ماهي مؤهلات الفرد للوقوع ضحية فعل إجرامي ؟ دراسة في علم الضحية بقلم الباحثة كوثر يعيش

ماهي مؤهلات الفرد للوقوع ضحية فعل إجرامي ؟

دراسة في علم الضحية

الكاتب: كوثر يعيش، حقوقية وباحثة في علوم الإجرام ومتخصصة في علم الضحية.

لا تولد الجريمة من العدم، فهي تقوم على تظافر العديد من الأسباب التي ترتبط بشدة بمؤثرات خارجية تدفع الجاني نحو الجريمة، ومن بين هذه المؤثرات ذات الأهمية البارزة نجد الضحية في حد ذاتها. ففي كل مرة تولد فكرة إجرامية متعلقة بضحية معينة، نلاحظ تدخل صفات وخصائص محددة في هذه الضحية لتبعث بالفكرة لدى المجرم.

جمع الفقهاء والباحثون في علم الضحية هذه الصفات والخصائص تحت مفهوم “مؤهلات الشخص للوقوع ضحية”، بحيث تتمثل هذه المؤهلات في مجموعة الخصائص التي تجعل شخصا أو مجموعة أشخاص أكثر عرضة أو أقل حماية من غيرهم للوقوع ضحية جريمة معينة أو صنف معين من الجرائم، وقد تكون هذه الصفات أو الخصائص ذات صبغة ذاتية أو صبغة موضوعية.

فقرة أولى: المؤهلات الذاتية للفرد ضحية الفعل الإجرامي

تهدف السياسة الجنائية الحديثة دائماً إلى توفير أكبر قدر من الحماية الجنائية لبعض الأفراد الذين يكونون عرضة للوقوع ضحية للجريمة نتيجة توافر صفة خاصة بهم تجعلهم غير قادرين على حماية أنفسهم وعرضة أكثر من غيرهم لخطر الجريمة. لذلك، عملت التشريعات الجنائية على توفير حماية جنائية خاصة لهؤلاء الأفراد، وذلك من خلال وضع النصوص القانونية الملائمة والمناسبة لكل صفة من هذه الصفات. ومن هذه الصفات ما يرجع إلى الخصائص الجسدية للضحية، ومنها ما يرجع إلى خصائصها النفسية.

أ- المؤهلات الجسدية للضحية

يرتفع معدل احتمال سقوط بعض الأشخاص ضحايا للإجرام بحسب بعض الخصائص الجسدية التي تتوفر لديهم، ومن بين هذه الخصائص نخص بالذكر سن الضحية وجنسها وقدرتها الجسدية.

من جهة أولى، ركز الباحثون في علم الضحية على سن الضحية كخاصية تسهل وقوعها ضحية فعل إجرامي، فكل عمر يحمل معه مخاطره الخاصة به. وعلى الرغم من أن هذه المخاطر تختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف الإجتماعية المحيطة بالفرد، إلا أنها تظل باقية وتحيط بالفرد منذ ميلاده، من ذلك مثلا أن خطر قتل الطفل الرضيع المنتشر بكثرة في صفوف الأطفال المولودين نتيجة علاقة غير شرعية بغاية التستر على العرض.

كذلك، يمثل الطفل ضحية سهلة للإجرام بإعتباره غير قادر على توفير الحماية اللازمة لنفسه، فالطفل يتميز بضعف جسدي لدرجة لا تمكنه من الدفاع عن نفسه بصورة تسهل إرتكاب الجريمة ضده، كما أن عدم اكتمال نضجه وقلة خبرته تؤدي به الى عدم كشفه لأساليب الحيلة والخداع وعدم قدرته على إعطاء رضاء سليم لبعض التصرفات، وهو ما يجعل منه معرضا دائما لكافة أنواع سوء المعاملة منها العنف الجسدي والاستغلال الجنسي والإهمال الذي يمكن ان يؤدي الى الموت خاصة في الطبقات الدنيا والأوساط الفقيرة.

نفس الوضعية تطرح بالنسبة لحالة الشيخوخة بإعتبارها تمثل ضعفا جسديا يقترن أحيانا بضعف عقلي. كما أن الشيخوخة قد يصاحبها انعزال اجتماعي مما يسهل للجاني إرتكاب جريمته، إضافة الى أن الشيوخ يعتبرون المال هو مصدر الأمان والحماية لديهم لذلك يحتفظون به دائما في حوزتهم مما يجلب لهم طمع مرتكبي السرقات. وفي هذا الإطار، لاحظ الباحثون أن للأشخاص المسنين معرضون لخطر السرقة أو القتل بقصد السرقة، وتزيد نسبة تعرضهم لأخطار هذه الجريمة بقدر عزلتهم ومدى ثرائهم. كما أن الشيخوخة قد تجعل من الشخص في وضعية ارتباط لشخص آخر يهتم به وهو ما يجعله عرضة لعديد أنواع سوء المعاملة والعنف من بينها: إهمال علاجه والعناية به، حرمانه من موارده المالية، حرمانه من حريته، تعذيب وأحيانا استغلاله جنسيا.

وبالنسبة إلى جنس الضحية، فقد أثبتت أبحاث علم الضحية أن المرأة أكثر عرضة من الرجل لوقوعها ضحية للجريمة، ويتضح هذا خاصة في جرائم العنف والجرائم الجنسية. فكل أنثى هي عرضة للاغتصاب إذا ما توفر المغتصب وتوفرت الظروف المهيأة للاغتصاب. كما أن توفر بعض الخصائص يولد احتمالا أكبر لتعرض الأنثى للاغتصاب، من ذلك تمتعها بقدر أكبر من الجمال أو خروجها بصورة جذابة ومغرية ومثيرة تثير إهتمام ومتابعة المغتصبين والمتحرشين.

كذلك، وبالتطرق الى معيار القدرة الجسدية، فعادة ما يتطلب إرتكاب الجريمة أن تكون للمجرم قدرة جسدية أعلى من القدرة الجسدية للضحية. وفي هذا السياق، إعتبر باحثون في علم الضحية أن “الشخص الضعيف هو الذي سيصبح ضحية الاعتداء، فبعضهم مثل الأطفال والعجائز هم ضعاف الجسد، والبعض الآخر ينتمون لجنس ضعيف”. فالضعف الجسدي للفرد يجعل من السهل الاعتداء عليه دون مقاومة شديدة من جانبه وهو ما يضعه في صورة الضحية المثالية لعديد الجرائم خاصة الاعتداء والسرقة.

وفي نفس هذا المستوى، نشير إلى أن القدرة الجسدية للفرد تنخفض في فترات معينة خاصة عندما يكون في حالة إرهاق أو مرض أو سكر. فالمرضى يسهل وقوع الشخص ضحية للجريمة لأن المريض أقل قدرة من غيره عن الدفاع عن نفسه وعرضه وماله. كما أن التكوين الجسمي لبعض الأفراد والمتمثل في إصابتهم ببعض العاهات مثل العمى والصم والبكم او أي عاهة أخرى تقلل من قدرتهم على مواجهة الحياة أو الدفاع عن أنفسهم تجعلهم أكثر عرضة من غيرهم من الأسوياء للوقوع ضحية سهلة لبعض الجرائم.

لاقى هذا الإهتمام الفقهي بالضحايا حسب خصائصهم الجسدية صداه في التشريعات الحديثة ومن بينها التشريع التونسي الذي وضع نصوصا عديدة توفر حماية جنائية خاصة لهذه الفئات لكونهم أكثر عرضة من غيرهم للوقوع ضحية للجريمة، فشدد العقاب على المجرمين الذين يستغلون هذه الخصائص في إرتكاب الجرائم ضد ضحاياهم.

ففي إطار تكريس حماية جزائية متكاملة وفعالة للطفل، بذل المشرع التونسي مجهودات كبرى منذ توقيعه على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل الصادرة في20 نوفمبر1989عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بمقتضى قانون عدد 93 لسنة 1991 المؤرخ في 29 نوفمبر1991، وذلك من خلال ملاءمة التشريعات الوطنية لتوصيات هذه الاتفاقية، فتم إنشاء مؤسسات خاصة بالأطفال مثل مؤسسة مندوب حماية الطفولة، قاضي الأطفال، المراكز المندمجة للشباب والطفولة ومركز الرعاية الاجتماعية للأطفال. كما تم إصدار مجلة حماية الطفل بموجب القانون عدد 92 لسنة 1995 التي تضمنت عدة أحكام وتدابير تهدف إلى حماية الطفل من كل خطر يهدد تربيته وسلامته المادية أو المعنوية.

كذلك، فقد سعى المشرع التونسي إلى الإهتمام بوضعية المرأة لتوفير حماية قانونية أكبر لها من خلال المصادقة على عديد الاتفاقيات الدولية والإقليمية حول حقوق المرأة، من بينها إعلان القضاء على التمييز ضد المرأة، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية إنشاء منظمة المرأة العربية. ولم يكتفي المشرع بهذا الحد بل حرص على تبني مقتضيات هذه الإتفاقيات صلب النظام القانوني الوطني من خلال إصدار عديد القوانين الراعية لحقوق المرأة من بينها قانون القضاء على العنف ضد المرأة الصادر في 11 أوت 2017. كما أن المشرع التونسي قد جرم صلب المجلة الجزائية عديد الأفعال التي تمس المرأة، حيث جرم الاغتصاب والاعتداء بالفاحشة والفرار بقاصر ومواقعة قاصر برضاها. وتعتبر هذه الحماية الجزائية، وإن كانت في جانب منها تهم الجنسين، فهي تمثل حماية معتبرة لحقوق المرأة بالخصوص في حفظ كرامتها وشرفها ومعاملتها معاملة حضارية وإنسانية لائقة دون أي تمييز أو إستغلال. كذلك، تمثل مجلة الأحوال الشخصية مكسبا هاما للمرأة التونسية مقارنة بوضعية مثيلاتها في الدول العربية، لكن هذا المكسب لا يلغي الاعتراف بالوضعية الهشة التي وصل إليها حال المرأة اليوم خاصة مع إنتشار الفكر الوهابي.

بالإضافة لذلك، لم يغفل المشرع التونسي عن توفير الحماية الجنائية للأشخاص العجز والمسنين وأصحاب الإحتياجات الخصوصية، حيث شدد العقوبة في بعض الجرائم التي ترتكب ضدهم، وذلك حماية لهم لضعفهم وعدم قدرتهم على دفع الجريمة ومنع وقوعها عليهم.

ففي هذا الإطار، أقر المشرع التونسي حماية جزائية خاصة بالمسنين، تبرز أساسا من خلال الفصل 213 من م.ج الذي ينص على جريمة إهمال عاجز ويشدد في العقاب إذا نتج عنه موت، وكذلك من خلال إصدار القانون عدد 114 مؤرخ في 31 أكتوبر 1994 المتعلق بحماية المسنين الذي ينص صلب فصله الثاني على واجب الدولة والأسرة في حماية صحة المسن وضمان كرامته، كما أن عليها اتخاذ إجراءات استثنائية ملائمة لفائدة المسنين إذا كانوا من ضعاف الحال أو في حالة عجز حسب صريح الفصل 15 من نفس القانون. كذلك، فقد أتى على لسان وزيرة المرأة والأسرة والطفولة أنها تعمل على إعداد مشروع مجلة حماية كبار السن والتي ستكون رائدة في مجال حقوق فئة المسنين.

كذلك، فقد اهتم المشرع بأصحاب الاحتياجات الخصوصية من خلال القانون التوجيهي عدد 83 لسنة 2005 المؤرخ في 15 أوت 2005 المتعلق بالنهوض بالأشخاص المعوقين وحمايتهم الذي كرس مختلف حقوق الإنسان لهذه الفئة الإجتماعية التي يجب أن تكون مسؤولة لا مكفولة، من ذلك أن الفصل الثالث من هذا القانون ينص على أن “تعتبر مسؤولية وطنية حماية الأشخاص المعوقين من الاستغلال الاقتصادي والجنسي والتشرد والإهمال والتخلّي، تأهيلهم وتربيتهم وتعليمهم وتكوينهم المهني، توفير ظروف العيش الكريم لهم والنهوض بهم.”

بذلك، يكون المشرع التونسي قد سعى للتصدي وحماية الفئات المؤهلة لتكون ضحية فعل إجرامي نتيجة خصائصها الجسدية، فالطفل والشيخ والمرأة وغيرهم من ضعاف البنية يحتاجون دائما لحماية القانون باعتبارهم عرضة لأن يكونوا موضوع جريمة تسلط عليهم بسبب خصائصهم الجسدية. ولا تقف الخصائص الذاتية المؤهلة للشخص للوقوع ضحية عند هذه الخصائص الجسدية، بل نتبين أيضا توفر خصائص نفسية قد يحملها الشخص وتؤدي لنفس النتيجة.

ب- المؤهلات النفسية للضحية

على غرار الخصائص الجسدية المذكورة في العنصر السابق، يمكن للعديد من الخصائص النفسية للفرد أن تؤهله ليصبح ضحية مثالية لعديد الجرائم، ومن ذلك نخص بالذكر الميولات الجنسية المنحرفة للضحية، وإصابتها ببعض الاضطرابات النفسية والعقلية، إضافة الى إدمانها على المخدرات أو الكحول.

تعتبر الاتجاهات الجنسية المنحرفة للفرد، في جانب منها، نوعا من الأمراض النفسية التي قد تعود إلى صدمات حصلت للفرد في طفولته جعلته ينحرف عن ميولات الإنسان العادي ويتبع إتجاهات سادية أو مازوشية. فالشخص صاحب الاتجاهات الجنسية المازوشية يبحث عن الاستمتاع بإيقاع الألم على النفس كوسيلة للإثارة والحصول على الاكتفاء الجنسي، وهو بذلك يجذب إليه بسهولة الشخص صاحب الاتجاهات الجنسية السادية وهو الشخص الذي يستمتع بإيقاع الألم على الغير. وفي بعض الصور، يبلغ هذا الشذوذ حدا خطيرا في إيذاء الضحية والاعتداء عليها كالعض والضرب بالحزام والحرق بأعقاب السجائر والإرغام على ممارسة الجنس شرجا.

كذلك، تعتبر المثلية من بين الميول الجنسية المنحرفة. فأصحاب الميول الجنسية المثلية وخاصة من الرجال، يكون من السهل وقوعهم ضحايا لجرائم جنسية وجرائم عنف أو سرقة أو قتل لكونهم يوجهون بحثهم عن شريكهم الجنسي في أماكن تنتشر فيها الدعارة والإجرام وهو ما يجعل منهم فريسة سهلة. كذلك، فإن التوجه الجنسي المثلي يجعل من صاحبه عرضة لعديد الاعتداءات، ويعود ذلك خاصة للرفض الاجتماعي للمثلية الجنسية مما يحرمه من الحماية الإجتماعية.

ولا تنحصر الأمراض النفسية والعقلية التي يمكن أن تحيط بالضحية في ميولاتها الجنسية فقط، بل قد تشمل كامل جوانب حياتها. حيث نجد من ذوي الاضطرابات النفسية الذين لديهم استعداد مسبق للوقوع ضحايا الاجرام الأشخاص المصابين بجنون العظمة إذ يتعرضون للوقوع ضحايا للجريمة بسبب شعورهم الدائم بالاضطهاد.

كذلك يعتبر من المرضى النفسيين من يعانون الاكتئاب الجسيم، فتكون الضحية في حالة اكتئاب شديد وتدخل في مرحلة انتحار كامن أي استعداد داخلي للموت متى توفرت العوامل المهيئة لذلك أو عند تعرضها لأحداث الحياة الضاغطة. في هذه الحالة النفسية المتدهورة من الممكن أن تعرض الضحية نفسها لا شعوريا لمخاطر قاتلة، أو تستسلم لا شعوريا لمواقف تعرض حياتها للهلاك دون محاولة إنقاذ نفسها بحيث تتحقق رغبتها اللاشعورية في الخلاص من الحياة.

ويعتبر المختصون في علم النفس أن المرأة هي ضحية الاضطرابات النفسية والعصبية أكثر من الرجل، ذلك أن المجتمع يضيق على المرأة أكثر من الرجل، فالبيئة والتقاليد والدين والآداب والعرف، كل هذه الإعتبارات تؤاخذ المرأة وتحملها المسؤولية أكثر مما تؤاخذ الرجل، فالمرأة تواجه الكثير من المواقف الضاغطة في الحياة الراهنة فهي أكثر عرضة لإساءة التعامل معها جنسيا واضطهادها بسبب الجنس، مما يؤدي إلى الكبت الذي يعرضها للإصابة بهذه الاضطرابات التي من الممكن أن تصل بها إلى الأمراض العصبية أو العقلية.

وفي هذا المستوى نشير إلى أنه من بين الأسباب التي جعلت بعض المغتصبين يقدمون على اغتصاب ضحاياهم أن تكون الضحية مريضة نفسيا أو مختلة عقليا، فقد ساعد ذلك بعض المجرمين على التفكير والإقدام على تلك الجريمة، بمعنى أنه لم تخطر جريمة الاغتصاب على ذهن المعتدي إلا عندما وجد مثل هذه المرأة أمامه، فوجد فيها ضحية ملائمة تماما لا يخشى منها ردة فعل أو مقاومة ولا تدري بالضبط ماذا يفعل بها.

ومما يكشف أيضا عن نفسية مضطربة للفرد إدمانه للخمر وللمخدرات، حيث يعرض الإدمان أصحابه أكثر من غيرهم للوقوع ضحايا لجرائم السرقة والقتل على وجه الخصوص. وقد إعتبر الباحثون في علم الضحية أن المدمن على الكحول يمثل الضحية الأمثل لكل المجرمين خاصة مرتكبي الجرائم المالية. فالكحول هو السم المختار للجهاز العصبي، فهو يؤثر على القوى العقلية والخلايا الدماغية ويجعل متعاطيه أكثر استجابة للوسط الموجود فيه مع كثرة الضحك والكلام وضعف الاستجابات للعضلات. وإذا استمرت نسبة الكحول في الدم في الازدياد يصاب الشخص بالإغماء. كما أن المدمن يعاني أحيانا من اضطرابات عنيفة ونوبات هذيان يكون فيها غير قادر على الاتصال ببيئته مع تشتت انتباهه وقدرته على الإدراك كما يعاني من هلوسات بصرية وسمعية، وأحيانا تصبح ذاكرته ضعيفة جدا لدرجة أنه ينسى الأحداث القريبة ويصبح مضطربا لدرجة يختلط عليه الأشياء فيها، ويعجز عن إتخاذ القرارات في الأمور البسيطة. كل هذه التأثيرات للكحول تضعف قدرات الشخص الدفاعية وقدراته التمييزية على فهم الأحداث المحيطة به مما يجعله فريسة سهلة لأي هجوم أو عملية تحيل تقع عليه.

من خلال مجمل هذه العوامل، يبرز الدور الذي يمكن أن تلعبه الخصائص النفسية للفرد حتى تساهم في وقوعه ضحية فعل إجرامي، وهو ما يدعو بالمشرع التونسي الى السعي نحو توفير الحماية القانونية اللازمة لهذه الفئات المهمشة خاصة أصحاب الاتجاهات الجنسية المثلية والاضطرابات النفسية. وتجدر الإشارة الى أن هذه الخصائص النفسية والجسدية قد تقترن بخصائص خارجية لتجعل الضحية مؤهلة لارتكاب الجريمة عليها، من ذلك علاقتها بمرتكب الجريمة.

فقرة ثانية: المؤهلات الموضوعية للفرد ضحية الفعل الإجرامي

لا بد لتحديد ماهية الجريمة من أخذ الفعل الاجرامي على أنه علاقة ثنائية: “ثنائي المجرم/الضحية” وذلك حسب الباحثين في علم الضحية.

ويمكن بدراسة العلاقات الإنسانية تصنيف العلاقة بين الضحية والمجرم إلى صنفين أساسيين. يتمثل الصنف الأول في العلاقات الشخصية والتي تكون إما مباشرة ومتميزة بالقرب والحميمية والتي نجدها عادة بين أفراد العائلة والأصدقاء أو غير مباشرة وتتميز بالثانوية والتي نجدها عادة بين الجيران والعلاقات داخل العمل. أما الصنف الثاني فيشمل العلاقات العابرة وهي العلاقات التي لا يدخل فيها أي جانب شخصي أو موضوعي بل تكون عادة وليدة الصدفة أو ظروف عابرة.

وتعتبر العلاقات العابرة بين الضحية والمجرم ذات تأثير ثانوي ضعيف أو ليس لها تأثير بتاتا على إرتكاب الجريمة، على عكس العلاقات الشخصية بين الضحية والمجرم التي تعتبر من العوامل الرئيسية والمحددة لارتكاب الجريمة، حيث أن توفر علاقة الثقة بين الضحية والمجرم تعتبر خاصية موضوعية هامة قد تؤدي لوقوع الفعل الإجرامي شأنها شأن قيام تلك العلاقة على الواجب.

أ- علاقة الثقة بين المجرم والضحية

لا طالما حظيت جرائم الشغف بدراسة العلاقة بين الضحية والمجرم، حيث أن العلاقة الإنسانية والثقة المتبادلة مفترضة في العلاقات الحميمية والعلاقات الجنسية. فهذه العلاقة الشخصية بين المجرم وضحيته تجعل من الضحية في حالة لا دفاعية تتخدر خلالها كل منبهاتها بطريقة لا تتوقع الغدر من الطرف المقابل مما يؤدي بها الى الإهمال وعدم أخذ الحيطة والحذر. بتطور الدراسات في علم الضحية، تبين أن لعلاقة الثقة القائمة بين الضحية بالمجرم دورا هاما في وقوع الجريمة بصفة عامة، فحالات من الإفراط في الثقة لا تنحصر في العلاقات الحميمية، بل نجدها أيضا في علاقات الصداقة وعلاقة البنوة والأبوة.

رتب المشرع التونسي على وجود علاقة خاصة بين الجاني والضحية آثارا قانونية في تحديد مسؤولية الفاعل في جرائم محددة، وعلى سبيل الذكر نتعرض للفصل 208 جديد من المجلة الجزائية الذي شدد العقاب على الفاعل في جرائم العنف التي ينتج عنها موت إذا كان من أصول أو فروع المجني عليه من أي طبقة أو كانت لهم السلطة عليه، ونتبين نفس الموقف صلب الفصل 226 ثالثا جديد المتعلق بالتحرش الجنسي والفصلين 227 و227 مكرر جديد المتعلقين بالجرائم الجنسية.

ويقصد بأصول الضحية كل من تناسل منهم كالأب والجد وإن علا ويقصد بالفروع الأبناء وأبناؤهم وكل من تناسل منهم، أما بالنسبة للأشخاص الذين لهم سلطة على الضحية فيقصد بهم الأشخاص الذين وكل إليهم أمر الإشراف على الضحية كسلطة الأخ الأكبر على المجني عليه.

ترجع الغاية من تشديد العقوبة على هؤلاء الأشخاص إلى العلاقة الخاصة التي تربطهم بالضحية، فهذه العلاقة تخلق نوعا من الثقة بين الضحية والجاني تباعد فكرة إتخاذ واجبات الحيطة والحذر. وبالتالي، فإن المجرم قد خان الثقة وأخل بواجبه في المحافظة على الضحية مما يكشف عن خطورته الإجرامية التي تستوجب تشديد العقاب عليه.

وفي هذا المستوى، وبالتمعن في أغلب حالات الاستغلال الجنسي للأطفال، نتبين أنها تحدث داخل العائلة وهو ما يعبر عنه بزنا المحارم الذي يمكن أن يكون بين الأب وابنته أو بين الأم وابنها أو بين الابن أو البنت وأحد المحارم. ويعرف الاستغلال الجنسي للأطفال بكونه كل ممارسة جنسية من طرف شخص راشد يبحث أساسا على متعته الشخصية مع طفل، بمعنى أنه غير قادر على فهم المعنى الحقيقي لهذه الممارسة ولا على إعطاء رضاء قانوني.

يمكن تفسير قبول الطفل لهذه العلاقة بثقته في أبويه واعتبارهما المصدر الأول للأمان والحماية، فأي اعتداء جنسي من جانب أحد الوالدين يعتبره الطفل نوعا من اللعب أو تعبيرا عن حبه، من ذلك أن الأنثى تتقبل هذه العلاقة على اعتبار أنها تمثل تقديرا وتفضيلا لها في عين والدها أو ولي أمرها مما يعطيها شعورا بالسلطة والسيطرة في نطاق العائلة. وقد تختلف دوافع مثل هذه الجرائم، من ذلك أن تعتبر الأم هذه العلاقة الجنسية مع ابنها حقا من حقوق ملكيتها لهذا الطفل الذي أنجبته والذي ليس له الحق أن يكون مختلفا عنها، ليس له حق التفكير أو الاختيار، بل يجب عليه أن يبقى دائما جزءا منها وملكا لها وحتى عندما تدعوه للفراش فهو بالنسبة لها امتداد لذاتها. ونفس الأمر نجده عند الأب تجاه ابنته.

ومن بين الجرائم المنتشرة أيضا في إطار الأسرة والتي تشكل سوء إستغلال للثقة جرائم السرقة العائلية. فالسرقة جريمة تضر بالمجتمع، إلا أن السرقة داخل الأسرة أكثر ضررا من السرقة العادية، حيث يفترض في منزل المشترك للعائلة أن يمثل المكان الآمن للفرد وماله. ففي بعض الصور، يلتجأ الابن لسرقة مال أحد والديه سواء بدافع حاجته للمال الذي منع عنه أو كردة فعل ضد تصرف ناجم عنهما أو سرقة أحد الأبوين لمال أحد الأبناء.

اهتم المشرع التونسي بالسرقة العائلية صلب الفصل 266 م ج حيث نزع للتجريم عن السرقة الواقعة من الأصول لفروعهم إلا إذا كان المسروق ملكا للغير أو معقولا، لكن في المقابل لا نجد اهتماما خاص بالسرقة الواقعة من الفروع للأصول أو بين الأزواج على عكس المشرع الفرنسي الذي مال إلى تغليب كفة الأسرة على كفة الملكية، فقد خص جريمة السرقة بين أفراد الأسرة (بالمعنى الضيق لمصطلح الأسرة) بحكم خاص ضمنه في الفصل 380 من المجلة الجزائية الفرنسية.

كذلك، بالنسبة للعديد من جرائم القتل التي تتحكم فيها مشاعر الحب والكره والغيرة والانتقام والتي تفترض علاقة شخصية سابقة بين الضحية والجاني، تتوجه الجريمة لذات الضحية الذي ولدت تجاهها هذه المشاعر وتطورت والتي تكون دائما في مكان قريب من المجرم، وحده الغاء وجود هذه الضحية يمثل الحل لوضعية المجرم.

وفي هذا الإطار، يمكن التعرض إلى ما أبرزته نتائج دراسات عديدة حول جرائم القتل من أن ثلثي الضحايا كانت لهم علاقات شخصية مع قاتليهم، بحيث تمثل علاقات الأبوة سدس الضحايا، بينما تمثل علاقات الزواج والتعليم الثمن، أما الباقي فهم يمثلون علاقات قرابة ومعرفة جيدة. لذلك، فقد إعتبر باحثون في علم الإجرام وعلم الضحية أن “القتل ليس جريمة موجهة لأي كان، القتل هو جريمة موجهة ضد شخص يعرف المجرم ويثق به.”

عموما، ومن خلال ما سبق تحليله، نتبين أن علاقة الثقة بين الضحية المجرم هي التي جردت الضحية من كل وسائلها الدفاعية ووفرت الوضعية مناسبة لتولد الفكرة الإجرامية لدى الجاني وتتخمر حتى ينفذها. هذه الوضعية الناتجة عن العلاقة الشخصية بين الجاني وضحيته نجدها أيضا في العلاقات القائمة على الواجب والطاعة.

ب- علاقة الواجب بين المجرم والضحية

تتمتع العلاقة الخاصة القائمة على الواجب بين الجاني والمجني عليه بأثر هام في دفع المجرم لارتكاب جرمه، حيث تعطي للجاني سلطة على الضحية وتجعل من الضحية في وضعية تبعية وطاعة لأوامر وطلبات الجاني. هذه الوضعية نجدها عادة في علاقات العمل كما نجدها في العلاقات الزوجية والعائلية.

تعتبر علاقات العمل من العلاقات التي تقوم على فكرة الواجب والالتزام، حيث يلتزم الأجير بالقيام بعمله مقابل إلتزام المؤجر بإعطائه أجر عمله. هذه العلاقة لم تمثل حائلا أمام إرتكاب جرائم من طرف الأجراء ضد مؤجريهم خاصة من صنف السرقة والقتل بدافع السرقة، بل على العكس من ذلك، فقد مثلت محفزا للإجرام لديهم. ففي بعض المهن التي يشارك فيها الأجير حياة مؤجره الخاصة مثل عملة المنازل، يطلع الأجير على أسلوب حياة مؤجره ونقاط ضعفه ووضعيته المالية وخصوصا مكان إخفائه للمال مما يسمح له بالتخطيط للجريمة وتنفيذها بسهولة تامة. وفي هذا الإطار، يمكن أن نشير الى أن ربع ضحايا جرائم القتل بدافع السرقة كانت من طرف الخدمة، العمال أو الأشخاص الذين يؤدون خدمات لمؤجريهم حسب دراسة أجراها باحثون في علم الضحية.

كما أن عديد علاقات العمل، بحكم سلطة رئيس العمل على موظفيه وحاجة العامل لهذا العمل الذي يوفر له ضروراته الحياتية، قد تجعل من العامل ضحية تحرش أو اعتداءات جنسية أو علاقات جنسية مفروضة غصبا. وتنتشر هذه الوضعية خاصة بين صاحب المكتب أو مدير الشركة وكاتبته الخاصة أو أية امرأة تعمل لديه، وكذلك في صفوف عاملات المنازل خاصة القاصرات منهن من قبل مؤجريهن.

وتجدر الإشارة إلى إنتشار ظاهرة الاعتداءات الجنسية حديثا في مؤسسات التعليم، حيث يفرض الأستاذ أو المعلم بحكم سلطته على التلميذ أو الطالب الخضوع لرغباته الجنسية، وقد تخضع الضحية سواء بعامل الخوف على ذاته أو على مستقبلها الدراسي.

وفي الإطار العائلي أيضا، تبرز العديد من الجرائم التي تنتج عن العلاقات القائمة على الواجب من ذلك زنا المحارم، حيث ترضخ الفتاة لرغبة محرمها تحت ضغط الأمر والطاعة. فالغالبية العظمى من ضحايا إساءة التعامل الجنسي هم من الإناث، والأنثى التي تتعرض لهذه الإساءة ترضخ أو تتقبل هذه الإساءة لعدة أسباب من بينها أن يكون سكوتها عن هذه العلاقة خشية أن يؤدي احتجاجها إلى مشاكل عائلية تهدد التوازن العائلي الهش.

كذلك، قد تبرر العلاقة الزوجية إرتكاب بعض الجرائم بين الطرفين تحت عنوان “واجب الطاعة”. فعلى الرغم من أن هذا الواجب قد تم إلغاؤه منذ تنقيح 12 جويلية1993 للفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية الذي عوضه بواجب المعاملة بالمعروف وحسن المعاشرة، فإن المجتمع لازال يقر للزوج بحق التأديب وحق المعاشرة متى شاء.

ففي صورة التأديب أو بصورة أدق ما يصطلح قانونا على وصفه بالعنف الزوجي، تتقبل الزوجة هذا العنف المسلط عليها تحت غطاء ثقافة المجتمع التي تبرر هذه الاعتداء وتفرض على الزوجة الرضوخ مقابل الحفاظ على أسرتها وعائلتها. وقد يتجاوز واجب الطاعة جرائم العنف الزوجي ليمتد الى حق الزوج في معاشرة زوجته رغما عنها وبعبارة أدق اغتصابها، فإقامة العلاقات الزوجية بغير رضاء الزوجة حالات شائعة جدا حتى بين الحاصلين على أعلى المستويات التعليمية.

بالتالي، قد تجعل علاقات العمل، القرابة، البنوة والزواج من الفرد ضحية متاحة لمن له سلطة عليه. وبصفة عامة، فإن العلاقة بين الضحية والمجرم سواء قامت على الثقة أو الواجب وتوفرت في الضحية خصائص جسدية ونفسية ملائمة، فإن ارتكاب الجريمة على ضحية محددة يبرز أن المجرم يجد مبررات ودوافع في اختياره، فالمجرم لا يختار ضحيته من العدم.

الخلاصة:

لا تقع أغلب الجرائم على ضحية عشوائية، كما أن المجرم لا يختار ضحيته بناء على عامل الصدفة، فالإقدام على الجريمة يتطلب ظروفا داخلية وخارجية توفر للجاني مناخا ملائما يدفع به إلى الوصول إلى غايته بأخف الأضرار. وفي هذا الإطار، تبرز الضحية كدافع خارجي نحو إرتكاب الجريمة، حيث أنها قد تساهم بأي شكل من الأشكال في وقوع الجريمة عليها. فالضحية عن طريق إحدى خصائصها النفسية أو الجسدية يمكن تمثل عنصرا مؤثرا لولادة الفكرة الإجرامية لدى الجاني، كما أن للجانب الشخصي من علاقتها مع المجرم دورا هاما في إرتكاب الجريمة عليها.

من خلال مجمل هذه الخصائص الذاتية أو العلائقية المؤهلة لوقوع الفرد ضحية، يمكن أن نتبين الدور الذي يمكن أن تلعبه الضحية في وقوع الجريمة، وهو ما يمثل أول محاور البحث في إطار علم الضحية والذي سيتم التعرض إلى العديد من جوانبه صلب مقالات لاحقة.

الكاتب: كوثر يعيش، حقوقية وباحثة في علوم الإجرام ومتخصصة في علم الضحية.

image_print

تصنيفات: القانون الجزائي وعلوم الإجرام,قسم القانون الخاص