احدث المقالات

ماذا جنينا من هذه الصراعات القطاعية التي لا تنتهي ؟ بقلم القاضية روضة القرافي

ماذا جنينا من هذه  الصراعات القطاعية التي لا تنتهي ؟

بقلم  القاضية روضة القرافي

يتكرر نفس المشهد بمناسبة كل وقائع يدعي فيها القاضي اعتداء المحامي عليه والتجاوز في حقه او يدعي فيها المحامي ارتكاب القاضي سوء معاملته وتعديا تجاهه او خروقات في ملف من الملفات فتدفع أصوات متعددة “بالنقاش” الى السجال الكلامي المحموم (الذي لم تسقط فيه جمعية القضاة لحسن الحظ على خلفية الوقائع الأخيرة بقصر العدالة بتونس يوم 19 جويلية2018)  و الى التراشق بتهم الفساد عوض البحث في حقيقة كل حادثة و كل اتهام على حدة

فمن الأكيد ان الخلاف بين القاضي والمحامي إذا تجاوز الحد المعقول الذي يمكن تطويقه عادة بالحسنى  بتدخل المشرفين على المحاكم والمسؤولين من الحهتين وبلغ درجات الصدام القصوى من الوهلة الأولى  ان هناك طرفا مخطئا قاضيا كان او محاميا أدى سلوكه او ما ارتكبه من تجاوز الى تفجير ازمة  .

تهيمن السجالات الكلامية في كل مرة بمناسبة مثل هذه الوقائع عوض الدفع نحو البحث على حقيقة الأمور بتحمل الجهة القضائية والأجهزة الرقابية لمسؤولياتها بالتعهد بالابحاث والكشف عن الحقيقة في كل ما يثار من اتهامات بالاعتداءات المادية او اللفظية الخطيرة . بين القضاة والمحامين او التجاوزات الاجرائية او إتهامات بالفساد والرشوة وتحميل المسؤوليات لمن يتحملها او معاقبة بعض التجاوزات التي كانت مشهودة من الطرفين .

وتحتد الانفلاتات عوض ان تتابع الهياكل الممثلة الموضوع الى اخر المطاف مع المجلس الأعلى للقضاء الهيكل الذي من المفروض انه يضمن حسن سير القضاء و معالجة هذه المظاهر المرضية التي تنخر منظومة العدالة وفرز المعتدي من المعتدى عليه وتحديد الظالم و المظلوم واتخاد الإجراءات التأديبية او القضائية المترتبة على ذلك في كل قطاع لان ذلك هو جوهر العدالة وليس خلط كل الوضعيات بعضها ببعض والتعتيم عليها والتسوية في نهاية الامر بين المعتدي والمعتدى عليه بمنطق ” انصر اخاك  .. “. أومنطق وحدة القطاع حقا وباطلا

. مع الأسف يصدر هذا  من جهات  من المفروض انها   تمثل بوجودها  في الدولة  قضاة ومحامين نقيض هذا الفكر القبلي الذي تكون النصرة فيه لرابطة الدم والانتماء وليس لمبدا الحق والقانون والحقيقة تقولها  وان  كانت على نفسك …هو فكر يلغي العدالة والمؤسسة أي يلغي وجود ممثليهما

هكذا تتحول المعركة بالكامل الى حرب قطاعية مقيتة كل قطاع فيها هو قطاع الأخيار المقدسين تجاه قطاع الأشرار والفاسدين في الجهة المقابلة . ويمكن ان تصل الأمور في ردود الأفعال الانفعالية المثيرة للانشغال في بعض تعليقات التي  قراتها على شبكات التواصل الاجتماعي الى  حد التطبيع مع التجاوزات المنافية للقانون   والأخلاق وتتحول عناوين النصر من  الكشف على المتجاوزين والمخلين والمتلبسين بشبهات الفساد من القطاعين الى كسر كل هيكل لعظم الاخر بأفظع الشتائم والنعوت و بسط السيطرة والسلطة على المشهد القضائي  وشكون زاد في معركة  لا بد فيها من الرد والرد على الرد الذي يجب ان يكون مزلزلا وباستعمال الفساد ورقة بعيدا على كل معالجة فعلية حقيقية ومسؤولة تقتضي  فيما  تقتضيه التبليغ عنه ومتابعة قضاياه حتى ينتهي الامر  بمعاقبة مرتكبيه .

 ولا شك ان  الصراع القطاعي  هو افضل تكتيك يريح مرتكبي التجاوزات بل انهم يدفعون اليه دفعا .

فأن تقع مطالبة الهياكل باتخاذ المواقف مما يحدث من وقائع او صدامات  في بعض الأحيان وان تتخذ الهياكل المواقف الملائمة لكل حادثة حسب ملابستها فذلك امر طبيعي جدا اما الغريب فهو ان تتحول المسالة بالكامل الى الدفع الى صدام الهياكل دون أي حلقات للاتصال والحوار  وان تغيب ادنى مطالبة جدية بمحاسبة المتجاوزين وخاصة محاسبة المخطئين ان اتضح انهم من هذا  الطرف او ذاك أيا  كانوا  قضاة  او محاميين  او اشارت القرائن القوية الى ذلك .الاكيد ان افضل حماية وغطاء توفره القطاعية  للمخطئين  هو عدم  البحث على المسوؤلية الشخصية و الفردية و تجنب المحاسبة بانعدام الابحاث الجدية  وفي اجال معقولة و التسليم  بسياسة ترقيد الملفات أي نسيانها في الادراج وعلى الرفوف ثم حفظها وتعريضها للسقوط بفعل الزمن . وهي ممارسات يسكت عنها ويرضى بها  بعد كل المعركة اشد من كانوا يدفعون للتصعيد خاصة اذا ما كانوا على علم بان المخطئ او المتلبس بالجرم هو من فريقهم فيصبح الهدف من المعركة هي التسويات وراء الأبواب المغلقة مع شعار “انقاذ ل الزميل أولوية”  او “الترقيد” للانتهاء الى الحفظ والسقوط لاحقا وضمان الإفلات من العقاب للمتجاوزين. حتى انك لن تجد أي تتبع في الادعاء بالباطل اذا ما حفظت بعض الشكايات فتتلاشى كل اتهامات  المس من   الهيبة والسمعة والاعتبار وكل التهديدات  بالتشكي الى الجهات الدولية هكذا .

كيف  نفسرهذا الوضع ؟

  كل ذلك امر لا غرابة فيه في ظل مدونات سلوك منعدمة للقضاة والمحامين وغياب  حوار مسؤول بين الجهتين و غياب ادنى  اتفاق على حل تنظبم العلاقات وميثاق  للتعامل ومعالجة الازمات بالسرعة المستوجبة في نطاق الشفافية .

 في ظل أجهزة رقابية مفلسة وأجهزة قضائية معطلة ومجلس اعلى للقضاء متخل على كل مسؤولية يتابع المسارات التأديبية بسرعتين :  اشخاص مقدور عليهم واشخاص غير مقدور عليهم ..

ستظل هذه المعارك  تستزف  القطاع ما لم يفتح ملف التجاوزات وشبهات الفساد بالشجاعة والجدية اللذين يتوقف عليهما اصلاح القضاء والعدالة بمكوناتهما من قضاة ومحامين وموظفين  ومساعدي قضاء  كما حصل في عديد الأنظمة التي بنيت فيها علاقات راقية للاحترام بين القضاة والمحامين  وبقية المكونات مؤسسات العدالة  ولا معجزة في ذلك .

لن تخرج مثل  هذه الحروب القطاعية في عمومها  عن التغطية   على المتجاوزين  والمتلبسين بشبهات الفساد  فتوفر لهم الملاذ الآمن مرة من هذه الجهة ومرة من الجهة الأخرى وذلك  قبل انصاف المظلومين  . اي وضعية للمتجاوزين   افضل من أجهزة رقابة غائبة ومحاسبة معطلة وابحاث سرية  لا تبدا ولا تختم  ولا تنصف أحدا ،  ومن رقابة مجتمعية دنيا  يسعى من لهم مصلحة في ذلك  ان تكون ممنوعة بجعل  الحديث في التجاوزات التي تقع داخل منظومة العدالة  من التبوهات والمحرمات بل قد يصير الحديث في  شانها ضربا من الخيانة   ..  ولا عزاء لمن كان ضحية الظلم  حقيقة فيما يحدث من وقائع داخل المحاكم بين الحين والأخر بين أصحاب العباءة السوداء  وفي  هذا المشهد الذي يذهب فيه المعتدى عليه والمظلوم ضحية التغطية على المعتدين والمورطين من الجانبين  تزداد الأوضاع تعفنا

.ان مسؤولية الهياكل وان كانت صعبة في الخروج من الحلقة المفرغة للتطاحن القطاعي مسؤولية الكبرى فالقيادة هي التي تدل على الطريق الصحيح و تؤسس له دون تخل على الدفاع على مواقف الحق  لمنظوريها واشدد على عبارة مواقف الحق ومتابعة الوضعيات حالة بحالة “ولاتزر وازرة وزر” أخرى  ودون الانسياق وراء الاهواء  والحمائية غير المشروطة التي تنسف أي مصداقية فتكون حتما قاصرة عن  الفعل في الواقع واصلاحه وتغييره واقع لن يزداد الا بشاعة واهتراء

.فهل تحقق لنا شيء  جراء  هذه الصراعات القطاعية التي لا تنتهي  ؟ فلنفكر معا وكل التعويل على المتعقلين  والمتبصرين من الجهتين لإتخاذ المبادرات الضرورية لإيقاف هذا النزيف  بالحلول العاجلة  أولا   ثم ثانيا ضمن رؤية إصلاحية شاملة.

image_print

تصنيفات: القضاء,المحاماة,قسم المهن القانونية