبار أن الإنسان هو صاحب الحق، فما مدى سلطانه على نفسه؟ بمعنى آخر هل يحق له أن يتنازل عن حقه في الوجود وينهي حياته بنفسه؟ وإذا كان له مثل هذا الحق هل بمقدرته أيضا أن يسمح للغير بإنهاء حياته بناء على طلبه ورضائه؟
قد يدفع اليأس وشدة الألم بالفرد أحيانا إلى البحث عن الخلاص من حياته، فيتوسل إلى الغير ليقتله بدافع الشفقة أو الرحمة. ويعرف القتل الرحيم بكونه إنهاء حياة مريض ميؤوس من شفائه طبيا بفعل إيجابي أو سلبي وذلك للحد من آلامه المبرحة والغير محتملة بناء على طلبه الصريح أو الضمني أو طلب من ينوب عنه وسواء قام بتنفيذه الطبيب أو صديق أو أي شخص اخر بدافع الشفقة.
في هذا الإطار، نلاحظ اختلافا فقهيا وقضائيا وتشريعيا حول اعتبار الرضاء بالقتل سببا لإباحته، وانقسمت في ذلك التشريعات إلى ثلاث مواقف.
يتضمن القسم الأول التشريعات التي قننت القتل الرحيم وسمحت به عبر طريقتين، إما بإعطاء المريض الذي لا أمل من شفائه حقنة تقضي عليه أو عن طريق التوقف عن تقديم العلاج الذي يتناوله بما يعجل وفاته. تعمل بلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وسويسرا وبعض الولايات الأمريكية بالطريقة الأولى، في حين تعمل الدانمارك وفنلندا وفرنسا والهند وإيرلندا وإيطاليا وكولومبيا والمكسيك بالطريقة الثانية.
في المقابل، يقر القسم الثاني من التشريعات قواعد خاصة لجريمة القتل بناء على طلب الضحية تخفف العقاب على الجاني. وضعت هذه التشريعات شروطا خاصة يجب توفرها في الرضاء الصادر من الضحية، حيث يجب أن يكون خاليا من العيوب وأن يكون المجني عليه كامل الأهلية حر الإرادة ومدركا للنتائج المترتبة عن هذا الرضاء. وبين من هذه التشريعات نذكر القانون الألماني. وقد برر الفقه هذا الموقف التشريعي استنادا الى الباعث الإنساني والاجتماعي الذي دفع بالجاني إلى مطاوعة المريض وإنهاء حياته لكي ينقذه من قسوة آلامه ومرارة العذاب والألم الشديد الذي يشعر به المريض. فالمصلحة المرجوة من إنهاء حياة هذا المريض أكبر من المصلحة المرجوة من استمراره على قيد الحياة.
أما القسم الثالث من التشريعات، فلم تتبنى قواعد خاصة مميزة للقتل الرحيم وتركت للقضاء مراعاة ظروف كل حالة على حدة، بحيث أخضعت هذه الجريمة للقواعد العامة التي تطبق على جريمة القتل العمد والتي لا تعتد بالدافع إلى ارتكاب الجريمة، ولكن ذلك لا يمنع من استعمال القاضي لسلطته التقديرية وتطبيق النصوص الخاصة بظروف التخفيف. ومن بين هذه التشريعات نذكر التشريع المصري والكويتي.
حذا المشرع التونسي جانب هذا الموقف التشريعي الأخير، إذ أنه لم يتعرض لصورة القتل بدافع الشفقة ولم ينص عليها صلب نص جزائي خاص ولم يبين أثر رضاء الضحية فيها على المسؤولية الجزائية للفاعل. فالمشرع لا يقبل مبدئيا تبرير الفعل المجرم برضاء الضحية ولا يسمح للمتضرر أن يعطل أحكامه ويمنع بإرادته المنفردة تطبيقه كي لا يتمكن المتضرر من منع القانون الجزائي من القيام بدوره الرئيسي المتمثل في حماية المصلحة العامة والنظام الاجتماعي من كل إخلال أو ضرر. وعلى هذا الأساس، فإن الذي يرتكب جريمة القتل الرحيم يعاقب، ولا يعد رضاء الضحية مبررا لما قام به من أفعال مجرمة.
سبق للقضاء التونسي أن تعرض لحالة من حالات القتل بدافع الشفقة (حكم صادر عن الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 31 جانفي 1973). إلا أن هذا القرار تعلق بفتاة قتلت أخاها المريض ذو الأربع سنوات الذي لم يصدر منه رضاء ولا طلب لإنهاء حياته بدافع الشفقة، وقد أخذت المحكمة في هذا القرار بظروف التخفيف عملا بالفصل 53 من م.ج مراعية بذلك الدافع الذي بعث بها الى ارتكاب الجريمة. وبالتالي، فإننا نلاحظ غيابا تاما لموقف واضح للمشرع التونسي وفقه القضاء من رضاء الضحية وتأثيره على المسؤولية الجزائية للفاعل في جريمة القتل الرحيم.
لا تمثل صورة القتل الرحيم الحالة الوحيدة التي يبرز فيها إرتكاب الجريمة تحت طلب الضحية، فالضحية قد تطلب من الغير مساعدتها على إنهاء حياتها أي الإنتحار. ويتمثل الانتحار في كل حالات الموت التي تنتج مباشرة او على نحو غير مباشر عن فعل إيجابي أو سلبي ينفذه الضحية بنفسه وهو يعلم سلفا أن هذا الفعل سوف يصل به حتما الى هذه النتيجة أي الموت.
بالإطلاع على موقف العديد التشريعات من فعل المساعدة الانتحار، نجد أن بعضها تعتبره فعلا مشروعا، وذلك لكونها لا تجرم الانتحار لعدم وجود محل لإيقاع العقاب عليه. وبالتالي، فإنه لا يصح تجريم المساعدة عليه والذي يعتبر فعل مشاركة فيه. فإستنادا إلى القواعد العامة للمشاركة، يستمد فعل المشاركة تجريمه من الفعل الأصلي الذي يجب أن يكون مجرما ومعاقبا عليه.
لكن هذا الموقف لم يلق تأييدا من غالبية التشريعات التي تعاقب على التحريض أو المساعدة على الانتحار تطبيقا لقاعدة عدم جواز تصرف الفرد في حق غيره في الحياة وفي السلامة الجسدية. ومن بين هذه التشريعات نذكر القانون الكويتي والقانون التونسي.
اعتبر المشرع التونسي فعل المساعدة فعلا مستقلا وجعل من المساعدة على الإنتحار جريمة قائمة بذاتها تطال مقترفيها بقطع النظر عن تحقيق أو عدم تحقيق الإنتحار، حيث جاء صلب الفصل 206 من م.ج المنظم لجريمة “إعانة الغير قصدا على قتل نفسه بنفسه” أنه: “يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام الإنسان الذي يعين غيره على قتل نفسه بنفسه.”
من خلال التعرض إلى هاتين الصورتين، نتبين أن الجريمة ليست دائما وليدة فكرة الجاني، بل قد يعود ارتكابها إلى طلب الضحية سواء بدافع الشفقة أو بدافع اليأس من الحياة وتكون بذلك راضية تماما بما يقع عليها.
إلا أن هاتين الصورتين لا تمثلان الصور الحصرية التي تبرز رضاء الضحية، إذ من الممكن أن نجد الضحية مستسلمة تماما لرغبة الجاني وتستمع بايقاع الفعل المجرم على ذاتها، وهو ما يبرز أساسا في صورة مواقعة قاصر برضاها.
فعلى الرغم من أن المشرع التونسي لا يجرم العلاقة الجنسية القائمة بين طرفين راشدين راضيين تماما، إلا أنه وضع حدودا لهذه العلاقات حتى لا تتجاوز الحد العادي لها، كما أنه حرص على ان يكون للطرفين القدرة اللازمة على التمييز وأخذ القرار السليم وربط ذلك بعامل السن.
فحتى لا تكون العلاقة الجنسية مجرمة، لابد أن يكون كلا الطرفين فيها قد بلغ سن الرشد الجزائي. وفي صورة لم يبلغ أحد الطرفين هذه السن المحددة قانونا، اعتبرت هذه العلاقة مجرمة واعتبر الطرف القاصر فيها هو الضحية، حتى ولو كان هذا الطرف راضيا تماما بما يقع عليه، بل ربما قد يكون هو الذي طلب ارتكاب الجرم عليه.
نظم المشرع هذه الجريمة صلب الفصل 227 مكرر من م.ج الذي نقح حديثا بالقانون عدد 58 لسنة 2017 والذي كان، في نسخته القديمة، يمكن الجاني الذي واقع فتاة قاصرا برضاها من الزواج بها.
على إثر صدور القانون عدد 58 الصادر في 11 أوت 2017 المتعلق بمناهضة العنف ضد المرأة، أصبحت العقوبة المستوجبة على فعل مواقعة قاصرة برضاها مختلفة بإختلاف سن الضحية. فإذا كانت الفتاة تحت سن السادسة عشر، إعتبر رضاؤها مفقودا وأعتبر الفعل من قبيل الإغتصاب ويعاقب شريكها بالسجن بعشرين سنة. أما في صورة بلوغها سن السادسة عشر، فإن العقوبة تخفض إلى السجن بخمس سنوات.
وبالتالي، فإن المشرع التونسي يجرّم فعل المواقعة في جميع الحالات التي لم يبلغ فيها سن المجني عليها ثمانية عشر سنة كاملة. وهذا يعني أن رضاء المجني عليها في جريمة مواقعه قاصرة برضاها لا يمكن الإعتداد به إلا إذا بلغت الفتاة سن الرشد الجزائي.
من خلال هذه الحالات، نتبين أن الضحية لا تبدو دائما في وضعية الطرف المظلوم بل نجدها في بعض الجرائم هي التي تطلب ارتكاب الجريمة عليها وأحيانا تكون مستمتعة ومتلذذة بوقوع الفعل المحظور عليها. إلا أنه في بعض الحالات نتبين أن رضاء الضحية لا ينبع حقيقة من رغبة وإرادة سليمة لديها، بل هو ناتج عن عوامل وظروف خارجية جعلتها تبرز في صورة الضحية الراضية بالجريمة لكن رضاءها هذا تشوبه بعض العيوب.
ب‌- الرضاء “المعيب” للضحية بوقوع الجريمة
لكي يكون رضاء الضحية سليما ينبغي أن يصدر عن حرّية وعن علم. فالإرادة الصادرة عن الضحية لا تكون حرة إذا أعطيت بالإكراه، ولا تكون عن علم إذا أعطيت بالغلط أو كانت نتيجة خدع أدت إلى الغلط، وعليه فالغلط والإكراه هي من الأسباب المعيبة للإرادة لأنها تجرد الرضاء من كل قيمة قانونية.
يتمثل الإكراه حسب الفصل 50 من م.إ.ع في إجبار أحد بغير حق على أن يعمل عملا لا يرتضيه. فالإكراه إذن هو كل ضغط على إرادة الشخص يدفعه إلى القيام بفعل لا يريده ولا يرغب في القيام به، أي أنه يحمله على التعبير عن رضاء بدون حق عن طريق تسليط ألم حسي عليه أو خوف أو اضطراب معنوي ناتج عن تهديد بالنيل من نفسه أو عرضه أو ماله وهو ما يجعل إرادة الضحية الصادرة تحت تأثير أي إكراه مادي أو معنوي تعتبر معيبة.
ويعتبر نوعا من الإكراه المعنوي أن يفرض الجاني على الضحية تقبل فعلته مستندا بذلك بغير حق إلى واجبها تجاهه، فترضخ الضحية تحت هذا الإكراه المعنوي. وفي هذا الإطار، يمكننا أن نتعرض إلى صورة المرأة التي تستسلم لرغبات الرجل الجنسية تحت عامل الواجب الذي يفرضه عليها عقد الزواج وتقاليد وثقافة المجتمع، حيث يعتبر واجب الممارسة الجنسية من أهم الواجبات المفروضة على الزوجين قانونيا وإجتماعيا ودينيا.
إذ يحدث أن تكون الزوجة في وضعية نفسية أو جسدية لا ترغب معها بإقامة علاقة جنسية مع زوجها الذي يلاقي رفضها بمواقعتها باستعمال القوة، وهو ما قد يكون جريمة الإغتصاب بين الزوجين.
لازال الاعتراف بهذه الجريمة محتشما خاصة في التشاريع وفقه القضاء في الدول العربية التي تتبنى مرجعية دينية تفرض على الزوجة واجب الطاعة وواجب امتاع الزوج. وقد أثارت فكرة إعتبار الإغتصاب بين الزوجين فعلا مجرما جدلا بين الفقهاء في البلاد التونسية.
ذهب اتجاه أول من الفقه إلى أن الجريمة تنتفي بوجود العلاقة الزوجية ولا يعاقب الزوج الذي يتصل جنسيا بزوجته غصبا، وحججهم في ذلك أنه من أوكد واجبات الزوجة تمكين الزوج من نفسها باعتبار أن عقد الزواج يقتضي ذلك حتى انه سمي “بعقد النكاح” وأن الإكراه الصادر من الزوج هو إكراه شرعي، وبالتالي فهو لا يؤاخذ جزائيا على جريمة الإغتصاب بل يؤاخذ على الإعتداء بالعنف.
أما الاتجاه الثاني الذي يعتبر الاغتصاب بين الزوجين جريمة قائمة الذات، فهو يقوم على مستند قانوني وآخر اجتماعي. يتولد المستند القانوني من الصفة العامة التي استعملها المشرع عندما نص صلب الفصل 227 مكرر من م.ج على معاقبة كل من واقع أنثى بدون رضاها ولم تأخذ بعين الاعتبار العلاقة الزوجية أو أية علاقة أخرى، فلم يستثني المشرع التونسي أية حالة من حالات الاغتصاب. بينما يأخذ المستند الثاني من علم الاجتماع الذي يرى أن الرابطة الزوجية لا تحول دون الحرية الجنسية بين الزوجين. فأساس تجريم الاغتصاب حماية الحرية الجنسية وحرمة الجسد وكرامة المرأة. وبما أن الكرامة شديدة الإرتباط بمفهوم الحرية في جميع النصوص الدولية والوطنية، فإن حماية هذه الحرية تعتبر واجبا كما أن احترامها أيضا واجب.
تبنت غالبية التشريعات الغربية هذا الاتجاه الفقهي الثاني، حيث أقر فقه القضاء الفرنسي المؤاخذة الجزائية للزوج في صورة مواقعة زوجته بدون رضاها، كما أقر القانون الكندي صراحة إمكانية معاقبة الزوج في صورة اغتصاب زوجته بالفصل 278 من المجلة الجزائية الكندية.
بالعودة إلى الواقع التونسي، نتبين أن طرح موضوع الاغتصاب بين الزوجين في الوقت الحالي لن يلاقي مساندة إجتماعية كبيرة لكونه يناهض الثقافة الذكورية السائدة والتي لا تعتبر العلاقة الجنسية علاقة إنسانية مشتركة متبادلة، بل لازالت تنظر إليها بمنظار الواجب. فالزوجة من واجبها إرضاء زوجها وطاعته، وفي المقابل يعتبر الزوج مسؤولا عن هذه المرأة ومن واجبه الإنفاق عليها وهو ما يعكس نظرة دونية وتشييئية للمرأة تتطلب وعيا اجتماعيا كبيرا لتجاوزها.

الخلاصة:
مع بروز علم الضحية، لم يعد من الممكن الحديث عن الضحية البريئة بصفة مطلقة، حيث أبرزت الدراسات أن الضحية يمكن أن تأخذ على عاتقها مسؤولية معادلة أو أكبر من مسؤولية الجاني في ارتكاب الجريمة عليها وذلك سواء عن طريق قيامها بأفعال إيجابية كتحفيز المجرم أو استفزازه أو عن طريق إتباعها لموقف سلبي كالإهمال والتهور. كما أن تدخل الضحية قد لا يقتصر على هذا الحد، بل يمكن أن يمتد إلى رضائها أو طلبها لارتكاب الجريمة عليها وهو ما يجعل منها “مساهمة” بكل أو بآخر في وقوع الفعل المحظور عليها.
تخلف هذه الجريمة المرتكبة، عادة، العديد من الآثار النفسية أو الجسدية أو الإجتماعية على ذات الضحية التي يمكن أن تكون ردة فعلها عليها اتباع طريق الاجرام كردة فعل عما حصل عليها، وهو ما سيقع التطرق إليه في مقال لاحق.
الكاتب: كوثر يعيش، حقوقية وباحثة في علوم الإجرام ومتخصصة في علم الضحية.

image_print

تصنيفات: القانون الجزائي وعلوم الإجرام,المكتبة القانونية,تقارير ومنشورات,قسم القانون الخاص