احدث المقالات

الطرق العملية للممارسة الجنسية للسجين طيلة فترة تنفيذ العقوبة – بقلم الباحث منير العش

الطرق العملية للممارسة الجنسية للسجين طيلة فترة تنفيذ العقوبة

بقلم منير العش 

يمثل الحق في الحياة الجنسية حقا قانونيا للنزيل، وقد أوضحنا ذلك في مقال سابق نشر بهذا الموقع بتاريخ 15 جويلية 2018 تحت عنوان “الحق القانوني للسجين في الحياة الجنسية وفقا للتشريع الوطني والدولي”، كما رددنا على الرافضين لهذا الحق ودحضنا دفعاتهم الهشة صلب مقال سابق نشر كذلك بهذا الموقع بتاريخ 25 جويلية 2018 تحت عنوان “ضرورة تجاوز معوقات الممارسة الجنسية للنزيل: هشاشة وصورية دفعات الرافضين للحياة الجنسية للسجين”.

تفرض الغاية التأهيلية للعقوبة السجنية والاستجابة للحق الإنساني والقانوني للنزيل في أن يتمتع بحياة جنسية، إيجاد وتفعيل الآليات العملية الكفيلة بضمان الممارسة الجنسية للنزيل طيلة فترة تنفيذ العقوبة، وهي آليات معروفة ومعتمدة بالأنظمة العقابية المقارنة التي مكنت النزيل من حقه في الحياة الجنسية وعاملته كإنسان وليس كشيء.

وعيا منها بإنسانية النزيل وبدور الجنس في تحقيق الغاية التأهيلية للعقوبة، سعت هذه الأنظمة العقابية لتمكين هذا النزيل الإنسان من ممارسة الجنس أثناء فترة قضاءه لمحكوميته. وقد تنوعت آليات القيام بهذه الممارسة، بين آليات داخلية أي آليات تسمح بممارسة النزيل للمعاشرة الجنسية داخل الفضاء السجني، وآليات خارجية أي آليات تسمح بممارسة النزيل للمعاشرة الجنسية خارج السجن.

تعتبر مجمل هذه الآليات ممكنة التبني والتطبيق في نظامنا العقابي، بل واجبة التطبيق، هذا إن كانت الدولة تؤمن فعلا بغايات العقوبة وبأن النزيل إنسان ومواطن، وإن كانت فعلا دولة قانون وحقوق إنسان مثلما تعلن نفسها.

الفقرة الأولى: أشكال الممارسة الجنسية للنزيل داخل السجن

بالنظر في الأنظمة العقابية التي تبنت ممارسة النزيل لحياته الجنسية داخل المؤسسة العقابية بحثا عن الآليات المقررة لذلك، نجد أساسا نوعين من الأجهزة تتيح للنزلاء ممارسة الجنس مع شريك وهما: صالات الاستقبال الزوجي والتي تسمح للنزيل أن يتمتع بلحظة قصيرة من الخصوصية بلقاء الشريك الجنسي دون مراقبة بصرية أو سمعية، وآليات أكثر طموحا تسمح بالزيارات الخاصة الممتدة في مكان معد يجسد إطار الحياة الأسرية. فالنزيل يمكنه ممارسة حياته الجنسية مع شريكه الجنسي إما في إطار الزيارة الزوجية وإما في إطار الزيارة الأسرية.

أ- نظام الزيارة الزوجية

يقوم نظام الزيارة الزوجية على السماح للنزيل باستقبال قرينه أو شريكه الجنسي بوجه عام في غرفة خاصة معدة للغرض في جو من الخصوصية التامة، حيث يسمح للمحتجز في إطار هذه الزيارة بلحظة حميمة غير مراقبة بعيدا عن أنظار رجال الأمن بالسجن النزلاء وكل المتداخلين في الفضاء السجني.

وتكون الغرفة المجهزة لمثل هذه الزيارة مؤثثة غالبا بسرير وأريكة وتحتوي على دورة مياه وتتكفل الإدارة السجنية بالحفاظ على نظافتها لوقاية صحة النزيل والزائر، وكذلك يجب أن تضمن الإدارة السجنية الخصوصية والمحافظة على كرامة كل من النزيل وشريكه الجنسي.

إن السماح بالزيارات الزوجية يتطلب تنظيم هذه الزيارات لكفالة الخصوصية ولمنع احتمال استغلالها من جانب أي شخص ويجب أن تكون الأحوال التي تتم فيها الزيارة نظيفة وملاءمة وكريمة. وبالنسبة للنزيلات فهن يحتجن الحصول على موانع الحمل والمشورة الطبية لكفالة عدم حدوث حمل غير مطلوب.

ويخضع هذا النوع من الزيارات لشروط ينظمها النظام العقابي إما تشريعيا أو عن بواسطة النظام الداخلي للسجن، وعموما تتمحور هذه الشروط حول النزيل والزائر والمحكومية والجريمة والزيارة في حد ذاتها.

أما النزيل فيمكن أن يكون محكوما أو موقوفا، وعادة ما يشترط حسن سلوكه داخل المؤسسة العقابية ومشاركته الفعالة في برنامج التأهيل الخاص به، إضافة لعدم تمتعه بنظام العطل العقابية أو التجزئة العقابية.

أما الزائر فيمكن أن يكون أي شخص بالغ يثبت أنه مرتبط بالنزيل عن طريق الزواج أو بينهما علاقة عاطفية دائمة، بمعنى الزوج أو الزوجة أو الشريك في المنزل أو شخص أظهر لمدة ستة أشهر على الأقل صدق العلاقة العاطفية مع النزيل، مع الإشارة أحيانا لعدم وجود أي تمييز بين العلاقات من جنسين مختلفين والعلاقات مثلية الجنس في تقييم إمكانية تفويض الزيارة في الخصوصية. كذلك يشترط في الزائر حسن السلوك أثناء الزيارات العادية السابقة وعدم تشكيله لتهديد على أمن ونظام المؤسسة العقابية.

أما المحكومية فعادة ما يشترط قضاء النزيل لمدة معينة خلف القضبان وعادة ما تكون المدة بسيطة لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة أشهر، وعادة لا يتم التمييز بين مدة المحكومية طويلة أو قصيرة.

أما الجريمة فأحيانا يتم استثناء بعض الجرائم المتميزة بالخطورة من مجال تمتيع مرتكبها بالزيارة الزوجية مثل جرائم الاغتصاب وجرائم القتل.

أما الزيارة الزوجية في حد ذاتها فيتم تنظيمها من حيث المدة والتواتر، كأن يكون للنزيل الحق في الحصول على الزيارة بالخصوصية لمدة لا تقل عن ساعتين مرة واحدة على الأقل في الشهر.

كذلك ترتبط الزيارة الزوجية بالتفتيش الذي يخضع له كل من النزيل والزائر وذلك بغاية ضمان أمن المؤسسة العقابية واحترام حسن سيرها ولوائحها خصوصا بمنع دخول أشياء ممنوعة للسجن، وهذا التفتيش غالبا ما يكون تفتيشا كليا لكل من الزائر والنزيل، مع خضوع هذا الأخير لتفتيش سابق ولاحق للزيارة.

وينبغي أن يتم التفتيش الكلي في مكان بعيد عن عيون الآخرين وعادة ما يتم إجراء العملية من قبل موظف واحد، ويتطلب خلع الملابس تماما بحيث يتحقق المشرف من الملابس ويتمكن أيضا من إجراء فحص بصري لأجزاء مختلفة من الجسم، ويحظر الاتصال الجسدي بين الخاضع للتفتيش والعون ومع ذلك يمكن للمشرف تفتيش الشعر إذا لزم الأمر، أما التفتيش الذي يتطلب تفتيشا جسديا كالتفتيش الشرجي أو الفرجي فلا يمكن القيام به إلا من قبل طبيب.

إن الزيارة الزوجية كآلية للسماح للنزيل بممارسة حياته الجنسية الطبيعية تعتبر إيجابية باعتبارها مكنت من مزيد أنسنة العقوبة السجنية وتطبيع الحياة السجنية مع ظروف الحياة الحرة، إضافة لانعكاساتها الإيجابية على النزيل والأسرة عامة، فقد شكلت عاملا قويا يساعد على لم شمل الأسرة ويقوي الشعور بالتواصل والارتباط بين أفرادها ويرفع معنوياتهم لمواجهة محنة السجن، إلا أن هذا لم يجنبها النقد.

حيث كثيرا ما انتقد هذا النظام على أساس أنه لن يكون مرضيا سواء من وجهة نظر رمزية أو من وجهة نظر عمله. فعلى المستوى الرمزي، يعتبر الهدف الواضح من هذه الآلية العلاقات الجنسية بين نزيل وشخص من الخارج مما جعلها تعتبر كآلية وظيفية جنسية وهذا أدى للنظر إليها على أنها مهينة لكل من النزيل والزوار. أما بالنسبة لعمل هذه الآلية فإنه يسبب الإحباط باعتباره يحصر العلاقة الحميمة في مجرد ممارسة ميكانيكية مما يؤثر على نفسية طرفي العلاقة.

إن تحديد نطاق الحياة الجنسية بالقاعدة البيولوجية لا بد أن يحرم الفرد من استثمار طاقاته الجنسية بالتفاعل مع طاقاته النفسية، وإذا حدث ذلك فإن الشخص لا بد له أن يفقد ليس فقط رموز الجنس ومعانيه وقيمه، وإنما يفقد أيضا إمكانية استعمال الجنس وسيلة للتعامل والاتصال الإنساني، على المستوى الفردي والمستوى الاجتماعي، وبدون مثل هذا التعامل والاتصال، فإن الإنسان سيظل في معزل عن التحرك الحضاري، وسيظل على مستوى أدنى أو متوقف عن النمو في عملية التطور بمضمونها النفسي والحضاري.

هذه الأسباب دفعت بالأنظمة العقابية من أجل التوصل إلى حل أكثر شمولا وحفاظا على الكرامة الإنسانية لكل من النزيل والزائر إلى إنشاء آلية أكثر طموحا للزيارات الحميمية.

ب- نظام الزيارة الأسرية

قامت العديد من الأنظمة العقابية بتمكين النزيل مقابلة أسرته في شقق تقع داخل المنشأة العقابية في إطار ما يعرف بالزيارة الأسرية، وهي شقق صغيرة عادة ما تبلغ مساحتها 50 متر مربع وتتكون من غرفة أو غرفتي نوم وصالة ومطبخ أمريكي وحمام وحتى فناء صغير، ويطلق عليها عامة وحدات الزيارة العائلية أو وحدات اليوم العائلي.

وتعتبر هذه الوحدات فضاء للخصوصية وتطبيع العلاقات الزوجية والأسرية، فهي توفر حقيقة مكانا للخصوصية بعيدا عن أعين المشرفين وفي غياب نزلاء وأسر أخرى.

تعرف هذه الوحدات على أنها زمكان للتبادل أين تقوم بتطبيع العلاقات من خلال السماح بالعودة إلى الحياة الأسرية والحياة اليومية بين النزيل وعائلته، مع إمكانية ممارسة الجنس في ظروف حقا إنسانية تساهم في إعادة بناء العلاقة الحميمة الزوجية.

فعن طريق هذه الأجهزة يمكن للنزلاء وعائلاتهم التجمع في الخاص في مرافق منفصلة لتجديد أو مواصلة العلاقات الشخصية، والهدف من هذه الأنظمة ليست في المقام الأول الاستجابة للمشكلة الجنسية في السجن، ومع ذلك، فمن المؤكد أن هذه الآلية قدمت ضمنيا حلا مرضيا لهذه القضية.

وإن كانت الزيارة الزوجية تسمح للنزيل باستقبال قرينه فقط في إطار الزيارة الحميمية، فإن الزيارة الأسرية أشمل من ذلك من حيث الزوار، إذ تشمل أقارب النزيل وهم عادة: القرين أو الشريك الجنسي الذي ساكنه لمدة ستة أشهر، الأبناء والآباء والإخوة والأجداد والأحفاد، وأحيانا يتم التوسع في قائمة الزوار لتشمل الأشخاص الذين لهم علاقة عاطفية قوية مع النزيل.

ويجب التأكيد في هذا المستوى كون القصر لا يمكنهم المجيء إلا بصحبة مرافقيهم من الكبار وبإذن من والديهم أو أصحاب السلطة الأبوية عليهم.

وتدوم الزيارة الأسرية عادة بين حد أدنى من ست ساعات وحد أقصى من اثني وسبعون ساعة، ويخضع عادة ضبط مدة الزيارة للسلطة التقديرية المطلقة لمدير المؤسسة العقابية الذي تمتد سلطته التقديرية كذلك لمنح الزيارة في حد ذاتها سواء للنزيل أو لأفراد أسرته.

ويتمتع بالزيارة الأسرية عادة النزيل المحكوم نهائيا وهذا يعني ألا يكون موقوفا، وكذلك لا ينبغي أن يستفيد من رخص الخروج المؤقت أو غيرها من الإجراءات الهادفة الى ضمان الحفاظ على الروابط الأسرية. وأيضا يجب أن يكون هذا النزيل حسن السلوك.

إن النزيل الراغب في التمتع بالزيارة الأسرية يجب عليه مبدئيا تقديم مطلب إلى رئيس المؤسسة العقابية الذي يتولى منح قرار الوصول إلى وحدات اليوم العائلي عادة بعد أخذ رأي أعضاء لجنة متعددة التخصصات وذلك في غضون شهرين من تقديم المطلب، وفي حالة الرفض يتم إعلام النزيل بالدافع وراء هذا القرار.

عموما يخضع النزيل والزوار للوصول إلى وحدات الزيارة الأسرية لإجراءات صارمة تتكرر في كل تطبيق جديد، منها مطلب من النزيل ومطلب من الزوار في الغرض لرئيس المؤسسة العقابية، ثم مطلب ثاني للتأكيد من الزوار، كذلك سلسلة من الاستمارات الخاصة للتعمير تضم عدد من الأسئلة للإجابة كهل الزيارات العادية للنزيل متواترة ومنتظمة؟ ما هو سلوكه في السجن؟ أي جريمة ارتكب؟ …

كذلك هناك تحقيق الاجتماعي مجرى من قبل مستشاري إعادة التأهيل والاختبار يكتمل به الملف، وهذا التحقيق يهم أساسا نوعية العلاقة بين النزيل والزائر ويسعى إلى تحديد الضغوط المحتمل أن تقع على الأسرة.

وعادة تقوم اللجنة متعددة التخصصات بدراسة المطلب والملف، إضافة لتقييم إمكانية وجود خطر على الزوار من عدمه، وكذلك التثبت من العلاقة بين الزوار والنزيل للتأكد من أنها في الحقيقة علاقة ذات دلالة بين الطرفين وأن الزيارة العائلية ذات جدوى لجميع الأطراف. وتصدر اللجنة توصية بشأن الملف، مع الإشارة إلى أن مدير المؤسسة العقابية يمنح الزيارة أو لا بناء على رأي هذه اللجنة.

إذا تمت الموافقة على منح النزيل وزائريه التمتع بالوحدة العائلية، فإنهم يخضعون لنفس التفتيش الواقع في حالة الزيارة الزوجية، ويكون المعتقل وذويه وحدهم في الشقة دون إشراف أو رقابة مباشرة، ويتم الاكتفاء بمراقبة المحيط الخارجي للشقة عن طريق المراقبة بالفيديو وجولات منتظمة لضمان حسن سير عمل الزيارة وسلامة الناس، وأي تدخل للمشرفين على السجون لا يتم إلا بالإعلان عنه في وقت سابق عن طريق الاتصال الداخلي بواسطة جهاز الهاتف الداخلي المتوفر داخل الشقة باستثناء حالات الخطر المتأكد والحوادث.

 عموما تقدم الزيارة الأسرية الفرصة لمشاركة اللحظات وتصرفات الحياة اليومية مع الزوار، وهي تسمح للنزلاء باستعادة نوعية الحياة والتفاعلات التي فقدوها. فهذه الزيارة تقدم للنزلاء الفرصة لتلقي أفراد العائلة في أماكن مجهزة خصيصا لاحترام التنظيم المادي والمعنوي الضروري لسرية وخصوصية الحياة الأسرية عامة والحياة الجنسية خاصة.

هذا لا يمنع من ضرورة التأكيد على وجوبية النظر للعلاقة الجنسية في بعدها العطائي والإجابات التي تحملها، فالدخول في علاقة جنسية مع الآخر تعني المشاركة في اكتشاف فرديته الخاصة وأيضا البحث عن اعتراف حميمي بالحب للفرد يسمح له بأن يؤمن بقيمته الخاصة، ويبدو أن هذه الرؤية إلى المتعة والحب تكون متغيرة أو محددة في السجون إذ كثيرا ما تجانب الإطار المحدد للنشاط الجنسي كمصدر رفاهية وتنمية للشخصية.

إن العلاقة الجنسية المقامة بين النزيل وقرينه داخل المؤسسة العقابية تأخذ جوانب محددة بسبب القواعد الخاصة المفروضة في هذا السياق، هذا يمكن أن يؤدي إلى العيش في المستوى البيولوجي فقط ونسيان البعد العاطفي، وبذلك يتم الحد من النشاط الجنسي إلى الاستجابة للحاجة الغريزية فقط. وربما كان الحل لتفادي هذا الوضع تكريس آليات تسمح للنزيل بممارسة حياته الجنسية خارج المؤسسة العقابية.

الفقرة الثانية: أشكال الممارسة الجنسية للنزيل خارج السجن

لم يعد للنزيل من أجل لقاء قرينه في إطار من الخصوصية والحميمية حل واحد وهو إجراء ذلك اللقاء داخل المؤسسة العقابية، مما قد يمس من كرامته وكرامة شريكه إضافة لما قد يحط من الممارسة الجنسية إلى مستوى العلاقة الميكانيكية المادية الخالية من العاطفة والتفاعل وكل ما يميزها كعلاقة إنسانية عن العلاقة الجنسية الحيوانية، بل أصبح النزيل يستطيع ممارسة حقه الطبيعي كإنسان في ظروف عادية خارج أسوار المؤسسة العقابية.

يسمح هذا الخروج للنزيل بممارسة حياته الجنسية في كنف الإنسانية مما ينعكس بالإيجاب عليه من زاوية نجاح تأهيله وكذلك على أسرته والمجتمع عامة.

لقد أصبح فاقد الحرية تكريسا لحقه في المعاملة الإنسانية يستطيع في العديد من الأنظمة العقابية الخروج للعالم الحر في حالات معينة ولأغراض معينة، ولعل أهم هذه الأغراض المحافظة على علاقاته الأسرية ولما لا تدعيمها.

فإيمانا من العديد من الأنظمة العقابية بما لهذا الخروج من دور فعال في تحقيق أهداف العقوبة السجنية وفي الحفاظ على إنسانية النزيل وعلى علاقاته بالعالم الخارجي، كرسته في شكل نظام للغياب المؤقت عن السجن أين يغادر النزيل السجن ويلتحق بعالمه الأصلي لفترة زمنية محددة ثم يعود خلف القضبان، وذهبت بعض الأنظمة لإقرار آلية تجعل النزيل شبيها بضيف على المؤسسة العقابية فلا يبقى داخلها أكثر من يومين كل أسبوع لغاية إتمام محكوميته وهي آلية تقسيم العقوبة.

أ- نظام الغياب المؤقت

يسمح الغياب المؤقت للنزيل التغيب عن المؤسسة السجنية زمنا معينا يقع احتسابه ضمن مدة العقوبة، فالنزيل يغادر السجن لفترة قصيرة نسبيا تكون عادة لساعات أو لأيام قليلة في حالة رخص الخروج المؤقت وقد تصل لعدة أيام في حالة الإجازة العقابية، وفي كلا الحالتين يجب أن تتوفر شروط منح الغياب المؤقت إضافة إلى وجوب عودة النزيل للسجن في التاريخ المحدد.

فنظام رخصة الخروج ونظام الإجازة السجنية يشمل كل الفرص المتاحة للنزلاء لمغادرة السجن لفترة قصيرة في الحالة الأولى أو لفترة أطول في الحالة الثانية، وذلك دون أن يتم تعليق تنفيذ العقوبة فهي تستمر مدة الغياب.

لقد سمحت العديد من الأنظمة العقابية بخروج النزيل مؤقتا بصفة استثنائية من المؤسسة السجنية وحددت الحالات التي يخول فيها ذلك، وقد أخذت هذه الإجازات طابعا إنسانيا واجتماعيا حيث تخفف من حدة الانقراض الذي يسببه السجن بين النزيل وأسرته، إضافة لما لها من آثار عامة بالنسبة للتأهيل إذ أنها تعكس مدى تقبل المحكوم عليه الاندماج من جديد في حياة المجموعة.

وقد أقر هذا النظام مؤتمر الدفاع الدولي الذي عقد في سان ريمو في نوفمبر 1947 الذي أوصى بمنح هذه التصريحات للمحكوم عليهم بشرط أن لا تتضمن تهديدا للمجتمع بالخطر وأن يكون من شأنها تأهيل المحكوم عليه.

ورغم أن العديد من الفقهاء ورجال القانون عدوا من جملة حقوق النزيل حقه في الإجازة والرخصة، إلا أن الحصول على الغياب المؤقت في مختلف الأنظمة العقابية العاملة به هو امتياز وليس حق، وهو يمنح لأسباب مختلفة طبية أو إنسانية أو عائلية الخ، وقد يمنح كمكافأة للنزيل على كل تحسن يطرأ على سلوكه.  والأشخاص الذين يمكنهم التمتع به ينالون فترة تختلف عادة حسب نوع إذن الخروج والجريمة ونوع المراقبة إلخ، كذلك أولئك الذين يحصلون على غياب مؤقت يجب أن يحترموا مجموعة من الشروط حيث أنهم مراقبون وفي أي وقت يمكن إعادتهم إلى الحجز.

يختلف تحديد فترة الغياب المؤقت وحالاته وشروطه من نظام عقابي لآخر، سواء فيما يتعلق برخص الخروج المؤقت أو كذلك العطل العقابية.

ففيما يتعلق برخص الخروج المؤقت نجد مثلا في كندا ستة أنواع من هذه الرخص˸

– الخروج المؤقت لأغراض طبية، ويمنح من مجلس إطلاق السراح المشروط للمدة التي تتطلبها فترة العلاج.

– الخروج المؤقت لأغراض إنسانية، يمنح لمدة قصوى محددة بعشرون يوما، ويتم إسناده بغض النظر عن مدة المحكومية وعن المدة المقضية منها. ويسند هذا الغياب في الحالات التالية˸ ميلاد أو تعميد أو زواج أحد الأبناء، مرض خطير أو وفاة أو جنازة أحد الأقارب، الالتزام بتوفير الرعاية الصحية لقريب عندما لا أحد يستطيع توفيرها، الحاجة إلى اغاثة قريب إذا كان عدم القيام بمثل هذه الإغاثة قد يكون سببا لمساس خطير بالقريب، وأخيرا التزام شخصي في إطار عملية قضائية أو إدارية عندما لا يمكن الانتهاء منه من قبل وكيل.

– الخروج المؤقت لأغراض إعادة الإدماج، ويقصد به إعداد النزيل للإفراج عنه ويأخذ مكان في إطار خطة إعادة الإدماج، ويندرج صلبه الغياب لأغراض المشاركة في أنشطة صندوق دعم أنشطة إعادة التأهيل والمتمثل في التكوين أو العمل بأجر أو بدون أجر، كذلك المشاركة في الأنشطة الرياضة أو الاجتماعية أو الثقافية أو الترفيهية إلخ، وهذا الغياب يمنح من قبل مدير المؤسسة العقابية للنزلاء الذين أتموا سدس مدة العقاب مع وجوبية أن يكون الحكم أقل من ستة أشهر.

– الخروج المؤقت تمهيدا لإطلاق السراح المشروط، وهذا الخروج يهم أولئك المحكومين بعقوبات تتراوح بين ستة أشهر وأقل من سنتين، وتقع على عاتق مجلس إطلاق السراح المشروط انطلاقا من سدس الحكم ولمدة يحددها هذا المجلس وفي الغالب لا تتجاوز 72 ساعة.

– الخروج المؤقت لزيارة العائلة، وهذا النوع يسمح للنزيل بالخروج من مؤسسة الاحتجاز لزيارة أحد أقاربه وخاصة أسرته لمدة لا تتجاوز 48 ساعة، وتمنح من قبل مجلس إطلاق السراح المشروط انطلاقا من مضي ثلث المحكومية للنزلاء الذين حكموا بالسجن لمدة ستة أشهر فأكثر. مع العلم أنه بالنسبة لنزلاء السجن الاتحادي أي المحكومين لمدة سنتين فأكثر ولأغراض العلاقات الأسرية، يمنح هذا الغياب للمدة أقصاها 48 ساعة شهريا للنزلاء ذوي الخطورة الأمنية المتوسطة ولمدة أقصاها 72 ساعة في الشهر للنزلاء ذوي الخطورة الأمنية الدنيا.

– الخروج المؤقت لأغراض روحية، ويمنح من مدير المؤسسة العقابية خلال وقت محدد من اليوم مع وجوبية عودة النزيل للسجن خلال الليل، ويتم بغاية تنمية الشخصية لأغراض إعادة تأهيل النزيل من خلال تمكينه من المشاركة في أنشطة ذات صلة بما في ذلك الاحتفالات الثقافية والروحية الفريدة للسكان الأصليين من أجل تعزيز إعادة الإدماج الاجتماعي كمواطن يحترم القانون، وهذا يشمل سلسلة من الغيابات المؤقتة بمرافقة أو دون مرافقة مع السماح للنزلاء بحضور برنامج في مؤسسة أخرى أو مؤسسة داعمة لأغراض خدمة المجتمع وذلك بهدف السماح للنزيل القيام بأعمال تطوعية لمؤسسة أو وكالة أو جمعية غير هادفة للربح أو تعمل لصالح المجتمع كله.

في جميع الحالات، فإن القرار النهائي بشأن منح رخصة الخروج المؤقت من عدمه يعود إما لمدير المؤسسة أو لجنة إطلاق السراح المشروط، وهما أيضا يقرران الشروط الواجب فرضها على النزيل المؤهل.

وعلى النزيل الذي يريد التمتع بهذا الاجراء، أي الخروج المؤقت، أن يقدم مطلبا خطيا على نموذج معد لهذا الغرض ويجب عليه إن قوبل مطلبه بالموافقة أن يقبل ويلتزم بجميع الشروط المفروضة عليه، مع العلم أن المدير أو لجنة إطلاق السراح المشروط قد يلغي قرار منح الترخيص قبل بدايته إذا اكتشف واقعة جديدة تبرر الإلغاء، ويجب أن يكون أساس الالغاء معقولا، ويجب إبلاغ النزيل خطيا بذلك في أقرب وقت ممكن.

كذلك يقوم مدير المؤسسة أو مجلس إطلاق السراح المشروط بإخطار الشرطة عند منح رخصة خروج مؤقت والشروط التي فرضت على النزيل، إضافة إلى كونه في بعض الحالات يتم إبلاغ الضحية بذلك الترخيص وتلك الشروط وذلك خاصة في حالات الجرائم المتعلقة بالعنف الزوجي أو الجرائم الجنسية.

عند تنفيذ الغياب المؤقت وإذا كان مدير المؤسسة أو مدير الرصد في المجتمع أو لجنة إطلاق السراح المشروط لديه أسباب معقولة للاعتقاد بأن النزيل لم تمتثل للشروط المفروضة عليه، فإنه يمكنه أن يقرر تعليق الرخصة واتخاذ الإجراءات لضمان العودة الفورية للنزيل للسجن، ثم يتم استعراض الوقائع في أسرع وقت ممكن من أجل اتخاذ قرار للحفاظ أو إلغاء رخصة الخروج المؤقت، ويجب إخطار النزيل خطيا في أقرب وقت ممكن بأسباب التعليق وله الحق قبل اتخاذ القرار في تقديم ملاحظاته.

إضافة للمشرع الكندي فقد تبنى المشرع البلجيكي رخصة الخروج المؤقت وهي تتمثل حسب قانون 17 ماي 2006 في الإذن للنزيل بمغادرة السجن لمدة لا تتجاوز 16 ساعة يجوز منحها في ثلاث حالات:

– من أجل الدفاع عن مصالحه الاجتماعية والأخلاقية والقانونية، كالمثول أمام المحكمة مثلا أو لأمر يهم أسرته كحالات الولادة والوفاة.

– لغرض الفحص أو العلاج الطبي خارج السجن.

– لتمكين النزيل من الإعداد لتأهيله الاجتماعي من منظور تحرره من السجن.

وفي هذه الحالة الأخيرة يجوز منح إذن الخروج إلى النزيل في غضون السنتين التي تسبق تاريخ استحقاق الإفراج المشروط، وفي هذه الحالة يمكنه الحصول على ترخيص عام لترك المؤسسة لمدة محددة على فترات محددة خلال فترة معينة.

وقد حددت المادة 05 من القانون المذكور شروط منح هذا الإجراء وتتمثل في˸

– الامتثال لشرط الوقت، حيث لا يجوز منح إذن الخروج في وقت سابق مما كان عليه في السنتين السابقتين على تاريخ استحقاق الإفراج المشروط إذا كان المقصود هو السماح للنزيل لإعداد تأهيله، مع العلم أنه يجوز منح رخصة خروج عارضة في أي وقت وفقا لظروف لا يمكن التنبؤ بها بشكل عام.

– لا مؤشرات سلبية، أي لا خطر من أن يتهرب النزيل من تنفيذ عقوبته أو يرتكب جرائم خطيرة، وكذلك لا خطر من أن يقلق الضحايا.

– موافقة المحكوم عليه على الظروف التي تتوافق مع إذن الخروج.

وقد قام المنشور الوزاري رقم 1794 المؤرخ في 7 فيفري 2007 بتوفير بعض التفاصيل من أجل التقييم الواقعي لشروط منح رخصة الخروج، فبين أنه بالنسبة لمخاطر التهرب من تنفيذ العقوبة فمن الجدير فحص ما إذا كانت هناك عناصر موضوعية تشير إلى أن المدان لن يعود إلى السجن، ومن الأمثلة على ذلك عدم العودة من رخصة خروج سابقة، محاولة التهرب من الخدمة العسكرية، حالة أزمة على المستوى العاطفي، العوامل المتعلقة بوضعية اقامته، قضايا جنائية أخرى منشورة، إلخ. وبالنسبة لاحتمال وقوع المزيد من الجرائم الخطيرة خلال فترة الخروج يسمح القانون بارتكاب بعض المخالفات البسيطة، ويجب التحقق إن كان النزيل في خطر موضوعي للوقوع مرة أخرى في اجرام قد يربك المجتمع أو إذا كان احتمال عوده بشكل كبير في نفس النوع من الجرائم، وكأمثلة، المنشور يحدد مؤشرات تقييم مثل طبيعة الأفعال التي ارتكبها الشخص المدان، حقيقة الظروف التي ارتكب في إطارها الجرم والتي يمكن أن تتوفر عند الخروج، موقف المدان من الضحايا، سجله الجنائي، إلخ.

وفي النظام العقابي البلجيكي، يعتبر وزير العدل أو بالأحرى قسم الخدمات الفردية بوزارة العدل، وهو جهاز تحت السلطة المباشرة لوزير العدل، هو الجهاز المسؤولة في بلجيكا عن إدارة شؤون النزلاء المدانين، وهو المختص بإصدار رخص الخروج المؤقت والإجازات العقابية.

تبدأ إجراءات منح رخصة الخروج بناء على طلب المحكوم عليه والذي يوجهه إلى مدير السجن الذي يجب عليه أن يقدم رأيا معللا في الموضوع، ولم يحدد القانون أي موعد نهائي لتقديم هذا الرأي فالأمر متروك للمدير إلا أن إعطاء رأيه يكون على الفور إذا ما كان الطلب لحدث غير متوقع.

ويقوم مدير السجن بإرسال الملف إلى وزير العدل من خلال قسم الخدمات الفردية الذي يتخذ قرارا مسببا في منح أو رفض الرخصة في غضون 14 يوما من تاريخ استلام الملف، مع العلم أن الأجل يمكن أن يمدد بسبعة أيام إضافية إذا رأى وزير العدل أن الملف غير مكتمل، ويتم تبليغ القرار خلال 24 ساعة إلى المحكوم عليه الذي ليس له الطعن في حالة الرفض باستثناء الطعن أمام مجلس الدولة في مشروعية القرار، وليس له كذلك تقديم طلب رخصة أخرى إلا بعد مرور ثلاثة أشهر من هذا الرفض، مع الملاحظ أنه إذا مر الأجل ولم تتخذ قسم الخدمات الفردية أي قرار وكان رأي مدير السجن إيجابي، تعتبر رخصة الخروج قد منحت.

سوف نختتم أمثلة الأنظمة العقابية المقارنة التي اعتمدت رخص الخروج المؤقت بفرنسا أين يجوز لقاضي تنفيذ العقوبات بعد التشاور مع لجنة تنفيذ الأحكام وبقرار معلل منح هذا الإجراء، وذلك لأسباب محددة تتمثل في الحفاظ على الروابط الأسرية أو زيارة صاحب العمل أو اجتياز امتحان مدرسي أو جامعي، أو من أجل إجراء فحص طبي، أو لظروف أسرية خطيرة.

إن قاضي تطبيق العقوبات الفرنسي يختص في إطار لجنة تطبيق العقوبات التي يرأسها بمنح تراخيص الخروج من السجن لمدة محدودة تحتسب ضمن مدة العقوبة، فبعد أن يطلع على وضعية النزيل وعلى تطورات شخصيته، ويتأكد من توفر شروط منح الترخيص، يأخذ رأي أعضاء لجنة تطبيق العقوبات وهم وكيل الجمهورية ومدير المؤسسة العقابية ليقرر على إثرها قبول منح الترخيص أو رفضه. ثم يتولى بنفسه إعلام المحكوم عليه بقراره. مع التأكيد على أن هذا القاضي يتمتع في إطار هذه الرخص بصلاحية تحديد طول مدة الغياب المؤقت عن السجن وكذلك تدابير السلامة مثل مرافقة الشرطة للنزيل.

وتمنح عموما رخصة الخروج المؤقت في الوضعيات التالية˸

– الوضع الأول أن يكون المحكوم عليه بالسجن لمدة تساوي أو أقل من خمس سنوات ويكون قد قضى نصف مدة العقوبة فيمكنه طلب الغياب المؤقت ليوم لعدة أسباب مثل اجراء امتحان، ويمكنه أيضا الحصول على الغياب المؤقت لمدة تصل إلى ثلاثة أيام لظروف عائلية خطيرة كالمرض أو الوفاة.

– الوضع الثاني أن يكون النزيل قد قضى نصف مدة العقوبة ولم يبقى في محكوميته سوى أقل من ثلاث سنوات للأداء فيمكنه طلب الغياب المؤقت لمدة تصل إلى ثلاثة أيام لدعم الروابط الأسرية أو لإعداد إعادة التأهيل الخاص به.

– الوضع الثالث يشمل المحكوم بالسجن لمدة أقل من سنة فليس هناك شرط الوقت لتقديم طلب للحصول على إذن للذهاب ثلاث أيام لتشجيع الحفاظ على الروابط الأسرية أو إعادة الإدماج.

– الوضع الرابع والأخير أن يكون النزيل قد قضى ثلث المدة الخاصة به فيمكنه طلب الغياب المؤقت لمدة تصل من خمس إلى عشر أيام مرة واحدة في العام للسماح بدعم الروابط الأسرية أو إعداد إعادة التأهيل الخاص به.

مع الإشارة إلى أنه في الوضع الأول والثاني والرابع، إذا كان النزيل عائدا يجب الانتظار حتى بعد ثلثي مدة العقوبة لكي يطلب الغياب المؤقت إلا إذا تحصل على قرار معلل من قاضي تنفيذ العقوبات.

يجب أن نؤكد في إطار الغياب المؤقت، أن المشرع الفرنسي قد أقر بعدم جواز منح الغياب المؤقت للنزيل الذي سبق الحكم عليه من أجل الجرائم الجنسية ضد قاصر، أو جرائم القتل والاغتيال والتعذيب، أو العود في أعمال همجية، إلا بعد إجراء تقييم للأمراض النفسية يجرى من قبل اثنين من الخبراء.

عموما يمنح القانون الفرنسي ترخيص الخروج من السجن للنزلاء الذين تتوفر فيهم الشروط اللازمة بصفة حصرية، إذ يمكن لقاضي تنفيذ العقوبات بعد الاطلاع على ملف شخصية المحكوم عليه ودراسة وضعيته داخل السجن أن يمنح النزيل ترخيص بالخروج وذلك لأسباب بالأساس إنسانية. مع الإمكانية المتاحة لقاضي التنفيذ أن يمنح الترخيص للنزيل الذي اقترب موعد الإفراج عنه، حتى يتمكن من البحث عن شغل يرتزق منه إثر خروجه من السجن أو من إعداده للتمتع بنظام شبه الحرية أو لاجتياز امتحان، وذلك حتى تكون للترخيص غاية لتسهيل عملية الاندماج. كما يمكن للقاضي أن يمنح الترخيص المندرج في إطار عملية التأهيل والتي تخص بالأساس تصاريح الخروج التي تمنح يوم الأحد والتي تسند للمتمتعين بنظام شبه الحرية أو المحكوم عليهم العائدين إذا كان النظام الداخلي للمؤسسة السجنية يسمح بمثل هذه التصاريح، وهذا الصنف الأخير من تصاريح الخروج من السجن هو الذي يحظى باهتمام أكبر من طرف قاضي تطبيق العقوبات الفرنسي.

باستجابة النزيل للشروط وإذا ما تم قبول مطلب الخروج، يتحصل النزيل على سند غياب مؤقت يحمل هوية النزيل والأماكن التي يمكن أن يذهب إليها، إضافة لتاريخ ووقت العودة للسجن. ويجب أن يكون لدى النزيل ما يكفي من المال لضمان النقل والإقامة في الخارج، لذلك يمكنه أن يطلب من مدير المؤسسة سحب الأموال من الحساب المسجل باسمه، وإذا لم يكن لديه ما يكفي من المال ولا يوجد أي شخص سيستضيفه ويقله سيتم رفض إذن.

هذا بالنسبة لرخص الخروج المؤقت، وفيما يتعلق بالإجازة العقابية والتي اعتمدتها بعض الأنظمة العقابية بهدف تمكين النزلاء من صون وتعزيز علاقاتهم الأسرية والاتصالات العاطفية والاجتماعية من جهة وتمكينهم من إعداد تأهيلهم من جهة أخرى، فإنها تمتاز بطول مدتها مقارنة برخص الخروج المؤقت، فمثلا بكندا تصل إلى ستون يوما متتالية، وفي بلجيكيا مدتها 36 ساعة يجوز أن يتحصل عليها النزيل كل ثلاث أشهر قبل عام واحد من تاريخ استحقاق الإفراج المشروط.

في بلجيكيا، وقبل ثلاثة أشهر من الوقت الذي يمكن فيه للنزيل الحصول على إجازة عقابية، يتم إبلاغه من قبل مدير المؤسسة السجنية إذا كان يرغب في التمتع بها، فإن أراد النزيل الحصول على هذه الإجازة يقوم بتعبئة النموذج المعد لهذا الغرض مع تقديم مطلب خطي في الغرض.

ثم يقوم مدير السجن بإصدار رأي مسبب في غضون شهرين من استلام الطلب خطي، ويركز رأيه على تقييم شروط منح العطلة وتقييم سلبيات المؤشرات وأخيرا الحاجة إلى فرض شروط للتغلب على وجود سلبيات، ثم يرسل المدير الرأي المسبب لقسم الخدمات الفردية. مع الإشارة إلى أن المدير إذا لم يحترم مدة شهرين المخصص له يمكن للنزيل صاحب المطلب اللجوء إلى المحكمة الابتدائية بناء على إذن على عريضة، فتقوم المحكمة بتحديد مدة ثابتة تحت طائلة العقوبة للمدير لإبداء رأيه.

عندما يتلقى قسم الخدمات الفردية الملف يجب أن يتخذ قراره خلال 14 يوم عمل مفتوحة، وإذا تم رفض منح الإجازة لا يمكن للنزيل أن يقدم طلبا جديدا إلا بعد مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر من هذا القرار. وإذا لم يأخذ قسم الخدمات الفردية القرار إما بالمنح أو بالرفض ضمن المهلة القانونية وكان الرأي الصادر عن المدير إيجابيا تعتبر الإجازة ممنوحة.

مع الإشارة إلى كون الإجازة العقابية في مختلف الأنظمة العقابية التي اعتمدتها عادة ما تخضع لنفس شروط رخصة الخروج المؤقت من حيث التزامات المتمتع بها وموانع إسنادها وإعلام الضحايا وأثار إخلال النزيل ببنودها.

بالعودة للتشريع التونسي وإن كنا لا نجد أثرا للإجازة العقابية إلا أننا بالعودة للقانون عدد 52 لسنة 2001 المتعلق بنظام السجون وبالتحديد الفصل 18 منه نجد أن المشرع مكن النزيل من حق الحصول على رخصة خروج مؤقت من المؤسسة العقابية وذلك لغرض واحد وهو لزيارة الأقارب حفاظا على الروابط العائلية وفي حالتين فقط وهما حضور جنازة القريب أو مرضه الشديد. فقد نص هذا الفصل على أنه “للسجين الحق في الحفاظ على الروابط العائلية والاجتماعية وذلك 1) بالخروج لزيارة الأقارب عند المرض الشديد أو حضور موكب جنازة أحدهم وفقا للأحكام القانونية المنظمة لمؤسسة قاضي تنفيذ العقوبات وللتراتيب الجاري بها العمل…”

والسلطة المختصة بمنح هذه الرخصة وفقا للفصل 342 ثالثا من مجلة الإجراءات الجزائية هي قاضي تنفيذ العقوبات بالنسبة للنزيل المحكوم والقاضي المتعهد بالقضية بالنسبة للموقوفين تحفظيا، مع الإشارة إلى أن المشرع لم يمنح صلاحية منح رخصة الخروج المؤقت بصفة مطلقة لسلطة الإصدار بل إضافة للتقييد الوارد على الأسباب والسالف الإشارة إليه فقد قيدها أيضا من حيث الأقارب فحصرهم في القرين أو أحد الأصول أو الفروع عند حالة المرض الشديد، وحصرهم في الحالة المتعلقة بالجنازة في نفس هؤلاء الأشخاص لكن أضاف إليهم الإخوة، الأعمام أو الأخوال، الأصهار من الدرجة الأولى والولي الشرعي.

من الملاحظ أن نظام رخص الغياب المؤقت بالنظام العقابي التونسي ورغم مساهمتها الجد بسيطة في الحفاظ على الروابط العائلية والاجتماعية للنزيل إلا أنها لا تمكن النزيل من ممارسة حياته الجنسية ولا تساعده على المحافظة الفعلية على علاقاته الحميمية مع أسرته، كذلك تبعد كل البعد في جدواها وتطبيقاتها عما نجده في الأنظمة العقابية المقارنة.

بالنظر للتطور الملحوظ الذي شهدته أهداف العقوبة بات من المهم التوسيع في مجالات منح قاضي التنفيذ لتراخيص الخروج، لأن التوجيه السليم لهذا النظام يمكن أن يلعب دورا فعالا في تهذيب سلوك المحكوم عليه باعتبار أن تصريح الخروج أداة تساهم في حفظ صلة المحكوم عليه بالعالم الخارجي أي بالمجتمع عامة وبالعائلة خاصة.

ويمكن اعتماد تصريح الخروج كوسيلة لاختبار مدى نجاح البرنامج التأهيلي المطبق على النزيل وذلك بتقدير درجة نمو المسؤولية لديه، ويتحقق ذلك بتقييد تصريح الخروج بشروط تهم حسن السلوك خارج المؤسسة السجنية كمنع المستفيد منه من استهلاك المشروبات الكحولية أو زيارة أماكن معينة.

يتيح الغياب المؤقت بصفة عامة للنزيل إضافة لممارسة حياته الجنسية بدء التعود على العالم الخارجي مرة أخرى والشروع في بناء العلاقات الشخصية وعلاقات العمل، وسيكون من المفيد للنزيل المتمتع بهذا الإجراء أن يتم إعداد برنامج بالأشياء التي يتعين مشاهدتها أو عملها خلال فترة الغياب لكي يكون له خط سير لتنظيم وقته خارج السجن، وقد يكون من المفيد له أن تكون هناك قائمة بالأشخاص الذين يمكن الاتصال بهم في الخارج.

يمكن لنظام الغياب المؤقت أن يلعب دورا فعالا في تهذيب سلوك المحكوم عليه باعتبار أن تصريح الخروج الذي يمنحه قاضي التنفيذ يساهم في ربط النزيل بالعالم الخارجي، ويعتمد كذلك هذا النظام كوسيلة لاختبار مدى نجاح البرنامج الإصلاحي المطبق على النزيل وذلك بتقدير درجة نمو المسؤولية لديه ويتحقق ذلك بتقييد تصريح الخروج بشروط تهم حسن السلوك خارج المؤسسة السجنية، ويتم أثناء ذلك إخضاع المستفيد بالتصريح للمراقبة للتأكد من احترامه للالتزامات المفروضة عليه أو حياده عنها، فيكون غير جدير بالثقة التي أسندت إليه مما يستوجب إخضاعه لعقوبات تأديبية.

عموما يوفر الغياب المؤقت العديد من الإيجابيات والفوائد سواء على النزيل أو على أسرته أو على المجتمع عامة، ونفس هذه الإيجابيات والفوائد نجدها أيضا في نظام تجزئة العقوبة.

ب- نظام تجزئة العقوبة

تسمح تجزئة العقوبة بتنفيذ العقوبة السجنية على فترات منتظمة لمدة معينة تختلف باختلاف الأنظمة العقابية التي اعتمدت هذا النظام. ومن أهم أشكالها نجد أسلوب حجز نهاية الأسبوع وهو نظام تنفذ من خلاله مدة العقوبة على دفعات أيام العطل الأسبوعية والإجازات السنوية، بحيث يقع احتساب مدة العقوبة من خلال الأيام المتواجد فيها النزيل داخل السجن فيساوي كل يوم مقضى داخل المؤسسة السجنية يوم سجن.

وإن كان هذا النظام يسمح للنزيل بممارسة حياته الجنسية بصفة طبيعية في إطار أسري عادي باعتباره يمضي كافة أيام باستثناء نهايته بمنزله رفقة أسرته، فإن أغراض اعتماده من قبل العديد من الأنظمة العقابية متعددة وتتجاوز مسألة الحياة الجنسية.

فبغرض إصلاح الجناة وعدم الابتعاد بهم كثيرا عن الحياة العامة والحفاظ على حقوقهم الاجتماعية وعدم حرمانهم من ممارسة الوظائف والأنشطة العادية ودفع الضرائب وإعالة الأسرة، يتم قضاء فترة الحبس أثناء العطل الرسمية وفي نهايات الأسابيع وفي غير ساعات العمل اليومية، بدلا من قضاء فترة الحبس بطريقة متواصلة أثناء أيام العمل، فهذا الوضع من شأنه مساعدة الجناة الذين يعيلون أسرة معينة على القيام بذلك مما يساعد على الحفاظ على التوازن داخل المجتمع.

عادة ما ينتفع بنظام تجزئة العقوبة النزيل الذي بقيت مدة قليلة من محكوميته تساوي أو أقل من سنة واحدة مثلما هو الحال في التشريع الفرنسي، حيث ينص الفصل 720-1 مجلة الإجراءات الجزائية الفرنسية على أنه “يجوز تجزئة تنفيذ العقوبة السالبة للحرية في مادة الجنح عندما لا تتجاوز المدة المتبقية من العقوبة السنة لأسباب جسيمة ذات طابع طبي أو عائلي أو مهني أو اجتماعي على مدة لا تتجاوز 3 سنوات ولا تقل مدة كل جزء عن يومين سجن”.

كذلك يسمح لمن يحكم عليهم بأحكام بالسجن مدة قصيرة بالتمتع بهذا النظام كما هو شأن القانون الألماني الذي يسمح بتطبيق هذا النظام إذا لم تتجاوز مدة العقوبة السجنية 14 يوما والقانون البلجيكي الذي يشترط أن لا تتجاوز المدة المحكوم بها الشهرين.

وعموما ينتفع بهذا النظام النزيل المرتكب لجرائم غير خطيرة والتي تكون عادة من صنف الجنح، وهناك من الأنظمة العقابية من ذهب لتحديد الجرائم التي تعنى بهذا النظام، مثل القانون البلجيكي الذي حصر قائمة الجرائم التي تجوز فيها تجزئة العقوبة، ومن بينها التزوير والغش وهجر الأسرة والقتل أوالجرح غير العمد إثر حادث مرور إلخ.

ويعد هذا النظام في معظم التشريعات التي تأخذ به، بديلا لعقوبة السجن قصيرة المدة، إلا أنها تمثل في الواقع أسلوبا من أساليب تنفيذ العقوبة السالبة للحرية وهو ما أقره التشريع البلجيكي على سبيل المثال، وكذلك العديد من المؤسسات السجنية الأمريكية.

عادة يكون قاضي تنفيذ العقوبات هو المختص بقبول تجزئة العقوبة وكيفية تنفيذها من خلال إصداره لحكم معلل بعد التشاور مع لجنة خاصة وهي عادة لجنة تطبيق العقوبات، وهذا طبعا بعد تقديم النزيل لطلب مسبب في الغرض، ومن الأسباب التي عادة ما يكون هذا الطلب مؤسسا عليها نذكر الأسباب صحية والأسباب المهنية كذلك المحافظة على الروابط العائلية للنزيل وأيضا إعداد برنامج إعادة إدماجه في المجتمع.

في النظام العقابي الفرنسي مثلا، النزيل الذي يريد تجزئة عقوبته عليه تقديم مطلب كتابي لقاضي تطبيق العقوبات يبين فيه أسباب التقدم بهذا الطلب مع بيان كيفية التجزئة المطلوبة وهل أنه سيستعين بمحام أم لا، وهذا المطلب يقع تقديمه من طرف قاضي تطبيق العقوبات في صورة اعتراض النيابة العمومية على تجزئة العقوبة ليؤكد ويثبت أنه ما اتخذ قراره إلا بناء على طلب قد تم التأكد من جدية أسبابه.

ويصدر قاضي تطبيق العقوبات الذي يوجد المحكوم عليه في دائرة اختصاصه قرار تجزئة العقوبة السالبة للحرية بعد أخذ رأي محامي المتهم والنيابة العمومية وذلك في الحالات الاستعجالية، وهو إجراء استثنائي غير معمول به بالنسبة لبقية القرارات، وفيما عدى الحالات الاستعجالية يجب أن يستشير لجنة تطبيق العقوبات.

ولا يجوز منح التجزئة للنزيل الذي سبق الحكم عليه من أجل الجرائم المنصوص عليها بالمادة 706-47 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي، وهي الجرائم الجنسية ضد قاصر وجرائم القتل والاغتيال وجرائم التعذيب أو حالة العود في أعمال همجية، إلا بعد إجراء تقييم للأمراض النفسية يجرى من قبل اثنين من الخبراء.

وتجدر الإشارة إلى كون قاضي تنفيذ العقوبات يمكنه إنهاء التجزئة بحكم معلل وبعد نقاش مع لجنة تطبيق العقوبات عند حصول حادث أو عدم الامتثال للالتزامات المحددة، كما يعتبر عدم العودة للمؤسسة السجنية في الموعد المحدد بالقرار الذي منح هذا الاجراء جريمة فرار من السجن.

بالعودة للتشريع التونسي لا نجد تكريسا لهذه الآلية التي تعتبر هامة من حيث تحقيق الهدف الحديث للعقوبة عامة ألا وهو التأهيل من أجل إعادة الإدماج في المجتمع، إضافة للدور الذي سوف تلعبه في الحد من السرطان الذي ينهش سجوننا، وهو الاكتظاظ.

يجب أن نشير إلى أن هناك من يذهب إلى اعتبار تجزئة العقوبة تتعارض مع مبدأ استمرارية التنفيذ الذي يقضي بألا يعترض مدة تنفيذ العقوبة انقطاع أو إيقاف رغبة في عزل المحكوم عليه عن المجتمع وحرصا على الابتعاد بالجزاء عما يمكن أن يضعف قوته الرادعة أو الزجرية، إلا أن التجزئة على أية حال هي تأكيد على مبدأ التفريد وهي ليست إلا تعديلا في أسلوب تنفيذ العقوبة السجنية اقتضته ضرورات التأهيل، فحرص الأنظمة العقابية الحديثة على التفريد التنفيذي للعقاب من أجل الوصول إلى تأهيل المحكوم عليه يستوجب الخروج عن مبدأ استمرارية التنفيذ تجاه بعض النزلاء، مما يسمح لهؤلاء بالتواصل مع العالم الخارجي وعدم القطع معه بصفة نهائية.

تشترك تجزئة العقوبة والغياب المؤقت في التخفيف من الأثار السيئة للسجن على النزيل وكذلك على محيطه الأسري، وهي تعتبر حلا من الحلول المعتمدة بالأنظمة العقابية للاستجابة للحاجة الجنسية للنزيل تفاديا للانعكاسات السلبية الناجمة عن كبتها وتحقيقا لتأهيله باستغلال وتوظيف الأثار الإيجابية لتلك الممارسة.

الكاتب: منير العش، مشروع إنسان… شبه مواطن… حقوقي وباحث في علوم الإجرام، مدافع عن الفئات التي يلقي بها المجتمع في المستنقع دون ذنب ثم يتنكر لها ويعلنها ورما خبيثا …

image_print

تصنيفات: مقالات الرأي