ضمانات تفتيش الأشخاص من قبل الجهاز الديواني بقلم الباحث منير العش

ضمانات تفتيش الأشخاص من قبل الجهاز الديواني

بقلم الباحث منير العش

unnamed

يتمتع أعوان الديوانة بنفوذ كبير في ممارسة التفتيش، ويتولد هذا النفوذ خاصة عن الطابع المادي للقانون الديواني وكذلك عن المصلحة التي يراد حمايتها، فالأغراض التي يسعى التفتيش الديواني لتحقيقها تبرر تغاضيه عن بعض الحقوق والحريات إذا ما تعارضت مع المصلحة العامة التي تعلو عليها، حيث أن هذه الحقوق والحريات ليست مطلقة بل يجوز تجاوزها عند الاقتضاء.

إلا أن عملية التفتيش لا تتم دون ضوابط ولا تكون تعسفية ومتجاهلة لحقوق الأشخاص وحرياتهم، حيث لا يخضع التفتيش الديواني للسلطة المطلقة لأعوان الديوانة، إذ قد تم تنظيمه تشريعيا من خلال التنصيص على شروطه وإجراءاته وأثاره صلب عدة قوانين.

لا يمارس التفتيش الديواني بمعزل عن حقوق وحريات الأشخاص، بل يراعي مقتضياتها ويعطي من الضمانات ما يحميها، فكل اجراء سابق لمعاينة المخالفات واثبات الجرائم يجب ان يتقيد بعدة شروط شكلية وموضوعية تكون ضمانا للحرمة الجسدية ومتماشية مع ضوابط احترام الحرية الذاتية للفرد.

الفقرة الأولى: احترام الجهاز الديواني للحرمة الجسدية للأشخاص بمناسبة تفتيشهم

يمثل التفتيش إحدى وسائل البحث عن الجرائم، وهو إجراء من إجراءات التحقيق التي تجريها السلطة القضائية وأعوان الضابطة العدلية قصد جمع أدلة ارتكاب الجريمة وضبط المتورطين فيها.

اسندت الفصل 56 من مجلة الديوانة لأعوان الديوانة حق تفتيش الأشخاص، حيث يمكن لأعوان القمارق سعيا وراء البحث عن التهريب إجراء الفحص عن البضائع ووسائل النقل والأشخاص.

لا نقاش في كون تفتيش إنسان تفتيشا بدنيا يعد قيدا ومسا من حرمته الجسدية، هذه الحرمة التي سعت التشريعات الوطنية والدولية لحمايتها ومناهضة كل عمل يمس بها، فحماية الحرمة الجسدية للإنسان تجاوز إطارها القانوني المستوى الوطني ليعانق الكونية.

أ-الإطار القانوني لحماية الحرمة الجسدية للأشخاص بمناسبة التفتيش الديواني

ورد مبدأ احترام الحرمة الجسدية للإنسان وعدم المس بها بالعديد من النصوص الدولية، نورد منها على سبيل الذكر لا الحصر:

  • الفصل 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 الذي ينص على ضرورة سلامة كل شخص.
  • المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1984 منعت التعذيب بالتنصيص على “لا يعرض أي إنسان للتعذيب”
  • المادة 7 من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية المؤرخة في 16 ديسمبر 1966

أما على مستوى التشريع الوطني فقد أعطى الدستور الإنسان مكانة تليق بآدميته ونص على أن الجمهورية تضمن حرمة الفرد.

ونجد لهذا المبدأ تطبيقاته العملية وضماناته الفعلية في المجلة الجنائية من خلال الفصل 101 مكرر، وكذلك الفصل 103 الذي يمنع الاعتداءات المتأتية من الموظفين ضد المواطنين بوجه عام والمشبوه فيهم بوجه خاص.

ولم يكتف المشرع بإقرار هذه الحقوق، بل عمل على إيجاد وسائل تطبيقية في كل الميادين وبمناسبة كل إجراء تتخذه السلط العمومية والذي يمكن أن يؤثر ويمس بالحرمة الجسدية لإنسان، لذلك نجد أن مأموري الضابطة العدلية ومن خلالهم أعوان الديوانة ملزمون بعدة ضوابط تضمن حرمة الفرد عند اعتمادهم التفتيش البدني.

ب – مظاهر حماية الحرمة الجسدية للأشخاص بمناسبة التفتيش الديواني

يمثل التفتيش البدني إجراءا حساسا للغاية نظرا لمساسه بالحرمة الجسدية للإنسان، لذلك لا يمكن لأعوان الديوانة تفعيل هذا الإجراء إلا متى كان الشك يقينيا بأن الشخص يخفي ببدنه أشياء ممنوعة.

ولا يتخذ قرار التفتيش البدني إلا بعد التأكد والتحري والقناعة المطلقة بضرورة إجرائه، وهذا ما يجعل الإعلامات بالجرائم التي تصل الديوانة غير معتد بها إلا متى كان المصدر موثوقا منه وتواجدت شكوكا قوية مدعمة للإعلام.

ويجب الإشارة إلى خصوصية الأماكن المعدة لقبول المسافرين باعتبار ارتفاع نسبة خطر حصول المخالفات وخاصة حمل المسافرين لأشياء ممنوعة، فداخل هذه الأماكن ترتفع الحاجة لإجراء التفتيش البدني وممارسته، إلا أن هذا الإجراء لا يتم إلا بعد ملاحظة سلوك غير عادي لأحد المسافرين خاصة إذا صدرت منه حركات تمويهية لإخفاء شيء ما أو ملاحظة بعض العلامات الغير العادية على جسده.

ويجرى التفتيش البدني بأماكن تكون قد أعدت خصيصا للقيام بهذه العملية وتتواجد بالمطارات والمواني والمراكز الحدودية، لذلك فهي تهيأ مسبقا وفق الشروط الصحية الأساسية.

قد يشمل التفتيش الديواني لبدن المضنون فيه داخل الجسم، مثل الحاجة لغسل المعدة أو فحص الأمعاء، ويقوم بهذا النوع من التفتيش أصحاب الاختصاص مثل الأطباء بالمستشفيات وذلك على إثر قرار إحالة من وكيل الجمهورية، وطبعا مع مراعاة الحالة الصحية للذي سيقع تفتيشه.

وقد يقع التفتيش البدني بالتقنيات الحديثة كأجهزة الكشف بالأشعة، وهي أجهزة لا يمس التفتيش بواسطتها كرامة الإنسان طالما أنها مطابقة للمواصفات الصحية الأساسية المعمول بها.

ومواصلة في احترام كرامة الإنسان واحتراما لحرمته الجسدية يشترط أن يكون التفتيش البدني من طرف عون من نفس جنس الشخص الخاضع للتفتيش، فإذا كان المظنون فيه أنثى يجب أن يكون التفتيش بمعرفة أنثى يسخرها لذلك الضابط المسؤول.

تعتبر هذه القاعدة ضرورة تمليها حماية الآداب العامة والحرمة الجسدية، وتعتبر مخالفتها جريمة يعاقب عليها القانون إضافة إلى بطلان إجراء التفتيش. لكن تسهيلا للضرورات العملية والصعوبات التي قد تعترض رئيس الفرقة في مراكز حدودية نائية من توفير امرأة تقوم بذلك، يجوز تسخير أية أنثى على شرط أن تكون من الثقات مع ضرورة تثبيت هويتها كاملة في المحضر حتى ولو لم تكن عون ديوانة كزوجة أحد الأعوان مثلا.

ويجب التأكيد على أن المقصود بتفتيش الأنثى من قبل الأنثى أن يكون التفتيش في المواضع التي تعتبر من عورات المرأة والتي تخدش حياءها، فإذا كان محل التفتيش لا تتوفر فيه تلك الصفة كان صحيحا.

في عديد من الأحوال قد يستلزم التفتيش البدني لأنثى أن يتم من قبل طبيب مسخر للغرض، من ذلك لو توافرت دلائل جدية تفيد أن امرأة تخفي في جسمها بعض أدلة الجريمة، ففي هذه الحالة يكون الإجراء السليم إحالة المرأة المتهمة على طبيب الصحة العمومية المختص مع ضرورة أن يصطحبها عونان من نفس جنسها يعاينان عملية تفتيشها.

هناك أيضا إشكال قد يتولد عن عملية التفتيش، وهو رفض المشبوه فيه لعملية تفتيشه بدنيا خصوصا مع غياب نص صريح يقر حلا لهذه الإشكالية. إن رفض المضنون فيه الخضوع لعملية التفتيش لا يمكن بأية حال أن يؤدي إلى غصبه أو إجباره عليها، لأن ذلك يمثل اعتداء على الحرمة البدنية، لذا يتعين الحصول على رضا المشبوه فيه أولا، أما إذا تعذر ذلك، فتقع إحالته على وكيل الجمهورية أو رئيس المحكمة الابتدائية المختص ترابيا مع تحرير محضر في ذلك.

كذلك في صورة اتخاذ قرار بعرض المضنون فيه على الفحص الطبي لاستخراج دليل الإدانة من داخل بدنه، فإن ذلك يستوجب حصول ترخيص مسبق من رئيس المحكمة الابتدائية، والغاية العملية من ذلك حماية حقوق الأشخاص وإعفاء أعوان الديوانة من المسؤولية الجزائية.

ولا تتوقف عملية التفتيش البدني في العديد من الحالات على إتمام العملية أو الإجراء في حد ذاته، بل قد يصحبه إجراء لاحق له والمتمثل في إيقاف ذي الشبهة لمزيد التحري معه واستنطاقه، وقد أحاط المشرع عملية الاستنطاق بعدة شروط تمثل حماية فعلية للشخص ولحرمته الجسدية، حيث حظر استعمال العنف والمعاملة المهينة أثناء إجراء الاستنطاق.

تضمنت المجلة الجنائية أحكاما رادعة لحماية المتهم من اعتداء أعوان السلطة العمومية على الحرمة الجسدية وذلك بتجريمه مختلف مظاهر الاعتداءات، من ذلك أن الفصل 101 من المجلة الجنائية نص على تسليط عقاب بالسجن مدة 5 سنوات على كل موظف عمومي أو شبهه يرتكب دون موجب بنفسه أو بواسطة جريمة التعدي بالعنف على الناس حال مباشرته لوظيفته أو بمناسبة مباشرتها، ولمزيد التشديد أضاف المشرع الفصل 101 مكرر ليرتفع العقاب البدني إلى ثمانية أعوام عند قيام العون بتعذيب المتهم وذلك قصد الحصول على معلومات أو اعتراف.

ونص الفصل 103 من نفس المجلة على تسليط عقاب بالسجن مدة 5 أعوام وخطية على الموظف العمومي الذي يباشر بنفسه أو بواسطة ما فيه عنف أو سوء معاملة ضد متهم أو شاهد للحصول منه على إقرار أو تصريح، أما إذا لم يقع إلا التهديد بالعنف أو سوء معاملة فالعقاب ينحط إلى 6 أشهر.

يكتسي هذا الفصل أهمية كبيرة في تحديد المسؤولية، وهو يرمي لحماية صنف معين من الأشخاص من التعرض لضغوطات أو تعنيف أو سوء معاملة أثناء استنطاقهم وسماعهم، وذلك حتى تكون اعترافاتهم تلقائية وصادرة عن إرادة حرة وعن رضا سليما دون إكراه أو تهديد حفاظا لكرامتهم وحرمتهم الجسدية.

الفقرة الثانية: احترام الجهاز الديواني للحرية الذاتية للأشخاص بمناسبة تفتيشهم

خول الفصل 301 من مجلة الديوانة لأعوان الديوانة حق تتبع الجرائم الديوانية ورفع المخالفات للقوانين والتراتيب الديوانية وذلك بإيقاف ذي الشبهة والاحتفاظ به لمزيد التحري معه.

يمثل هذا الإجراء حدا من الحرية الذاتية، باعتباره يتسلط على ذات الشخص بمنعه من حرية التنقل وقضائه لمصالحه الخاصة، لذلك نجد الفصل 301 من مجلة الديوانة يعتبر أن الإيقاف التحفظي وسيلة استثنائية يلجأ إليها عند الضرورة وبدون تسرع وحسب حالات معينة.

يعتبر الإيقاف التحفظي وسيلة من الوسائل المساعدة على البحث والتحري، فهو يضمن بقاء المتهم على ذمة البحث ويمنع فراره ويحول دون تمكينه من فرصة إعدام الأدلة وإخفاء البضائع موضوع المخالفة الديوانية أو إخفاء متحصلاتها، وهو إجراء أحاطه المشرع بشروط تعتبر ضمانا فعليا لحقوق الأفراد وحرياتهم الذاتية.

أ- الحالات الموجبة للإيقاف التحفظي

لا يمكن لأعوان الديوانة تفعيل إجراء الإيقاف التحفظي للمظنون فيه إلا في حالة توفر حالة التلبس بجنحة.

والتلبس هو حالة تلبس الفعل الإجرامي لشخص مرتكبه، ويعتبرالهدف من اشتراط حالة التلبس هو اجتناب زوال الحجج المثبتة للجريمة.

وقد جاء بالفصل 33 من مجلة الإجراءات الجزائية أن الجناية أو الجنحة المتلبس بها تكون أولا إذا كانت مباشرة الفعل في الحال أو قريبة من الحال. ثانيا إذا كان ذي الشبه حاملا لأمتعة أو وجدت به آثار أو علامات تدل على احتمال إدانته بشرط وقوع ذلك في زمن قريب جدا من وقوع الفعلة.

في المجال الديواني، منع المشرع بمقتضى الفصل 301 من مجلة الديوانة إيقاف المخالفين للتراتيب القمرقية إلا إذا كانت المخالفة من نوع الجنح المعاقب عليها عقوبة بدنية مهما كانت درجتها، كجنح التهريب.

يستلزم هذا الأمر أن يكون عون الديوانة على دراية كافية بالقانون وبالوقائع المادية التي تمكنه من التمييز بين مجال المخالفات ومجال الجنح الديوانية.

ب- الواجبات المحمولة على الديوانة في حالة الإيقاف التحفظي للمظنون فيه

يعتبر قيام أعوان الديوانة ممارسة إجراء الإيقاف التحفظي في غير الصيغ القانونية جريمة يعاقب عليها القانون، وهي جريمة الاعتداء على الحرية الذاتية المنصوص عليها بالفصل 103 من المجلة الجزائية وجريمة التجاوز في حدود السلطة المنصوص عليها بالفصل 250 وما بعده من نفس المجلة.

يجب على أعوان الديوانة إذا ما كانت هناك حالة تستوجب الإيقاف التحفظي إعلام وكيل الجمهورية والحصول على إذن في ذلك، ويعتبر وكيل الجمهورية المشرف على أعمال الضابطة العدلية بمنطقة المحكمة الابتدائية الراجع لها بالنظر والذي يمكنه الإذن بالإيقاف التحفظي في الجنايات والجنح المتلبس بها تطبيقا لنص الفصل 10 و 13 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية.

وفيما يتعلق بمدة الإيقاف، فلم تنص مجلة الديوانة عليها، لذلك تطبق أحكام القانون العام في هذا المجال.

كذلك يجب أن نؤكد على وجوبية تضمين نتائج الاستنطاق والتحريات والأبحاث التي يكون بموجبها ذي الشبهة محل إدانة في محاضر معدة للغرض. وتعتبر هذه المحاضر وسيلة إثبات أساسية وضرورية لمعاينة الجرائم الديوانية، هو ما يتطلب سلامتها من حيث الشكل والموضوع، إذ ورد بالفصل 155 من مجلة الاجراءات الجزائية أن المحضر لا يعتمد كحجة إلا إذا كان من الوجهة الشكلية محررا طبق القانون وضمن به محرره ما سمعه أو شاهده شخصيا أثناء مباشرته لوظيفه في مادة إختصاصه.

يتعلق احترام الصيغة الشكلية للمحضر بالنظام العام، وهو حق من حقوق المتهمين الذين يمكن لهم الطعن في المحضر إذا لم يستجب لهذه الشروط، وقد نص الفصل 312 من مجلة الديوانة على أن عدم احترام المحاضر الديوانية للشروط الشكلية يفضي للبطلان.

نشير كذلك في نفس الإطار إلى أن فرق الحراسة والتفتيشات تضمن كل عملية تفتيش والحوادث المتعلقة بها والمحجوزات بدفاتر خاصة أعدت للغرض، لتتم مراقبتها فيما بعد من طرف المصالح المختصة بإدارة الديوانة.

كذلك غالبا ما يلجأ أعوان الديوانة إلى الوثائق المتعلقة بالعمليات التجارية للكشف عن التهريب والتحيل غير المتلبس به، كما لهم الحق في مراقبة التوجيهات عن طريق البريد، وفي هذه العمليات لا بد أن تراعي الديوانة سرية المراسلات محافظة على الأسرار الخاصة.

الكاتب: منير العش، مشروع إنسان… شبه مواطن… حقوقي وباحث في علوم الإجرام، مدافع عن الفئات التي يلقي بها المجتمع في المستنقع دون ذنب ثم يتنكر لها ويعلنها ورما خبيثا …

image_print

تصنيفات: الإجراءات الجزائية,تقارير ومنشورات,قسم القانون الخاص