ضرورة تجاوز معوقات الممارسة الجنسية للنزيل:هشاشة وصورية دفعات الرافضين للحياة الجنسية للسجين- بقلم الباحث منير العش

ضرورة تجاوز معوقات الممارسة الجنسية للنزيل :

هشاشة وصورية دفعات الرافضين للحياة الجنسية للسجين

كنا قد أوضحنا في مقال سابق نشر بهذا الموقع بتاريخ 15 جويلية 2018 تحت عنوان “الحق القانوني للسجين في الحياة الجنسية وفقا للتشريع الوطني والدولي” كيف أن السجين التونسي يتمتع بحق ممارسة حياته الجنسية، وهو حق قانوني يجد تأكيده في النصوص الدولية سواء المتعلقة بحقوق الإنسان عامة أو المخصصة لحقوق النزيل، كما يجد تأكيده في تشريعنا الوطني سواء صلب الدستور أو صلب العديد من القوانين الأقل درجة.

تعتبر الممارسة الجنسية للنزيل في النظام العقابي التونسي حقا دستوريا، وهذا يؤدي إلى وجوبية العمل على تحقيقها وتنفيذها على أرض الواقع، كي لا تبقى مجرد حبر مخطوط على صفحات الدستور شأنها شأن العديد من الحقوق والحريات الأخرى التي نجدها ساطعة على صفحات الدستور ولا نجد لها أثرا على أرض وطننا. ولكي يتم تمتيع النزيل بالممارسة الجنسية يجب أن يتم تجاوز معوقات هذه الممارسة سواء النظرية منها أو العملية، هذه المعوقات التي يرتكز عليها الرافضين لتمتيع النزيل بحقه في الحياة الجنسية والتي تمتاز بالهشاشة والصورية.

الفقرة الأولى: هشاشة وصورية المعوقات النظرية للممارسة الجنسية للنزيل

تجد الممارسة الجنسية للنزيل أصواتا معارضة لها ورافضين لتطبيقها رغم كل إيجابياتها سواء على النزيل أو على المؤسسة السجنية وحتى على المجتمع، ويستند هذا الشق الرافض على دعائم قانونية ودعائم عقابية للتأصيل لموقفه، ذلك أنهم يدفعون بغياب نص قانوني صريح يقر بإمكانية تمتيع النزيل بلقاء زوجته لقاءا حميميا خارجا عن الرقابة، وكذلك يستندون إلى عوارض أقرها علماء العقاب لذلك اللقاء.

لقد اتصفت العوائق القانونية المثارة من قبل الرافضين للممارسة الجنسية للنزيل بالمحدودية، إضافة أيضا إلى كون الدفعات العقابية امتازت بالنسبية.

أ- محدودية العوائق القانونية

لم يتعرض النظام العقابي التونسي إلى الزيارة الزوجية وإلى مسألة ممارسة النزيل لحقه الإنساني والشرعي في اللقاء الحميمي مع قرينه، بل لم يتعرض أصلا لمسألة خصوصية الزيارات ولم ينص على إمكانية إجراء لقاء غير مراقب بين النزيل وأسرته.

دفع هذا الأمر للقول بأن ليس للنزيل الحق في الاختلاء بقرينه أو في ممارسة حقه الشرعي معه، خصوصا وأن النظام العقابي التونسي اعتبر زيارة القرين لقرينه زيارة عادية لا تتطلب وضعية خاصة، ومدير السجن يمكنه أن يأمر بزيارة غير عادية تقوم بها الزوجة لزوجها تتم في مكتبه ولكن مع وجود أحد موظفي السجن.

إن القول بوجوب توفر نص قانوني صريح مبيح لممارسة النزيل للجنس، أو على الأقل مبيح لحميمية الزيارة بين النزيل وقرينه أو النزيل وأفراد أسرته، يعد قولا مبالغا فيه. باعتبار أننا في ميدان الحقوق والحريات الفردية، وهذا الميدان لا ينظمه ولا يحده إلا القانون، وبما أنه لا يوجد قانون مانع لا يجوز للإدارة العقابية منع النزيل وقرينه من ممارسة حقهم.

حيث حسب المادة 29 فقرة 2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان “يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي”.

وقد أكد الفصل 49 من دستور 2014 على نفس هذا التوجه بإقراره أن الحد من الحقوق والحريات لا يتم إلا بمقتضى القانون. إذ ورد بهذا الفصل أن “يحدد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها…”.

إن السجن عقوبة تقضي بحبس المحكوم، وعقوبة السجن لا يجوز أن تسلب من النزيل إلا ما ينص عليه القانون، فطالما لم ينص القانون على أن عقوبة السجن تحرم المحكوم من حق معين فإنه يتمتع بهذا الحق مثله في ذلك مثل الفرد الحر، ويجب في هذا المقام أن يفسر أثر العقوبة على حقوق النزيل تفسيرا حصريا وألا يكون التعرض لحقوقه إلا بقانون أو ما يقوم مقامه من إجراءات تشريعية تطبيقا لمبدأ لا عقوبة إلا بقانون. وغني عن القول أن العقوبة المنصوص عليها في القانون والتي تم تسليطها على النزلاء هي السجن، وليس تحريم ممارسة الجنس.

وبالعودة للفصل الخامس من المجلة الجزائية وتصفح قائمة العقوبات الأصلية والتكميلية المعتمدة بالنظام الجزائي التونسي لا نجد التنصيص على عقوبة منع النزيل من الجماع بقرينه، ولا نجد كذلك أثرا لهذه العقوبة لا بالأمر عدد 1876 لسنة 1988 المؤرخ في 04 نوفمبر 1988 والمتعلق بالنظام الخاص بالسجون، ولا بالقانون عدد 52 لسنة 2001 المؤرخ في 14 ماي 2001 والمتعلق بنظام السجون.

من المؤكد أنه لا يجوز لأي شخص أن يعاقب بعقوبة لم ينص عليها القانون، إلا أن كل عقوبة لا بد لها من آثار سلبية قد تتجاوز شخص الجاني إلى أبنائه، أو زوجه، أو الأشخاص الذين يعولهم، ولئن كان الأصل هو عدم تجاوز أثر العقوبة شخص الجاني، فإن كان ذلك واقعا لا محالة كلازم من لوازم إيقاع العقوبة، فالمتعين هنا رفع ما يمكن رفعه من تلك اللوازم تمشيا مع المبدأ الأصل من ناحية، وتحقيقا لمبدأ الضرر يزال بقدر الإمكان من ناحية أخرى، وفي مسألة اللقاء الجنسي بين النزيل وقرينه  يمكن إزالة الضرر عن القرين في جانب العلاقة الجنسية الزوجية بتمكينه من ذلك، وتبقى الآثار السلبية الأخرى التي لا يمكن رفعها، وهنا يمكننا القول إن الميسور لا يسقط بالمعسور.

يعني الحرمان من هذه الممارسة الجنسية حرمان النزيل من حقوقه وتحويل العقوبة من عقوبة فردية إلى جماعية تدفع الأسرة عامة والقرين خاصة ثمنها، إذ لا ينبغي أن تدفع الزوجة ثمن الجرم الذي ارتكبه زوجها أو العكس.

يجب على السجن كعقوبة ألا يطال غير شخص الجاني، فإذا ما قيل بمنع النزيل من الاختلاء بقرينه وممارسة الجنس معه فإن ذلك في حقيقة الأمر تعدية للعقوبة من شخص الجاني وهو النزيل إلى شخص آخر هو قرينه، لما هو معلوم بالبداهة أن حاجة الرجل وكذلك المرأة إلى إشباع حاجتهم الجنسية من خلال الالتقاء ببعضهما البعض لقاء الأزواج هي حاجة ملحة ومشروعة في آن واحد، فسواء الزوج أو الزوجة فانتمائهم للجنس البشري ثابت ولا نقاش فيه، والممارسة الجنسية حق بشري طبيعي لا استغناء عنه خصوصا عند توفر الرابطة الزوجية.

يعتبر حرمان الزوجة من لقاء زوجها أو العكس، نوع من إنزال عقوبة على غير مرتكب الجريمة، مما ينافي مبدأ شخصية العقوبة الوارد بالفصل 28 من دستور 2014، فكما لو أن السجن مدد قوته وسلطته العقابية على القرين وعلى الأسرة عامة دون مبرر قانوني، فهذه الأخيرة تعاقب وهي لم تخضع لإجراء أو حكم قضائي ولا يوجد أصلا نص قانوني يقر بالعقوبة نفسها.

عموما إن عدم السماح للنزيل بلقاء قرينه لقاءا حميميا يثير مسألة الامتثال للشرعية وشخصية العقوبات التي تشكل القانون الجنائي في تونس، وترد هذه المبادئ كضمان ضد تعسف السلطة القضائية والسلطة العقابية، فلا يجوز تسليط عقوبة على إنسان إلا متى نص عليها القانون مع أن يكون الفعل المرتكب طبعا مجرما بنص سابق الوضع عدى حالة النص الأرفق، وعلاوة على ذلك يمنع أن تمتد الآثار المترتبة على الحكم إلى أقارب المتهم أو المدان.

كذلك لا ننسى أن الحق في الخصوصية والحق في الحفاظ على الروابط الأسرية هي حقوق لا تهم النزيل فقط بل حقوق تهم جميع البشر بما في ذلك قرين النزيل الذي يجد نفسه محروما من هذه الحقوق بطريقة غير شرعية وتعسفية.

إن ميدان القانون الجزائي ونظرا لارتباطه بالحقوق والحريات يمنع فيه التأويل والقياس، وأي أمر أو فعل لم يمنعه القانون صراحة يعد مباحا، إذ الأصل الإباحة والاستثناء التجريم الذي يجب أن يكون واضحا ومحددا.

بذلك يكون القول بعدم تمتيع النزيل بحقه في اللقاء الجنسي مع قرينه نظرا لغياب نص يبيح ذلك، قول محدود للغاية وغير مدعوم من الناحية القانونية.

هكذا نتبين محدودية العوائق القانونية للممارسة الجنسية للنزيل، وهي محدودية سنجدها أيضا على مستوى دفعات جانب من علماء العقاب الرافضين لتلك الممارسة.

ب- نسبية دفعات علماء العقاب الرافضين للممارسة

يعتبر العديد من علماء العقاب أن حرمان النزيل من الممارسة الجنسية الزوجية أمر طبيعي جدا ومتماهي مع موقف المجتمع من هذه المسألة، حيث أن هذا يعكس بالدرجة الأولى نظرة أفراد المجتمع للجريمة حيث يميلون في أغلب الأحوال إلى تضخيم مستوى الإثم الجنائي إلى حد يفوق المعقول من الوصف، ومن هذا المنظور، فإن مسألة الحرمان الجنسي لنزلاء المؤسسات السجنية لا تزال غالبا تظهر كنتيجة طبيعية لا مفر منها ومبرر بالحرمان من الحرية.

لازال السجن ذلك المكان المغلق المخفي الذي يريد المجتمع نسيانه، ولهذا السبب فهناك ميل متزايد لإقصاء السجن من المدينة، إن المبررات المقدمة لتفسير إبعاد السجون إلى المناطق المعزولة في الضواحي البعيدة مثل ارتفاع أسعار العقار والأراضي في مراكز المدن أو قلة المكان لا تكفي لتفسير هذا الواقع، إن الأمر يتعلق في الواقع بإقصاء السجن خارج رؤية المواطن العادي وبالتالي خارج وعيه.

يعبر العديد من المواطنين عن صدمتهم لوجود التلفزيون في الغرف بالسجن، أو من حقيقة أن النزلاء يمكنهم كسب الأجور في السجن، إضافة إلى الانتقادات حول أن نزلاء السجون لديهم أقل جوع وأقل برد ويعيشون في ظروف أفضل من الكثير من الناس في العالم الحر الذين يعانون انعدام الأمن الاقتصادي، فما بالك بممارسة الجنس.

الجنس، هذا المجال الذي مازال ينظر المجتمع إلى المواضيع المتعلقة به نظرة تستر وتزمت، إضافة إلى أنه فبالرغم من كون الحديث عن الجنسانية هو حديث مثير وجذاب باعتباره يجذب للإصغاء إليه لما لهاته العلاقات الخاصة والمشاكل التي تحيط بها من مغناطيس وسلطان على النفوس أينما كانت وفي أي سن كانت، فإن المجتمع لا يزال تحت تأثير تقاليد متوارثة تجعله يتبرم في الحديث عن تلك الأمور ويتحرج منها.

فالأمور الجنسية تظهر في غالب الأحيان وخاصة في المجتمعات المحافظة وكأنها أرض حرام، زرع مجالها بما يشبه الألغام من التزمت والجهل والتحيز وسوء الظن وخطأ الفهم والحساسية والنفاق، وغيرها من المواقف.

إن كانت هذه النظرة للجنس تغزو المجتمع الحر فطبيعي أن تؤثر على موقف المجتمع من هذه المسألة إذا ما ارتبطت بمجرم مدان، هذا إضافة إلى كون مسألة الجنسانية في السجن ترتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم العقاب، الذي يكون مفهوما باعتباره على حد السواء جزاء جنائي يعاقب على جريمة، وأيضا معاناة بدنية ونفسية. إن هذه الرؤية للعقوبة كألم جسدي ونفسي لا تزال مهيمنة في الرأي العام ولذلك فمن المفهوم أن العقوبة يجب أن تكون غير متوافقة مع أي شكل من أشكال المتعة كما لو كان الحرمان من الحرية لا يكفي، خصوصا وأن الشعور السائد في المجتمع هو دائما التعاطف مع الضحايا.

إن معاقبة المجرم نتيجة اقترافه جريمة معينة بإيداعه السجن ليس إلا تعبيرا مباشرا عن رفض محيطه الاجتماعي له وسعيه لنفيه بعيدا، وفي حال حصول المجرم على بعض الامتيازات منها الممارسة الجنسية الطبيعية هو بذلك يثبت حضوره في المجتمع وهنا يعتبر ذلك عكس إرادة أفراد المجتمع ومفهومهم لمعنى العقاب، إضافة لكون القرين في حال موافقته على منح النزيل حقوقه الشرعية فسينظر إليها على أنه شريك أيضا في الجريمة وداعم له.

كذلك نشير إلى أن من الأسباب الداعمة لرفض المعاشرة الزوجية للنزيل مسألة الحمل، إذ قد تؤدي الزيارات الزوجية إلى حالات حمل غير مرغوب ووجود أطفال لا تستطيع المرأة أن تتحمل التكاليف الخاصة بهم في الوقت الذي تكافح فيه بالعمل للبقاء في الحياة مع عدم وجود زوج ينفق أو يساعد في الإنفاق عليها وعلى الأطفال الموجودين فعلا، إضافة لإمكانية إنجاب أطفال قد لا يرون الأب ولا يعيشون معه ولا ينفق عليهم أبدا وذلك في حالة ارتفاع مدة محكومية النزيل.

في هذا المستوى يجب أن نؤكد عموما أن هؤلاء الأطفال كفالتهم واجبة على الدولة شرعا وقانونا، ذلك إن كانت الدولة تكفل اللقطاء ومعدومي النسب فكيف بالأبناء الشرعيين.

أيضا يجب أن نؤكد لميل جانب من المجتمع للسماح للنزيل بممارسة حقه الإنساني والشرعي في الممارسة الجنسية، إذ قد تتوافق الزيارات غير خاضعة للرقابة أفضل مع القيم الأخلاقية المكرسة من قبل بعض الديانات فيما يتعلق بالتسامح مع العلاقات الجنسية في إطار الزواج ووجوبيتها، إضافة لمساهمتها في تجنب أشكال أخرى من الممارسات الجنسية التي تعتبر شرورا أو محولة عن طبيعتها، والتي ينخرط بها النزيل بسرعة في السجن من دون قرينه.

حقوقيا، إن الرأي العام لم يدمج ضرورة احترام حقوق النزلاء، فذلك لم يفرض نفسه كمسألة بديهية حتى في أوساط الطبقات الاجتماعية المتعلمة، ففي أغلب الأحيان لا يستطيع الرأي العام أن يفهم أن حقوق النزلاء ليست امتيازات.

وما زاد في ترسيخ ذلك قلة أو حتى انعدام الاهتمام الذي يبديه رجال السياسة سواء كانوا في السلطة أو في المعارضة إزاء انتهاكات حقوق سجناء الحق العام، فمن الرفاهية في هذا الوقت الاهتمام بنزلاء الحق العام وإلى الآن فإن الفكرة التي تعتبر الدفاع عنهم جزء لا يتجزأ من الدفاع عن حقوق الإنسان لا تزال لم تفرض نفسها كليا على عكس السجناء السياسيين.

إن الرأي الرافض للمعاشرة الزوجية للنزيل والذي يمثل جانب من المجتمع يعتبر رأيا متجاهلا لمصلحة الحفاظ على النسيج الاجتماعي للزوجين وكذلك متجاهلا لإنسانية النزيل وأيضا لدور العقوبة الإصلاحي.

يصعب اليوم على طائفة كبيرة من المجتمع تصور أن للمنحرفين والمجرمين حقوقا، ومع ذلك فإن احترام هذه الحقوق هو الذي يمكن من قياس درجة تحضر مجتمع ما، إضافة لكون لا كرامة للوطن إلا بكرامة المواطن، والمجرم مواطن.

يجب أن ننظر إلى النزيل نظرة إنسانية على أنه آدمي له حقوق ورغبات يجب أن تلبى وتشبع، وفعلا أنه قد أخطأ وأجرم لكن ما ذنب القرين، أو يكون الطلاق هو الحل وهو ليس حلا عادلا لأنه لو هناك أطفال نكون قد جنينا عليهم.

يبقى توحيد وجهة نظر المجتمع نحو الأنسنة مسألة ثقافة قانونية واجتماعية تقوم على الاقتناع بأن الإنسان هو جوهر الحياة وأن احترام آدميته هو أقصى نجاح للسياسات الجزائية وللمجتمع نفسه.

إضافة للرفض الاجتماعي، يدفع علماء العقاب في إطار رفضهم للممارسة الجنسية للنزيل بتعارض هذه الممارسة مع طبيعة المؤسسة السجنية ومع مبدأ العقوبة ذاته. فالسجن مؤسسة عقابية توتاليتارية مخصصة لحماية الطائفة، بمعنى الجماعة، من تهديدات معتبرة قصدا من قبل المحجوزين طبعا، دون أن تكون مصلحة الأشخاص المحجوزين هي الهدف الأول المأخوذ بعين الاعتبار، إنه مكان لجماعة من الأشخاص فرضت عليهم شروط أشخاص آخرين ولا يملكون أدنى إمكانية في اختيار نمط حياتهم وتبديله، فهم تحت رحمة الضبط والحكم التقويمي للآخرين ومشاريعهم.

السجن هو مؤسسة شمولية من نوع خاص تختلف عن غيرها من المؤسسات التي تحمل هذا التصنيف والتي تعمل لمصلحة الجمهور المستهدف، فعلى عكس المستشفى التي تعمل من أجل رفاهية مرضاها، لا يعمل السجن في مصلحة النزلاء، حيث أنه بدلا من ذلك يعمل في مصلحة المجتمع ويحميه من الخطورة المعلنة لنزلائه.

تستخدم داخل السجن كمؤسسة شمولية تقنيات الإهانة بصفة إجمالية، والتي تعتبر مرتبطة أساسا بطبيعة السجن، فهي ضرورية لكي تخلق لدى النزيل شخصية متكيفة مع السجن، ومن بين هذه التقنيات نجد على سبيل المثال القطع والفصل الواضح مع بيئته الخارجية ومع حياته السابقة، طقوس الإيداع والتفتيش الجسدي، رقم التخصيص وزي السجن، إلخ. وتستخدم جميع هذه التقنيات لإعطاء النزيل هوية جديدة، الهوية السجنية.

كل هذا ينبع من الأساس العقابي الذي يمثل الغرض الأول من إنشاء السجن، فكل الفلسفات العقابية ترمي في النهاية إلى أن يعلم المجرم بأنه حينما يرتكب الذنب أو المخالفة والاعتداء على قواعد المجتمع وقوانينه لا بد وأن يتحمل العقوبة الناتجة عن ذلك زجرا له، ثم ردعا لغيره من أفراد المجتمع ومنعا لهم وللمجرم نفسه من استسهال طريق الجريمة واستساغته.

إن الظروف القاسية للسجن تجعل من السجن رادعا، فمبدأ الشدة يؤسس الخوف من هذه المؤسسة ويجعلها مرعبة، وهذا أمر مطلوب، إذ لو أن الحكم بالسجن من شأنه أن يقدم للجناة وضعا أفضل من حالتهم العادية في المجتمع الحر فسيكون ذلك إغراءا للضعفاء والفقراء، أو على الأقل لن يكون رادعا للذي يميل إلى ارتكاب الجريمة. فتوفر وسائل الراحة في السجن يجعل الحياة فيه أحيانا أفضل من الحياة التي كان يحياها المجرم قبل سجنه، وهذا ما يؤدي بالتالي إلى أن يفقد السجن صفته العقابية، بل يتحول إلى النقيض فيصبح أحد عوامل تعزيز السلوك الاجرامي عن طريق الاثابة الناتجة عن سهولة الحياة فيه أكثر مما هي خارجه بالنسبة لبعض النزلاء، وفي هذه الحالة نتوقع أن يزداد معدل الجريمة باستمرار بدلا من أن ينخفض أو يظل على حاله.

يعمل مبدأ الشدة على تجنب العود، حيث أن الظروف المعيشية القاسية وفقدان الأسرة تشجع النزيل على التفكير في مسار حياته، وهي خطوة ضرورية نحو تعديله، فألم الفراق يدفعه لعدم ارتكاب أعمال غير مشروعة.

عموما يجب أن تكون ظروف الاحتجاز قاسية لكي يحتفظ السجن بطبيعته العقابية، وفي هذا الإطار تدابير تعزيز الحفاظ على الروابط الأسرية لا يمكن أن تكون متطورة لأن الفصل مع العائلة يكسو بعدا عقابيا، فالوظيفة العقابية تحد من توسيع نطاق تدابير تعزيز الروابط بين المعتقل وذويه وإلا لن يكون السجن مكانا للحرمان والمعاناة وسيفقد قيمته العقابية.

إن دخول السجن يعني من جملة ما يعنيه، نزع الحرية من الفرد، نزع الملكية أو على الأقل نزع حق التمتع بها، نزع حق الحصول والتمتع بالخدمات الاجتماعية، وحق التمتع بالحقوق الزوجية، ونزع حق السيادة الشخصية على الذات، ونزع حق التصرف، ونزع حق الأمن باعتبار أنه رغم ما يقال ويكتب رسميا فلا إمكانية لأمن تام داخل السجون.

يمكن اعتبار العلاقات الجنسية حقا يعيق التأثير الرادع للسجن لذلك حظر العلاقات الجنسية يعتبر أمرا واجبا يفرضه الطابع العقابي للمؤسسة، فالسجن هو المكان الذي تعلق فيه الحقوق الزوجية حيث صلاحيات القرين على قرينه تعترض باعتبار أن وجود أو عدم وجود الجنس فيه نقص كبير في العقوبة المتعلقة بالسجن.

إضافة لكون نظام الحياة في السجن يفرض منع تلك العلاقات، فالسجن مغلق حتى ولو كان النزيل يعمل أحيانا في الهواء الطلق، والحراس يلاحقون النزلاء في كل لحظة، فإتاحة العلاقة الجنسية تتنافى مع طبيعة السجن ذاته، ومع جوه، وتنال من صرامة الحياة فيه، كما تشيع فيه الفوضى المتعارضة مع مقتضيات إدارته الحازمة. فضلا عن مشاكله الاجتماعية في حالة حمل زوجة النزيل ونظرة المجتمع إليها خصوصاً في ظل غياب زوجها عنها وراء القضبان.

إن القول بالشدة والقسوة وجعل المؤسسة العقابية مؤسسة مظلمة مرعبة خانقة لنزلائها، يجعلنا نتساءل عن الرسالة التي يريد السجن والمجتمع حقا إيصالها إلى جميع المواطنين ولا سيما المخالفين والذين لا يحترمون القواعد التي تنظم الحياة الاجتماعية. بهذا التوجه، هذه الرسالة تظهر غير واضحة، فبدل العمل على هدف إعادة الإدماج وإصلاح الأفراد المخالفين، المؤسسة السجنية سائرة في انحدارها إلى الجحيم قبل أن تصبح أكثر وأكثر مكان مفقود المعاني.

قد دلت الدراسات التربوية والنفسية والاجتماعية وكذلك الدراسات والإحصاءات المقارنة في مجالات الجريمة والعقاب على أن الاقتصار على أسلوب العقاب والردع ليس هو الأسلوب الأمثل لتعديل السلوك واكتساب الخبرات السوية التي تعيد النزيل عضوا نافعا في مجتمعه.

لقد برز خطأ الأفكار التي كانت تحكم مفاهيم السياسة الجزائية الماضية وأن الجريمة ليست في الحقيقة إلا مظهرا لمرض مرده عوامل شخصية وبيئية، مما جعل الباحثين يطرحون فكرة العقاب الرادع كوسيلة لمعاملة الإنسان الجانح ليتبنوا أساليب جديدة تقوم على أسس علمية وتعتمد الوسائل العلاجية في الإصلاح والتأهيل، لقد اعتبروا السجن وسيلة لوقاية المجتمع من الجريمة من جهة وطريقة للكشف عن أسبابها وعلاجها من جهة أخرى، ففيه تبذل العناية الخلقية والصحية والثقافية والمهنية ليخرج منه الجانحون بعد شفائهم من أمراضهم مؤهلين اجتماعيا ومزودين بالخلق القويم والجسم السليم والمهنة الشريفة وليبدؤوا حياة جديدة مواطنين صالحين وأعضاء نافعين في المجتمع، وهكذا غدا السجن معهد إصلاح وتأهيل وتربية ومعملا يهذب النفوس ويصنع الرجال الأسوياء.

تهدف العقوبة السجنية إلى ضمان إبعاد المحكوم عليه من الحياة العامة متى ثبت ذنبه أمام القضاء المختص، وحكم عليه نهائيا لارتكابه فعل مجرم، فالمساس بحرية المحكوم عليه يعد من قبيل العقوبة التي تضع الشخص المدان في مواجهة سلوكاته الآثمة التي أفضت به إلى تحمل وزر الإثم المتمثل في العقاب، كما يقتضي ضمان الأمن والسلم الاجتماعي عزل الأفراد الذين ثبت قيامهم بسلوكات إجرامية عن الحياة العامة لتجنيب المجتمع شرهم في المستقبل مما يوجب إقصاؤهم مؤقتا عن المجتمع، مما يضمن الحد من شرهم، وترجع للقاضي السلطة التقديرية في تحديد مدة العزل عن المجتمع والحياة العامة التي لا تستوعب المنحرفين والأشرار.

بعد إثبات المسؤولية الجزائية ووضع الجريمة على حساب الجاني بإثبات مسؤوليته الجزائية، لا مجال للومه على ما صدر منه من سلوك آثم، إلا بالقدر الذي يساهم في محو فكرة الجريمة من ذهنه، فهذا اللوم يضمحل وتزول آثاره متى أخضع الجاني لتدابير الدفاع الاجتماعي التي تستهدف إصلاحه وإعادة إدماجه في المجتمع.

يتمثل الهدف المنشود للسجن في إصلاح الجناة بغرض إعادة إدماجهم في الحياة الاجتماعية، وذلك لحماية المجتمع مستقبلا من أخطار الجريمة، ولا يكون ذلك إلا بمعاملة النزلاء معاملة تحترم إنسانيتهم، وتهدف إلى تخليصهم من عالم الجريمة.

إذا كان دور هذه العقوبة تحدد في الماضي في إطار مادي بحت هدفه إلحاق الأذى والألم وعزل المجرم عن الجماعة فإن مثل هذا الدور بدأ يتحول باتجاهات إنسانية غايتها التأهيل والإصلاح والقضاء على عناصر الفساد والشر المؤدية إلى الأفعال الجرمية.

لا شك أن النظرة والأسلوب والاتجاه فيما يتعلق برعاية النزلاء قد تطورت تطورا سريعا في وقتنا المعاصر واعتبرت رعايتهم من أهم أنواع الجهود العلاجية التي تهدف إلى إعطاء الفرصة للنزيل كي يواجه مشاكله بطريقة واقعية وتزويده بالمهارات اللازمة التي تهيئه كي يعمل وينتج ويكسب.

يعتبر الحرمان من الحرية عقوبة في حد ذاتها، ومهمة إدارة السجن لا تتمثل في توقيع مزيد من العقوبة على النزيل، بل على العكس من ذلك ينبغي تشجيع النزلاء على الاستفادة من وقتهم في السجن لتعلم مهارات جديدة وتحسين تعليمهم وإصلاح أنفسهم وإعداد أنفسهم للإفراج عنهم في نهاية الأمر، يجب أن يكون الهدف الرئيسي لسلطات السجن من معاملتهم للنزلاء هو تشجيعهم على إصلاح أنفسهم وإعادة تأهيلهم اجتماعيا.

إن عمل المؤسسة العقابية على إعادة تأهيل المجرم اجتماعيا حتى لا يعود لإجرامه ويهدد مجددا أمن المجتمع لا يشكل عملا مناقضا لوظيفتها، فالإصلاح الاجتماعي للفرد لا يعني تراخي المجتمع تجاهه بل إعطاء العقوبة بعدا إنسانيا واجتماعيا يكون مردوده إيجابيا على الإنسان وعلى المجتمع. فالعقوبة ليست في حد ذاتها تكفير عن الجريمة بقدر ماهي فرصة كي يتعلم النزيل وينمو بصورة تسمح له أن يقدر قيمة الحرية وأن يسعى كفرد له حقوقه وواجباته في خدمة نفسه وخدمة مجتمعه.

يعتبر التزام الإدارة نحو الإنسان في عملية إعادة التأهيل باعتباره عنصرا من العناصر المستخدمة التزاما أصيلا، فالمطلوب هنا هو أن ينظر للإنسان على أنه إنسان، له قوة ذاتية قادرة على الانطلاق إذا توفرت الظروف الموضوعية وأعطيت الفرصة، فالإشباع النفسي والجسماني والاقتصادي والاجتماعي لحاجات الإنسان يجب أن يكون أحد محاور الاهتمام الرئيسية للمؤسسة العقابية. فالمجرمون مهما كانوا واستحالوا فهم من صلب المجتمع لا يمكن الاستغناء عنهم، إذ أنهم مهما طال بهم الزمن وهم وراء أسوار السجن فهم عائدون لا محالة، لذلك وجب على المجتمع الاعتناء بهم، لا بتهميشهم ونسيانهم والسخط عليهم.

المجرمين هم فئة من الأشخاص لا يختلفون عن غيرهم من الأشخاص الآخرين الذين يخالفون القوانين السلوكية الأخرى في المجتمع، أي أنهم ليسوا فئة فريدة في نوعها، إنهم أولا وقبل كل شيء بشر، إنهم آدميون لم يحالفهم الحظ في ضوء الظروف الاجتماعية التي عاشوها أو تلك التي يواجهونها والتي بسببها خالفوا القانون الجزائي. لذلك ينبغي الاعتراف أن النزيل إنسان قبل أن يكون مجرما، وأن الحق الوحيد الذي يجب أن يحرم منه هو الحق في التنقل الحر وسط المجتمع، يجب أن يكون لحقوقه المدنية والقانونية والدستورية القيمة نفسها مثل أي مواطن آخر، بتتبع هذا المنطق يجب أن يحظى النزلاء بالظروف اللازمة التي من شأنها أن تضمن صحة جنسية بما يعادل بقية المواطنين، بقية البشر.

إن الإعتراف للنزيل بالممارسة الجنسية الطبيعية وإنشاء آليات للقاء بشكل فعال وملموس تعتبر من قبل علم العقاب الحديث مسألة إيجابية وتستحق أن تكون معتمدة، فالحرمان الجنسي أثناء الاحتجاز هو مصدر إحباط وتطرف خطاب ومواقف النزلاء، مع انعكاساته السلبية على تأهيلهم. إضافة لكون منع النزيل من الخلوة بقرينه يشكل عقوبة إضافية بالحرمان من حق إنساني وضرورة طبيعية أقرّها القانون والدين.

إضافة لكل ما أوردناه من دفعات رافضة لتمكين النزيل من الجنسانية الطبيعية، وكنا أيضا قد رددنا عليها، هناك من علماء العقاب من يعترض على الممارسة الجنسية للنزيل لأسباب أمنية وكذلك صحية.

فأما الأسباب الأمنية، فتتمثل في كون تخويل أماكن للحميمية يشكل في رأيهم مشاكل أمنية باعتبار غياب النزيل عن الرقابة الدائمة فيه خطر على المؤسسة السجنية من ناحية أمنها وحسن سيرها إضافة للمجهود الإضافي الذي ستتكبده المؤسسة لحماية النزيل وقرينه من المتلصصين.

أثبتت التجربة حدود هذا القول، باعتبار أن العديد من الأنظمة العقابية قد اعتمدت الممارسة الجنسية للنزيل ولو أنها عانت جراء ذلك من اختلال في الأمن أو النظام لكانت عدلت عن السماح بتلك الممارسة. كذلك لا ننسى دور تلك الممارسة في التخفيض من التوترات داخل الفضاء السجني ومدى إمكانية اعتمادها من قبل الإدارة العقابية كوسيلة ناجعة للسيطرة على النزلاء وضمان الهدوء والنظام.

أما بالنسبة للأسباب الصحة، فقد أقر الشق المناهض للحياة الجنسية للنزيل بصلة الجنس بالصحة الجسمية والنفسية للإنسان عامة، إلا أنه اعتبر أن الاضطرابات النفسية والعصبية الناشئة من الحرمان الجنسي في السجون يمكن علاجها كلما انتابت النزيل، بأساليب صحية ومستحضرات طبية، كما أنه يمكن تصعيد الغريزة الجنسية أثناء فترة السجن وتبديد حاجاتها في وجوه نشاط عملي أو رياضي من تلك الوجوه التي يستعان بها على اصلاح نفسية النزيل ذاته والسمو بها.

فتنوع الأنشطة داخل المؤسسة العقابية يجعل النزلاء لا يكادون يعترفون بالمنغصات ناهيك عن حاجتهم لممارسة الجنس، فأعمالهم في السجن سواء كان ذلك الشغل أو الرياضة أو الممارسات الدينية من شأنها أن تسمح لهم بتجاهل الحاجة الجنسية.

كذلك السماح للنزيل بالخلوة الجنسية يفرض دراسة المسائل الصحية بالنسبة لجميع الأطراف المشتركين في الاتصال الجنسي، وهذا يدفع لمزيد من الاعتمادات المالية ومزيد من الرقابة والرعاية الصحية للنزلاء وأزواجهم منعا لكل تهديد صحي لهم أو للمجتمع السجني، وخصوصا منع لتفشي وانتقال خاصة الأمراض المنقولة جنسيا والتي تشكل تهديدا للمجتمع بأسره مثل الإيدز.

تمثل الحاجة الجنسية للنزلاء نارا حارقة تدفعهم دائما لتلبية جوعها حتى ولو باعتماد سلوك جنسي لا يختارونه في الحياة الاجتماعية الخارجية، فمن أجل تجاوز برودة السجن، يلزمون على التعامل مع هذه الحاجة الجنسية الحاضرة والمتواجدة دائما فيهم دون معرفة الكثير عن العواقب والمخاطر التي تتعرض لها حياتهم الجنسية الخارجية وحياتهم السجنية الآنية.

لقد تناول العلماء هذه المشكلة بالبحث لاسيما لصلتها بالصحة الجسمية والنفسية للنزيل الإنسان ذاته وسير عملية علاجه النفسي والعصبي، وما يمكن استنتاجه هو أن الحرمان الجنسي القصري يعني أثار صحية جد سلبية تجاه النزيل، مخاطر أمنية وتبعات سلبية تجاه المؤسسة، وحواجز معيقة لعملية التأهيل.

تعتبر صحة النزيل بمختلف أبعادها مقدسة، وسلامتها تعتبر الشرط الأولي لنجاح عملية إصلاحه، لذلك يجب على المؤسسة العقابية العمل على المحافظة عليها وتحسينها وليس العكس. في هذا الإطار قد يدفع البعض بأن الدولة قد تعجز لسبب أو لآخر عن تقديم الرعاية الطبية لجميع المواطنين في المجتمع الحر فكيف يمكن الزامها بتقديم هذه الرعاية للنزلاء، الأمر الذي يجعلهم في وضع أفضل، من هذه الناحية، من بعض المواطنين الذين لم يرتكبوا جرائم، غير أن موقف الاعتماد أو التبعية الذي عليه النزيل يبرر هذا الالتزام على عاتق الدولة، لأن هذا الموقف يجعله عاجزا عن نيل الرعاية عن غير طريقها.

لم يقف الشق المناهض لتمتيع النزيل بحقه في لقاء حميمي مع أسرته عند هذا الحد، بل كذلك ارتكزوا على مبدأ المساواة بين الجميع أمام القانون، ذلك أن السماح لنزيل دون آخر بهذه الممارسة يعد إخلالا بالمساواة وتمييزا جائرا وغير مبرر بين المحكومين وضربا لعدالة التنفيذ العقابي.

كذلك قد تجد السلطات من العسير أن تقرر من يستحق ومن لا يستحق التمتع بهذه الزيارات الحميمية، وعلى سبيل المثال هل تكون هذه الزيارات من حق المتزوجين فقط أو من حق جميع الأشخاص الذين يقولون إنهم كانوا يعيشون مع آخرين بما فيهم المثليين جنسيا، وهل ترتبط هذه الزيارات بقضاء مدة معينة من المحكومية أم يتمتع بها النزيل منذ دخوله السجن…

في كل الحالات سوف يكون هناك إخلال على مستوى التنفيذ العقابي مما قد ينعكس سلبا على نفسية النزلاء، وقد يؤدي إلى العديد من المشاكل والإخلالات والمخاطر على أمن ونظام المؤسسة، خصوصا أن النزلاء المحرومين من تلك الممارسات قد يحتجون ويردون الفعل سواء تجاه زملائهم المتمتعون أو تجاه المؤسسة الغير عادلة.

إن القول بوجوبية المساواة بين النزلاء عند التنفيذ العقابي يعتبر من الماضي، كذلك تحديد أسلوب معين لمعاملة النزيل دون أن يتم فحص خصوصيات شخصيته جهد ضائع يحول دون الوصول إلى تحقيق هدف الإصلاح والتأهيل الذي يعد كنه ولب السياسة الجنائية.

أقرت السياسة العقابية الحديثة أن تحقيق هدفها الرامي لإعادة إدماج المجرمين في المجتمع يستوجب التّفريد التّنفيذي الذي يرمي إلى إصلاح الجاني، فالتفريد التنفيذي يرتكز على معاملة المحكوم عليه معاملة إصلاحية كفيلة بتيسير اندماجه في المجتمع وقطع الطريق بينه وبين شتى مظاهر الانحراف.

لقد تطور علم السجن، حيث تحول من الاهتمام بالجانب الإداري للمؤسسات العقابية وتجاهلها لشخصية المحكوم عليهم في تنفيذ العقوبة، إلى دراسة طريقة تنفيذ العقاب التي يجب أن تكون متماهية وشخصية كل مجرم، باعتبار أن كل شخصية لها خاصياتها ومميزاتها وأوجه أشكالها ومن المتحتم مواجهتها بصورة منفردة.

وتكمن أهمية التّفريد التنفيذي في أنه يمثل طريقا للوصول إلى الإنسان بعيدا عن التقسيمات القانونية العامة أو المجردة التي يقتضيها مبدأ المساواة بين الجميع أمام القانون، والتي تتجه إلى المذنب بصفة عامة دون أي اهتمام بمميزاته وخصوصياته التي تفرزها طبيعته البشرية، والتي لابد من إيلائها الأهمية التي تستحقها حتى يحقق العقاب غايته في الإصلاح.

إن تمكين النزيل بوجه عام من لقاء أسرته في إطار من الخصوصية وتمكين النزيل المتزوج من الزيارة الزوجية يمثل مظهرا من مظاهر التفريد العقابي التطبيقي الهادف لرعاية النزيل الإنسان اجتماعيا ونفسيا قصد ضمان أنسب الوسائل لإنجاح تأهيله.

عموما إن جميع المعوقات النظرية التي قدمها علماء العقاب المعارضين لمسألة الحميمية بين النزيل وزوجته خاصة تعتبر جد نسبية ومحدودة، مثلها مثل العائق القانوني الذي يدفع به البعض والمؤسس على غياب نص قانوني صريح يقر بالممارسة الجنسية للنزيل.

الفقرة الثانية: هشاشة وصورية المعوقات العملية للممارسة الجنسية للنزيل

تشهد مسألة تمكين النزيل من لقاء حميمي بأسرته وما يتضمنه من إمكانية ممارسته لحياته الجنسية عمليا عائقين هامين، أولهما محدودية الإمكانيات المادية التي قد تمكن الإدارة العقابية خلق الأماكن والآليات اللازمة لتحقيق تلك الزيارات، وثانيهما الرقابة الأمنية على النزيل التي لا تسمح مبدئيا باحتجابه وزائريه عن أعين وأذان المؤسسة العقابية.

أ- نسبية الدفع بمحدودية الإمكانيات المادية

في السجن، من جهة نظر معمارية، لا يوجد ما يدل بإمكانية ممارسة أحد النزلاء الجنس مع قرينه عند الزيارة، ففي عالم السجن، يبدو أن كل شيء قد تم القيام به من خلال رفض مسألة الجنسانية، بما في ذلك الهندسة المعمارية لصالات الاستقبال وغياب الغرف أو المنشئات المخصصة للحميمية.

فسواء تعلق الأمر بالسجون القديمة أو السجون الحديثة الإنشاء فلا وجود لأماكن قد تسمح بالزيارات الزوجية الغير مراقبة، وهذا الأمر دفع بالبعض إلى الإقرار بأن عدم إقرار الخلوة الشرعية في السجون التونسية يعود أساسا إلى عدم وجود أماكن مخصصة إلى هذا النوع من الزيارات.

يعود هذا إضافة لنظرة الدولة السياسية والجزائية للنزيل والسجون، إلى ضعف الإمكانيات المادية عامة وضعف المخصصات المالية للمؤسسة العقابية خاصة، وبسبب ذلك الضعف لم تسعى الدولة التونسية لاستبدال السجون القديمة وإقامة سجون عصرية تساير أحدث ما وصلت إليه السياسات السجنية والعقابية الحديثة القائمة على الأنسنة سواء من الناحية المعمارية أو التأهيلية. وحتى سجن المرناقية لم يواكب التطورات ولم يخصص أماكن للخلوة بين النزيل وأفراد أسرته، وذلك مفهوم باعتبار أن السجن في تونس هدفه الأساسي احتواء أكثر عدد ممكن من النزلاء بغض النظر عن كل الاعتبارات الأخرى.

حتى إن أرادت الإدارة العقابية تجاوز عدم وجود أماكن مخصصة للزيارات الحميمية وإفراغ جناح أو بعض الغرف من النزلاء وتخصيصها لمثل تلك الزيارات، فإن هذه الرغبة سوف تصطدم بواقع سجني مرير وإخلال مزمن تعاني منه سجوننا وهو الاكتظاظ، هذا الأمر الذي يقف حاجزا ليس أمام تأهيل النزيل فقط بل أصلا أمام معاملته كإنسان واحترام حقوقه الأساسية ككائن بشري.

اعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في هذا الإطار، في قضية Dougoz c. Grèce بتاريخ 6 مارس 2001، أن الاكتظاظ يمكن في ظروف معينة أن يصل إلى انتهاك المادة 3 من الإعلان الأوروبي لحقوق الإنسان ليشكل معاملة لاإنسانية ومهينة.

تعاني سجوننا الاكتظاظ لدرجة عجز الإدارة عن احترام القانون المنظم للسجون، كحالة الفصل 15 من قانون 14 ماي 2001 الذي ينص على أن “…توفر إدارة السجن لكل سجين عند إيداعه فراشا فرديا…”، وحالة الفصل 6 من نفس القانون والمتعلقة بالتصنيف الذي نص على أن “يقع تصنيف المساجين بمجرد إيداعهم على أساس الجنس والسن ونوع الجريمة والحالة الجزائية بحسب ما كانوا مبتدئين أو عائدين”. وغير ذلك من الخروقات التي تجد الإدارة نفسها مضطرة إليها من جراء زيادة عدد النزلاء على طاقة استيعاب المؤسسة السجنية.

فإن عجزت الإدارة عن احترام موجبات التصنيف، وعجزت عن توفير سرير فردي لكل نزيل، فكيف ستتمكن من إيجاد جناح أو غرفة تخصصه للزيارات الحميمية!

وحتى إن افترضنا قيام الإدارة رغم كل شيء بتخصيص مكان للزيارات الحميمية، وهذا أمر مطلوب، فإن واقع التنفيذ يجعل أن مصلحة السجون لا يمكن لها تخصيص أماكن لكل المعتقلين، إضافة لكون الاكتظاظ له تأثير مباشر على الطريقة التي يمكن من خلالها ترتيب هذه الزيارات وتواترها.

لقد اتفق خبراء حقوق الإنسان والباحثين على أن أهم العوامل التي يمكن أن تنال من حقوق النزلاء تتمثل أساسا في ضعف الموارد المالية للمؤسسات السجنية والكثافة السجنية، ومع الأسف فهذا هو الوضع في السجون التونسية.

فيما يتعلق بالسجون عامة، يتطلب كل إصلاح تغييرا عميقا في العقليات، وليست تصفية المؤسسات السجنية وبناء غيرها على النمط العصري أو مجرد مسألة تمويل فقط. إن تخصيص إمكانيات للإصلاح مسألة إيجابية غير أنها ليست الشرط الأساسي لنجاحه، إذ توجد نماذج لتجارب ناجحة كانت الوسائل المعبأة لها ضعيفة وكثيرة هي التغييرات التي لا تحتاج إلى موارد جديدة بقدر ما تحتاج استعمال رشيد لتلك المتوفرة. ومن الأكثر إفادة توجه السياسة السجنية نحو التغيير بدلا من التركيز على مسألة الموارد التي يمكن أن تستعمل ذريعة للجمود، إضافة إلى كون التمويلات تأتي في معظمها من مانحين أجانب في حالة الدول النامية وهي تمويلات عابرة بينما الأهم هو جعل الإصلاحات لا رجعة فيها.

إن مسألة الزيارة الحميمية وما ترتبه من أثار إيجابية على عملية التأهيل، سيكون من الخطأ تعليقها على عدم توفر الإمكانيات المادية، وسيكون من الخطأ أيضا عدم النظر في الأثر الإيجابي لإعادة الإدماج الناجح على الحد من العود والذي يوفر في حد ذاته تكاليف مالية وبشرية واجتماعية كبيرة.

إن تخصيص غرف للزيارة الزوجية يعتبر أمرا ممكنا وغير مكلف بالمرة في سجوننا.

يعد إحداث آليات أهم وأنفع من الزيارة الزوجية، لجميع الأطراف من نزيل وأسرته ومؤسسة عقابية ومجتمع، أمرا ممكنا ولا يحتاج لاعتمادات هامة، وهي آلية الزيارة الأسرية وما تحتاجه من فضاء خاص بها.

يمكن إقامة وحدات الزيارة الأسرية فوق جزء من الفضاء الغير مبني التابع لكل مؤسسة سجنية، وما أشسع الأراضي البيضاء التابعة لكل مؤسسة. ومن ناحية تكاليف الإنجاز والتأثيث، فاليد العاملة متوفرة وغير مكلفة باعتبار الإدارة ستعتمد على النزلاء في القيام بالأشغال والنزيل لا يتمتع بأجر المثل، كذلك يمكن الحصول على تمويلات من مانحين أجانب والذين لا يترددون في تمويل المشاريع ذات الطابع الإنساني، ولا ننسى دور المجتمع المدني في دعم كل مبادرة هادفة للاعتناء بالنزيل الإنسان.

إضافة للزيارات الزوجية والعائلية واللتان تشكلان آليات للزيارة الحميمية والممارسة الجنسية للنزيل داخل السجن، هناك آليات أكثر فعالية لتمكين النزيل من أن يكون بحق إنسان ويضطلع بأغلب مهامه العائلية والاجتماعية، ويمارس حياته العائلية والجنسية بشكل طبيعي وذلك خارج المؤسسة العقابية. وهذه الآليات تتمثل في تجزئة العقوبة وكذلك الخروج المؤقت من السجن سواء في شكل رخص خروج أو إجازات عقابية.

تمكن هذه الآليات النزيل من الحفاظ بأتم معنى الكلمة على روابطه الأسرية، وتجعل من علاقته بالعالم الخارجي علاقة متواصلة ودائمة باعتباره لا يمضي كامل محكوميته بشكل متواصل خلف القضبان بل يتمتع خلال تلك المحكومية بفسحات حياة. وعلى مستوى التأهيل، فإن جدواها ثابتة نظرا لحدها الهام والهام جدا من الأثار السلبية للعقوبة السجنية سواء على النزيل أو على أسرته، إضافة لمساهمة هذه الآليات في تحسين ظروف عمل المؤسسة العقابية من خلال التخفيض من نسبة الاكتظاظ وكذلك مصاريف إدارة النزلاء من إطعام وماء وغير ذلك.

لا تحتاج هذه الآليات إلى تشييد بناءات جديدة ولا إلى تخصيص فضاءات خاصة ولا إلى تمويلات مادية، هي فقط تحتاج إلى رؤية عقابية قائمة على الأنسنة وتقديس الحقوق والحريات واحترام القانون، رؤية تجعل من التأهيل هدفا حقيقيا وواقعيا لسياستها وليس مجرد هدف معلن.

إن الدفع بمحدودية الاعتمادات المالية كعائق عملي لرفض العمل بالممارسة الجنسية للنزيل الإنسان داخل مؤسساتنا العقابية يعتبر دفعا غير مقنع وحجة وهمية، إذ الحلول موجودة وممكنة وغير مكلفة وتنتظر فقط تغير نظرة السياسة العقابية التونسية للنزيل الإنسان ولقيمة التأهيل، إضافة لتحررها قليلا من الهاجس الأمني الذي يجعلها لا تقبل بالزيارة الحميمية الغير مراقبة سواء داخل أو خارج السجن لإيمانها المفرط بوجوبية الرقابة الأمنية الدائمة للنزيل.

ب- محدودية الدفع بالرقابة الأمنية على النزيل

يعتبر الأمن أمرا أساسيا لسير العمل السجني، وهو يقوم على توفير الظروف الموضوعية المزيلة لكل المخاطر والتهديدات بما يضمن التشغيل العادي وانسياب نشاط المؤسسة السجنية، مع ضمان غياب الأخطار التي تهدد السلامة العامة بما في ذلك حياة وحرية وحقوق الأفراد.

ويأخذ البعد الأمني في السجن عدة وجهات، فمن جهة تقوم مهمة المؤسسة السجنية على حماية أمن المجتمع بعزل الجانحين ومنع هروبهم، ومن جهة أخرى تعمل هذه المؤسسة على حفظ أمن النزلاء أنفسهم مما قد يهدد سلامتهم مدة محكوميتهم كأن يتعرضوا للاعتداء أو التعذيب أو القتل من قبل زملاءهم أو من قبل أعوان الإدارة، ومن جهة أخرى من المهام الأمنية للمؤسسة السجنية حماية طاقمها البشري وممتلكاتها المادية من كل خطر أو اعتداء.

لتحقيق هذه الأغراض الأمنية أصبح السجن المكان الذي تجهد فيه أوليات السلطة لتأطير الأفراد، مكان لملائمة وتنقية الأجهزة التي تأخذ على عاتقها وتضع تحت المراقبة سلوك الأفراد اليومي وهويتهم ونشاطهم وحركتهم، إذ السجن يمثل تسييجا جزائيا متشددا للجسد الاجتماعي للنزيل. والذي زاد الوضع سوءا، علاقات الريبة والشك التي تسود علاقة المجتمع عامة بالنزلاء، والتي تكسر مع الخصائص الأساسية الاجتماعية والمدنية والعادية التي تستند عموما على الثقة.

إن تركيز إدارة السجن في المقام الأول على المهمة الأمنية لا يزال المبدأ، بالرغم من كونها لم تعد قادرة على تجاهل الاعتبارات المتزايدة التي أعطيت للنزيل الإنسان ولكرامته وحقوقه.

مازال الصراع مستمرا بين المهمة الأمنية وهدف إعادة التأهيل، والنتيجة إعطاء مبدأ الأمن الأولوية أما إعادة الإدماج فلا تزال مهملة لحد كبير، فالسجن لا يزال الغرض منه امتلاك السيطرة والمعاقبة حيث يوميا الضرورات الأمنية توجه الأنظمة الأساسية والقرارات ضد النزلاء.

وفيما يتعلق بالأسرة فمن المفارقات أنه حتى إن تم اعتبارها حافزا وأساسا للتأهيل، ينظر إليها على نطاق واسع على أنها عاملا خطرا، وتبرر تدابير الرقابة على التعاملات بين النزيل وذويه، وكذلك أجهزة التحكم تجاه هؤلاء باسم أولوية الأمن.

تمثل أسرة النزيل بالنسبة للإدارة العقابية ثلاثة مخاطر محتملة يجب منعها، فهؤلاء الأقارب مشتبه بهم لجلب السلع أو الأشياء الممنوعة، كذلك ينظر إليهم بأنهم متواطئون مع النزيل لإعداد هروبه مع العلم أن إدارة السجن مسكونة بشبح الهروب، وأخيرا الطاقم البشري للمؤسسة السجنية وخاصة أعوان السجون يعتبرون أقارب النزيل عوامل خطر على سلامتهم على الرغم من أن حوادث الاعتداء الجسدي خاصة من أحد أفراد الأسرة على عون سجون نادرة للغاية.

إن أقارب النزلاء ونتيجة لاعتبارهم تهديدا محتملا لأمن المؤسسة، يتم السيطرة عليهم ووضع علاقاتهم مع النزيل تحت المراقبة، الرغبة في الحفاظ على الروابط العائلية تواجه المبدأ السائد للأمن والمنطق العقابي الثابت، وعلاوة على ذلك، الإجراءات التقدمية الهادفة للحفاظ على تلك الروابط يتم التلاعب بها لغرض التحكم وفرض مزيد من قوة الإدارة على النزلاء وذويهم.

حرص النظام العقابي التونسي على المهمة الأمنية وهوسه من هروب نزلاء المؤسسات السجنية جعله يخضع كل لقاءات النزيل مع زواره وخاصة أقاربه إلى رقابة صارمة، إذ لم يستثن من هذه الرقابة حتى الأطفال الذين لم يبلغوا سن الثلاثة عشر عاما عند زيارتهم لأحد والديهم المودع بالسجن، فاستوجب حضور عون سجون بالزي المدني عوضا عن الزي الرسمي، وهو ما عبر عليه الفصل 34 من قانون 14 ماي 2001 المتعلق بنظام السجون بتنصيصه على أنه “يمكن للإدارة المكلفة بالسجون والإصلاح أن ترخص للأطفال الذين لم يبلغوا سن الثلاثة عشر عاما في زيارة أحد والديهم المودع بالسجن خارج التوقيت المعتاد للزيارة وبدون حاجز، وذلك بحضور عون سجون بزي مدني”. مع التأكيد في هذا المستوى أن ارتداء هذا الزي المدني ليس إلا مراعاة لنفسية الطفل.

والاستثناء الوحيد للزيارة الصارمة نجده خارج الإطار العائلي، فمن خلال الفقرة 5 من الفصل 17 من قانون 14 ماي 2001 نلاحظ أن المشرع التونسي أعفى من المراقبة زيارة المحامي للموقوف تحفظيا أو للمحكوم عليه بحكم غير بات لأن الأول مازال متمتعا بحق الدفاع فهو لم يتخط طور الاتهام، والمتهم هو بريء حتى تثبت إدانته، أما المعفى الثاني، فأبواب الطعن لا تزال مفتوحة أمامه إذ لم يصدر بعد في شأنه حكم بات.

لا تقف رقابة الإدارة العقابية عند الزيارة بل أيضا تشمل المراسلات بين النزيل وأي شخص من الفضاء الحر ولو كان المحامي المكلف بالدفاع عنه أو حتى السلط القضائية المعنية، فالفصل 17 فقرة 9 من قانون 14 ماي 2001 المتعلق بنظام السجون أكد على أن “مكاتبة المحامي المكلف بالدفاع عنه والسلط القضائية المعنية وذلك عن طريق إدارة السجن”.

وفي هذا المستوى نشير إلى كون للنزيل الحق في ارسال وتسلم الرسائل لكن عن طريق إدارة السجن، وذلك حسب صريح الفصل 18 فقرة 3 من قانون 14 ماي 2001 المتعلق بنظام السجون الذي نص على أن تتم “المراسلة عن طريق إدارة السجن.”

ويجب أن نشير إلى كون الأحاديث التي تجري بين النزيل وذويه في صالات الاستقبال ذات الاتصال المنفصل، والمعتمدة على التخاطب بواسطة جهاز هاتف داخلي بين طرفي الزيارة الذين يفصلهما حاجز بلوري، تخضع للتصنت المباشر والتسجيل.

كذلك من ضمن الآليات المعتمدة لإحكام الرقابة والاستجابة للوظيفة الأمنية للمؤسسة السجنية نجد التفتيش، وهو آلية موجهة للنزيل وللزوار. فقد اقتضى الفصل 16 من قانون 2001 أنه “تقع مراقبة وتفتيش المساجين وغرفهم وأمتعتهم بالليل وبالنهار بصفة دورية، وكلما دعت الضرورة إلى ذلك”، والغاية من ذلك هو التأكد أن النزلاء لا يحملون معهم أي شيء أو مادة ممنوعة يمكن أن تتسبب في اعتداءات داخل السجن أو إخلال بنظامه.

لئن كان التفتيش جائزا عندما يقف إلى حد تفتيش الملابس والغرف والأمتعة فهل من الجائز أيضا أن يقع تجريد النزيل من ملابسه أمام الحراس قصد تفتيشه؟

سكت كل من قانون 14 ماي 2001 وأمر 04 نوفمبر 1988 عن هذا الأمر، إلا أنه يبدو أن التفتيش الجسدي للنزيل مسموح به، وذلك لاعتبارات المحافظة على الأمن داخل المؤسسة العقابية بالرغم من تنافيه مع مبدأ الحرمة الجسدية للفرد. مع الإشارة إلى كون اللجنة الأوربية لحقوق الإنسان أباحت التفتيش الجسدي في صورة وجود مبرر لذلك وبطريقة لا تمس من إنسانية النزيل وبحضور مدير السجن.

أما بالنسبة للزائرين، فقد أقر الفصل 33 من قانون 2001 “بإمكانية تفتيشهم عند الاقتضاء”، مع العلم أنه يحق للزائر رفض الخضوع للتفتيش ولكن مقابل هذا الحق للزائر يقابله حق الإدارة العامة للسجون والإصلاح في سحب رخصة الزيارة.

إن الهاجس الأمني جعل المؤسسة العقابية لا تفلت لا واردة ولا شاردة فيما يتعلق باتصالات النزيل بالعالم الخارجي وخصوصا اتصالاته بأسرته، وإن كان هذا التوجه غايته حماية الأمن والحفاظ على النظام فإنه من جهة أخرى زائد على الحد مما قد يجعله ينقلب إلى الضد، فالرقابة الشديدة تولد ضغطا شديدا يولد مشاكل أمنية وتوترات في صفوف النزلاء.

لا يعني الأمن فقط الرقابة والسيطرة على تحركات النزلاء، بل يعني أيضا تخفيض التوتر وتجنب حدوث المشاكل والاضطرابات داخل الفضاء السجني قصد المستطاع، والتجارب العقابية وفي ظل تطور أسلوب المعاملة العقابية نحو الأنسنة أثبتت فشل الأسلوب القصري والرقابي الشمولي في تحقيق الأمن التام مقارنة بأسلوب اللين النسبي القائم على المكافئات ومنح ثقة جزئية للنزلاء.

إن دور الزيارات الحميمية في تخفيض التوترات داخل المؤسسة السجنية ثابت وانعكاساتها الإيجابية على الأجواء الأمنية داخل السجن ثابتة، فاعتمادها يشكل من وجهة نظر أمنية وسيلة فعالة في يد الإدارة السجنية لتحقيق غايتها من حفاظ على الأمن واحترام للنظام، وهذا طبعا لا يمر دون سلبيات أو مخاطر على هذه الغاية، حيث ستكون هناك اعتبارات أمنية دائما بسبب طابع هذه الزيارات التي تتم دون اشراف.

يمكن ببساطة مراعاة الاعتبارات الأمنية خلال الزيارات الزوجية والعائلية الحميمية، وذلك من خلال آلية التفتيش، حيث يتم تفتيش شامل للنزلاء مع في بعض الحالات تعريتهم تعرية كاملة قبل وبعد الزيارة، أما الزوار فيخضعون لأجهزة الكشف عن المعادن قبل الدخول إلى السجن فممنوع أن يذهبوا إلى غرفة الزيارات مع أشياء معدنية، وإذا كان هناك شك، فمن الممكن اجراء تفتيش شامل للزوار، كذلك يمكن جعل الزيارة تخضع لتسجيل وجه الزوار وفحص المواد أو الأشياء التي يحملونها وكذلك تفتيش الزائر عاريا إذا كانت هناك إمكانية لتواجد مواد أو أشياء قد تضع النظام أو الأمن في خطر.

مع العلم أن في هذا الإطار، أجازت اللجنة الأوروبية تفتيش المحكوم عليه خاصة بعد الزيارة، إلا أنها وضعت شروط يتعين توفرها وإلا كان التفتيش مخالفا لأحكام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وأهم هذه الشروط ˸ وجود مبرر لذلك، استخدام وسائل إنسانية للفحص تكفل عدم الاتصال الجسمي بفتحة الشرج باستخدام مرآة عاكسة مثلا، حضور مدير السجن عند استعمال هذا النوع من الفحص، أن يتم ذلك بحضور طبيب.

يمكن الانتفاع بالتطورات التقنية الحديثة لإجراء التفتيش وحماية الأمن بمناسبة هذه الزيارات الحميمية من ذلك اعتماد جهاز الكشف بالأشعة خاصة للزوار.

ولا ننسى أن خطر الحرمان من هذه الزيارات وكذلك العقوبات التأديبية وخاصة الجزائية التي قد تصيب على حد السواء النزيل وزواره تمثل خير رادع لسعي أطراف الزيارة للحفاظ على الانتفاع بها.

وبالنسبة للآليات التي تفضي إلى خروج النزيل خارج المؤسسة السجنية للقاء أسرته وبيئته الاجتماعية الطبيعية، فإن أول ملاحظة يمكن سياقها أن ليس كل النزلاء يمكنهم التمتع بإحدى تلك الآليات، فعادة يتمتع بها النزيل الذي تقل إمكانية هروبه وعدم عودته للسجن في التاريخ المحدد، وذلك وفقا لمعايير موضوعية من بينها قصر مدة المحكومية أو ما تبقى منها، المعطيات الإيجابية الواردة بملفه الاجتماعي والنفسي، إلخ.

هذا فضلا عن إمكانية فرض رقابة أمنية على النزيل خلال فترة تغيبه على السجن ضمانا لاحترام الشروط التي يمكن للإدارة العقابية أو السلطة القضائية إلزامه بها عند منحه إحدى تلك الآليات، وهذه الرقابة ليس بالضروري أن تكون رقابة لصيقة، كحالة تسخير مرافق للنزيل يرافقه خطوة بخطوة أثناء تغيبه عن المؤسسة، وهي حالة يمكن العمل بها عند اعتماد آلية رخصة الخروج المؤقت والذي يكون لوقت محدود لا يتجاوز بضعة ساعات. الرقابة يمكن أن تكون بعيدة من خلال على سبيل المثال إلزام النزيل بالإمضاء بشكل يومي على دفتر خاص بالغرض مودع لدى مركز الشرطة أو الحرس الذي يقع في دائرته المقر المحدد لإقامة النزيل أثناء تغيبه عن السجن.

ولا ننسى دور التهديد التأديبي وكذلك الجزائي الذي يواجهه النزيل إذا أخل بالتزامات المفروضة عليه بمناسبة تمتعه بهذه الآليات، في جعله يلزم بكافة الشروط المحددة ومنها العودة إلى السجن في الوقت المحدد. من ذلك القطع والإلغاء الفوري للإجازة أو التجزئة العقابية والعودة الفورية للسجن مع إمكانية حرمانه مستقبلا من إمكانية التمتع بمثل تلك الآليات، كذلك إمكانية اعتبار عدم العودة للمؤسسة السجنية في التاريخ المحدد جريمة فرار من السجن مما يعرض النزيل لقضاء مدة سجنية إضافية محددة مبدئيا بعام على معنى الفصل 147 مجلة جزائية والذي نص على أن “يزاد عام في مدة عقاب المحكوم عليه بالسجن لمدة معينة الذي فر أو حاول الفرار. وتكون الزيادة بثلاثة أعوام إذا وقع عنف أو كسر السجن أو وفاق بين المساجين. وتكون الزيادة خمسة أعوام في صورة وقوع إرشاء أو محاولة إرشاء حارس”.

يعتبر هدف حفظ السلام والأمن وظيفة أساسية للإدارة العقابية وواجبة التطبيق بعناية، ولا مجال للتهاون أو الإخلال بها، وهذه الوظيفة لا تشكل حاجزا ولا تعيق لقاء النزيل بأسرته عامة وبقرينه خاصة لقاءا حميميا بعيدا عن المراقبة البصرية والسمعية للإدارة العقابية سواء داخل السجن أو خارجه، حيث يمكن إجراء مثل هذه اللقاءات مع أخذ الإجراءات اللازمة والضامنة لتحقيق الوظيفة الأمنية، مع التأكيد على أن هذه اللقاءات في حد ذاتها تشكل ضمانا ودعامة للوظيفة الأمنية من خلال خفض التوتر داخل المؤسسة السجنية.

تحقيق إعادة الإدماج للنزلاء تفترض تمتيعهم بحقوقهم الطبيعية كبشر، وكذلك تستوجب المحافظة على روابطهم مع المجتمع وخاصة مع أسرهم، وحجة أولوية ضمان الأمن يجب أن لا تكون سببا في قطع أو تخفيض تلك الروابط، فليس من المنطقي الادعاء أن الحرمان من الحرية يهدف إعادة إدماج الأفراد إذا ما خصصت معظم الاعتمادات والجهود في الاستثمار في الجانب الأمني على نحو متزايد وعلى حساب الاعتناء بروابط النزيل العائلية وبإنسانيته وبحياته الخاصة.

 

الكاتب: منير العش، مشروع إنسان… شبه مواطن… حقوقي وباحث في علوم الإجرام، مدافع عن الفئات التي يلقي بها المجتمع في المستنقع دون ذنب ثم يتنكر لها ويعلنها ورما خبيثا …

image_print

تصنيفات: القانون الجزائي وعلوم الإجرام,المكتبة القانونية,تقارير ومنشورات,حقوق الإنسان,قسم القانون الخاص,مقالات الرأي