احدث المقالات

عقوبة الإعدام .. بين العدالة القانونية و الحق في الحياة – بقلم الكاتبة آلاء بوعفيف

31960434_1822141168089324_1070572425898360832_o

لاقت عقوبة الاعدام في القانون التونسي جدلا واسعا منذ سنوات, حيث أنشأت منظومة حقوق الانسان منذ بداية القرن العشرين ترسانة قانونية هامة تم اعتمادها في عديد البلدان تماشيا مع الحق في الحياة و احترام حرمة الذات الانسانيّة.
و لا شكّ أنّ هذا الجدل يتفجّر دائما إثر جريمة بشعة تهزّ كيان المجتمع و تجعله يعيد تكرار نفس الأسئلة حول مدى فاعلية عقوبة الاعدام و مدى احترامها لمنظومة حقوق الانسان التي ترسي حق المتهم وحق الضحيّة على حد السواء.

فإثر عمليات اغتصاب الفتاة ذات الخمسة عشر عاما و تعنيف امها و جدتها التي لاقت حتفها بعد أيام قليلة من الحادثة, أثيرت مسألة عقوبة الاعدام مرة أخرى و عليه تساءلنا عن المبدإ الذي أقرّه المشرع التونسي و مدى تطبيقه على أرض الواقع.

نطاق عقوبة الاعدام:

يقر القانون التونسي عقوبة الاعدام صلب المجلة الجزائية و مجلة المرافعات و العقوبات العسكرية.
فبالنسبة لجرائم الحق العام تعاقب بالاعدام جريمة القتل العمد مع سابقية الإضمار المنصوص عليها بالفصل 201 من المجلة الجزائية.
اما بالنسبة للجرائم ذات الصبغة العسكرية و السياسية فيعاقب بالاعدام العسكريون الفارون من العدو أو الذين لم ينفذوا الأمر بالهجوم عليه, كذلك حالات الاعتداء على امن الدولة الداخلي و الخارجي مثل اعمال التجسس المنصوص عليها بالفصل 60 من المجلة الجزائية أيضا.
و رغم بعض الجرائم التي تتلازم في بشاعتها مع جريمة القتل كالاغتصاب و التعدي بالفاحشة على القصّر إلا أن المشرع التونسي لم يربط عقوبتها بالاعدام رغم اكتساء العديد من القضايا بصبغة قضايا الرأي العام.

رأي تقرير لجنة المساواة و الحريات الفردية حول عقوبة الاعدام:

في ربط وثيق لآنيّة الحديث عن عقوبة الاعدام و لجنة المساواة و الحريات الفردية التي اصدرت مؤخرا تقريرها المتعلّق في جزء منه بهذه العقوبة وجب علينا الانطلاق من هذا التشريع باعتباره احدث ما ورد في الفقه التونسي رغم عدم دخوله حيز النفاذ بعد.
و قد يبدو للوهلة الأولى أن لجنة المساواة و الحريات الفردية مساندة لحق الحياة في مبدئه المطلق عبر إقرار إلغاء عقوبة الاعدام و لكن المتعمّق في سطور هذا التقرير سيلاحظ أن اللجنة وضعت رؤيتين قانونيتين لهذا المشكل.
اولهما الإلغاء الكلي لعقوبة الاعدام و هو مالا يمنعه الدستور الذي احال للقانون تحديد الحالات القصوى للعقوبة.
و ثانيهما الابقاء على عقوبة الاعدام مع تعريف الحالات القصوى بأنها الحالات التي ينتج عنها موت (وهي عقوبات غير قابلة للحط) مع تقنين تعليق التنفيذ.
و لكن هذين الحلّين لن يكونا فعّالين دون تغيير عدة فصول في المجلة الجزائية مع إضافة تشاريع أخرى تقوم على تحديد الجرائم التي تكون عقوبتها الاعدام عملا بمبدأ التأويل الضيق للنص في المادة الجزائية.

و عليه يبقى النقاش الفقهي مطروحا إلى اليوم و هو ما يبرز وجود حجج فقهية تساند طلب إلغاء هذه العقوبة و اخرى تؤيّد فكرة الإبقاء عليها.

حجج المطالبين بإلغاء عقوبة الاعدام:

أول ما يحتج به بعض الفقهاء و المفكرين بإلغاء عقوبة الاعدام هو كون هذه العقوبة سالبة لحق الانسان في الحياة و هو حق دستوري لا يمكن لأحد سلبه.
و في علاقة الجريمة بالضرر الذي تلحقه بالمجتمع يقول هؤلاء بأن عقوبة السجن المؤبد تكون مناسبة لوقاية المجتمع من شر من قام بالجريمة, فهي تقوم بإقصاء الجاني من الحياة الاجتماعية و تحقق حماية كافية للمجتمع كما تمكّن من تجنب عدم إمكانية الرجوع في الحكم إذا اتضح أنه كان مخطئا.
كما يؤكدون موقفهم باستنادهم على أنّ البلدان التي تنفّذ فيها عقوبة الاعدام لم يبطل فيها ارتكاب الجرائم الخطيرة التي ينص القانون على عقوبتها بالاعدام.
و لكن و رغم وجاهة هذه الحجج إلا أنّ الشق الاخر اعتبر أن الابقاء على الاعدام في المنظومة القانونية الجزائية أمر ضروري له حججه أيضا.

حجج المطالبين بالابقاء على عقوبة الإعدام:

يرى شق آخر من الفقهاء أن عقوبة الاعدام هي العقوبة المثلى للزجر في ميدان الجرائم شديدة الخطورة على المجتمع. حيث يرى هؤلاء أن من حق المجتمع تسليط العقوبة التي يراها مناسبة لحماية استقراره كما أن من حق اهل المتضرر الشعور بعدالة القانون من خلال إعدام من يضمر لغيره قتلا ظالما.
و في الرد على ان عقوبة الاعدام غير عادلة لعدم تناسبها مع الضرر القائم من قبل الجاني بيّن هذا الشق من المفكرين أن التناسب المطلوب بين العقوبة و الضرر يفيد تلاؤم شدة العقوبة على الجاني مع درجة خطورة الجريمة على المجتمع و هذا التلاؤم يبدو متوفرا في كل الحالات التي ذكرها المشرع رابطا إياها بعقوبة الاعدام.
إلا أنه و رغم تمسك هذا الشق برأيه الا أنه يقر صراحة بخطورة هذه العقوبة على المتهمين حيث لا رجوع فيها بعد تنفيذها إذا اتضح فيما بعد أن الحكم بها كان مؤسسا على خطإ أو مؤيدات باطلة مما يجعله يدعو الى الأني و التريث في تنفيذ الحكم الذي يأخذ سنوات عديدة في حياة القضية.

و رغم أن العديد من البلدان قد ألغت عقوبة الاعدام من سلم العقوبات المعتمدة في تشريعاتها الجنائية كفرنسا التي ألغت هذه العقوبة بموجب قانون 9 أكتوبر 1981 إلا أن المشرع التونسي لم يحسم أمره بعد حتى مع عدم تنفيذ عقوبة الاعدام من قبل القضاء منذ التسعينات و بقاء الحكم حبرا على ورق.
فهل سيخطو المشرّع بخطى واثقة نحو إلغاء الاعدام أم سيتّسع نطاق هذه العقوبة شاملا عمليات الاغتصاب التي شهدتها البلاد في الفترة الأخيرة امام الأصوات الصادحة بالعدالة القانونيّة و مبادئ العدل و الانصاف؟

كتب في 29 أوت 2018

جميع الحقوق محفوظة لمجلة نقطة قانونية

image_print

تصنيفات: مقالات الرأي