احدث المقالات

أية مسؤولية للهياكل المهنية في تغذية الصراع بين القضاة والمحامين ؟ بقلم عبدالسلام الككلي

أية مسؤولية للهياكل المهنية في تغذية الصراع بين القضاة والمحامين ؟

بقلم عبدالسلام الككلي

مصدر المقال : موقع أسطرلاب 

رابط المقال الأصلي :  الرابط

عبدالسلام

الكثير من المتابعين لشؤون العدالة في الآونة الأخيرة في تونس يشعر أن بين بعض جناحي العدالة القضاء والمحاماة، تنافراً وتحاسداً وعداءً سلوكياً كثيراً ما يعود عليهما بنتائج سيئة. وهذا شيء مستغرب ولكنه مع الأسف واقع مشاهد.لا يرتبط الأمر فقط بالصراع الدائر الآن بين القضاة والمحامين حول المجلس الأعلى للقضاء وأحقية المحامين في اسماع كلمتهم في هذا المجلس بل بخلافات مستجدة لا تنقطع .

فقد أوضح عميد الهيئة الوطنية للمحامين عامر المحرزي في ندوة صحفية نارية يوم 31 جويلية 2018 » أن الوضع الحالي للمرفق القضائي ينذر بالخطر و الخوف مما ستفرزه الحركة القضائية المقبلة و نبه المجلس الأعلى للقضاء من مواصلة تسيير المرفق القضائي بنفس الطريقة مؤكدا أن المجلس لا يقوم بدوره القانوني في تأطير العمل القضائي بل مازال يتحسس طريقه و مازال يعتبر أن دوره يقتصر على إجراء و إعداد الحركة القضائية فقط و الحال أن دوره أكبر من ذلك فهو مطالب بإصلاح المنظومة القضائية لكن للأسف فإن المجلس لا يقوم بهذا الدور و حتى في اطار عمله المتعلق بالحركة القضائية مازال عمله ضعيفا جدا » .

و دعا العميد المحرزي المجلس الأعلى للقضاء « إلى ضرورة العمل التشاركي من خلال الاستماع الى كل المتداخلين والفاعلين بمن فيهم المحامون باعتبارهم شركاء في إقامة العدل و باعتبار ان الشأن القضائي يهم المحامين بدرجة كبيرة ملاحظا أن المجلس لا يتفاعل مع الهيئة الوطنية للمحامين من أجل تحسين مرفق العدالة ».

كما دعا أعضاء المجلس الأعلى للقضاء أيضا إلى التحلي بالموضوعية في اختياراتهم التي يجب الا تكون مبنية على مقاييس آن الأوان للتخلي عنها وفق قوله مشيرا إلى أن المجلس يعمل في انغلاق و لم يعر أي اهتمام لملاحظات المحامين و النتيجة يعلمها الجميع و هي أن السنة القضائية المنقضية كانت ضعيفة بكل المقاييس

و انتهى العميد المحرزي بالتأكيد على أن الأمور أصبحت لا تطاق و يجب تداركها قبل السنة القضائية المقبلة مذكرا بصعوبة ظروف العمل بالمحاكم و انعكاس ذلك على المتقاضي و صعوبة ولوجه إلى العدالة

غير ان الامر يتجاوز هذا الخلاف حول المجلس الأعلى للقضاء اذ انه يخفي في الواقع خلافا اخر جد أخيرا بين قاضي التحقيق بالمكتب السابع عشر بالمحكمة الابتدائية تونس 1 ومحاميين ففي حين يتهم المحاميان القاضي بانه رفض تمكينهما من تصوير ملف قضية ينوبان فيها مع ارتكاب تجاوزت إجرائية أخرى كما الاعتداء على محامية يرى القاضي المعني بالأمر انه حين وقع الخلاف بينه وبين المحاميين حاولا الاعتداء عليه جسديا .

وفي خضم هذا الخلاف نجد انفسنا امام نفس المعجم من هذا الطرف وذاك ففي حين اعلن القضاة الشبان في حماستهم المعهودة في بيان لهم يوم 26 جويلية » تكرر الإعتداءات على القضاء والتقصير في توفير ظروف الامن لهم . ونبهوا الى الانحرافات الاخلاقية والمهنية التي اصبحت منتشرة وملحوظة في قطاع المحاماة والتي تسيء إلى مهنتهم اكثر مما تسيء الى القضاة » على حد ما جاء في بيانهم

ورفضت جمعية القضاة واستنكرت في بيان لها يوم 28 جويلية بمناسبة الحادثة » كل الاعتداءات التي تطال القضاة حال قيامهم بوظائفهم وواجباتهم القضائية » مؤكدة على « أن التظلم من أي اخلالات تنسب إليهم على فرض ثبوتها يتم باتباع الإجراءات القانونية المحددة لذلك ومتابعة تلك الإجراءات وبالعرض الموضوعي للوقائع إن اقتضى الأمر ذلك وليس بحملات التهجم والتشهير المباشر ويدعو إلى الكف عن ذلك فورا ويحذر من مغبة التمادي في تلك السلوكات غير المشرفة. » في إشارة واضحة الى بيانات المحامين في الغرض

ذكر العميد عامر المحرزي في الندوة الصحفية المشار اليها إن عددا من القضاة تحوم حولهم شبهات فساد لكنهم مازالوا يواصلون عملهم بشكل عادي ويتساوون في المسار المهني مع زملائهم مشيرا إلى أن من بين هؤلاء القضاة من تم ضبطه بحالة تلبس .

و لاحظ العميد المحرزي، أن هناك تباطؤ ا كبيرا في رفع الحصانة عن هؤلاء القضاة.و دعا في هذا الإطار المجلس الأعلى للقضاء الى التدخل العاجل واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة ضد القضاة ذوي الشبهة وهو بلا شك يشير الى قاضي التحقيق بالمكتب السابع عشر المذكور الذي بسببه وبسبب المحاميين نشب الخلاف الأخير بين القطاعين.

ليس الحادث الأخير الذي اشعل فتيل الحرب بين القضاة والمحامين بمختلف عما يشاهد ويعاين في محاكمنا وعن الحالات التي عرفناها في الماضي القريب. وكالعادة يحار المتتبع المحايد أمام الروايتين المتباعدتين بل المتنافرتين اللتين يقدمهما الطرفان المتنازعان عن الأحداث.

وبطبيعة الحال، يمرّ الحدث تلو الحدث دون أن تتحرّك هياكل المهنتين من هيئة المحامين وجمعية القضاة ونقابة القضاة لتطوّق الخلاف ولتحمّل كل طرف مسؤوليته. فكم من محام حين يخسر قضيته يتهم القاضي بالانحياز والفساد والرشوة ليبرر خسارته أمام موكليه أو هو على الأقل يتهمه بالجهل وقصر الباع ؟ ولكن كم من قاض لا يحسن معاملة المحامي ويقدر معاذيره وظروفه ويجعله يشعر بأنه حين يؤدي مهمته أو يترافع أمامه أخ لا عدو؟ بل كم من قاض تطوله تهمة الفساد؟ وقد يتورط في هذا الفساد المحامي والقاضي معا وبالاشتراك والتواطؤ.

إنه لا يمكننا للنزاهة إلا أن نعترف أن الفساد موجود في أوساطنا (قضاة، ومحامين، وإداريين، وشرطة وأمنيين). وهذا الأمر ليس بالغريب فالفساد موجود في كل زمان ومكان، ومن الطبيعي أن يمس القضاة والمحامين أنفسهم، سواء قبل الثورة في تونس أو حتى من بعدها. « .

الفعل ورد الفعل ليسا هما الحل

كثيرا ما يلتجئ القضاة والمحامون في هذه المواجهة المفتوحة بينهم إلى الإضراب وإيقاف عمل المحاكم لمدة تصل أحيانا إلى أسبوع كامل، تغلق فيها أبوابها أمام المتقاضين الذين يأتون إليها أحيانا من مناطق نائية وبعيدة. ولا شك أن حل الإضراب كإجراء أقصى، أمر مشروع وحق دستوري للقضاة باعتبارهم موظفين كما للمحامين باعتبارهم يمثلون مهنة حرة، ذلك أمر لا ينازع فيه منازع ولكن الإضراب لا يُلتجأ إليه إلا عندما يقع استنفاد جميع الحلول الأخرى. غير أن ما نشاهده في جلّ الحالات التي رصدناها هو مسارعة القضاة إلى اتخاذ قرار الإضراب في عشية يوم وقوع الأحداث (هكذا)، يليه في اليوم الموالي ردّ فعل المحامين باعلان الاضراب العام في كافة المحاكم هم أيضا. أو العكس بالعكس. وإن المطلع على الأعراف النقابية وأبجديات العمل النقابي يدرك بسهولة أن هذه الاضرابات لا تخضع الى أية ضوابط. فهي لا تأتي عموما على إثر اتصال الهيئات الممثلة للقضاة والمحامين بعضها ببعض (لانعدام الثقة واتساع الفجوة بين الطرفين) بحثا عن حل للمشكل. ففي معظم الحالات التي رصدناها، يتخذ أمر الإضراب على عجل وبدون الرجوع أحيانا إلى الهيكل الممثل للتداول في أمره،ودون استنفاد طرق الحوار.

ما العمل لرأب الصدع؟

نحن على يقين كما كتبنا ذلك مرارا وتكرارا في مقالات لنا سابقة أنّ الصراع لن يتوقف مع الحوادث الأخيرة المرتبطة بشكل ما بلعبة الوجود والتاثير داخل المجلس الأعلى للقضاء وبالمشاكل اليومية في المحاكم إذ أن هذا الصراع سيتأجج في اعتقادنا مع مشاريع القوانين القادمة سواء تلك المتعلقة بمرسوم المحاماة الذي يطلب المحامون تنقيحه من أجل الحصول على مزيد الضمانات للمحامي او بمناسبة مشروع القانون الأساسي الجديد للقضاء والقضاة أو بصدد إرساء المحكمة الدستورية. لن يتوقف الصراع إذا لم يعِ القضاة والمحامون بأنهم مطالبون لا بالفعل ورد فعل دفاعا عن مواقع ومصالح قطاعية بمعزل عن مصالح المتقاضين ولا بإتهام بعضهم بأنهم « فاسدون »، وهو لفظ لا يليق لا بهذا ولا بذاك بل بأشياء أخرى مختلفة جدا تنصح بها عادة الهيئات المختصة التي نجد تفاصيلها في كثير من التقرير المنشورة في الغرض وطبقت في كثير من التجارب المقارنة. ومن أبرزها:

1- الابتعاد عن إعطاء بعدا قطاعيا لكل مشكلة فردية يمكن تطويقها بسهولة بفضل يقظة الهياكل الممثلة،

2- النظر الى المصلحة العامة قبل المصلحة القطاعية التي تفرق احيانا ولا تجمع. فنحن نميل الى الاعتقاد بأن مواقف البعض من المحامين والقضاة من المجلس الأعلى للقضاءحديث النشاة بصيغته المنتخبة الجديدة التي جاءت بها الثورة لا تحركه دائما المصلحة العامة بل مصالح قطاعية ضيقة،

3- تشكيل لجنة من المحامين والقضاة ممثلين لهياكلهم مهمتها متابعة طبيعة العلاقة بين القضاة والمحامين، ومتابعة الشكاوى والسلبيات وعرضها على الجهات المختصة من أجل تقديم الحلول الفورية لها وذلك بتفعيل وإعادة هيكلة ما يسمى بلجنة حل المشاكل،

4- تكريس مبدأ التعاون بين القضاة والمحاماة من خلال الندوات والبحوث واللقاءات المشتركة الهادفة الى إعادة رسكلة القضاة والمحامين لتدريبهم على تجاوز السلبيات التي تعترض سبيل تحقيق العدالة والدفاع عن حقوق الموكلين والعمل على منع التصرفات والممارسات غير اللائقة،

5- عقد لقاءات دورية مع وزير العدل لبحث المسائل المتعلقة بمرفق العدالة، والمعوقات التي تكبل سيرها، وعرض هموم المحامين، وإيجاد السبل التي من شأنها رفع المعاناة عنهم وتيسير أعمالهم القانونية بما يخدم العدالة.

فمتى وجدت الثقة بين جناحي العدالة، إمتنع القاضي عن أن يظن السوء في المحامي أو يجرحه بكلام ناب من قبيل ما ذكرناه، وأصبح المحامي مدافعاً عن حرمة القاضي ونزاهته من أن يتناولها أحد بسوء.

image_print

تصنيفات: القضاء,المحاماة,قسم المهن القانونية