جرائم رجال الدين الجنسية : صمت الرهبان – بقلم عبدالسلام الككلي

جرائم رجال الدين الجنسية :  صمت الرهبان – بقلم عبدالسلام الككلي

وصل البابا فرنسيس صباح السبت 25 اوت 2018  إلى دبلن في زيارة تستمر يومين ليختتم “اللقاء العالمي للعائلات” وسط ترقب كبير لمواقفه حول ملف الانتهاكات الجنسية التي ارتكبها رجال الدين في إيرلندا والعالم.

وكان البابا فرنسيس قد قال في تسجيل فيديو تم بثه قبل وصوله، إنه “يرغب في التذكير بالمكانة الأساسية للعائلة في المجتمع وفي بناء مستقبل أفضل للشباب”. معترفا بأن الكنيسة لم تكن بمستوى المسؤولية و”أهملت الصغار وتخلت عنهم”. وأن “كل ما يمكننا فعله لنطلب الصفح لن يكفي”، داعيا إلى “عدم التسامح إطلاقا” في هذه القضية.

وقال الناطق باسم الفاتيكان غريغ بورك إن “المهم بالنسبة  الى البابا هو أن يصغي لهم”، معترفا بأن مسألة هذه التجاوزات قضية لا يمكن تجاوزها في هذه الرحلة..

وتأتي رحلته الرابعة والعشرون إلى الخارج في وقت صعب لمستقبل الكنيسة الكاثوليكية التي هزها خلال الأسبوع الماضي الكشف عن معلومات حول تجاوزات جنسية قديمة ارتكبها كهنة في الولايات المتحدة.

وكشفت هيئة محلفين كبرى اخيرا عن نتائج أكبر تحقيق على الإطلاق في الانتهاكات الجنسية في الكنيسة الكاثوليكية الأمريكية، والتي بينت أن 301 من الكهنة استغلوا القاصرين جنسيا على مدار 70 عاما. وحوى التقرير أمثلة مروعة لكهنة يستدرجون الأطفال ويستغلونهم جنسيا.

جرائم  القساوسة  الجنسية :  القصة القديمة المتجددة

جرائم القساوة قصة ضاربة في القدم ويلفها  الكتمان  منذ قرون   غير انها بدأت تخرج للعلن في السنوات الأخيرة . فمن  شبه الأكيد انه كان  لاستقالة البابا بنديكت السادس عشرفي 28 فيفري  2013 وهو أمر  يحدث  للمرة الأولى منذ 600 عام – علاقة بالفضائح الجنسية التي عرفتها الكنيسة في السنوات الأخيرة  ؟. ذلك ما تؤكده كثير من التقارير الصحفية. والحقيقة أن حالات الاعتداء الجنسي داخل الكنسية الكاثوليكية التي لا تزال إلى حد اليوم متشبثة بعزوبية القساوسة ليست  بالأمر الجديد فالملاحقات الجنائية و الفضائح المتصلة بالاعتداءات الجنسية التي ارتكبها كهنة كاثوليك وأعضاء في النظام الديني من الرهبان أمر شائع  منذ مدة طويلة غير أن اهتمام الرأي العام بهذا الموضوع وعلى نطاق واسع لم يبدأ إلا منذ  عقدين من الزمن

الأطفال في قبضة القساوسة

. كانت أولى الدول المهتمة بهذه الانتهاكات هي كندا وأيرلندا والولايات المتحدة، ثم بدأ بعدها التبليغ عن حالات أخرى في  بلدان مختلفة ومتباعدة و تركزت كثير من هذه الفضائح حول تصرفات بعض رجال الدين الكاثوليك الذين لم يتم الإبلاغ عن الجرائم الجنسية التي ارتكبوها إلى الجهات القضائية، فقد تم التستر عليها ونقل الجناة إلى أماكن عمل جديدة، في خطوة من شأنها التغطية على هذه الفضائح وضمان عدم وصولها إلى القضاء ، الشيء الذي تركهم على اتصال مع الأطفال الضحايا، وبالتالي إتاحة الفرصة لهم لمواصلة اعتداءاتهم غير أن آثار هذه الفضائح قلما كانت  تصل إلى الحبر الأعظم أي البابا الذي ظل بعيدا عن المحاسبة رغم أن جان بول الثاني قد تعرض إلى انتقادات  في أفريل 2002   متصلة بقضايا من هذا النوع اضطر على إثرها إلى استدعاء كبار رجال كنيسة الروم الكاثوليك في الولايات المتحدة –(هم أقلية في الولايات المتحدة ذات الأغلبية البروتستنتية )، إلى  الفاتيكان في روما على  اثر ما تكشّف من ضلوع بعض القساوسة الأمريكيين في فضائح جنسية هزت بشدة صورة الكنيسة هناك. و قد اضطر البابا  في ذلك الوقت إلى التنديد علنا لأول مرة بالقساوسة المتهمين.  غير أنالفضيحة التي هزت الكنسية منذ 2010  وضعت في قفص الاتهام البابا نفسه بينيدكت السادس عشر وبشكل مباشر وشغلت إلى حد كبير وسائل الإعلام الغربية بل شغلت الكنيسة ذاتها وأعادت إلى ساحة الجدل الساخن  معضلة عزوبية رجال الدين الكاثوليك على خلاف البروتستانت الذين تخلصوا من هذه المعضلة منذ الإصلاح الديني في القرن السادس عشر فقد  أفادت وثائق كنسية حصلت عليها صحيفة “نيويورك تايمز”  ونشرتها يوم 25 مارس 2010 أن الكاردينال يوزف راتسينغر الذي أصبح البابا بنديكت السادس عشر  ومسؤولين آخرين في الفاتيكان قد يكونون تستروا سنة 1990 على التجاوزات الجنسية التي ارتكبها كاهن أمريكي يشتبه انه اعتدى على حوالي 200 طفل في الولايات المتحدة على مدى خمس وعشرين سنة  ( 1950 1974)

كما أشار تقرير نشرته جريدة   “التايمز”  البريطانية في مطلع افريل 2010 إلى أن  الوثائق التي نُشرتها نيويورك تايمز أظهرت أن الكاردينال جوزيف راتزينجر، أي البابا المستقيل، كان قد تجاهل رسالتين موجَّهتين من احد  رؤساء

الأساقفة في التسعينات، وتتحدثان عن الأب لورنس مورفي.  كما تشير الوثائق التي تم الحصول عليها من دعاوى قضائية تتعلق بهذه القضية إلى رسالة وجهها مباشرة الأب لورنس مورفي إلى الكاردينال يوزف راتسينغر في 1996 أي  البابا بنديكتوس السادس عشر قبل ان يعتلي العرش البابوي وان الفاتيكان أوقف محاكمة كنسية سرية على صلة بهذه القضية بعد مناشدة توجَّه بها الأب مورفي ، إلى الكاردينال راتزينجر، طالبا منه الصفح  مع العلم  أن شكوكا حامت حول مورفي في سنة 1974 و لكنه ظل يتعامل مع الأطفال بدون أي ضوابط أو قيود من هذه السنة وحتى عام 1996حين فتحت التحقيقات وتم الكشف عن 200 ضحية جنسية له خلال عمله. وتنضاف هذه

القضية إلى فضيحة قديمة عادت إلى السطح من جديد وهي قضية الكاهن برندان سميث الذي ثبت من التحقيقات استغلاله الأطفال جنسيا وعلى مدى 40 عاما وشملت 100 طفلا في بلفاست ودبلن والولايات المتحدة  وهي القضية التي أسفرت عن سقوط حكومة ايرلندا في ديسمبر من عام 1994. و قد  واجه البابا بندكت السادس  عشر ومن ورائه الكنيسة  منذ اعتلائه عرش البابوية موجة جديدة وغير مسبوقة من الانتقادات وهو ما دفعه إلى توجيه رسالة علنية في 20 مارس2010  إلى الضحايا الايرلنديين  قائلا “لقد عانيتم كثيرا وأنا آسف

حقا”. وأضاف أن الكهنة ورجال الدين المتهمين بالاعتداءات على الأطفال “يجب أن يحاكموا” على جرائمهم “أمام محاكم يتم تشكيلها بصورة مناسبة”.  وقال إنه تمت “خيانة الثقة، وانتهاك الكرامة” وأضاف أن زعماء الكنيسة الأيرلندية ارتكبوا أخطاء فادحة في التعامل مع اتهامات بوقوع اعتداءات.   غير أن جماعات الدفاع عن ضحايا

الاعتداءات التي قام بها رجال دين تابعين للكنيسة الكاثوليكية الايرلندية  رفضوا رسالة الاعتذار التي قدمها البابا لهؤلاء الضحايا.  إذ قال رئيس جماعة “واحد من بين كل أربعة” المدافعة عن حقوق الضحايا مايف لويس أن الضحايا كانوا يتوقعون من البابا الاعتراف الصريح  بان الكنسية  تعاملت معهم بطريقة سيئة  حينما حاولوا الكشف عن معاناتهم جراء الاعتداءات التي تعرضوا لها.   وأضاف أن البابا لم يتناول جوهرمشكلة الفضيحة الجنسية التي تعاني منها الكنيسة الكاثوليكية والمتمثل “بوجود حماية منهجية على أعلى المستويات للمتورطين بهذه الاعتداءات وبالتالي تعريض مزيد من الأطفال لهذه المخاطر.وأشار إلى أن الرسالة لا  تتحدث عن تبني الكنيسة لسياسة جديدة في هذا الشان

لا تزن

.. وبالإضافة الى هذه الفضيحة  فقد  ذكرت صحيفة إيطالية الخميس 7 مارس  2013نقلا عن مصادر لم تفصح عن هويتها أن بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر قرر الاستقالة من منصبه بعدما اطلع على نتائج تحقيق داخلي كشفت مدى الفضائح الجنسية والفساد داخل الفاتيكان. كان ثلاثة كرادلة، بينهم رئيس استخبارات الفاتيكان السابق، كلفوا بالتحقيق في اتهامات تتعلق بمخالفات مالية ومحسوبية وفساد أثيرت عقب تسريب وثائق بابوية سرية ونشرها، وهي الفضيحة التي عرفت اعلاميا باسم ‘فاتيليكس’.

وذكرت صحيفة ‘لا ريبوبليكا’ الايطالية أنه في 17 ديسمبر 2012، سلم الكرادلة للبابا مجلدين باللون الاحمر من نحو 300 صفحة، يحويان ‘خريطة دقيقة للفساد’ في الفاتيكان.

وأشار التقرير إلى أنه ‘في هذا اليوم، كانت هذه الأوراق على مكتب البابا، وقد اتخذ بنديكت قرار الاستقالة الذي طالما كان يفكر فيه’. ورفض المكتب الإعلامي للفاتيكان التعليق على هذا التقرير. . ونقلت الصحيفة عن رجل ‘قريب للغاية’ من معدي التقرير، القول إن المعلومات التي تلقاها البابا من الكرادلة ‘تدور جميعها حول خرق الوصيتين السادسة والسابعة’. وتقول الوصية السادسة “لاتزن” وذكرت الصحيفة أن بنديكت سيقوم بتسليم الملفات السرية شخصيا لخلفه، على أمل أن يكون ‘قويا وصغير السن وورعا’ بما يكفي لاتخاذ الإجراءات الإصلاحية اللازمة.

صمت الرهبان

وبعيدا عن اعتذارات البابا فرنسيس المتكررة  التي أملاها حجم الفضيحة والتي لم تساعد ابدا في اصلاح المؤسسة الكنسية فان قضيتين على غاية من الأهمية شغلتا بال المتابعين للشأن الديني في أوروبا وأمريكا خاصة في السنوات الاخيرة: الأولى تتعلق بثقافة الصمت التي تلف مثل هذه القضايا . إذ أن الكنسية رفضت دائما إحالة المتهمين على أنظار المحاكم اللائكية بل الأدهى من ذلك أنها لم تحل المجرمين حتى أمام محاكمها الخاصة . وكأن رجال الدين ومصلحة المؤسسة الدينية فوق حقوق الأطفال المغتصبين. وهو أمر بدأ ينكشف إلى الرأي العام لان الفصل بين الكنيسة والدولة جعل المؤسسة الكنسية -التي انغلقت على أسرارها على مدى قرون وتمتعت بحماية السلطة السياسية الفاسدة و المتواطئة معها –  أكثر شفافية  نتيجة العمل منقطع النظير الذي تقوم به منظمات المجتمع المدني و خاصة الأمريكية و التي كانت وراء فضح كثير من الجرائم التي عادة ما يلفها الصمت  والتي أثبتت الدراسات والتحقيقات أخيرا أنها  وبعيدا عن الاعتبارات السياسية والإيديولوجية  ( كثير ممن يكتبون في هذا الموضوع من المسلمين يجدون لذة كبرى في الطعن  في المسيحيين و التجريح في مؤسساتهم الدينية وقلما يجدون الشجاعة للحديث عن الجرائم الجنسية التي يرتكبها علماء الدين المسلمون المزيفون لدينا كما انهم يجدون كثيرا من اللذة في التقاط اساءات البابوات للاسلام في حين ان شيوخنا احترفوا دائما التجريح في الكنسية و “ديانة الصليب”  ) ليست خاصة لا برجال الدين المسيحيين ولا بمجتمع العزّاب بل إن أكثرها يقع داخل الأسرة ذاتها وانه بدون القدرة على فضح هذه الجرائم -وهو أمر لا تقدر عليه غير الجمعيات المتخصصة – فان الأطفال في أي مكان في العالم سيظلون عرضة للتحرش ، وذلك حتى في الأماكن التي يستبعد فيها  وجود هذه الممارسات كدور العبادة والمؤسسات التربوية  . أما القضية الثانية فتتعلق بعزوبية رجال الدين وهي المعضلة التي لم تستطع الكنيسة الكاثوليكية أن تتجاوزها رغم أنها ممارسة طارئة على المسيحية ولا علاقة لها لا بالكتاب المقدس ولا  بأصولها الأولى . ويبدو أن هذه المسالة قد أصبحت جرحا غائرا في جسم الكنيسة التي لا شك أنها تطورت كثيرا في الخمسين سنة الماضية ولكنها ظلت متشبثة بهذه البدعة التي ربما تكون ذاهبة إلى الزوال في وقت قريب أو بعيد إذ بدات الكنيسة البرتغالية مناقشة هذه القضية منذ سنوات . و هو ما يعني أن  المؤسسة الكنسية   قد تضطر إلى الاعتراف أخيرا بأن العزوبية إذا لم تكن مسنودة بثراء روحي يعطي طاقة ومعنى للرغبة الجنسية المكبوتة –  وهو أمر صعب جدا إن لم يكن مستحيلا- فان ضحايا هذه العزوبية سيكونون أطفالا، ومعاقين أحيانا مثل ما وقع مع رجل الدين الأمريكي الذي اخفت الكنيسة جريمته لأنها  مثل كل دين تحوّل إلى مؤسسة، ترعى شؤون نفسها دائما و شؤون الله أحيانا.

image_print

تصنيفات: مقالات الرأي