مساهمة الحوكمة في وقاية مجال الإستثمار من الفساد بقلم الباحثة كوثر يعيش

مساهمة الحوكمة في وقاية مجال الإستثمار من الفساد

بقلم الباحثة كوثر يعيش

مجلة نقطة قانونية

إن الانهيار الإقتصادي وتوتر الوضع الاجتماعي والسياسي للدولة ليس إلا نتاجا طبيعيا لآثار الفساد طويلة المدى. فالفساد ينخر بصمت كل بنيان سليم ليتهاوى به على مرأى ومسمع من الجميع، وهو حال بلادنا اليوم التي أصبحت من بين قائمة الدول شديدة الفساد في العالم، على الرغم من مرور سبع سنوات على ثورة انقلب فيها الشعب على محتكر السلطة وضابط إيقاع الفساد. فالفساد الذي كانت تحتكر ممارسته العائلة الحاكمة، أصبح اليوم ممارسة يومية لجميع المسؤولين والمتعاقبين على السلطة من مختلف الاتجاهات السياسية من يمينها إلى يسارها، بحيث لم يسلم أحد منهم من الفضائح العلنية والاتهامات المباشرة.
يرتبط الفساد بالإدارة إرتباطا وثيقا، فالجهاز الإداري هو مجال تغلغل جرائم الفساد وخروقات النزاهة، ويعود ذلك ضرورة إلى ما يعرفه التنظيم الإداري من ثغرات قانونية وهيكلية تسمح للفاسدين باستغلالها وتحقيق مصالحهم من خلالها. وبالتالي، فإن تحقيق الوقاية اللازمة من الفساد تتطلب إصلاح الهيكل الإداري وهو ما يتحقق أساسا من خلال تكريس قواعد الحوكمة الرشيدة.
ويصطبغ الفساد على القطاع الخاص ليشمل مختلف مجالاته، ولعل أهمها مجال الإستثمار. وفي هذا الإطار، أكدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الصادرة في سبتمبر 2003 والتي تمت المصادقة عليها من طرف الجمهورية التونسية بموجب القانون عدد 16 لسنة 2008 المؤرخ في 25/02/2008 على أهمية مكافحة الفساد في القطاع الخاص، وفرضت على جميع الدول الأعضاء إتخاذ تدابير لمنع ضلوع القطاع الخاص في الفساد وتعزيز معايير المحاسبة ومراجعة الحسابات في القطاع الخاص صلب المادة الثانية عشر منها.
ونظرا لأن مكافحة الفساد تنطلق أساسا من عملية الرقابة، فقد دعت المنظمات العالمية وخاصة المالية منها إلى تكريس رقابة صارمة على المؤسسات الإستثمارية ونشاطها من خلال تطبيق قواعد حوكمة الشركات التي تقوم على العديد من الأسس التي تضمن تحقيق رقابة مستمرة على المؤسسات الإستثمارية بشكل يحول دون وقوع الفساد.
تتطلب مكافحة الفساد في مجال الإستثمار تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة وقواعد حوكمة الشركات بغاية تكريس رقابة فعالة على هياكل وأنشطة كل المتداخلين في مجال الإستثمار، والمتمثلين أساسا في الإدارة العمومية وفي المستثمر، مما يحقق حماية فعلية للنزاهة ومكافحة حقيقية للفساد.

الفقرة الأولى: مساهمة حوكمة الإدارة في وقاية مجال الإستثمار من الفساد

تعد ظاهرة الفساد الإداري من الظواهر الخطيرة التي تواجه دول العالم بصفة عامة والدول النامية بصفة خاصة، إذ ينتج عنها ركود في عملية البناء والتنمية الإقتصادية وتدمير الاقتصاد والقدرة المالية والإدارية للدولة والمؤسسات على حد السواء.
وتجنبا لهذه الظاهرة الخطيرة، تم التأكيد دوليا على ضرورة إعتماد عديد المبادئ التي يجب تكريسها صلب عمل الإدارة حتى تحقق وقاية فعالة من الفساد وخروقات النزاهة، والتي تتعلق أساسا بالحوكمة الرشيدة، التي يكون من الضروري تحديد مقومات تطبيقها في مرحلة أولى، من أجل التعرض إلى دورها في عملية الرقابة في مرحلة ثانية.
أ- مقومات تطبيق الحوكمة الرشيدة في الإدارة
مع تغير متطلبات المجتمعات، برزت الحاجة إلى تغيير الأسلوب التقليدي في الإدارة والسعي نحو تحقيق أسلوب أكثر كفاءة وفعالية، وهو ما أدى إلى بروز مفهوم الحوكمة الرشيدة.
يمكن تعريف الحوكمة الرشيدة إستنادا إلى العناصر الأساسية التي تشملها والتي من بينها مبادئ ومقومات الديمقراطية مثل المشاركة والانفتاح على المجتمع المدني، واحترام حقوق الإنسان المدنية والفكرية والممتلكات الخاصة، فضلا عن إدارة الصراع بشكل سلمي. كما تشمل الحوكمة الرشيدة أيضا الإصلاح الإداري والإقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة. وللحصول على النتائج المرجوة من تكريس الحوكمة الرشيدة، لابد أن يتم تطبيق عناصرها بشكل متوازي ومتوازن مع مراعاة الطبيعة الإجتماعية والثقافية والاقتصادية وشكل النظام السياسي لكل بلد عند التطبيق.
لاقى مفهوم الحوكمة الرشيدة إهتمام المنظمات الدولية من ذلك الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمم المتحدة والبنك الدولي الذي عرف الحوكمة بكونها مجموعة القواعد التي يتم من خلالها إنفاذ القوة لصالح مجموعة معينة.
وللإعتراف لنظام ما بتطبيقه للحوكمة الرشيدة، لا بد من ضمان توفر العديد من المقومات والعناصر الرئيسية التي تُستخدم من قبل المنظمات العالمية والمؤسسات المالية الدولية والدول المانحة كمقياس لمدى جودة الحكم. وفي هذا الإطار، قدمت الأمم المتحدة ثمانية عناصر أساسية للحوكمة الرشيدة تتمثل في المشاركة في إتخاذ القرارات، التوافق بين الجهات، المشاركة في إدارة شؤون الدولة، المساءلة والشفافية، الاستجابة لمتطلبات الناس، الفعالية والكفاءة، الإنصاف والشمول وسيادة القانون.
بينما تبنى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تسعة عناصر أساسية لتحقيق الحوكمة الرشيدة، والتي تتمثل في المشاركة، وسيادة القانون، والشفافية، والاستجابة والتوجيه نحو بناء توافق للآراء والإنصاف، والفاعلية والكفاءة، والمساءلة، والرؤية الإستراتيجية. كما إعتبر البرنامج المذكور أن الحوكمة الرشيدة تقوم على المشاركة وتتسم بالشفافية وتنطوي على المسائلة، وتتسم أيضا بالكفاءة في تحقيق الإستخدام الأمثل للموارد فضلا عن استنادها إلى قواعد العدل والإنصاف وهو ما يعزز سيادة القانون.
تستخدم الحكومات والمنظمات الدولية العديد من مقاييس الحوكمة لتقييم حسن تطبيق الدول لهذه العناصر، وتعد “المؤشرات العالمية للحوكمة” Worldwide Governance Indicators (WGI) الصادرة عن البنك الدولي أبرز هذه المقاييس.
تتكون المؤشرات العالمية للحوكمة من ستة مؤشرات يقيس كل واحد منها موضوعا من مواضيع الحوكمة والتي تتمثل في: السيطرة على الفساد، فعالية الحكومة، الإستقرار السياسي، جودة التشريعات وتطبيقها، سيادة القانون، المشاركة والمساءلة.
تعد محاربة الفساد أحد الأهداف الرئيسية لتطبيق مبدأ الحوكمة الرشيدة. ووفقا لمؤشرات الحوكمة العالمية، فإن مؤشر السيطرة على الفساد يقيس المدى الذي يمكن من خلاله للسلطة العامة السيطرة على الفساد بجميع أشكاله سواء كان سياسيا أو إقتصاديا أو إداريا. كما يساعد المؤشر أيضا على معرفة مدى سلطة الموطنين على محاسبة المسؤولين الحكوميين عن أخطائهم، بالإضافة إلى مراقبة أداء الحكومة.
وتقوم الحوكمة أيضا على رفع مستوى كفاءة وفعالية الأداء الحكومي، لذلك يعتبر مؤشر فعالية الحكومة أحد أهم مؤشرات الحكم الرشيد. ويقيس هذا الأخير فعالية الحكومة من حيث جودة الخدمات العامة وجودة الخدمات المدنية ودرجة إستقلالية عمل الحكومة عن الضغوط السياسية وجودة الأنظمة وتطبيقها ومصداقية إلتزام الحكومة بهذه الأنظمة.
وتطبق الحوكمة الرشيدة في ظل الإستقرار السياسي للدولة، فكلما كانت الدولة مستقرة سياسيا، كلما دعم فعالية وكفاءة السلطة التشريعية والتنفيذية. ويرتبط الإستقرار السياسي لدولة ما بمدى سيادة القانون فيها.
يقيس مؤشر سيادة القانون مدى ثقة المتعاملين بتطبيق القانون من قبل الحكومة بشكل متساو على الأفراد والمنظمات وبشكل خاص الثقة في مدى إنفاذ العقود وحماية حقوق الملكية وعمل الشرطة والمحاكم فضلا عن احتمال حدوث الجرائم والعنف. فاعتبار الناس سواسية أمام القانون هو ركيزة من ركائز حقوق الإنسان الرئيسية وعنصر مهم في الحوكمة الرشيدة يتعدى تأثيره الفرد ليشمل المجتمع وقطاع الأعمال، كما يعمل على خلق الثقة بين الجهات التنفيذية الحكومية والقطاع الخاص، وهو ما يدعم الإستثمار ويساهم في خلق بيئة إستثمارية صحية.
كما ترتبط الحوكمة الرشيدة ضرورة بجودة التشريعات وتطبيقاتها، وهو ما يجسد مدى قدرة الحكومة على صياغة وتنفيذ سياسات وقوانين فعالة من شأنها مساعدة التنمية في القطاع الخاص وخلق بيئة إستثمارية جذابة للمستثمرين من الداخل والخارج. ويقيس مؤشر جودة التشريعات العلاقة بين الأطراف المساهمة في عملية الحوكمة: الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات غير الربحية والمواطن، ومدى إلتزام الحكومة بتطبيق هذه الأنظمة.
أما بالنسبة لمؤشر المشاركة والمساءلة فيرتبط بمدى قدرة المواطنين على المشاركة في انتخاب حكومتهم، بالإضافة إلى تكريس حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات والإعلام الحر، حيث يقيس هذا المؤشر مدى قدرة المواطنين على المشاركة في عملية إتخاذ القرارات، ورسم الاستراتيجيات، وقياس مستوى حرية التعبير والإعلام في الدول، وكذلك مبدأ المساءلة الذي يتمثل في قدرة المواطنين على محاسبة المسؤولين عن نتائج قراراتهم بإعتبار أنه لا أحد فوق المساءلة، وهو ما يدعم التنمية الإقتصادية والإجتماعية ويساعد بشكل كبير على تقليل حجم الفساد نتيجة للرقابة المجتمعية من قبل الأفراد والمنظمات غير الحكومية على أداء المسؤولين الحكوميين.
تكون مجمل هذه المؤشرات أهم مقومات الحوكمة الرشيدة، بحيث يكون على الدولة التي ترغب في تحقيق إصلاح جذري العمل على تطبيق مجمل هذه المقومات من إصلاح تشريعي ومؤسساتي ومحاربة الفساد وتكريس مبادئ الشفافية والمساءلة.
وتطبق الحوكمة الرشيدة في جميع المجالات في الدولة، من ذلك القطاع الحكومي والقطاع الإداري وغيره. ومن جانب عملي، يمكن تطبيق الحوكمة الرشيدة في المجال الإداري من خلال إنشاء هيكل خاص بتكريس مبادئ الحوكمة الرشيدة صلب جميع الإدارات. يراقب هذا الهيكل نشاط الإدارة والموظفين التابعين لها، ويعمل على نشر وتطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة صلب المرفق العمومي، إضافة إلى أنه يحقق التواصل مع المواطنين ومختلف مكونات المجتمع المدني وأجهزة الرقابة.
يجب على الدولة التونسية في إطار سعيها نحو مكافحة الفساد، إبراز رغبتها السياسية والتزامها الجدي بتطبيق قواعد الحوكمة وسعيها نحو تحقيق الإصلاح الإداري وتحقيق تنمية اقتصادية شاملة وبيئة إستثمارية جذابة، حتى تتمكن من نيل ثقة الدول والمنظمات الدولية والإقليمية لتمد لها يد المساعدة في هذه المرحلة الصعبة.
ب- دور الحوكمة الرشيدة في تكريس الرقابة على الإدارة
أكد الفصل الخامس عشر من الدستور التونسي الجديد على أهمية الشفافية والمساءلة صلب المرفق الإداري، حيث جاء به أن: “الإدارة العمومية في خدمة المواطن والصالح العام، تنظم وتعمل وفق مبادئ الحياد والمساواة واستمرارية المرفق العام ووفق قواعد الشفافية والنزاهة والنجاعة والمساءلة”، وهو ما يصبغ مجمل هذه المبادئ بصبغة دستورية ويجعل من تكريسها أولوية وطنية.
تعتبر الشفافية من أهم مقومات الحوكمة الرشيدة، والتي تساهم في الحد من المعوقات التي تواجه التنمية الإدارية كالفساد الإداري والروتين والغموض في أساليب العمل وإجراءاته.
وتتمثل الشفافية في الطريقة النزيهة في عمل الأشياء التي تمكن الناس من معرفة ما تقوم به بالضبط. كما تفيد الشفافية توفر نفس المعلومات لجميع الأفراد، وهو ما يساهم في القضاء على تباين المعلومات عن طريق توفير معلومات متماثلة لمن لا يستطيع الوصول إليها.
ترتبط الشفافية إرتباطا وثيقا بإجراءات العمل الإداري، حيث تقتضي أن تكون هذه الإجراءات واضحة، ومعلنة، وسريعة، وتشف عن كيفية صنع القـرار على الصعيد العام، مع ضرورة توفير قنوات اتصال مفتوحة بين أصحاب المصلحة والمسؤولين. فالشفافية تجعل من الإدارة بيتا من زجاج، كل ما به مكشوف للعاملين والجمهور. كما تلتزم الإدارة، في إطار الشفافية، بالإفصاح والعلانية والوضوح في ممارسة أعمالها، مع خضوعها للمساءلة والمحاسبة.
أكدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على ضرورة تكريس مبدأ الشفافية في الإجراءات الإدارية، حيث نصت صلب المادة العاشرة منها على ضرورة أن تتخذ كل دولة طرف ما يلزم من تدابير لتعزيز الشفافية في إدارتها العمومية، بما في ذلك ما يتعلق بكيفية تنظيمها واشتغالها وعمليات إتخاذ القرارات فيها، مع تبسيط الإجراءات الإدارية من أجل تيسير وصول الناس إلى السلطات المختصة باتخاذ القرارات.
بذلك يكون على كافة الإدارات خـوض معركة التطوير والتحسين والتحديث لكافة نظمها الإجرائية وتكريس الشفافية في إطارها، بغاية مكافحة المماطلة في إنجاز الأعمال والتعقيدات الإدارية وعدم وضوح التعليمات وإساءة استعمال السلطة.
بالإضافة إلى مبدأ الشفافية، يعرف العصر الحديث تداولا شائعا لمصطلح المساءلة والمحاسبة في جميع المجالات والتي تمثل أيضا أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها الحوكمة الرشيدة. والمساءلة هي مجموعة العمليات والأساليب التي يتم بمقتضاها التحقق من أن الأداء يتم ضمن الأطر التي حددتها الأهداف، ووفق المعايير المتفق عليها، للوصول إلى مستوى متميز من الكفاءة والفاعلية. كما تعرف المساءلة بكونها إجابة الأفراد والمؤسسات عن الأسئلة الموجهة إليهم بسبب تصرفات لا مشروعة، عن طريق تقديم الأسباب أو المبررات التي دفعت إلى ممارسة تلك السلوكيات أو إتخاذ تلك القرارات، إضافة إلى تحمل هؤلاء الأفراد والمؤسسات التبعات المترتبة على سلوكهم.
تعتبر المساءلة تكريسا للعدالة، حيث تقوم على وضوح قواعد النظام وعواقب المخلفات، فالخاضعون للمساءلة يجب أن يكونوا مدركين للقواعد المطلوب الإلتزام بها وعواقب مخالفتها. ولا تقتصر المساءلة، في القطاع العمومي، على الأعوان العموميين فقط، بل تمتد لتشمل أصحاب الوظائف السامية والعليا في الدولة، فالجميع سواسية أمام القانون.
كما تعتبر المساءلة وسيلة فعالة لمقاومة الفساد، فخطر عرض الموظف على المساءلة يكبح الجماح لاستغلال السلطة والنفوذ وإساءة استخدام الموارد العامة والتلاعب بالمال العام. ويستند تكريس المساءلة إلى عملية الرقابة التي تعمل على التأكد من حسن سير العمل في أجهزة الدولة وتحقيق أفضل مستوى من الكفاءة والفاعلية.
تساهم بالتالي الحوكمة الرشيدة، من خلال تكريس مبدأي الشفافية والمساءلة صلب المرفق الإداري، في تحقيق رقابة فعالة مما يساهم في الحد من خروقات النزاهة وجرائم الفساد والتي لها أثر مباشر على قطاع الإستثمار الذي يتعامل مع بيئة إدارية سليمة لم ينخرها ويفسد حسن سير النشاط فيها جميع أشكال الفساد التقليدية والحديثة.
الفقرة الثانية: مساهمة حوكمة الشركات في وقاية مجال الإستثمار من الفساد
نظرا لتعدد الأعمال والممارسات التي تتجاوز القانون والقواعد الواجبة في إدارة المؤسسة الإستثمارية، والتي من شأنها مخالفة اقتصاديات السوق الصحيحة وما تتضمنها من قواعد صارمة لضبط الأعمال والمعاملات لحمایة الاقتصاد الوطني وحمایة المستثمرین والمساهمين، وجب وضع استراتيجية لمواجهة الفساد الإداري والمالي الحاصل في إطار الشركات.
تجسدت هذه الإستراتيجية من خلال وضع قواعد حوكمة الشركات التي لا تقتصر على احترام مجموعة من القواعد والإجراءات الموضوعة لإدارة الشركة، بل تشمل ثقافة وأسلوبا لضبط العلاقة بین مالكي الشركة ومدیرها والمتعاملین معها.
عرفت مؤسسة التمويل الدولية IFC الحوكمة في إطار نظام الشركات بأنها: “النظام الذي يتم من خلاله إدارة الشركات والتحكم في أعمالها”. كما عرفتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD بأنها: “مجموعة من العلاقات فيما بين القائمين على إدارة الشركة ومجلس الإدارة وحملة الأسهم وغيرهم من المساهمين”.
تمثل حوكمة الشركات مجموعة من القواعد الضرورية لقيادة الشركة وتوجيهها، حيث تشتمل على آليات لتنظيم العلاقات المختلفة بين مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين والمساهمين وأصحاب المصالح، كما تضع قواعد وإجراءات خاصة لتسهيل عملية إتخاذ القرارات وإضفاء طابع الشفافية والمصداقية عليها بغرض حماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح، وتحقيق العدالة والتنافسية والشفافية في السوق وبيئة الأعمال، والتأكد من أن الشركة تعمل على تحقيق أهدافها واستراتيجياتها الطويلة الأمد. ويستند تطبيق هذا الصنف من الحوكمة إلى خمسة مبادئ أساسية وضعتها منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي في إطار قواعد حوكمة الشركات الصادرة سنة 2004، والتي تمثل حاليا المبادئ العالمية المرجع لحوكمة الشركات.
يساهم تكريس المؤسسة الإستثمارية لمبادئ الحوكمة في تحقيق قدر كبير من الإستقرار من خلال ما تضمنه من رقابة فعالة على المؤسسة في ذاتها وعلى نشاطها. وتتحقق هذه الرقابة من خلال عديد الهياكل التي تعمل على الوقاية من خروقات النزاهة وجرائم الفساد، ومن خلال فرض تطبيق آليات تكفل تحقيقها على أرض الواقع.
أ- هياكل الرقابة الفاعلة في إطار قواعد حوكمة الشركات
اهتمت قواعد حوكمة الشركات بشكل مكثف بتكريس مبادئ الشفافية والمسائلة، وأعطت لعديد الجهات الصلاحيات التي تمكنها من ممارسة الرقابة الضرورية لضمان احترام هذه المبادئ صلب جميع إجراءات نشاط المؤسسة الإستثمارية، والتي تتراوح بين هياكل رقابة داخلية وأخرى خارجية.
تنطلق الرقابة الداخلية للمؤسسة الإستثمارية من دور مجلس الإدارة في تحقيق الحوكمة، حيث يمثل مجلس الإدارة الهيكل المسؤول على الإشراف على العمليات بتقديم القيادة والتوجيه الإستراتيجي ومراقبة الإدارة.
كما يعتبر هذا المجلس الهيكل المختص بتعيين الفريق التنفيذي للمؤسسة وتعيين الرئيس التنفيذي المختص بتنفيذ الاستراتيجية التي يضعها المجلس. ويمارس مجلس الإدارة رقابة دائمة على أعمال الإدارة التنفيذية للمؤسسة، وله حق مساءلتها ومحاسبتها عن التصرفات التي تقوم بها.
أقرت قواعد حوكمة الشركات لمجلس الإدارة سلطة تشكيل اللجان صلب المؤسسة الإستثمارية وتحديد إختصاصها ونطاق عملها، ومن بين هذه اللجان نخص بالذكر لجنة المراجعة الداخلية ولجنة التعيين ولجنة المكافآت.
تختص لجنة التعيين بتقديم التوصيات للمجلس بشأن التعيينات، كما أنها تتحمل مهمة فحص تكوين وخبرة ومهارات أعضاء مجلس الإدارة ومديري الإدارة المعينين، ويجب أن تضع الصفات المرغوبة والشروط المطلوبة قبل إتمام التعيين.
أما بالنسبة للجنة المكافآت، فتختص بوضع أجور كبار التنفيذيين وخطط المعاشات والأجور على أساس الأسهم والمزايا المتفرقة، كما أنها مسؤولة عن تحديد ومراقبة المكافآت بشكل يحفز العاملين والإدارة على تحقيق أهداف الشركة.
وتعتبر لجنة التدقيق والمراجعة الداخلية أهم اللجان المحققة لمراقبة المؤسسة الإستثمارية، كما تعتبر وظيفة المراجعة الداخلية من أهم الوظائف الأساسية للإدارة السليمة للشركة بإعتبارها الوظيفة المؤهلة للاكتشاف المبكر للأخطاء والانحرافات المتعمدة وغير المتعمدة وتصحيحها في أوانها.
يختص المراجع الداخلي أساسا بوضع خطة لمراجعة الحسابات، وفحص وتقييم مدى كفاية الأنظمة والضوابط الداخلية للشركة، ومدى إلتزام وامتثال جميع وحداتها وموظفيها بها، وإصدار النتائج والتوصيات المتوصل إليها بالخصوص. كما تختص لجنة المراجعة الداخلية بالمراقبة والإشراف على وظائف التدقيق الداخلي والخارجي، من ذلك التوصية باختيار أو فصل المدقق وتحديد كيفية التعامل معه، وتختص أيضا بالإشراف على إدارة المخاطر مراقبتها.
تعد إدارة المخاطر عنصرا رئيسيا في نشاط المؤسسة الإستثمارية تعمل على تحديد المخاطر المحتملة والحد منها. إذ تقوم إدارة المخاطر بتقييم احتمالية وقوع المخاطر ودرجة عواقبها، والوقت الذي من الممكن أن ستستغرقه، ومدى استجابة الشركة لها. ويتضمن تقييم المخاطر الأخذ بعين الاعتبار أنشطة الفساد والاحتيال ومدى تطبيق مدونات سلوك وأخلاق العاملين بالمؤسسة الإستثمارية.
بالتطرق إلى القانون التونسي، نتبين إقراراه بضرورة إنشاء لجان تدقيق دائمة صلب الشركات التجارية منذ تنقيح مجلة الشركات التجارية بموجب القانون عدد 96 لسنة 2005 المؤرخ في 18/10/2005 المتعلق بتدعيم سلامة العلاقات المالية الذي أضاف الفصل 256 مكرر للمجلة. وقد حدد الفصل أصناف الشركات التي يكون عليها إحداث لجنة تدقيق دائمة صلبها، وحدد وظيفتها الرئيسية وتركيبتها بشكل يحقق استقلاليتها ويضمن الشفافية داخلها.
إضافة إلى مجمل هذه اللجان، يمكن لمجلس الإدارة إنشاء أية لجنة تختص بضمان تطبيق مبادئ حوكمة الشركات ويكون لها صلاحيات مراقبة تطبيق مبادئ الحوكمة في جميع أجهزة المؤسسة الإستثمارية، ومراقبة التقارير الصادرة عن بقية اللجان، وضمان حسن تطبيق الأنظمة والقوانين السارية، كما يكون لها سلطة إصدار مدونات وأخلاقيات سلوك العاملين في المؤسسة.
يساهم مجلس الإدارة واللجان المتفرعة عنه بشكل كبير في تحقيق حماية النزاهة ومكافحة الفساد في الإستثمارات من خلال عملية الرقابة المتنوعة التي تمارسها هذه الهياكل. وتتكامل أغراض هذه الرقابة مع ضرورة تحقيق الشفافية الجبائية من أجل مقاومة التهرب الجبائي.
تفترض الشفافية الجبائية مرورها عبر الشفافية المحاسبية بإعتبار أن قواعد الضريبة تحدد انطلاقا من المحاسبة. وفي هذا الإطار، يلعب مراقب الحسابات دورا رئيسيا في تحقيق الشفافية المحاسبية بإعتبار أن مهمته الرئيسية تتمثل في التثبت من أن القوائم المالية تعكس حقيقة وضعية المؤسسة، بينما تحال الأخطاء المكتشفة آليا إلى إدارة الشركة من أجل تعديلها.
وفي هذا الإطار، أكدت قواعد حوكمة الشركات على أهمية دور مراقب الحسابات في حماية المؤسسة الإستثمارية، كما فرض الفصل 13 من مجلة الشركات التجارية المنقع بالقانون عدد 96 لسنة 2005 المتعلق بسلامة المعاملات المالية على جميع الشركات التجارية تعيين مراقب حسابات. ويتم تعيين مراقب الحسابات، حسب الفصل 123 من مجلة الشركات التجارية، من قبل الشركاء بعد التداول وفق شروط النصاب القانوني والأغلبية المقررة للجلسات العامة العادية.
كذلك، ورد التأكيد على دور عملية المحاسبة في تحقيق الرقابة ومكافحة الفساد في القطاع الخاص صلب المادة الثانية عشر من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، حيث دعت الدول الأعضاء إلى إتخاذ ما يلزم من تدابير بغاية الكشف عن البيانات المالية ومعايير المحاسبة ومراجعة الحسابات، لمنع إنشاء حسابات خارج الدفتر أو إجراء معاملات دون تدوينها في الدفاتر أو دون تبيينها بصورة وافية أو تسجيل نفقات وهمية أو قيد إلتزامات مالية دون تبيين غرضها على الوجه الصحيح أو استخدام مستندات زائفة أو الإتلاف المتعمد لمستندات المحاسبة قبل الموعد الذي يفرضه القانون.
وحتى يتمكن مراقب الحسابات من أداء دوره على أتم وجه، يكون من الضروري وضع تدابير خاصة بصور تضارب المصالح، وقد سعت الفصول 262 و263 و265 من مجلة الشركات التجارية إلى تحديد الصور التي ينتج عنها تضارب المصالح ومنعت أصحابها من مباشرة وظيفتهم كمراقب حسابات.
وبغاية تحقيق ضمان دوري لحياد مراقب الحسابات، فإنه يمكن للجان التدقيق القيام بتقييم موضوعي لأعمال هذا الأخير والتأكد من العناصر المتعلقة باستقلاليته ومدى تطبيقه للقوانين وللنصوص وللضوابط المهنية الجاري بها العمل، وعرض هذا التقييم على الجلسة العامة للمساهمين بمناسبة تجديد مهمته. كما يمكن للمؤسسات أن تفرض على المرشح لمهمة مراقبة الحسابات إمضاء رسالة تفيد عدم وجود أي صورة من صور تعارض المصالح التي تخل باستقلاليته في كل مرة يقع فيه تجديد مهمته.
عموما، تمارس مجمل هذه الهياكل دورا رقابيا مهما في إطار دورهم في تطبيق قواعد حوكمة الشركات والتي تساهم بشكل فعال في حماية النزاهة ومكافحة الفساد في إطار الإستثمارات. ويتكامل دور مجمل هذه الهياكل مع الآليات المعتمدة لتحقيق هذه الغاية.
ب- آليات الرقابة المقررة في إطار قواعد حوكمة الشركات
تضمنت قواعد حوكمة الشركات العديد من الآليات التي تضمن تحقيق الرقابة على المؤسسة الإستثمارية وعلى سير نشاطها والتي تكفل حمايتها من جميع أشكال الفساد وخروقات النزاهة.
تتمثل أولى هذه الآليات في الإفصاح، حيث يمثل الإفصاح أداة قوية للتأثير على سلوك الشركات وحماية المستثمرين وجذب رؤوس الأموال. فالمساهمون والمستثمرون المرتقبون يسعون للحصول على المعلومات المنظمة والتي تتسم بدرجة مرتفعة من المصداقية بشكل يمكنهم من تقييم مدى كفاءة الإدارة ومدى تكريس حقوق الملكية وحقوق التصويت لحملة الأسهم، بالإضافة إلى فهم هياكل وأنشطة المشروعات وسياسات الشركات وأدائها فيما يتعلق بالمعايير البيئية والأخلاقية وعلاقتها بالمجتمعات التي تعمل خلالها. لذلك، عملت الدول على تحديد المعلومات الأساسية التي يؤدى حذفها او إدراجها بصورة غير سليمة إلى التأثير على القرارات الاقتصادية التي يتخذها مستخدمو المعلومات.
وفي هذا الإطار، حددت المبادئ الأساسية لحوكمة الشركات الصادرة عن منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي سنة 2004 مجمل المعلومات الأساسية المتعلقة بالإفصاح والتي تتمثل في:
_النتائج المالية والتشغيلية للشركة: تتجسد هذه النتائج في التقارير المالية المعتمدة من مراقب الحسابات والتي تبين الأداء المالي والموقف المالي للشركة وحساب الأرباح والخسائر، وقائمة التدفقات النقدية، وملاحظات مراقب الحسابات على القوائم المالية. كما تتضمن التقارير السنوية إضافة إلى بيان بمناقشات إدارة الشركة وتحليلها للنتائج التشغيلية.
_أهداف الشركة: يشمل الإفصاح أهداف الشركة التجارية إضافة إلى سياستها المتصلة بأخلاقيات المهنة والنشاط والبيئة وما يمثلها من التزامات فى نطاق السياسة العامة.
_ملكية الأغلبية وحقوق التصويت: يجب أن يتضمن التصريح البيانات المتصلة بكبار المساهمين وغيرهم ممن لديهم حق السيطرة على الشركة، وحقوق التصويت الخاصة واتفاقات المساهمين وملكية حصة معينة من الأسهم تمكن من السيطرة على الشركة.
_أعضاء مجالس الإدارة، وكبار المديرين، ومرتباتهم وحوافزهم: حيث يطلب المستثمرون معلومات عن أعضاء مجالس الإدارة وكبار المديرين بغاية تقييم خبراتهم وكفاءاتهم وتقيم أية إحتمالات لتعارض المصالح من شأنها التأثير على أحكامهم.
_عوامل المخاطرة الملموسة فى الأجل المنظور: يفرض التصريح إحاطة المستثمرين علما بالمخاطر الملموسة التي تجابهها الشركة، وهو ما يكشف عن تبني الشركة لنظام متابعة مخاطر من عدمه.
_المسائل الاساسية المتصلة بالعاملين وغيرهم من أصحاب المصالح التي قد تؤثر بصورة ملموسة على أداء الشركة.
_هيكل وسياسات ممارسات حوكمة الشركات: تتيح الشركات تقارير تبين من خلالها كيفية تطبيقها لمبادئ حوكمة الشركات.
وبالإضافة إلى المعلومات الأساسية التي يجب أن يتضمنها الإفصاح، أكدت المبادئ الأساسية لحوكمة الشركات لسنة 2004 على أن الإفصاح عن المعلومات يجب أن يتم وفقا لأعلى المعايير المحاسبية والمالية وغير المالية للإفصاح والمراجعة، كما يجب إجراء المراجعة السنوية بواسطة مراقب حسابات مستقل حتى يتحقق من وجود تأكيد خارجي وموضوعي بشأن الأسلوب المستخدم في اعداد وتقديم القوائم المالية، ويجب أن تتيح قنوات نقل المعلومات امكانية وصول مستخدمي تلك المعلومات إليها بصورة تتسم بالعدالة، وسلامة التوقيت، وفعالية التكاليف. ويمكن الاعتماد، في الإطار، على موقع إلكتروني حكومي مخصص للغرض حيث يكون لكل مؤسسة إستثمارية الحق في الولوج إليه وعرض إفصاحها في إطاره.
وتجدر الإشارة في هذا الإطار، إلى أن المركز المعهد العربي لرؤساء المؤسسات في تونس قد وضع دليلا للتقارير السنوية يوفر نموذجا للشركات فيما يتعلق بمحتويات وهيكل التقارير السنوية. كما تضمن قرار وزير المالية المؤرخ في 26 مارس 2018 المتعلق بالتأشير على التنقيحات المدخلة على ترتيب هيئة السوق المالية المتعلق بالمساهمة العامة مثالا عن التقرير السنوي حول التصرف في الشركة والذي جاء في مجمله مستجيبا للأساسيات التي يجب أن يتضمنها التصريح.
بالإضافة إلى الإفصاح، أكدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد صلب المادة الثانية عشر في فقرتها الثانية على أهمية العمل على وضع معايير وإجراءات تستهدف صون نزاهة كيانات القطاع الخاص، بما في ذلك وضع مدونات قواعد السلوك من أجل قيام الشركات التجارية بممارسة أنشطتها على وجه صحيح ومشرف وسليم.
يختص مجلس إدارة الشركة، عن طريق لجانه، بوضع مدونات السلوك التي تنظم نشاط كل جميع العاملين في الشركة. وتشمل هذه المدونات كبار التنفيذيين والموظفين في الشركة ومراقبي الحسابات وأعضاء اللجان وغيرهم من الموظفين العاملين في إطار المؤسسة الإستثمارية.
تعمل مدونات السلوك على تنظيم العلاقات بين مختلف أصناف الموظفين التابعين للمؤسسة الإستثمارية ووضع القيم التي تحكم هذه العلاقات، إضافة إلى تحديد جميع السلوكيات والصفات الإيجابية التي يكون على الموظف بالمؤسسة الإلتزام بها، والتي من بينها العدل والمساواة والالتزام بالصدق والأمانة والنزاهة والابتعاد عن كل ما فيه إضرار بمصالح المؤسسة، من ذلك تجنب وضعيات تضارب المصالح.
وفي هذا الإطار، أعطت مبادئ حوكمة الشركات لمجلس الإدارة صلاحية متابعة وإدارة المصالح المختلفة بالنسبة للإدارة التنفيذية ومجلس الإدارة والمساهمين. ويكون على مجلس الإدارة في هذا الصدد وضع سياسة مكتوبة وواضحة للتعامل مع حالات تعارض المصالح الواقعة أو المحتمل وقوعها، والتي يمكن أن تؤثر في أداء أعضاء مجلس الإدارة أو الإدارة التنفيذية أو غيرهم من العاملين في الشركة عند تعاملهم مع الشركة أو مع أصحاب المصالح الآخرين.
ويجب أن لا تقتصر هذه السياسة على تحديد حالات تعارض المصالح فقط، بل يجب أن تتضمن تحديد الإجراءات التي يجب إتباعها من طرف كل من تتوفر به إحدى الحالات، بالإضافة إلى الإجراءات التي يتخذها مجلس الإدارة عند اكتشافه لإحدى هذه الحالات دون مبادرة إعلام المعني بالأمر بها. وفي هذا الإطار، يكون على مجلس الإدارة إتخاذ إجراءات زجرية في الغرض حتى تحقق ردع جميع الموظفين العاملين بالمؤسسة عن مثل هذه التجاوزات.
وحتى يقع ضمان احترام مدونات السلوك ومقتضياتها من ذلك وضعيات تضارب المصالح، لا بد من اصباغها بصبغة زجرية من خلال وضع عقوبات تأديبية لكل من يخالفها، وإقرار مكافآت لكل من يبدي التزاما جديا بتطبيقها.
تطرح حوكمة الشركات شكلا جديدا لعملية إتخاذ القرار تتعايش فيها مختلف الأطراف ذات المصلحة في تناغم مثالي بعيد عن جميع أشكال التلاعب والفساد، وهو ما جعل منها حاليا عنصرا رئيسيا في جذب التمويل الخارجي، حيث أكدت العديد من الدراسات أن الشركات التي تطبق قواعد الحوكمة تتمتع بتقييم أعلى في السوق وتحقق إيرادات أفضل. فتطبيق قواعد حوكمة الشركات يحقق طمأنة المستثمر بأن مدخراته تعمل حسب المصلحة العليا للشركة، وأن التقارير المالية التي تنشرها الشركة تبين الوضع المالي الحقيقي للشركة. لذلك، فإن المستثمرين كثيرا ما يأخذون بعين الاعتبار مدى تكريس الدولة لمبادئ حوكمة الشركات عند إتخاذ قراراتهم المتعلقة بالاستثمار.
تبرز مجمل هذه العوامل ضرورة وضع إطار قانوني فعال للحوكمة صلب النظام القانوني التونسي. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى صدور الدليل العملي في الحوكمة السليمة للمؤسسات التونسية الصادر عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات بالتعاون مع مركز المشروعات الدولية الخاصة سنة 2008 الذي يعتبر ذو صبغة إرشادية، حيث قدم التوصيات الأساسية فيما يتعلق بالتصرف مراقبة المؤسسات واحتوى على قواعد ذات طابع دولي متفق عليها بهدف جعل نظام المؤسسات في تونس أكثر شفافية ووضوحا، بغاية زيادة ثقة المستثمرين الأجانب وأصحاب المصالح في الرقابة على المؤسسات التونسية.
الخلاصة:
لم تعد جرائم الفساد، في العديد من صورها، محض جرائم داخلية يستغرق تنفيذ أركانها إقليم دولة واحدة. بل تعدت هذه الظاهرة حدود الدول، حتى صار لها طابع دولي يتنامى يوما بعد يوم إلى حد يمكن معه القول بأننا أصبحنا أمام ظاهرة “عولمة” الفساد، وهو ما يقتضي ضرورة إتخاذ إجراءات جديدة تتلاءم مع الشكل الحديث لهذه الظاهرة ويحقق الحد من انتشارها خاصة في صورة ارتباطها بمجال حساس مثل مجال الإستثمارات.
وتحقيقا لهذه الغاية، برز مفهوم الحوكمة الذي يشمل مجموعة من المبادئ والقواعد التي تنظم هيكلة ونشاط المرفق العام والمرفق الخاص من خلال تكريس رقابة فعالة داخل كل قطاع منهما. وتستند هذه الرقابة أساسا إلى مبدأي الشفافية والمساءلة اللذان يحققان تناغم العلاقة بين جميع الأطراف في إطار بعيد كل البعد عن خروقات النزاهة وجرائم الفساد.
وعلى الرغم مما تعاني منه البلاد التونسية من تفاقم إنتشار الفساد وثقافته في صفوف الشعب، إلا أننا لا زلنا نحمل بصيصا من الأمل خاصة مع المجهودات الذي يبذلها المشرع في الإطار، من ذلك إنشاء هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. إلا أن هذه المجهودات التشريعية لا يمكن أن يكون لها أثر عملي في ظل غياب منظومة متكاملة لمكافحة فساد تستند إلى آليات وقائية وزجرية وعلاجية فعالة، وهو ما سيتم التعرض له بإطناب في مقالات لاحقة.

الكاتب: كوثر يعيش، حقوقية وباحثة في علوم الإجرام ومتخصصة في علم الضحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *