احدث المقالات

الإعدام وقانون الإتجار بالبشر – الأستاذ إبراهيم الشخاري

تعدّ الشدّة والصرامة هي عنوان الجزاء الذي اعتمده المشرع التونسي في تعامله مع مرتكبي جرائم الاتجار بالأشخاص من خلال القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 . لذلك عمل على التّرفيع في العقوبة والتشدد فيها خاصة متى اقترنت بإحدى ظروف التشديد.

لكن دراسة هذا النهج العقابي يثير النقطة التالية :

 

 –من خلال التعرض لمختلف العقوبات الواردة بهذا القانون نتبين أن المشرع التونسي كغيره من التشريعات المقارنة استبعد عقوبة الإعدام من الجزاءات المقررة لمرتكبي جرائم الاتجار بالأشخاص . والإعدام هو إزهاق روح المحكوم عليه , وهو عقوبة استئصال , يستهدف استبعاد من يوقع عليه من المجتمع بصفة نهائية[1] . حتى أن المشرع ينص بالفقرة الثانية من الفصل التاسع من قانون 2016«إذا كان العقاب المستوجب هو الإعدام أو السجن بقية العمر يعوض ذلك العقاب بالسجن مدة عشرين عاما “. إذن هو تخلي صريح عن هذه العقوبة بعد أن كان قد اقرها وصرح بها في القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 والمتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال. مقابل تعزيز منظومة حقوق الإنسان واعتبار أن الحق في الحياة مقدس,لا يجوز المساس به إلا في حالات قصوى يضبطها القانون [2]. لكن بشاعة الجريمة وخطورة الجاني  تعدّ من أسباب تشدّد القضاة و الحكم بأقسى العقوبات , ومن مظاهر هذه الجرائم الخطيرة صغر سنّ المجني عليه و جسامة الجريمة المقترفة في حقّه وتعدّدها من مواقعه  و مفاحشة و قتل .من هذا المنطلق فانّ الأحكام القاضية بعقوبة الإعدام تهدف إلى الردع و الزجر في بعض الجرائم , فتكون زاجرة للجاني الذي ارتكب الجريمة الشنعاء و رادعة لأولئك الذين يفكّرون في ارتكاب مثل تلك الجريمة [3]. من ذلك القرار ألتعقيبي عدد 14316 المؤرخ في 18 ماي 2001 والقاضي بإعدام المتهم شنقا واعتبار ما صدر عنه”سلوك غير طبيعي ولا يمكن أن يقوم به ادمي ” من تحويل وجهة طفل عمره 5 سنوات ومفاحشته بمقبرة بدون رضاه في مناسبتين , وخنقه وضربه بحجارة على رأسه إلى أن تهشّمت جمجمته . رغم ذلك ما زال هذا المجرم ينعم بكافة حقوقه كسجين بإحدى السجون التونسية دون أن تنفّذ فيه عقوبة الإعدام .

 

إن الإعدام الوحيد الذي تبناه المشرع في هذا القانون و اقرّ به صراحة لعدة مرّات هو اتلاف الوسائل و الصور حسب ما نصّ عليه الفصل 43 من قانون 2016 :

“وتعدم الوسائل التي لا علاقة لها بالبحث بمجرد صدور حكم بات سواء قضى بالإدانة أو البراءة. “.

“وتعدم في جميع الصور كل الوسائل سواء التي لها علاقة بالبحث أو التي ليست لها علاقة به و ذلك في صورة صدور حكم بات بالبراءة.”.

“وتعدم جميع الوسائل في حالة انقضاء الدعوى العمومية بمرور الزمن أو في حالة صدور قرار بات بالحفظ”.

“وتتم عملية الإعدام بحضور ممثل عن النيابة العمومية”.

إذا هو تأكيد على إعدام التسجيلات السمعية أو البصرية في صورة صدور حكم بات بالإدانة أو البراءة, أوفي حالة انقضاء الدعوى العمومية بمرور الزمن ,أو في حالة صدور قرار بات بالحفظ . هذا الإعدام يكون بحضور ممثل عن النيابة العمومية. 

انّ احتفال المشرّع بعقوبة الاعدام هو احتفال كاريكاتوري يعكس كثرة الضغوطات والاملاءات الداخلية والخارجية المسلّطة على القوانين الخاصة والتي برزت من خلال  عبارات الفصل 43 من قانون منع الاتجار بالاشخاص ومكافحته. 

 بقلم الكاتب ابراهيم شخّاري .

===============

 

[1] – سمر بشير خيري , الجريمة المنظمة العابرة للحدود ,الاتجار بالنساء و الأطفال نموذجا , منشورات الحلبي الحقوقية .بيروت ,لبنان . الطبعة الأولى , 2017 .

[2]– الفصل 22 من الدستور التونسي .

[3] – فرح تعاريت , عقوبة الإعدام , رسالة لنيل شهادة الماجستير في العلوم الجنائية , كلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس , السنة الجامعية 2004 -2005 . ص 99 .

image_print

تصنيفات: مقالات الرأي