احدث المقالات

اللامركزية بين الماضي و الحاضر – الأستاذ عمر المحيرثي

اللامركزية بين الماضي و الحاضر

الأستاذ عمر المحيرثي

المحامي بتونس

تقديم :

لتنزيل مفهوم اللامركزية في إطاره وجب التطرق إلى أشكال الدول،فالدولة تكون إما أن دولة مركبة أو دولة موحدة.
فالدولة المركبة هي “مجموعة تقوم على اتحاد دولتين أو أكثر و ذلك لتحقيق أهداف مشتركة” .وتتخذ الدول المركبة عادة صنفين كبيرين و هما الإتحاد الكنفدرالي la confédération d’ Etats من جهة، و”يتكون من عدد من الدول ذات السيادة الكاملة المرتبطة ببعضها بموجب معاهدة دولية معترف بها و ذلك لحفظ و صيانة استقلالها الداخلي و الخارجي“ ، و من جهة أخرى الدول الفدرالية أو الإتحادية و التي تنشأ بمقتضى دستور تتفق عليه دولتان أو أكثر لخلق وحدة واحدة هي دولة الإتحاد التي تتولى ممارسة السيادة الخارجية بدلا عن الدول الأعضاء التي تفقد شخصيتها القانونية و تحافظ بالمقابل على استقلالها الذاتي و معظم شؤونها الداخلية.
أما الدولة الموحدة ف”هي الدولة التي يقوم فيها مركز واحد للسلطة السياسية بإدارة شؤونها الداخلية و الخارجية و يكون مقره العاصمة و يوجد فيها نظام قانوني واحد مبني على دستور واحد ” .
و انطلاقا من هذين التعريفين لأصناف الدول يتجه إبداء التساؤل التالي :
إلى أي صنف من الدول تنتمي الجمهورية التونسية ؟

يمكن الإجابة عن هذا السؤال منذ الوهلة الأولى و ذلك بالرجوع للفصل 14 من الدستور التونسي لسنة 2014 الذي ينص أنه :” تلتزم الدولة بدعم اللامركزية و اعتمادها بكامل التراب الوطني في إطار وحدة الدولة”
و بقراءة سريعة للفصل المذكور نستنتج أن الجمهورية التونسية هي دولة موحدة من خلال عبارة “في إطار وحدة الدولة”.
و يقوم التنظيم الإداري عادة في الدول الموحدة على غرار الجمهورية التونسية على اعتماد أسلوبين للتنظيم الإداري و هما المركزية(التنظيم المركزي) و التي تصاحبها اللامحورية بالضرورة أو ما يطلق عليها المركزية النسبية centralisation أما الأسلوب الثاني فهواللامركزية (التنظيم اللامركزي) décentralisation .مع الملاحظ أنهما أسلوبين متعايشين و متكاملين و يكملان بعضهما البعض في مثل التنظيمات السياسية لهذه الدول التي تبقى فيها القيادة و السلطة بيد المركز ممثلة عادة في رئيس الجمهورية و الحكومة. فاللامركزية ليست سوى تنظيم إداري لتنظيم سياسي أو كيان معين و هو الدولة و هو أسلوب تنظيمي لتخفيف العبء الإداري على المركز من جهة و لتقريب الإدارة للمواطن من جهة أخرى.
و إن ما يهمنا في هذا الصدد هو فقط اللامركزية باعتبار أن الدستور الجديد جاء بالجديد في خصوص التنظيم اللامركزي الذي وضع أسسه بالباب السابع منه. لكن هذا لا يمكن اكتشافه أو معرفة أهميته النظرية و التطبيقية سوى بالتطرق في مناسبة أولى لشكل التنظيم اللامركزي في الماضي (I ) ثم للتنظيم اللامركزي في الحاضر(II) حتى يتسنى الوقوف على الجديد في هذا النوع من التنظيم الإداري في تونس.

-Iاللامركزية في الماضي

في ظل دستور غرة جوان 1959 الذي تم تعليق العمل به مع دخول دستور 2014 حيز التنفيذ لم يتطرق المشرع الدستوري للتنظيم اللامركزي إلا بشكل مقتضب بالفصل 71 منه عندما نص أن “المجالس البلدية و المجالس الجهوية تمارس السلطة المحلية حسب ما يضبطه القانون ” أي و بقراءة للفصل المذكور يتجه التنويه أن هذا الفصل جاء يتيما و في معزل عن كل رغبة حقيقية و جدية في نقل بعض الصلاحيات من المركزي إلى المحلي بل هو “غطاء سياسي” للنظام الرئاسوي الذي تدحرجت له تونس بفعل امتصاص الصلاحيات شيئا فشيئا حتى امتد إلى الصلاحيات الإدارية لتفرغ اللامركزية من محتواها و تخرج عن سياقها المعهود في الدول الديمقراطية.
و قد كان التنظيم الإداري في ظل دستور 2014 يقوم على مستويين اثنين و هما أولا التنظيم المركزي المتمثل في إدارة مركزية في أعلى الهرم الإداري ممثلة في رئيس الدولة و الوزير الأول و الوزراء.
و في إدارة لامحورية تمثل المركز و تعمل تحت إشرافه ممثلة في شخص الوالي (اللامحورية الترابية) و في المصالح الخارجية للوزارات و بعض الإدارات المتخصصة(اللامحورية الفنية).
و ثانيا التنظيم اللامركزي الممثل فقط في الجماعات الترابية و هما البلدية و المجلس الجهوي و في المؤسسات العمومية كالجامعات و المستشفيات.
لكن مع الدستور الجديد تغير شكل التنظيم الإداري بصفة جذرية في اتجاه البحث عن استقلاليتها.و هنا نتحدث فقط عن الإستقلالية التسييرية الإدارية- التي ظلت أيضا محدودة مع الصلاحيات المخولة للوالي- و ليس عن الإستقلالية السياسية لأننا دائما في نظاق دولة موحدة كما جاء بديباجة الدستور و الفصل 14 منه.فكيف أصبح التنظيم اللامركزي في الحاضر؟

II-اللامركزية في الحاضر

في دستور 2014 أصبح التنظيم الإداري التونسي يقوم على عمودين متوازيين أفقيا و متفاعلين عبر آليات وضعت مسبقا و ذلك بغاية التفاعل و التعاون في إطار وحدة الدولة.
و يقوم التنظيم الإداري على المركزية من جهة و اللامركزية من جهة أخرى لكن الجديد هو في محتوى و آليات التنظيمين.
و ظلت المركزية ممثلة في المركز السياسي للدولة في العاصمة مع إدارة لا محورية يمثلها الوالي و المعتمد و العمدة.
فكيف أصبحت اللامركزية إذن ؟
إن اللامركزية تمثلها البلديات و الجهات و الأقاليم و لمزيد التبسيط وجب تنزيل اللامركزية في إظارها العام ثم في إطارها الخاص.
1*التنظيم العام للامركزية:
ورد التنظيم العام للامركزية في دستور 2014 الذي ضمّن اللامركزية والسلطة المحلية في ديباجته وخصص الباب السابع تحت عنوان ”السلطة المحلية“ الذي يشمل 12 فصلا من الفصل 131 إلى 142 .
1*التنظيم الخاص للامركزية :
ورد التنظيم الخاص أساسا بمجلة الجماعات المحلية هي قانون أساسي يتعلق بتنظيم الجماعات المحلية من سير عملها وتكوين مجالسها وتحديد مواردها وكيفية فض النزاعات و بعض الأوامر والنصوص التطبيقية.
و لتبسيط الأمور على القارئ سأقتصر هذا البحث بطرح بعض الأسئلة مع إردافها بالأجوبة.
ماهو تعريف اللامركزية في الحاضر ؟
هي شكل من أشكال التنظيم الإداري متمثلة في توزيع الصلاحيات بين السلطة المركزية والجماعات المحلية المتمثلة في هياكل منتخبة تدير الشؤون المحلية باستقلالية إدارية ومالية في اطار وحدة الدولة.
ماهي أصناف الجماعات المحلية؟
الفصل 31 من الدستور: ثلاثة أصناف
-بلديات
-جهات
-أقاليم
ماهي خصائص الجماعات المحلية؟
الفصل 132 من الدستور:
تتمتع بالشخصية القانونية والإستقلالية الإدارية و المالية.

كيف تنظم الجماعات المحلية؟
الفصل 133 من الدستور:
-تديرها مجالس منتخبة
ماهي صلاحيات الجماعات المحلية؟
الفصل 134 من الدستور: ثلاثة أنواع من الصلاحيات
-صلاحيات ذاتية
-صلاحيات مشتركة مع السلطة المركزية
-صلاحيات منقولة من السلطة المركزية
ماهي موارد الجماعات المحلية؟
الفصل 135 من الدستور: ثلاثة موارد
-موارد ذاتية
-موارد محالة من السلطة المركزية
-موارد إضافية(الفصل 136)
ماهي آليات عمل الجماعات المحلية؟
الفصول 137-139-140من الدستور :
-حرية التصرف في الموارد حسب قواعد الحوكمة الرشيدة و تحت رقابة القضاء المالي
-إعتماد آليات الديمقراطية التشاركية و مبادئ الحوكمة المفتوحة
-لإعتماد على عقود الشراكة و التعاون مع جماعات محلية وطنية
-ربط علاقات شراكة و تعاون لامركزي(مع جماعات محلية أجنبية بشرط أن تكون تنتمي لدولة تربطها بتونس علاقات ديبلوماسية
ماهي المبادئ المرتبطة باللامركزية؟

-مبدأ التفريع : الفصل 134 فقرة 2 من الدستور
*تعريف : هو أن يفوض المركز صلاحياته إلى جماعة محلية عندما تعتبر الجماعة المحلية هي الأقرب إلى المواطنين وأكثرها قدرة ونجاعة .
-مبدأ التدبير الحر: الفصل 132 من الدستور
*تعريف : هو حرية الجماعة المحلية في تدبير شؤونها مع المواطنين بمعزل عن قرارات المسقطة من المركز ولكن في إطار وحدة الدولة.
-مبدأ التضامن: الفصل 136 من الدستور
*تعريف : هو تعديل السلطة المركزية لتقليص الفوارق بين الجماعات المحلية
-مبدأ التعاون:
*تعريف : هو تعاون بين الجماعات المحلية فيما بينها لتنفيذ برامج ومشاريع مشتركة
-مبدأ الديمقراطية التشاركية
تعريف : هو اعتماد الجماعات المحلية لآليات الديمقراطية التشاركية ومبادئ الحوكمة المفتوحة لضمان أوسع لمشاركة المواطنين ومختلف مكونات المجتمع المدني.

image_print

تصنيفات: القانون الإداري والجماعات المحلية,قسم القانون العام