تنظيم القطاع الإداري ركيزة أساسية لمكافحة الفساد في مجال الاستثمار بقلم الأستاذ منير العش

تنظيم القطاع الإداري ركيزة أساسية لمكافحة الفساد في مجال الاستثمار

بقلم الأستاذ منير العش

Slicepnglogo

تجاوز الحديث عن الفساد مجرد الحديث العابر عن ممارسات خاطئة أو جرائم منفصلة ترتكب هنا وهناك، حيث أصبحت ظاهرة الفساد ظاهرة مألوفة على جميع الأصعدة الرسمية والشعبية وجزء من الواقع اليومي في معظم دول العالم، غنيها وفقيرها، متطورها ومتخلفها.

ويرتبط الفساد بالقطاع الإداري ارتباطا وثيقا، هو ما يدعو بالضرورة إلى تنظيم قواعد هيكلته من جهة أولى، والقواعد المتعلقة بالموظفين العموميين التابعين له من جهة ثانية.

المبحث الأول: ضرورة إصلاح الهيكل الإداري تحقيقا للنزاهة

يعتبر الجهاز الإداري مجال تغلغل جرائم الفساد، ويعود ذلك ضرورة إلى ما يعرفه التنظيم الإداري من ثغرات قانونية وهيكلية تسمح للفاسدين باستغلالها وتحقيق مصالحهم من خلالها. وبالتالي، فإن تحقيق الوقاية اللازمة من الفساد تتطلب إصلاح الهيكل الإداري وذلك من خلال تكريس استقلالية الإدارة وتنظيم طريقة عملها وتفعيل المبادئ الأساسية التي تحكم نشاطها.

الفقرة الأولى: تكريس استقلالية الإدارة

تعرف البلاد التونسية عديد المتغيرات على صعيدها الاقتصادي العالمي خاصة بعد ثورة 14 جانفي 2011 مما سلط الضوء عليها وجعل منها محور دراسة عديد الدول العربية منها والغربية. وحتى تتمكن الدولة التونسية من تقديم صورة استشرافية مشرقة أمام العالم والحفاظ على صورتها المتميزة بين الدول، لا بد لها من إبراز محاربة فعلية للفساد الذي كان سائدا في عصر الرئيس السابق والذي لم يتوقف طيلة سبع سنوات تلت الثورة.

تقتضي مكافحة الفساد الاهتمام بالأرضية التي تسمح بترعرعه والمتمثلة أساسا في الجهاز الإداري. لذلك يكون على الجمهورية التونسية، إن أرادت مكافحة الفساد بجدية، أن تنظر في تنظيمها الإداري والسياسات المعتمدة في ذلك المجال من أجل سد كل المنافذ وصد كل التجاوزات ذات الصلة بالفساد. فتورط الإدارة في جرائم الفساد يدل على هشاشة النظام الإداري في مستوى الانتداب والترقية والتعيين بالخطط الرسمية، كما يكشف عن تجاوزات حاصلة من القرارات الصادرة عن المراتب العليا في تحديد وظائف ومراكز المراتب الأدنى درجة، وهو ما يشف على استغلال للنفوذ والعمل على تحقيق مصالح حزبية ومصالح شخصية ضيقة من خلال الانتداب في السلك الإداري.

وفي هذا الإطار، يكون من الضروري الإشارة إلى الدراسة الاقتصادية لمنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي OCDE لتونس الصادرة في مارس 2018 التي ورد بها أن الإدارة التونسية تعاني عجزا تشغيلا، في حين ارتفع عدد الموظفين العموميين ب50 بالمائة منذ سنة 2010 وهو ما يشف على فساد في السياسات الحكومية.

وبالتالي، فإن مكافحة هذه السياسات الفاسدة تنطلق من ضرورة تكريس استقلالية المرفق الإداري عن المصالح الحزبية والسياسية الضيقة للموظفين السامين، فالإدارة العامة هي مجموعة هياكل مادية وبشرية تسعى لتحقيق المصلحة العامة وليست مجالا لتحقيق المصالح الخاصة.

وفي هذا الإطار، يكون من الأكيد إنهاء العمل بالانتدابات العشوائية، وتكريس استقلال المرفق الإداري عن الأجهزة الحكومية في التعيين الذي يجب أن يتم عن طريق مناظرات للانتداب للوظيفة العمومية ولتلقي التكوين اللازم الذي يقدمه المعهد العالي للإدارة، مع ضرورة تكريس الشفافية اللازمة في إجراء هذه المناظرات الوطنية.

كما يجب احترام الشروط الموضوعية للترقية في الوظيفة العمومية الواردة صلب القانون عدد 112 لسنة 1983المؤرخ في 12 ديسمبر 1983 المتعلق بضبط النظام الأساسي العام لأعوان الدولة والجماعات العمومية المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية. فالترقية يجب أن تتم على أساس الكفاءة والخبرة للموظف وليس بالاستناد إلى العلاقات الشخصية أو الولاءات الحزبية الضيقة.

يمكن تحقيق استقلالية الإدارة عن المصالح الشخصية الضيقة للمسؤولين أو المصالح الحزبية من التعيين حسب الحاجة ودون تجاوز القدرة الاستيعابية للمرفق الإداري مع ضمان كفاءة وخبرة الأعوان العاملين فيه. وتتدعم هذه الأهداف التي تحققها إستقلالية الإدارة مع تنظيم طريقة عملها.

الفقرة الثانية: طريقة عمل الإدارة

تقتضي مشاريع الإصلاح الإداري توفر جهاز إداري على قدر كبير من الكفاءة والفاعلية حتى يتمكن من تنفيذ برامج الإصلاح المختلفة، وهو الذي لن يتحقق إلا بتكاتف الجهود التي تعمل على الدوام من أجل تطويره بشكل يمكنه من استيعاب المفاهيم والأساليب الحديثة في الإدارة وتوظيفها من أجل الاستجابة لاحتياجات المجتمع المتجددة بما يخدم أهداف التنمية.

وفي هذا الإطار، يجب أن تسند مهمة الإصلاح الإداري إلى جهاز مختص يمكن أن يأخذ شكل “لجنة عليا للإصلاح الإداري” يسيرها العديد من المختصين في المجال الإداري ويعملون على ابتكار وتطبيق أحدث الآليات لتسيير المرفق الإداري بطريقة تضمن تحقيق الشفافية وتحقق الوقاية من الفساد وخروقات النزاهة.

ومن بين الآليات الحديثة التي يكون على الإدارة العمل بها، تطبيق نظام الشباك الواحد وتكريس إجراء التدوير الوظيفي ووضع دليل توجيهي صلب الإدارة والعمل بمنظومة الإدارة الإلكترونية.

أ- تكريس نظام الشباك الواحد

يقتضي تنظيم الجهاز الإداري في مجال الاستثمار إنشاء مكتب موحد خاص يهتم بتسيير جميع شؤون المستثمر الإدارية، وهو ما يعرف بنظام الشباك الواحد. يختص الشباك الواحد بالعديد من المهام من بينها تعريف المستثمر بحقوقه وبالحوافز المالية والغير المالية المقدمة له وبالواجبات المحمولة عليه، إضافة إلى تعريفه بالقوانين السارية في البلاد التونسية وخاصة منها تلك المتعلقة بالأنشطة الاقتصادية وجرائم الفساد والعقوبات المترتبة عليها حتى لا يقدم المستثمر على أي من تلك الأفعال المجرمة. كما يهتم الشباك الواحد بجميع الإجراءات الإدارية المتعلقة بالاستثمارات، من ذلك إجراءات إنشاء المؤسسة الاستثمارية وتسجيلها بالسجل التجاري وإجراءات طلب التراخيص وتحرير الوثائق اللازمة لبعث المشروع الاستثماري.

وقد أخذ المشرع التونسي بنظام الشباك الواحد في إطار الاستثمارات الأجنبية، حيث أقر الفصل 15 من قانون الاستثمار لسنة 2016 بإحداث “مخاطب وحيد للمستثمر” صلب الهيئة التونسية للاستثمار، يتولى استقبال المستثمر وتوجيهه وإرشاده بالتنسيق مع مختلف الهياكل المعنية، والقيام لفائدته بالإجراءات الإدارية المتعلقة بالتكوين القانوني للمؤسسة أو التوسعة وبالحصول على التراخيص التي تستوجبها مختلف مراحل الاستثمار. كما يختص هذا المخاطب بتلقي عرائض المستثمرين والعمل على حلها بالتنسيق مع مختلف الهياكل المعنية.

لكن نظام الشباك الموحد للمستثمر يجب أن لا تقتصر مهامه على ما أقره قانون الاستثمار بالنسبة للمخاطب الوحيد للمستثمر، إذ يجب أن يختص بمرافقة المستثمر في جميع الإجراءات التي تهم تطور المؤسسة الاستثمارية طيلة فترة نشاطها. فمن خلال تكريس نظام الشباك الموحد في كل ولاية، يتم قضاء جميع المصالح المتعلقة بالاستثمارات ونشاطها دون ضرورة الالتجاء إلى مكاتب وإدارات متعددة.

يمكن هذا الإجراء من تسهيل وتبسيط الإجراءات بالنسبة للمستثمر، إضافة إلى تحقيق السرعة والفاعلية التي تتطلبها المجالات الاقتصادية بصورة عامة. كما يشكل العمل بهذا الإجراء حائلا أمام قيام جرائم الفساد، من ذلك التجاء المستثمر لتقديم الرشوة بغاية تسهيل الإجراءات والحصول على التراخيص وغيرها.

ب- تكريس إجراء التدوير الوظيفي

يعتبر التدوير الوظيفي أسلوبا شائعا في الدول المتقدمة في الوقت الراهن، ويعرف بكونه تحريك الموظف من وظيفته الحالية سواء كانت تنفيذية أو إشرافية أو قيادية إلى وظيفة أخرى تناسب قدراته ومهاراته أو تخصصه لإكسابه مهارات جديدة سواء اقتضت ذلك مصلحة الفرد أو مصلحة الإدارة.

وتعتبر اليابان من أهم الدول الرائدة في هذا المجال. فالإدارة اليابانية أصبحت مضرب المثل في سرعة الإنجاز ودقة الإنتاج واستثمار الوقت لصالح الإدارة والفرد على حد سواء، لأنها سعت إلى إكساب العامل مهارات وخبرات عديدة عن طريق تدويره من حقل إلى آخر، ليصبح في النهاية ملما بأعمال وشؤون الإدارة كلها.

ويعتبر التدوير الوظيفي من أحدث الطرق لتطوير أداء الأفراد سواء المديرين أو الموظفين، حيث يتيح لهم الفرصة لممارسة أكثر من عمل بطريقة منظمة ومجدولة، واكتساب خبرات ومهارات جديدة تضاف إلى خبراتهم السابقة، كما يتيح لهم إبراز مهاراتهم الوظيفية في أكثر من مجال. فالتدوير الوظيفي يعد من أدوات التحفيز للعنصر البشري وخصوصا بالنسبة للفئة الإشرافية الذي يمكنهم من إظهار قدرتهم وإبداعهم على تنفيذ الأعمال وإدارة المواقف المتنوعة.

وللتدوير الوظيفي دور إيجابي في كسر الجمود الذي يعانيه الموظف الذي يستمر لسنوات في عمله في نفس الخطة وفي نفس الإدارة، حيث يقضي هذا الإجراء على الروتين والملل والرتابة ويعطي الحيوية والمرونة للعمل الإداري. كما أن التدوير الوظيفي يعمل على نقل الموظف الكسول من موقعه لحثه على بذل الجهد المطلوب منه بما يحول دون انتشار مثل هذا النموذج داخل الإدارة، مع إحلال القائد القدوة محل القائد المتكاسل حتى يمكنه تحفيز مرؤوسيه ودفعهم نحو العمل الجاد والفعال لتحقيق مصلحة الإدارة ككل.

بالإضافة إلى ذلك، يساهم الركود في العمل الإداري على ترسيخ قناعة لدى الموظف بأن الوظيفة هي ملك له ويمكنه التصرف فيها كيفما يشاء وهو ما يفتح المجال أمامه لارتكاب جرائم الفساد استنادا إلى علاقاته المكتسبة وسلطاته. وبهذا يبرز التدوير الوظيفي كإجراء في غاية الأهمية بالنسبة للإدارات التي تعاني من ارتفاع معدلات الفساد الإداري.

تبرز مجمل هذه الغايات الأهمية الكبرى لتكريس إجراء التدوير الوظيفي صلب الإدارة التونسية حتى تحقق الإنتاجية المطلوبة إضافة إلى مكافحة الفساد الإداري. وحتى يحقق هذا الإجراء الأهداف المرجوة منه، لا بد أن يطبق بطريقة مدروسة، إذ تؤخذ عديد الاعتبارات في الحسبان عند إجراء تدوير الموظفين داخل الإدارة، من ذلك مدى مناسبة الموظف للمهام الجديدة ومناسبة التخصص له ومدى حاجة العمل إليه. كما ينبغي أن يتمتع الموظف بفرصة كافية للتدريب على المهام الجديدة حتى يتمكن من الإلمام بتفاصيلها وإتقانها.

وتتم عملية التدوير مرة كل أربع أو خمس سنوات، ومن ثم يتم تحويل الموظف إلى وظيفة أخرى بعد الانتهاء من السنوات المحددة بالوظيفة السابقة. وقد تكون الوظائف فنية أو إدارية أو قيادية أو حتى إشرافية. ويكون التدوير رأسيا، ويقصد به انتقال الموظف من وظيفته الحالية لممارسة أعمال أخرى في مستوى وظيفي مختلف ينتج عنه اختلاف في المزايا المالية وفي السلطة والأهمية الوظيفية. كما يمكن أن يكون التدوير أفقيا، حيث ينتقل الموظف من وظيفته الحالية إلى ممارسة أعمال أخرى في ذات المستوى الوظيفي، وقد لا ينتج عنها تغيير في المزايا المالية أو زيادة في السلطة أو الأهمية الوظيفية.

تنطلق إجراءات التدوير الوظيفي بإرسال طلب من الجهة الإدارية التي ترغب باستقدام موظف أو موظفين لديها عبر نظام التدوير إلى الوزارة التي تعود إليها بالنظر أو إلى “الجنة العليا للإصلاح الإداري”، فتقوم هذه الأخيرة بدراسة الطلب وبعرض قائمة بالموظفين الذين ترغب جهة عملهم في نقلهم أو ممن يرغبون في التنقل إلى جهة أخرى. ويعتبر عرض اسم الموظف ضمن القائمة موافقته وموافقة جهة العمل التي يعمل بها على النقل. وبمجرد تحديد الجهة الإدارية الطالبة للموظف أو الموظفين المقبولين، يتم استكمال الإجراءات القانونية بشكل آلي، ويتم توثيق قرار النقل عبر نظام توثيق للتغييرات الوظيفية الواقعة في إطار إجراء التدوير الوظيفي.

لكن مجمل هذه الإجراءات يجب أن تتم في إطار من الشفافية والعدالة، إذ يجب أن لا يحيد التدوير الوظيفي عن أهدافه الحقيقية ليتحول إلى وسيلة لا تخدم مصلحة الفرد أو الإدارة، كأن يتم التدوير من أجل خلق صراعات بين الموظفين أو تهميش وإقصاء البعض منهم أو ممارسة ضغوط معينة على آخرين غير مرغوب فيهم. كما يجب أن يكون القائمون على عملية التدوير من الأشخاص ذوي الخبرة في المجال الإداري بما يمكنهم من التقصي ومعرفة الأسباب الحقيقية لطلب التدوير الوظيفي وإن كان يخفي في الحقيقة أغراضا غير مشروعة.

من خلال ما سبق تحليله، يمكن القول أن عملية التدوير الوظيفي تمثل مطلبا أساسيا لتطوير الإدارات التونسية وتحسين أدائها وسرعة الإنجاز واستثمار الوقت لصالح الفرد والإدارة. إذ يمكن هذا الإجراء من إعداد أفراد مدربين ومؤهلين وجاهزين للعمل في أي قطاع في الإدارة، كما يعمل على استكمال منظومة القوانين المعززة للشفافية ومكافحة الفساد.

ج- تكريس دليل إجراءات الإدارة

يقتضي تنظيم الجهاز الإداري التحديد الدقيق لهياكل وصلاحيات كل جهاز أو مكتب صلب الإدارة بشكل يكون متاحا وواضحا للأعوان العموميين والمواطنين على حد السواء، وهو ما يتحقق عن طريق وضع دليل إجراءات الإدارة. وقد أكد المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 صلب الفصل السادس منه على واجب الهياكل العمومية والأشخاص المكلفين بتسيير مرفق عمومي في اعتماد أدلة إجراءات تحدد بدقة ووضوح شروط وإجراءات إسداء الخدمات.

يشتمل دليل إجراءات الإدارة على مجمل الخدمات التي يقدمها المرفق العمومي والإجراءات المتبعة في الغرض، كما يضم تحديدا دقيقا لجميع الإدارات الفرعية التي تعمل في إطاره مع تحديد اختصاص كل إدارة فرعية منها. ويجب أن تواكب هذه الأدلة حالات التعديل وإصدار قوانين أو قرارات جديدة لها علاقة بالعمل ومهام العاملين داخل الإدارة. وتصدر هذه الأدلة على شكل نماذج تعلق في مكان بارز وواضح للعيان.

وحتى تحقق هذه الأدلة الغاية المرجوة منها، يجب أن تعمل الإدارة على تبسيط الإجراءات عن طريق دمج أو إلغاء بعض الخطوات الإجرائية غير اللازمة أو التي لا يكون من ورائها جدوى واضحة، مع تحقيق تسلسل الإجراءات بشكل منطقي وضمان عدم تضاربها وتقليل التنقل في خطواتها.

ولا يخفى على باحث في المجال أن هذه الأدلة كفيلة بتحقيق العديد من الإيجابيات بالنسبة للمرفق العمومي، حيث تساهم في تسهيل أمور طالبي الخدمات وتسهيل أمور العاملين في الإدارة، كما تساهم في التسريع في اتخاذ القرار وإتقان العمل وزيادة الرضاء الوظيفي. ويحقق مثل هذا الإجراء التقليل من التكاليف على الإدارة وعلى طالب الخدمات، حيث تصبح قواعد العمل واضحة للعاملين ولا تتطلب الإشراف.

إضافة لذلك، فإن للأدلة التنظيمية دورا كبيرا في الحد من مخاطر ارتكاب المخالفات والتجاوزات، فكثرة الإجراءات وتعقيدها تساهم في انتشار الرشوة والاختلاس والمحاباة وغيرها من جرائم الفساد. وبالتالي، فإن لهذه الأدلة الدور الكبير في تعزيز الشفافية صلب المرفق العمومي إضافة إلى إلغاء الاجتهادات الشخصية وتلافي اختلاف الخطوات الإجرائية المتعلقة بخدمة معينة من معاملة إلى معاملة أخرى والوقاية من الشخصنة في التعامل وإساءة استخدام التشريعات.

ويمكن تدعيم دور أدلة إجراءات الإدارة عن طريق استحداث خطة مسؤول لشرح هذه الأدلة للمواطنين ومساعدتهم على قضاء حوائجهم عن طريق تعريفهم بالإجراءات المتبعة صلب المرفق العمومي وإرشادهم لكيفية قضائها.

د- تكريس الإدارة الإلكترونية

يشهد العالم حقبة مثيرة من التقدم الإنساني نتيجة للتطورات التكنولوجية التي يعرفها العصر الحديث، وقد مس هذا التطور التكنولوجي جميع مجالات الإنسان من ذلك الإدارة حيث أصبحنا نعرف ما تسمى ب”الإدارة الإلكترونية”.

وتعرف الإدارة الإلكترونية بكونها منظومة إلكترونية متكاملة تهدف إلى تحويل العمل الإداري العادي من إدارة يدوية إلى إدارة باستخدام الحاسب، وذلك بالاعتماد على نظم معلوماتية تساعد في اتخاذ القرار الإداري بأسرع وقت وبأقل التكاليف. فالإدارة الإلكترونية هي إنجاز المعاملات الإدارية وتقديم الخدمات العامة عبر شبكة الأنترنت بدون أن يضطر العملاء من الانتقال إلى الإدارات شخصيا لإنجاز معاملاتهم مع ما يترافق من إهدار للوقت والجهد والطاقات.

تحقق الإدارة الإلكترونية عديد الإيجابيات للإدارة وللمتعامل معها، من ذلك تحقيق السرعة في إنجاز العمل باستخدام التقنيات الحديثة، والمساعدة في اتخاذ القرار عن طريق التوفير الدائم للمعلومات بين يدي متخذي القرار، وخفض تكلفة العمل الإداري، وتجاوز مشكلة البعد الجغرافي. كما تساهم الإدارة الإلكترونية أيضا في تحقيق الرقابة على الخدمات التي تقدمها الإدارة، إضافة إلى أنها تحد من البيروقراطية ومن ارتكاب جرائم الفساد والرشوة نظرا لغياب العلاقة المباشرة بين الموظف العمومي وطالب الخدمة.

يتم تطبيق الإدارة الإلكترونية عن طريق إنشاء موقع إلكتروني للجهة الإدارية المعنية يضم جميع الخدمات الإدارية التي يمكن تقديمها عن طريق شبكة الإنترنت. ويحدد هذا الموقع متطلبات الحصول على الخدمة، كما يتم دفع المبلغ المطلوب عن طريق البطاقات الإلكترونية. ويمكن للإدارة أيضا استغلال موقعها من أجل تسهيل عديد الإجراءات على المتعامل معها، مثل نشر التراخيص أو غيرها من الوثائق الإدارية.

ووعيا منه بدور الإدارة الإلكترونية في المساهمة في مكافحة الفساد، أكد الفصل الخامس من المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 على ضرورة إقرار برنامج شامل لتبسيط الإجراءات الإدارية وتعصيرها، خاصة عن طريق اعتماد تكنولوجيات الاتصال والمعلومات في إسداء الخدمات الإدارية.

إلا أن تحقيق مشروع الإدارة الإلكترونية يتطلب إرادة سياسية وتشريعية حقيقية تدفع نحو تهيئة البيئة المناسبة له، من ذلك توفير البيئة التحتية اللازمة، وتحويل جميع المعلومات الورقية إلى معلومات إلكترونية، وتحديد جميع التعاملات بين الإدارة والمتعاملين معها وتحويلها إلى معاملات إلكترونية، وتوفير الوسائل الإلكترونية اللازمة للإدارة، والتدريب وبناء قدرات الموظفين على التعامل مع أجهزة الكمبيوتر وإدارة الشبكات وقواعد المعلومات والبيانات وتوجيه الإدارة الإلكترونية على المنحى السليم.

ويعتبر مشروع الإدارة الإلكترونية من أولويات الجمهورية التونسية التي تبنت برنامج تنمية إدارية شامل يضم تطوير الإدارة الإلكترونية، وتعزيز الحوكمة المفتوحة، والذي سيمكن من إرساء إدارة ناجعة ومفتوحة تقدّم خدمات عمومية عبر إجراءات مبسطة وذات جودة عالية في متناول المواطن والمؤسسات الاقتصادية، وتساهم مساهمة فاعلة في التّنمية، وهو ما تم ضبطه في إطار الدراسة الاستراتيجية للإدارة الذكية 2020، التي لا نتبين لها آثارا على أرض الواقع إلى الآن.

عموما، تقتضي الوقاية من خروقات النزاهة وجرائم الفساد تنظيم الهيكل الإداري عن طريق تطوير أساليب وآليات عمله وتكريس نظام رقابي فاعل عليه من خلال تكريس نظام الشباك الواحد وتكريس إجراء التدوير الوظيفي ووضع دليل إجراءات الإدارة والعمل بمنظومة الإدارة الإلكترونية. وحتى تؤتي مجمل هذه الآليات النتيجة المرجوة منها، لا بد من أن تسير وفق مبادئ محددة.

الفقرة الثالثة: مبادئ عمل الإدارة

تعد ظاهرة الفساد الإداري من الظواهر الخطيرة التي تواجه دول العالم بصفة عامة والدول النامية بصفة خاصة، إذ ينتج عنها ركود في عملية البناء والتنمية الاقتصادية وتدمير الاقتصاد والقدرة المالية والإدارية للدولة والمؤسسات على حد السواء.

وتجنبا لهذه الظاهرة الخطيرة، تم التأكيد دوليا على ضرورة اعتماد عديد المبادئ التي يجب تكريسها صلب عمل الإدارة حتى تحقق وقاية فعالة من الفساد وخروقات النزاهة. وتتمثل هذه المبادئ في تكريس الحوكمة الرشيدة وتكريس الشفافية والمساءلة صلب المرفق العمومي.

أ- تكريس مبادئ الحوكمة الرشيدة

مع تغير متطلبات المجتمعات، برزت الحاجة إلى تغيير الأسلوب التقليدي في إدارة الحكم والسعي نحو تحقيق أسلوب أكثر كفاءة وفعالية، وهو ما أدى إلى بروز مفهوم الحوكمة الرشيدة. ويمكن تعريف الحوكمة الرشيدة استنادا إلى العناصر الأساسية التي تشملها والتي من بينها مبادئ ومقومات الديمقراطية مثل المشاركة والانفتاح على المجتمع المدني، واحترام حقوق الإنسان المدنية والفكرية والممتلكات الخاصة، فضلا عن إدارة الصراع بشكل سلمي. كما تشمل الحوكمة الرشيدة أيضا الإصلاح الإداري والاقتصادي وتطبيق مبادئ الديمقراطية والاهتمام بحقوق الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة. وللحصول على النتائج المرجوة من تكريس الحوكمة الرشيدة، لابد أن يتم تطبيق عناصر الحوكمة الرشيدة بشكل متوازي ومتوازن مع مراعاة الطبيعة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وشكل النظام السياسي لكل بلد عند التطبيق.

وقد لاقى مفهوم الحوكمة الرشيدة اهتمام المنظمات الدولية من ذلك الاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمم المتحدة والبنك الدولي الذي عرف الحوكمة بكونها مجموعة القواعد التي يتم من خلالها إنفاذ القوة لصالح مجموعة معينة.

وللاعتراف لنظام ما بتطبيقه للحوكمة الرشيدة، لا بد من ضمان توفر العديد من المقومات والعناصر الرئيسية التي تُستخدم من قبل المنظمات العالمية والمؤسسات المالية الدولية والدول المانحة كمقياس لمدى جودة الحكم.

وفي هذا الإطار، قدمت الأمم المتحدة ثمانية عناصر أساسية للحوكمة الرشيدة تتمثل في المشاركة في اتخاذ القرارات، التوافق بين الجهات، المشاركة في إدارة شؤون الدولة، المساءلة والشفافية، الاستجابة لمتطلبات الناس، الفعالية والكفاءة، الإنصاف والشمول وسيادة القانون.

بينما تبنى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تسعة عناصر أساسية لتحقيق الحوكمة الرشيدة، والتي تتمثل في المشاركة، وسيادة القانون، والشفافية، والاستجابة والتوجيه نحو بناء توافق للآراء والإنصاف، والفاعلية والكفاءة، والمساءلة، والرؤية الاستراتيجية. كما اعتبر أن الحوكمة الرشيدة تقوم على المشاركة وتتسم بالشفافية وتنطوي على المسائلة، كما أنها تتسم بالكفاءة في تحقيق الاستخدام الأمثل للموارد فضلا عن إستنادها إلى قواعد العدل والإنصاف وهو ما يعزز سيادة القانون.

ويعتبر التفاعل البناء بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني أساس الحكم الجيد. فالحوكمة الرشيدة هي عملية تكاملية لإدارة شؤون الدولة يشترك فيها الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في رسم سياسة الدولة وإدارة شؤونها والرقابة والمحاسبة، حيث يكمن للحكومة دور إضافي يتمثل في التنسيق بين مختلف الجهات بالإضافة إلى دورها التنفيذي.

تساهم الحوكمة الرشيدة في دعم التنمية المستدامة والمتوازنة على المدى البعيد بشكل يحقق الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للدول. ويعتبر الإصلاح الإداري أيضا أحد النتائج المترتبة عن تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة، إذ أن لغياب منظومة الحوكمة الرشيدة الأثر السلبي الكبير على أداء القطاع العام. كما أن هذا الأثر السلبي يؤثر مباشرة على أداء القطاع الخاص، باعتبار أن إدارة الحكم تساهم في رسم السياسات وتطبيقها، وهذه السياسات تحدد بدورها وجود مناخ أعمال سليم وجذاب للاستثمار من عدمه. وبالتالي، فإن أثر تطبيق الحوكمة الرشيدة يمتد من إصلاح المرافق العمومية إلى توجيه التنمية الاقتصادية توجيها سليما عن طريق الحد من الفساد وتعزيز الشفافية وزيادة كفاءة وفعالية القطاع العام والخاص. وبدون تكريس الحوكمة الرشيدة، فإن أي نمو اقتصادي سوف يكون هشا وقابلا للتدهور عند حدوث الأزمات.

تتعدد مقاييس الحوكمة في العالم، ومن أهمها تبرز “المؤشرات العالمية للحوكمة” Worldwide Governance Indicators (WGI) الصادرة عن البنك الدولي. ويعتبر هذا المقياس مؤشرا شاملا لقياس جودة الحكم وليس بديلا عن المقاييس الأخرى، ويتم إصداره كل سنة. وتتكون المؤشرات العالمية للحوكمة من ستة مؤشرات يقيس كل مؤشر منها موضوعا من مواضيع الحوكمة والتي تتمثل في: السيطرة على الفساد، فعالية الحكومة، الاستقرار السياسي، جودة التشريعات وتطبيقها، سيادة القانون، المشاركة والمساءلة.

تعد محاربة الفساد أحد الأهداف الرئيسية لتطبيق مبدأ الحوكمة الرشيدة. ووفقا لمؤشرات الحوكمة العالمية، فإن مؤشر السيطرة على الفساد يقيس المدى الذي يمكن من خلاله للسلطة العامة السيطرة على الفساد بجميع أشكاله سواء كان سياسيا أو اقتصاديا أو إداريا. كما يساعد المؤشر أيضا على معرفة مدى سلطة الموطنين على محاسبة المسؤولين الحكوميين عن أخطائهم، بالإضافة إلى مراقبة أداء الحكومة.

وتقوم الحوكمة الرشيدة أيضا على رفع مستوى كفاءة وفعالية الأداء الحكومي، لذلك يعتبر مؤشر فعالية الحكومة أحد أهم مؤشرات الحكم الرشيد. ويقيس هذا الأخير فعالية الحكومة من حيث جودة الخدمات العامة وجودة الخدمات المدنية ودرجة استقلالية عمل الحكومة عن الضغوط السياسية وجودة الأنظمة وتطبيقها ومصداقية التزام الحكومة بهذه الأنظمة.

وتطبق الحوكمة الرشيدة في ظل الإستقرار السياسي للدولة، فكلما كانت الدولة مستقرة سياسيا، كلما دعم فعالية وكفاءة السلطة التشريعية والتنفيذية. ويرتبط الاستقرار السياسي لدولة ما بمدى سيادة القانون فيها. ويقيس مؤشر سيادة القانون مدى ثقة المتعاملين بتطبيق القانون من قبل الحكومة بشكل متساو على الأفراد والمنظمات وبشكل خاص الثقة في مدى إنفاذ العقود وحماية حقوق الملكية وعمل الشرطة والمحاكم فضلا عن احتمال حدوث الجرائم والعنف. فإعتبار الناس سواسية أمام القانون هو ركيزة من ركائز حقوق الإنسان الرئيسية وعنصر مهم في الحوكمة الرشيدة يتعدى تأثيره الفرد ليشمل المجتمع وقطاع الأعمال، كما يعمل على خلق الثقة بين الجهات التنفيذية الحكومية والقطاع الخاص، وهو ما يدعم الاستثمار ويساهم في خلق بيئة استثمارية صحية.

كما ترتبط الحوكمة الرشيدة ضرورة بجودة التشريعات وتطبيقاتها، وهو ما يجسد مدى قدرة الحكومة على صياغة وتنفيذ سياسات وقوانين فعالة من شأنها مساعدة التنمية في القطاع الخاص وخلق بيئة استثمارية جذابة للمستثمرين من الداخل والخارج. ويقيس مؤشر جودة التشريعات العلاقة بين الأطراف المساهمة في عملية الحوكمة: الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات غير الربحية والمواطن، ومدى إلتزام الحكومة بتطبيق هذه الأنظمة.

ويرتبط مؤشر المشاركة والمساءلة بمستوى حرية التعبير والإعلام في الدول، وكذلك مبدأ المساءلة الذي يتمثل في قدرة المواطنين على محاسبة المسؤولين عن نتائج قراراتهم باعتبار أنه لا أحد فوق المساءلة، وهو ما يدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويساعد بشكل كبير على تقليل حجم الفساد نتيجة للرقابة المجتمعية من قبل الأفراد والمنظمات غير الحكومية على أداء المسؤولين الحكوميين.

تكون مجمل هذه المؤشرات أهم مقومات الحوكمة الرشيدة، بحيث يكون على الدولة التي ترغب في تحقيق إصلاح جذري العمل على تطبيق مجمل هذه المقومات من إصلاح تشريعي ومؤسساتي ومحاربة الفساد وتكريس مبادئ الشفافية والمساءلة.

وتطبق الحوكمة الرشيدة في جميع المجالات في الدولة، من ذلك القطاع الحكومي والقطاع الإداري وغيره. ومن جانب عملي، يمكن تطبيق الحوكمة الرشيدة في المجال الإداري من خلال إنشاء هيكل خاص بتكريس مبادئ الحوكمة الرشيدة صلب جميع الإدارات. يراقب هذا الهيكل نشاط الإدارة والموظفين التابعين لها، ويعمل على نشر وتطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة صلب المرفق العمومي، إضافة إلى أنه يحقق التواصل مع المواطنين ومختلف مكونات المجتمع المدني وأجهزة الرقابة.

وفي إطار سعيها نحو مكافحة الفساد، يكون على الدولة التونسية إبراز رغبتها السياسية والتزامها الجدي بتطبيق قواعد الحوكمة الرشيدة وسعيها نحو تحقيق الإصلاح الإداري وتحقيق تنمية اقتصادية شاملة وبيئة استثمارية جذابة، حتى تتمكن من نيل ثقة الدول والمنظمات الدولية والإقليمية لتمد لها يد المساعدة في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة.

ب- تكريس الشفافية

تعتبر الشفافية من أهم مقومات الحوكمة الرشيدة، والتي تساهم في الحد من المعوقات التي تواجه التنمية الإدارية كالفساد الإداري والروتين والغموض في أساليب العمل وإجراءاته. وتتمثل الشفافية في الطريقة النزيهة في عمل الأشياء التي تمكن الناس من معرفة ما تقوم به بالضبط. كما تفيد الشفافية توفر نفس المعلومات لجميع الأفراد، وهو ما يساهم في القضاء على تباين المعلومات عن طريق توفير معلومات متماثلة لمن لا يستطيع الوصول إليها.

وترتبط الشفافية ارتباطا وثيقا بإجراءات العمل الإداري، حيث تقتضي أن تكون هذه الإجراءات واضحة، ومعلنة، وسريعة، وتشف عن كيفية صنع القـرار على الصعيد العام، مع ضرورة توفير قنوات اتصال مفتوحة بين أصحاب المصلحة والمسؤولين. فالشفافية تجعل من الإدارة بيتا من زجاج، كل ما به مكشوف للعاملين والجمهور. كما تلتزم الإدارة، في إطار الشفافية، بالإفصاح والعلانية والوضوح في ممارسة أعمالها، مع خضوعها للمساءلة والمحاسبة.

وقد أكدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الصادرة في سبتمبر 2003 والتي تمت المصادقة عليها من طرف الجمهورية التونسية بموجب القانون عدد 16 لسنة 2008 المؤرخ في 25/02/2008 على ضرورة تكريس مبدأ الشفافية في الإجراءات الإدارية، حيث نصت صلب المادة العاشرة منها على ضرورة أن تتخذ كل دولة طرف ما يلزم من تدابير لتعزيز الشفافية في إدارتها العمومية، بما في ذلك ما يتعلق بكيفية تنظيمها واشتغالها وعمليات اتخاذ القرارات فيها، مع تبسيط الإجراءات الإدارية من أجل تيسير وصول الناس إلى السلطات المختصة باتخاذ القرارات.

وبالتالي، يكون على كافة الإدارات خـوض معركة التطوير والتحسين والتحديث لكافة نظمها الإجرائية وتكريس الشفافية في إطارها، بغاية مكافحة المماطلة في إنجاز الأعمال والتعقيدات الإدارية وعـدم وضـوح التعليمـات وإساءة استعمال السلطة.

ج- تكريس المساءلة

يعرف العصر الحديث تداولا شائعا لمصطلح المساءلة والمحاسبة في جميع المجالات. والمساءلة هي مجموعة العمليات والأساليب التي يتم بمقتضاها التحقق من أن الأداء يتم ضمن الأطر التي حددتها الأهداف، ووفق المعايير المتفق عليها، للوصول إلى مستوى متميز من الكفاءة والفاعلية. كما تعرف المساءلة بكونها إجابة الأفراد والمؤسسات عن الأسئلة الموجهة إليهم بسبب تصرفات لا مشروعة، عن طريق تقديم الأسباب أو المبررات التي دفعت إلى ممارسة تلك السلوكيات أو اتخاذ تلك القرارات، إضافة إلى تحمل هؤلاء الأفراد والمؤسسات التبعات المترتبة على سلوكهم.

وتعتبر المساءلة تكريسا للعدالة، حيث تقوم على وضوح قواعد النظام وعواقب المخلفات، فالخاضعون للمساءلة يجب أن يكونوا مدركين للقواعد المطلوب الالتزام بها وعواقب مخالفتها. ولا تقتصر المساءلة، في القطاع العمومي، على الأعوان العموميين فقط، بل تمتد لتشمل أصحاب الوظائف السامية والعليا في الدولة، فالجميع سواسية أمام القانون.

كما تعتبر المساءلة وسيلة لمقاومة الفساد، فخطر عرض الموظف على المساءلة يكبح الجماح لاستغلال السلطة والنفوذ وإساءة استخدام الموارد العامة والتلاعب بالمال العام. وتعتبر عملية الرقابة الأداة الأساسية لتكريس المساءلة، حيث تعمل على التأكد من حسن سير العمل في أجهزة الدولة وتحقيق أفضل مستوى من الكفاءة والفاعلية.

وقد جاء الفصل الخامس عشر من الدستور التونسي مؤكدا على أهمية الشفافية والمساءلة صلب المرفق الإداري، حيث جاء به أن: “الإدارة العمومية في خدمة المواطن والصالح العام، تنظم وتعمل وفق مبادئ الحياد والمساواة واستمرارية المرفق العام ووفق قواعد الشفافية والنزاهة والنجاعة والمساءلة”، وهو ما يصبغ مجمل هذه المبادئ بصبغة دستورية ويجعل من تكريسها أولوية وطنية.

إن تنظيم الجهاز الإداري يقوم على تحقيق استقلالية الإدارة عن جميع المصالح الشخصية والحزبية، ووضع العديد من الآليات الحديثة التي تنظم عمل المرفق الإداري وفق مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية والمساءلة. إلا أن تنظيم المجال الإداري لا يقتصر على تنظيم الهيكل الإداري فقط، بل يجب أن يمتد ليشمل القواعد المتعلقة بالموظفين.

المبحث الثاني: ضرورة وقاية الموظف العمومي وحمايته من خروقات النزاهة

يدفع حجم الأخطار والأضرار التي يمكن أن تلحق بالدولة والمجتمع من جراء شيوع الفساد وانتشاره إلى التأمل والتفكير كثيرا في طرق التخلص والنجاة من هذا الداء الخطير. ولوضع العلاج، لابد من التقصي عن أسباب الداء.

ومثلما تساهم العوامل القانونية والإدارية في استفحال الفساد، فإن للعوامل الاقتصادية والتنظيمية الأثر الشديد لدفع الموظفين العموميين نحو ارتكاب هذا الصنف من الجرائم. لذلك، فإن مكافحة الفساد تتطلب تحقيق الوضعية الاقتصادية المناسبة للموظفين العموميين، إضافة إلى تنظيم نشاطهم وتكريس عديد الواجبات على عاتقهم تضمن ابتعادهم عن جميع أشكال الفساد.

الفقرة الأولى: تحقيق وضعية اقتصادية مريحة للموظفين العموميين

يعتبر العمل مصدر قوت الإنسان وسببا للحفاظ على كرامته داخل المجتمع. لكن عندما يتحول هذا العمل إلى مصدر غير كاف للإنسان لتحقيق حياة كريمة له ولعائلته، فإنه يلجأ إلى العديد من الأساليب المشروعة وغير المشروعة بغاية الحفاظ على مكانته الاجتماعية وتحقيق مدخول قار يكفيه حاجته.

وقد أدت التغيرات الاقتصادية في البلاد التونسية على إثر ثورة 14 جانفي 2011 إلى ارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، وهو ما ساهم سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة في دفع الموظفين العموميين نحو الالتجاء لطريق الفساد لتحقيق وضعية اقتصادية محترمة.

لذلك، فإن مكافحة الفساد في البلاد التونسية تنطلق من ضرورة تحسين الوضعية الاقتصادية للموظفين العموميين بغاية ردهم عن المال غير المشروع، إضافة إلى تشجيعهم على العمل وفقا للمبادئ السامية من خلال تكريس نظام المكافآت والمحفزات.

أ- تحسين الوضعية الاقتصادية للموظفين العموميين

يقوم الحرص على مكافحة الفساد عن طريق الحد من أسبابه والعوامل التي تساهم في انتشاره، وتعتبر الوضعية الاقتصادية المتدهورة للموظف العمومي من ضمن العوامل التي تساهم في انتشار مثل هذه الظاهرة. فانخفاض مستوى الدخل وعجز الموظف عن تلبية حاجاته المعيشية يدفع به إلى البحث عن أساليب أخرى لاكتساب المال، من ذلك اختلاس المال العام أو الرشوة. فالموظف الذي يرتشي يكون عادة ضحية للحاجة الماسة للنقود، فهو مدفوع في أغلب الأحيان إلى ارتكاب الجريمة رغبة منه في قضاء حاجته التي لا يقدر على أدائها بسبب تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار وانهيار قدرته الشرائية.

ويعود انهيار الوضعية الاقتصادية للموظف إلى سوء توزيع الدخل القومي، إذ تتمركز الأموال لدى حفنة من الأشخاص بما يخلق حالة من الانقسام الطبقي تتنامى آثارها على مدى الزمن، حيث تصبح الطبقة الغنية أكثر غنى والطبقة الفقيرة أكثر فقرا. وهو ما يولد لدى الموظف شعورا بالحقد والحسد والبغض يعبر عنه من خلال أخذ الرشاوي من أصحاب رؤوس الأموال.

كما أن العولمة ألقت بأعباء كثيرة على عاتق الطبقة الوسطى التي يعتبرها معظم علماء الاقتصاد العمود الفقري للديمقراطية السياسية. ويثير تراجع الطبقة الوسطى قلق المجتمع المعاصر بسبب الدور الذي تلعبه تلك الجماعة في الحفاظ على التوازن بين مكونات المجتمع الحديث المتكون من ثلاث طبقات. وينتمي الموظفون في العادة إلى الطبقة المتوسطة التي تضررت بفعل الانعكاسات السلبية التي تمس بالاقتصاد، وهو ما جعل غالبية الموظفين يعانون من عدم القدرة على القيام بمتطلبات الحياة المعيشية. ومن هنا يجد بعض الموظفون أنفسهم مضطرين ليمدوا أيديهم لقبول الرشوة ليسدوا بها النقص المادي الناتج عن ضعف أو عدم كفاية مرتباتهم.

إضافة إلى مجمل هذه الظروف، فإن بعض الوظائف العمومية تقتضي تعامل الموظفين بمبالغ طائلة مع المتقدمين للإدارة كموظفي الضرائب والديوانة، وفي المقابل يتقاضى الموظف راتبا ضئيلا جدا مما يشكل حافزا يدفعه للفساد والإثراء غير المشروع.

وبالتالي، فإن تحقيق مكافحة حقيقية للفساد يجب أن تنطلق من ذات الموظف عن طريق حفظ كرامته وصونها من الالتجاء إلى المال اللامشروع، وهو ما يقتضي ضرورة إعادة النظر في سياسة الأجور والرواتب وجعلها مواكبة لتكاليف المعيشة، حتى تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في إغناء الموظف ورفع معنوياته وحمايته من الانحراف واللجوء إلى الأساليب الملتوية والسلوكيات الخاطئة وتدعيم استقراره ليتمكن من أداء مهماته الوظيفية على أتم وجه، فالدولة مسؤولة أخلاقيا واجتماعيا عن وضع الموظف في مستوى اجتماعي مقبول.

ب- تكريس نظام المكافآت والمحفزات المالية للموظفين العموميين

إن كان من الضروري إعادة النظر في أجور ومرتبات العاملين في قطاعات الدولة بغاية توفير مقومات الحياة الكريمة لهم وحمايتهم من إغراءات المسالك اللاشرعية للحصول على المال، فإن للتشجيعات والمحفزات المالية الدور الكبير نحو تحقيق انضباط الموظفين وتحسين مردودية نشاطهم.

 فمن خلال نظام المكافآت والمحفزات، يمكن للدولة خلق وضعية من التنافس النزيه بين الموظفين، حيث تدفع بهم نحو تقديم الأفضل في مجالهم، وأداء واجباتهم على أتم وجه، والابتعاد عن كل ما فيه شبهة وفساد بغاية الحصول على هذه المكافآت.

وحتى لا تحيط المحاباة أو أي شكل من شكل الفساد بإسناد هذه المكافآت، يجب أن يقع إسنادها للجنة خاصة صلب الجهاز الإداري يلتزم أعضاؤها بالحياد. تقوم هذه اللجنة بمراقبة نشاط الموظفين وتقييم أدائهم ومدى التزامهم وانضباطهم في العمل، وتسند المكافآت على أسس ومعايير موضوعية محددة مسبقا ومعلومة للجميع.

الفقرة الثانية: تنظيم نشاط الموظفين العموميين

تتمثل الثقافة التنظيمية صلب الإدارة في مجموعة القيم والمعايير والاتجاهات المشتركة التي تتبناها وتحكم سياستها وطريقة إنجاز مهامها وأسلوب عملها وعلاقتها بعملائها والتي تنعكس على سلوكيات وتصرفات العاملين بها، حيث تؤثر الثقافة التنظيمية للإدارة بشكل كبير في تحديد ملامح المسؤولية الأخلاقية للموظف المنتسب إليها، وتحديد مدى قدرته على تغليب المصلحة العامة على مصلحته الشخصية.

وتقع مسؤولية وضع وتطوير الثقافة التنظيمية على عاتق الإدارة العليا، التي عليها أن تضع مجموعة القيم الجوهرية والسلوكات والتصرفات التي تتوافق وغايات المنظمة العليا والمصالح المشتركة للإدارة والأفراد والمجتمع من خلال وضع مدونات سلوك الموظفين، التي يجب أن تتضمن بشكل رئيسي تنظيم صور تضارب المصالح.

أ- وضع مدونات السلوك

تمثل الثقافة التنظيمية السائدة في الإدارة الثقافة التي تعكس القيم التي يتفق عليها غالبية الأعضاء، وتعد هذه الثقافة عنصرا مكملا للوسائل الرسمية لضبط سلوك الموظفين العموميين. وفي العادة، يتم ضبط أداء الموظفين العموميين من خلال القرارات الإدارية ومدونات السلوك التي تعزز هذا الأداء بما تقتضيه القيم التنظيمية بين العاملين والتي تجعل حرص الموظف على الالتزام بالعمل انسجاما مع القيم والثقافة التنظيمية السائدة.

وتتمثل مدونات السلوك في مجموعة من القيم والمبادئ والمعايير ذات وظيفة توعوية وإرشادية وتوجيهية، تهدف إلى ضمان احترام القانون وتؤمن الالتزام بقيم النزاهة والشفافية والمساءلة والحياد من قبل العون العمومي.

وتسعى هذه المدونات إلى تكريس منظومة قيمية خاصة بالعون العمومي من شأنها معاضدة المنظومة القانونية التي يخضع لها، من أجل مساعدته على القيام بواجباته المهنية وتحمله مسؤولياته على نحو يستجيب لإنتظارات المواطنين وتطلعاتهم لخدمة عمومية نزيهة خالية من كل أوجه الخروقات، وباعثة على الثقة والطمأنينة بين الهيكل العمومي والمواطن.

وبالتالي، فإن مدونات السلوك تساهم على تنمية الأداء وتحسين مردود المرفق العمومي. فترسيخ هذه القواعد السلوكية والأخلاقية من شأنه تحقيق رؤية ورسالة الإدارة، وترسيخ مفهوم الحوكمة الرشيدة، وتعزيز الأداء الوظيفي والسلوكي للموظفين، إضافة إلى مكافأة الموظف المجتهد ومساءلة الموظف المقصر.

وفي هذا الإطار، أكدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد صلب المادة الثامنة منها على أهمية وضع مدونات سلوك الموظفين العموميين ودعت الدول الأطراف إلى أن تطبـق، ضمـــن نطــاق نظمــها المؤسسية والقانونية، مدونات أو معايير سلوكية من أجـل الأداء الصحيـح والمشـرف والسـليم للوظائف العمومية، كما دعت الدول الأطراف أيضا إلى اتخاذ ما يلزم من تدابـير تأديبية أو تدابير أخرى ضد الموظفين العموميين الذين يخـالفون مدونـات السلوك.

وأشارت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد إلى المبــادرات ذات الصلــة الــتي اتخذهـا المنظمـات الإقليميـة والمتعـددة الأطـــراف، والتي من بينها المدونــة الدوليــة لقواعــد ســلوك الموظفين العموميين الواردة في مرفق قرار الجمعية العامة عدد 51/59 المـؤرخ في 12/09/1996.

وقد أكدت المدونة الدولية لقواعد سلوك الموظفين العموميين على العديد من المبادئ التي يجب أن يلتزم بها الموظف العمومي أثناء أدائه لعمله، من ذلك الولاء للمصالح العامة للوطن، والحرص على أداء واجباتهم ومهامهم بكفاءة وفاعلية ونزاهة وفقا للقوانين والسياسات الإدارية، مع الامتناع عن القيام بأية معاملة تفضيلية لأي جماعة أو فرد دون داع أو التحيز ضد أي جماعة أو فرد أو إساءة استعمال السلطة والصلاحية بأي شكل مخالف للقانون. كما يقوم على الموظفين واجب المحافظة على ما بحوزتهم من معلومات سرية ولا يجوز لهم القيام بأي نشاط سياسي أو أي نشاط آخر من شأنه زعزعة ثقة الجمهور في توخيهم الحياد لدى أداء مهامهم وواجباتهم.

وعلى صعيد وطني، فرض المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 صلب الفصل السادس منه على الهياكل العمومية والأشخاص المكلفين بتسيير مرفق عمومي اعتماد مدونات سلوك تحدد واجبات مستخدميها وحقوقهم.

ووفاء منها بالتزاماتها الدولية والوطنية، صدر الأمر الحكومي عدد 4030 لسنة 2014 المؤرخ في 03/10/2014 المتعلق بالمصادقة على مدونة سلوك وأخلاقيات العون العمومي. وتعتبر هذه المدونة ذات صبغة إلزامية بالنسبة لجميع الأعوان العموميين من مختلف الأصناف والرتب الإدارية ومهما كان موقعهم الوظيفي والعاملين بمختلف مصالح الدولة المركزية والجهوية والمحلية والعاملين بمختلف الجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت العمومية، حيث يمضي العون العمومي على إثر انتدابه على تسلمه لنسخة من المدونة واطلاعه عليها وذلك في جدول يمسك للغرض.

وتتولى مصالح الدولة المكلفة بالحوكمة النظر في المسائل المطروحة بشأن تطبيق هذه المدونة، كما تسهر على ضبط برامج لتكوين الأعوان العموميين في المجالات المرتبطة بها والإشراف على تنفيذها بالتنسيق مع الهياكل العمومية المعنية.

واستجابة منها لمقتضيات هذا الأمر، عملت عديد الأجهزة الحكومية على تبني مدونة سلوك الموظفين العموميين لديها، من ذلك نذكر وزارة الصناعة الطاقة والمناجم ووزارة الشؤون الاجتماعية.

يعتبر إصدار هذه المدونة خطوة محمودة نحو إصلاح المرافق العمومية، إلا أن هذه المدونة لم تتضمن أية آليات زجرية تضمن تطبيق هذه المدونة وأية جزاءات رادعة يمكن تطبيقها عند مخالفتها وهو ما يحد من فاعليتها وإمكانية تطبيقها واقعيا. وبالتالي، يكون من الجدير تعديلها من أجل تضمين مكافآت للموظف العمومي الملتزم بقواعدها وتطبيق عقوبات تأديبية أو جزائية على المخالفين لها.

ب- تنظيم صور تضارب المصالح

تعد قضية تضارب المصالح من أهم معوقات مكافحة الفساد في الإدارة وتعزيز الشفافية فيها، فقد أدى تزايد الدور الي يلعبه القطاع الخاص في المجتمع ككل إلى إبراز تعارض المصالح الذي يحدث عندما تتأثر موضوعية قرار الموظف العمومي أو استقلاليته بمصلحة شخصية مادية أو معنوية تهمه شخصيا أو تهم أحد أقرابه أو أصدقائه المقربين أو حين يتأثر أداؤه للوظيفة العمومية باعتبارات شخصية مباشرة أو غير مباشرة. 

ومن المعلوم أن العمل الإداري يقتضي من الموظف العمومي الالتزام بتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وتكريس الثقافة التنظيمية التي تنصهر فيها الشخصية والآنية للأفراد بأهداف المنظمة العليا، بحيث تشكل القيم المشتركة معادلة تفاعل هذا الانصهار وبحيث يصبح تحقيق الفرد لذاتيته بما تحققه المنظمة من أهداف.

وقد أكدت المادة الثامنة من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على ضرورة علاج صور تضارب المصالح عن طريق وضع تدابير ونظم تلزم الموظفين العموميين بأن يفصحوا للسلطات المعنيـة عـن أشـياء من بينها مـا لهم من أنشطة خارجية وعمل وظيفي واستثمارات وموجـودات وهبـات أو منـافع كبـيرة قـد تفضي إلى تضارب في المصالح مع مهامهم كموظفين عموميين.

كما تضمنت المدونة الدولية لقواعد سلوك الموظفين العموميين عديد المبادئ التي تهتم بتضارب المصالح، حيث منعت على للموظفين العموميين استغلال سلطتهم الرسمية لخدمة مصالحهم الخاصة أو مصالح أسرهم الشخصية أو المالية على نحو غير سليم، كما منعتهم من الدخول في أي صفقة أو الحصول على منصب أو وظيفة أو أن تكون لهم مصلحة مالية أو تجارية أو أي مصلحة مماثلة أخرى تتعارض مع مقتضيات وظيفتهم ومهامهم وواجباتهم أو أدائهم.

كما فرضت المدونة أيضا على الموظفين العموميين الإعلان وفقا للقوانين والسياسات الإدارية عن أعمالهم الخاصة ومصالحهم التجارية والمالية أو ما يقومون به من أنشطة لتحقيق كسب مالي قد ينشأ عنه تضارب محتمل في المصالح. ويكون على الموظفين العموميين الالتزام، في صورة حدوث تضارب في المصالح، بتطبيق التدابير المتخذة للحد من التضارب في المصالح أو إزالته.

بالإضافة إلى ذلك، لا يحق للموظفين العموميين أن يطلبوا أو يقبلوا بشكل مباشر أو غير مباشر هدايا أو غيرها من المجاملات التي يكون لها تأثير على ممارستهم لمهامهم أو أدائهم لواجباتهم أو على ما يصدرونه من قرارات.

ويرد تنظيم صور تضارب المصالح صلب مدونات السلوك التي يلتزم بها الموظف العمومي، والذي يكون عليه اتخاذ الإجراءات المحددة بها في صورة توفر إحدى هذه الحالات. وفي هذا الإطار، تم تحديد صور تضارب المصالح للموظف العمومي صلب الأمر الحكومي عدد 4030 لسنة 2014 المؤرخ في 03/10/2014 المتعلق بالمصادقة على مدونة سلوك وأخلاقيات العون العمومي، حيث فرضت على الموظف العمومي في صورة تضارب المصالح أو في صورة الخشية من الوقوع فيها أن يعلم آنيا رئيسه المباشر الذي يبادر في حالة ثبوتها باتخاذ الإجراءات الملائمة لوضح حد لها. كما يمتنع العون العمومي عن طلب أو اشتراط أو قبول هدايا أو هبات أو فوائد مهما كانت لنفسه أو لفائدة الغير قد يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر على موضوعيته في أداء مهامه. إضافة لذلك، منعت المدونة العون العمومي من ممارسة أي نشاط آخر مواز إلا بترخيص يخول له الجمع في نطاق القوانين والتراتيب المنظمة لنشاطه الأصلي.

وما يجدر نقده في هذا الإطار، هو غياب آليات زجرية تضمن تطبيق هذه الإجراءات، وهو ما يدعو إلى ضرورة وضع عقوبة رادعة لكل من لا يعلم عن وضعية تضارب مصالح وقع فيها أو عن الهدايا والعطايا أو الهبات أو غيرها من المزايا الممنوحة له بمناسبة مباشرته لوظيفته والتي كان لها تأثير على حياده في إطار ممارسته لوظيفته.

الفقرة الثالثة: واجبات الموظفين العموميين

تسبغ الوظيفة العامة على الموظف سلطة خطيرة يسندها كل ما للدولة من سلطان وتمنحه نفوذا في نطاق اختصاصه. وهذه السلطة تمثل أمانة على الموظف العمومي يكون عليه أن يؤديها على وجه محقق للمصالح العامة التي وكل أمرها إليه دون طمع في غنم لنفسه أو لغيره وراء تحقيق هذه المصالح. وإذا أخل الموظف بهذا الواجب، أعتبر ذلك خيانة لوظيفيته واستغلالا لصالحه الخاص.

ومن أخطر ضروب هذه الخيانة، أن يجعل الموظف من سلطته ونفوذه تجارة يفيد من ورائها ماديا أو معنويا، فيقوم بما يطلب إليه ويمتنع عما يجب عليه في حق أو في غير حق لقاء فائدة يتقاضاها لنفسه أو لغيره، كما تعد من خيانة الأمانة أن يدخل الموظف في ذمته مالا وجد في حيازته بحكم وظيفته.

وفي هذا الإطار، أخذت أغلب الدول المعاصرة بعديد الوسائل المرتبطة بالموظفين العموميين والتي تساهم في الحفاظ على المال العام وتحقق بها حماية المرفق الإداري من جميع أشكال الفساد. ويعتبر أخذ إقرارات الذمة المالية من أبرز هذه الوسائل التي تفرد لها الدول أنظمة خاصة بها. كما تعمل السياسات الحديثة على تكريس مفهوم أخلاقيات الوظيفة العمومية في صفوف الموظفين العموميين.

أ- تكريس إقرارات الذمة المالية

أخذ إقرارات الذمة المالية أو ما يطلق عليه ب”قانون مكافحة الكسب غير المشروع” أو “قانون من أين لك هذا؟”، يعد من الإجراءات الحديثة التي تعتمدها الدول المتقدمة والتي تكرس الرقابة على الذمة المالية للموظفين. وحتى يحقق هذا الإجراء الوقاية اللازمة من الفساد، لا بد أن يستند إلى عديد الضوابط التي تتطلب تسليط رقابة خاصة عليها، بالإضافة إلى تكريس الطابع الزجري من خلال تسليط عقوبات على المخالفين.

  • الضوابط اللازمة للإدلاء بإقرارات الذمة المالية

تعتبر معظم دول العالم أن لإقرارات الذمة المالية أهمية كبرى في مجال مكافحة الفساد وحماية النزاهة، فالوظيفة العمومية يجب أن تمارس بجدية ونزاهة لكي تنتفي مظنة استغلالها والتربح من خلفها وحتى لا تخرج عن الغرض الذي وجدت من أجله أصلا.

وتعرف إقرارات الذمة المالية بأنها الإفصاح عن الذمة المالية للموظف، بمعنى الاعتراف بكل ما يملكه من أموال وحقوق مالية وعينية ومعنوية داخل البلاد وخارجها وماله وما عليه من ديون.

وقد دعت العديد من النصوص الدولية إلى تطبيق إقرارات الذمة المالية للموظفين، من ذلك ما جاء باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي تضمنت أكثر من فقرة ومادة تدل على أهمية لإقرار الذمة المالية للموظف العمومي وتجريم الإثراء غير المشروع، حيث دعت الفقرة الخامسة من المادة الثامنة الدول الأطراف إلى السعي نحو وضع تدابير ونظم تلزم الموظفين العموميين بأن يفصحوا للسلطات المعنية عن أشياء، من بينها ما لهم من أنشطة خارجية وعمل وظيفي واستثمارات وموجودات وهبات أو منافع كبيرة قد تفضي إلى تضارب في المصالح مع مهامهم كموظفين عموميين.

كذلك، نصت المادة 20 منها على أنه على الدول الأعضاء اعتماد ما يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم تعمد إثراء موظف عمومي بطريقة غير مشروعة أي زيادة موجوداته زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياسا إلى دخله المشروع.

وفي نفس الإطار، أكدت الفقرة الخامسة من المادة 52 من الاتفاقية على أنه على كل دولة طرف أن تنظر في إنشاء نظم فعالة لإقرار الذمة المالية وفقا لقانونها الداخلي بشأن الموظفين العموميين المعنيين وتنص على عقوبات ملائمة على عدم الامتثال.

كما جاء الدستور التونسي الجديد مؤكدا على ضرورة تطبيق إقرارات الذمة المالية بالنسبة لكبار الموظفين صلب الفصل الحادي عشر منه الذي ينص على أنه: “على كل من يتولى رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة أو عضويتها أو عضوية مجلس النواب أو عضوية الهيئات الدستورية المستقلة أو أي وظيفة عليا أن يصرح بمكاسبه وفق ما يضبطه القانون.”

وتعتبر إقرارات الذمة المالية أحد الوسائل المهمة للرقابة على الموظف. فمن خلال تقديم الموظف لهذه الإقرارات، تتم مراقبة ذمته المالية وذلك برصد أي تغير قد يطرأ عليها، وما إذا كانت الأموال التي تحصل عليها نتيجة ممارسة أنشطة غير مشروعة كأخذه الرشوة أو اختلاس المال العام أو استغلاله وظيفته والتربح منها أو بأي طريقة من طرق الكسب غير المشروع.

ولاعتماد الإقرار بالذمة المالية، يكون من الضروري في البداية تحديد مضمونه، إضافة إلى تحديد إجراءات تطبيقه والأشخاص الذين يشملهم الإقرار.

  • مضمون الإقرار بالذمة المالية

تتكون الذمة المالية من عنصرين أحدهما إيجابي والآخر سلبي. يتكون العنصر الإيجابي من الأموال ومجموع الحقوق المالية الموجودة أو التي قد توجد لشخص معين، وتشمل هذه الحقوق الحقوق العينية والحقوق الشخصية والحقوق المعنوية في ناحيتها المالية. أما العنصر السلبي للذمة المالية فيتمثل في الديون وهي مجموع الالتزامات التي تقع على عاتق الشخص لمصلحة دائنيه.

ويشمل الإقرار بالذمة المالية الجانبين الإيجابي والسلبي للذمة المالية للموظف العمومي. إذ يتضمن إقرار الذمة المالية إفصاحا عن جميع ما يمتلكه الموظف العمومي من أموال وحقوق مالية وعينية ومعنوية بما في ذلك الأموال الثابتة والمنقولة سواء في داخل البلاد التونسية أو خارجها، كالنقود والحسابات البنكية والأوراق المالية والعقارات والمعادن والسلع وغيرها.

كما يشمل الإقرار الدخل الجاري للمقر. ويقصد بالدخل الجاري كل ما يحصل عليه الموظف بصفة مستمرة سنويا أو دوريا من دخل مالي وغيره مثل الرواتب الشهرية والمخصصات التقاعدية والصكوك وإيرادات إيجارات العقارات التي يملكها وأرباح الأسهم والصناديق الاستثمارية والودائع المالية والسندات وغيرها. وفي هذا الإطار، يقوم على المقر واجب بيان مصادر الدخل الجارية ومقدار هذا الدخل.

وتندرج الحقوق المعنوية للمقر ضمن إقرارات الذمة المالية. وتعتبر حقوقا معنوية جميع الحقوق المعنوية ذات القيمة المالية التي تدر دخلا مثل حقوق المؤلف وحقوق براءة الاختراع.

أما بالنسبة للجانب السلبي لذمته المالية، فإن مقر ملزم بالإقرار بجملة الديون التابعة له. ويقصد بالديون الالتزامات المالية التي على الموظف للغير. ويشمل الإقرار بالذمة المالية في هذا الإطار، الإفصاح عن جميع الديون الموثقة في المؤسسات العامة أو الخاصة والديون الخاصة والديون العائلية الموثقة.

  • إجراءات الإقرار بالذمة المالية

إن تقديم الموظف لإقرارات الذمة المالية يجب أن يكون وفق إجراءات محددة. وفي هذا الإطار، لابد من تحديد مواعيد تقديم هذه الإقرارات التي تقسم إلى ثلاثة أنواع: 

_ الإقرار المبدئي: وهو الذي يقدم قبل مباشرة الموظف مهام وظيفته، وهو شرط للإلتحاق بالوظيفة.

_ الإقرار الدوري: يفرض على الموظف تقديم إقرار بالذمة المالية بصفة دورية كل نهاية سنة إدارية وذلك طوال مدة شغوره للوظيفة العمومية.

_الإقرار النهائي: يحتم الإقرار الأخير على الموظف العمومي تقديم إقراره بذمته المالية خلال الثلاثين يوما من انتهاء خدمته، سواء كان انتهاء الخدمة بالاستقالة أو الإحالة على التقاعد أو الفصل.

وبالتالي، فإن إقرارات الذمة المالية تؤخذ على الموظف عند بداية خدمته، وكل سنة من تاريخ شغل الوظيفة، وعند نهاية خدمته، وهو ما يمكن من مراقبة ذمته المالية ومعرفة مقدار الزيادة في ثروته ومدى الزيادة فيها. ومن هنا تبرز أهمية الإقرار بالذمة المالية في حماية المال العام وتعزيز الثقة بأجهزة الدولة وموظفيها وصون كرامة الوظيفة العمومية ومكافحة الكسب غير المشروع والحد من العبث بقيم وأخلاقيات الوظيفة وتعزيز الرقابة على كل من يتولى وظيفة عامة.

  • شمولية الإقرار بالذمة المالية للموظف العمومي وأقاربه

 يمثل إقرار الذمة المالية أعلى درجات الشفافية النزاهة في الوظيفة العمومية، كما يعد عاملا مهما في إتاحة المعلومات للأجهزة الرقابية في محاسبة ومساءلة الموظف.

ومن المعلوم أن لكل إنسان ذمة مالية خاصة به، وهو ما يدل على استقلالية الذمة المالية للموظف العمومي عن الذمة المالية لكل فرد من عائلته. كما أن مبدأ شخصية التجريم والعقاب يقتضي أن تنسب الأفعال إلى الفاعل بذاته دون أقاربه. ففي صورة اكتشاف خلل في الذمة المالية للموظف العمومي، فإن ذلك يجعل منه محل تتبع ومحاسبة دون أن يشمل عائلته.

إلا أنه، وعلى الرغم من وجاهة هذه الأسباب، فقد أبرز الواقع اعتماد الموظف العمومي لأساليب ملتوية في إخفاء المال اللامشروع، حيث لا يقع ضخها في رصيد الموظف العمومي، بل يقع التلاعب بالقانون ليحمي الموظف نفسه. ويتم هذا التلاعب عادة بوضع الأموال اللامشروعة في حساب باسم زوجة الموظف أو أحد أبنائه حتى لا يشمله إقرار الذمة المالية، وهو ما يشكل مخرجا قانونيا من المساءلة والمحاسبة.

لذلك، يكون من الضروري ومن الأكيد أن يشمل الإقرار بالذمة المالية جميع أفراد العائلة المضيقة للموظف العمومي من ذلك القرين أي الزوج أو الزوجة أو الخليل أو الخليلة والأبناء وربما في بعض الصور الآباء والأمهات. فمجمل هؤلاء الأطراف يعتبرون مصدر ثقة للموظف يمكنه الاستناد إليهم لإخفاء أمواله اللامشروعة عن أعين الرقابة.

  • مراقبة إقرارات الذمة المالية للموظفين العموميين

نظرا لأهمية إقرار الذمة المالية وارتباطه الشديد بالوقاية من جرائم الفساد، لا بد أن يتم تلقيها من قبل إدارة خاصة تكون مكلفة بتلقي جميع الإقرارات من الموظفين. كما تعمل هذه الجهة الإدارية على مراقبة هذه الإقرارات عن طريق اعتماد إجراءات خاصة.

  • السلطة المختصة بمراقبة إقرارات بالذمة المالية

نظرا لحساسية وظيفة تلقي إقرارات الذمة المالية ودورها الهام في مكافحة الفساد، فإن يكون من الضروري إسنادها لإدارة مختصة تسمى ب”إدارة إقرارات الذمة المالية”.

تتمثل وظيفة هذه الإدارة، في مرحلة أولى، في إعداد نماذج إقرارات الذمة المالية، التي يكون على الموظف تعميرها بالمعلومات الضرورية وإرفاقها بالوثائق التي تثبت صحة هذه المعلومات.

وتختص الإدارة، في مرحلة ثانية، بتلقي إقرارات الذمة المالية من الموظف العمومي وتزويده بإشعار يثبت أنه قام بتسليم إقرار الذمة المالية لها. وعلى إثر ذلك، تباشر الإدارة اختصاصها في مراقبة الإقرارات، حيث تقوم بفحصها وإبداء ما تراه من ملحوظات بشأنها.

وعند اكتشافها لنقص أو خلل جوهري يشوب المعلومات الواردة في الإقرار أو مرفقاته أو تغير واضح في الذمة المالية للمقر، فإن الإدارة تستدعي الموظف المقر لطلب إيضاح بخصوصه، وتقديم الوثائق اللازمة التي تثبت الزيادة الغير المبررة الحاصلة في ذمته المالية.

وفي صورة عجز الموظف العمومي عن تقديم التوضيح اللازم بخصوص الإخلالات التي تشوب إقراره والزيادة الحاصلة فيها، فإن إدارة إقرارات الذمة المالية تطلب فتح تحقيق في الصدد، ويتحمل الموظف المقر نتيجة إخلالاته وتجاوزاته.

  • إجراءات مراقبة إقرارات الذمة المالية

حتى تتمتع إقرارات الذمة المالية بالسلامة والشفافية، يكون على إدارة إقرارات الذمة المالية إتباع إجراءات خاصة للتثبت من مدى صحة ما قدمه الموظف العمومي المقر من إقرارات ووثائق تثبت قيمة الأموال المقر بها. وتتمثل هذه الإجراءات الخاصة في تعيين خبراء مختصين في المجال، إضافة إلى فرض نظام الحساب البنكي الواحد على الموظف وعائلته، وتسليط رقابة على مستوى معيشة الموظف العمومي.

  • تقدير الأموال عن طريق الخبراء

يكون على إدارة إقرارات الذمة المالية الإستناد إلى معايير موضوعية عند تقدير أملاك وأموال المقر، وهو ما يفرض عليها التعاقد مع خبراء مختصين في تقييم العقارات والمنقولات لتحديد القيمة الحقيقية للجانب الإيجابي من الذمة المالية للموظف العمومي وعائلته، حيث يحول هذا الإجراء دون تقدير المقر لأمواله بناء على معاييره الشخصية التي تخدم مصالحه الخاصة ولا تكرس حماية حقيقية وناجعة للمال العام.

  • الحساب البنكي الوحيد

في إطار تكريس الشفافية على أموال الموظف العمومي، لا بد من وضع إجراء قانوني يقضي بمنع الموظف العمومي وأفراد عائلته من فتح أكثر من حساب بنكي واحد داخل البلاد التونسية، كما يمنع عليه فتح حساب بنكي خارج البلاد التونسية حتى لا يتمكن من تهريب أمواله إلى الخارج. ويكون لإدارة إقرارات الذمة المالية الحق في مراقبة الحساب البنكي الوحيد للموظف ولأفراد عائلته ومراقبة جميع العمليات المالية التي تتم فيها والإستفسار عن أي عملية مالية من شأنها أن تشف عن مصدر مشبوه للأموال الموجودة فيه.

  • مراقبة مستوى معيشة الموظف العمومي

مع توفر الآليات السابقة المذكورة للمراقبة، لن يتمكن الموظف العمومي من إخفاء المال الناتج عن جرائم الفساد سواء في رصيده بالبنك أو عن طريق إكتسابه لممتلكات عقارية أو منقولات نظرا لكونه سيكون معرضا للإستفسار حول مصدر المال المكتسب. لكن هذه الإجراءات لن تمنع بعض الموظفين من الكف عن إكتساب المال بطرق غير مشروعة وتغليب مصلحتهم الشخصية على المصلحة العامة وإنفاق هذا المال في حياتهم اليومية، وهو ما يدعو إلى ضرورة مراقبة مستوى معيشة الموظف.

فقد أبرز الواقع أن بعض الموظفين ينفقون شهريا ما يتجاوز مداخيلهم الشهرية بأضعاف كثيرة، وهو ما يدل على وجود مصادر غير شرعية لأموالهم. ويعتبر إنفاق الأموال المكتسبة أفضل طريقة تضمن عدم مساءلة الموظف عن مكاسبه، وهو ما يدعو جديا إلى إنشاء وحدة مختصة بمراقبة مستوى معيشة الموظفين العموميين تحدث صلب إدارة إقرارات الذمة المالية وتكون لها صلاحية التقصي إضافة إلى سلطة عرض كل من تدور حوله الشبهات على البحث والتحقيق من أجل مصادر أمواله التي ينفقها.

  • العقوبات المسلطة على الموظف المخالف

يعتبر الإقرار بالذمة المالية للموظف العمومي وثيقة براءة لا وثيقة إتهام، فإقرار الذمة المالية هو إجراء مراقبة وليس دليل إدانة، حيث أن تقديم الموظف لإقرارات الذمة المالية في مواعيدها المحددة، وكتابة بيانات صحيحة من غير تلاعب فيها، وإثبات أن التضخم في ثروته إنما جاء عن طريق مشروع عن طريق تقديم المستندات اللازمة لإثبات تملكه لتلك الأموال يترتب عليه وفاؤه بالتزاماته الوظيفية وبيان لحسن نيته في السير على الطريق السوي.

تقوم إقرارات الذمة المالية على الشفافية من خلال إفصاح الموظف بشكل صحيح عن بياناته الشخصية وممتلكاته وديونه. وترتبط الشفافية دائما بالمساءلة التي تساعد على القضاء على الأمراض الإدارية وتساعد على تعزيز الثقة بالجهاز الإداري للدولة وخلق إدارة أكثر استجابة لحاجات المواطنين.

ومن هنا، تبرز أهمية مساءلة الموظف العمومي عن كل ما يشوب إقراره من إخلالات أو إخفائه لبعض مصادر أمواله أو مخالفته لنظام الحساب الوحيد للموظف وامتلاكه لحسابات بنكية أخرى سواء بالداخل أو بالخارج أو لمستوى معيشته الذي يفوق مداخيله بكثير.

وحتى تكون المساءلة ذات فاعلية وتحقق الردع لكل من تسول له نفسه التلاعب بالقانون، لابد من وضع عقوبات رادعة. ويكون من الأكيد، في هذا الإطار، تسليط عقوبات جزائية مالية على كل من خالف آجال الإقرار بالذمة المالية المحددة قانونا، كما تسلط عقوبات مالية وسالبة للحرية على كل من تعمد مخالفة نظام الحساب الوحيد للموظف العمومي وعائلته. أما بالنسبة للموظف الذي ثبت اكتسابه لأموال غير مشروعة ناتجة عن جرائم فساد، فإنه يكون عرضة لتسلط عليه العقوبات المقررة للجريمة المرتكبة.

وعلى الرغم من صرامة هذه العقوبات وقسوتها، إلا أنها كفيلة بتحقيق الردع اللازم للموظفين عن إرتكاب جرائم الفساد خاصة في وضع تعاني فيه البلاد التونسية من انتشار فاحش لهذا الصنف من الجرائم في جميع المستويات، وما لذلك من تأثير على استقرار الدولة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وبالتالي على جلب الاستثمارات وتحقيق التنمية الشاملة للبلاد.

ب- التحلي بأخلاقيات الوظيفة العمومية 

تعود غالبية المشاكل الإدارية المعاصرة إلى مشاكل سلوكية أصابت المجتمع في أخلاقيات التعامل وفي الإخلاص في العمل. فالفساد يغير من سلوك الفرد الذي يمارسه ويقلل من رحمته ويمس بإنسانيته وأخلاقه، كما يجبره على التعامل مع الآخرين بدافع المادية والمصلحة الذاتية دون مراعاة لقيم المجتمع. لذلك، كان من الضروري وضع ميثاق لأخلاقيات الوظيفة العمومية التي يجب على الموظف العمومي الالتزام بها. وتعرف أخلاقيات الوظيفة العمومية بكونها مجموعة القيم العليا التي تعمل على تكوين الضمير الاجتماعي وترسيخ الأخلاق في نفس الموظف العمومي. وتنقسم أخلاقيات الوظيفة العمومية إلى أخلاقيات وظيفية وأخلاقيات مسلكية.

تتعلق الأخلاقيات الوظيفية بتأدية الموظف لواجباته الوظيفية، حيث يكون عليه أداء عمله بنفسه وعدم توكيل غيره بأدائه. ويشترط في هذا الأداء الدقة والأمانة والسرعة، فلا يتهاون أو يخطئ أو يقصر في أداء واجباته أو يؤخر معاملاته أو يؤجلها أو يقوم بالتمييز بين معاملات المستفيدين من خدمات الإدارة.

وتشمل أخلاقيات الوظيفة العمومية أيضا التزام الموظف بوقت عمله من حيث بدايته وانتهاؤه. كما يكون عليه البقاء في مقر الإدارة طيلة المدة القانونية لعمله حتى ولو لم يكن له عمل، مع تجنب هدر الوقت الرسمي والقيام بأعمال غير رسمية وقت الدوام الرسمي وهو ما يكون فعل التسيب الإداري.

ويكون على الموظف العمومي أيضا، في إطار التزامه بواجباته الوظيفية، المحافظة على الأسرار الوظيفية وما تتضمنه من معلومات وبيانات ووثائق أتيح للموظف بحكم منصبه ووظيفته الاطلاع عليها، وليس بمقدوره الاطلاع عليها لولا مركزه الوظيفي الذي يشغله. إذ يعتبر من قبل الإخلال بأخلاقيات الوظيفة إفشاء معلومات سرية تتعلق بالصفقات العمومية التي تقدمها الجهة التي يعمل بها لصالح بعض المتنافسين للحصول على العطاء. ويمتد واجب المحافظة على السر المهني أثناء تأدية العمل وخارجه.

كما تتمثل الواجبات الأخلاقية للموظف في حمله للأخلاق التي تقرها كافة المجتمعات والتي من أبرزها الأمانة والصدق والنزاهة. وتعتبر عديد الممارسات مخلة بواجب الأمانة، من ذلك عدم الإخلاص في العمل، وتأخير الموظف لكل المعاملات في سبيل إنهاء معاملة لقريب أو صديق أو لطرف معين له مصلحة معه، والاستخدام الشخصي للأدوات القرطاسية المخصصة للعمل، وتوظيف منصبه لخدمة أقاربه أو من له مصلحة معه. كما يعتبر من قبيل خيانة الأمانة أيضا استغلال السلطة لتحقيق منفعة شخصية.

وإضافة إلى صفة الأمانة، يجب على الموظف التحلي بصفة الصدق وأن لا يتعمد قلب الحقائق أو إنقاصها أو تشويهها في التعامل مع الإدارات الأخرى، وأن يتحرى أقصى درجات الصدق في التعامل مع الرؤساء والزملاء والمراجعين.

أما بالنسبة للأخلاق المسلكية للموظف العمومي، فتتعلق بسلوك وتصرفات الموظف داخل الوظيفة العامة وخارجها، ومن ذلك الحفاظ على حسن السيرة. وتتمثل سيرة المرء فيما عرف به أو عرف عنه من صفات حميدة أو غير حميدة تتناقلها الألسنة وتقر في الأذهان أنها صحيحة. فالموظف العمومي عليه أن يسلك في تصرفاته سلوكا قويا يتماشى مع تقدير واحترام الناس له، وأن يبتعد عن كل ما يفقده احترام الناس وتقديرهم مما يجعله محل احتقارهم وازدرائهم.

كما يكون على الموظف العمومي الالتزام بآداب اللياقة ومقتضيات الذوق العام وحسن المعاملة باعتبار أن طبيعة عمله تحتم عليه الاحتكاك بمستويات مختلفة من الناس والدخول في علاقات مختلفة، فنجاح هذه العلاقات يعتمد كبيرا على أسلوبه في المعاملة.

وتشمل معاملة الموظف أساسا أربع فئات هم الجمهور والرؤساء والمرؤوسون والزملاء في العمل. وفي هذا الإطار، يمكن الإقرار بأن العمل الإداري هو عمل إنساني يقتضي تقديمه بالوسائل والأساليب الإنسانية. فالموظف العمومي ملزم بالتعاون والتفاهم مع المتعاملين والمستفدين من خدمات الإدارة والاستماع إلى مطالبهم والعمل على حلها وتسهيلها، كما يجب أن يجسد الإنسان الأمين المخلص، وعليه معاملة الناس بأدب ولباقة، والسعي إلى إنجاز أعمالهم في الوقت المناسب بلا مماطلة أو تفضيل الآخر عليهم.

ويفترض العمل الإداري علاقة بين رئيس ومرؤوس. وفي هذا الإطار، يجب أن تتسم علاقة المرؤوس بالرئيس باللياقة والأدب في الاتصال بهم والالتزام أثناء اللقاء به في العمل والتخاطب معه. وتجدر الإشارة إلى أن احترام الرئيس وتوقيره لا يمنع الموظف من حقه في الشكوى والطعن في التصرفات الإدارية الناجمة عن الانحراف وسوء استخدام السلطة، لكن في حدود القانون بعيدا عن التجاوزات التي من شأنها إظهار التحدي للرئيس أو التمرد أو التطاول عليه. وفي المقابل، يكون على الموظف الرئيس معاملة مرؤوسيه على أساس آداب اللياقة والعدل والإنصاف والمساواة والحياد والثقة المتبادلة.

كما يتطلب العمل الإداري علاقة بين الموظفين فيما بينهم. ويجب أن تقوم هذه العلاقة على أساس روح العمل الجماعي المبني على التعاون وروح المودة والاحترام والثقة. فعلى الموظف حسن معاملة زملائه والتعاون معهم في إنجاز العمل وتقدمه خاصة في الأعمال التي تتطلب مجهودا جماعيا.

يبرز هذا التحليل المطول لأخلاقيات الموظف اهتماما شديدا بأخلاقيات الوظيفة العمومية، وهو ما يمكن تبريره بالنظر إلى الموظف العمومي الذي يعتبر عونا مؤتمنا على الإدارة والمواطنين، بالإضافة إلى أن شرف الموظف هو من شرف الإدارة وشرف الدولة، لذلك يجب على الإدارة الحرص على أن يكون الموظف شريفا ونزيها.

ووعيا من المشرع التونسي بأهمية تكريس أخلاقيات الوظيفة العمومية، صدر الأمر الحكومي عدد 4030 لسنة 2014 المتعلق بالمصادقة على مدونة سلوك وأخلاقيات العون العمومي الذي تضمن أهم قيم العمل في القطاع العام من ذلك احترام القانون والمساواة والإخلاص والحياد والنزاهة والنجاعة والانضباط في العمل والمساءلة وفصل الحياة الخاصة عن الوظيفة العمومية. كما نظمت المدونة العلاقات بين الأعوان العموميين فيما بينهم وعلاقتهم بمستخدمي المرفق العام ووسائل الإعلام. وما يجدر نقده في هذا الإطار، هو غياب الطابع الزجري لفرض تطبيق مجمل هذه الأخلاقيات على الموظفين العموميين، حيث يكون على المشرع التونسي تحديد عقوبات تأديبية صارمة في صورة مخالفة مقتضيات المدونة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *