دور الجنس في تأهيل السجين-بقلم الأستاذ منير العش

unnamed

دور الجنس في تأهيل السجين:الجنس دعامة للتوازن الصحي للسجين –

منير العش – باحث وحقوقي .

لم تؤتي الغاية الزجرية للعقوبة نجاعة مما أدى إلى البحث عن أسلوب عقابي يكون أقرب إلى الإنسان منه إلى المجرم، وذلك في إطار سياسة تقوم على العلاج والإصلاح لإعادة التأهيل بغاية التوصل إلى الحد من ظاهرة العود وتحقيق انطلاقة جديدة للنزيل عند عودته لبيئته الطبيعية وموقعه الأساسي كفرد من المجتمع. فالدولة في هذا الإطار عليها أن “تعمل على إعادة تأهيل السجين وإدماجه في المجتمع” على حد عبارة الفصل 30 من الدستور.
تلعب الممارسة الجنسية للنزيل دورا هاما في تحقيق التأهيل، فهي دعامة للتوازن الصحي لهذا النزيل، ويعتبر التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية والنفسية يمكن بلوغه حق من حقوق الإنسان، فالرعاية الصحية السليمة حق أساسي ينطبق على جميع البشر سواء كانوا خارج أسوار المؤسسات العقابية أو داخلها، فالنزيل وإن كان مذنبا في حق المجتمع وخارقا لقواعد القانون الجزائي فله الحق في أعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة الجسمية والعقلية مما يؤكد على وجوبية تمتعه بالرعاية الصحية، وبما أن الرعاية الصحية تقوم في جانب من جوانبها على الوقاية فإن الممارسة الجنسية تضطلع بدور لا يمكن إنكاره في هذه الوقاية.
الفقرة الأولى: وجوبية الرعاية الصحية للسجين
حتى لا يلتبس الأمر على أحد، يجب أن يكون واضحا ومن البداية أن دوافع وغايات الخدمات الصحية المقدمة للنزلاء ليست من باب الإحسان أو الشفقة، أو من باب حسن المعاملة، أو أنها امتيازات تعطى للنزلاء بلا مقابل، هذه الأفكار بعيدة عن الواقع، وبعيدة عن الأهداف الحقيقية والدوافع الرئيسية للخدمات الصحية المقدمة للنزلاء.
فالمجتمع يهدف بتقديمه تلك الخدمات قبل كل شيء إلى عدم تكرار الجريمة من طرف الذين وقعوا فيها، ومن ثم، فهو يهدف أصلا إلى حماية نفسه والحفاظ على كيانه من أخطار تنامي الجريمة، ومن أخطار السلبيات الاجتماعية للأفعال الإجرامية والسلوكيات الانحرافية على كيان المجتمع وعلى تنظيمه وقواعده الاجتماعية.
كذلك صحة الإنسان البدنية والعقلية هي ركيزة لعملية التأهيل، وهي الحافز الأساسي في القيام بعدة نشاطات وأعمال وأشغال داخل المؤسسات السجنية، فالعقل السليم في الجسم السليم كما يقال، والحفاظ على سلامة النزلاء من الأضرار والأخطار، من معالم العناية والوقاية الصحية التي توفرها المؤسسات السجنية، حيث يتعين أن تحقق عقوبة الحبس هدفها الإصلاحي٬ حتى يخرج المحكوم عليه إلى المجتمع وقد تخلص تماما من الخطورة الإجرامية التي دفعته إلى الإجرام٬ واستعد استعدادا طيبا للاندماج في المجتمع من جديد٬ عضوا مسئولا صالحا يستنكر كل أنواع الانحراف الإجرامي.
مع التأكيد على أن معاملة النزيل معاملة إنسانية ينتج عنها ضرورة حماية سلامته الجسدية والمعنوية، وتجد هذه المعاملة أساسها في الاعتراف به كإنسان وما ينجر عن ذلك من حقوق لصيقة، فالنزلاء لهم حقوق غير قابلة للصرف، منحتها لهم المعاهدات والعهود الدولية، ولهم حق في الرعاية الصحية، ولهم حق بكل تأكيد في ألا تصيبهم أمراض في السجن.
أقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان صلب مادته الخامسة والعشرون الحق لكل شخص في “المحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته”، بالإضافة إلى ذلك، ينص العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مادته الثانية عشر على أن كل إنسان (بما في ذلك النزيل) له حق في “أعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه”، وتنظم القواعد الدنيا النموذجية لمعاملة السجناء توفير الرعاية الصحية لهم، إلى جانب جميع الصكوك الأخرى التي تنظم حقوق ولوائح معاملة النزلاء، والتي تدعمت من خلال إصدار لجنة منع التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة خلال تقريرها السنوي لعام 1992 معايير للخدمات الصحية في السجون.
لذلك تتفق النظم العقابية الحديثة على أنه من أوكد الحقوق التي ترتكز عليها السياسة الحديثة لمعاملة النزلاء هي الحق في الرعاية الصحية والنفسية للنزيل، من خلال الحفاظ على صحته الجسدية وتوازنه النفسي، حيث أنه تتفق النظم العقابية على أنه لا يمكن تسطير برنامج تأهيلي للنزيل في غياب إقرار حقه في الرعاية، مع التأكيد على أن الجنس يكون جزءا هاما ومتكاملا من الحياة العقلية والنفسية والجسمية لأي فرد وفي أي مرحلة من مراحل حياته.
أ‌- الحفاظ على الصحة الجسدية للسجين
من البديهي، لا يمكن القضاء على الإنسان، ونبذه وتهميشه بمجرد ارتكاب خطيئة، أو خروجه عن المألوف، ووقوعه تحت مطرقة القانون الجزائي، فالرعاية والعناية والحماية كفيلة بإعادة إدماج المنحرفين أو المدانين بعد تأهيلهم في حظيرة المجتمع. فتطور أغراض العقوبة، وبصفة خاصة التأهيل والإصلاح، وتغير النظرة إلى شخص المحكوم عليه من مواطن من الدرجة الثانية إلى شخص عادي ولكنه مذنب، بالإضافة إلى التقدم الذي أصاب العلوم الطبيعية والاجتماعية مهد لظهور الرعاية الصحية وأهميتها فتعددت أغراضها وتنوعت أساليبها.
والاعتراف للنزيل بالحق في الصحة لم يكن بسهولة، فحتى نهاية القرن الثامن عشر كانت العناية الصحية بالمحكوم عليهم تهدف إلى مجرد المحافظة على حياتهم تمكينا من تنفيذ العقوبة فيهم، فالسجون في بداية نشأتها لم تراعي فيها القواعد الصحية، فكانت تهدف إلى الإيلام والانتقام فحسب، مما أدى إلى جعلها موطنا لتفشي الأمراض المختلفة بين النزلاء داخل المؤسسة العقابية وبين أفراد المجتمع أيضا خارج تلك السجون، إلى أن وقعت أنسنة وتحسين ظروف الإقامة بتلك المؤسسات الإصلاحية من طرف عديد الإعلانات والمؤتمرات الدولية.
تحمي الصكوك الدولية الجميع، بما في ذلك النزلاء، ضد الانتهاكات الجسيمة لصحتهم وسلامة أشخاصهم، ويحق لجميع النزلاء أعلى درجات الصحة البدنية التي يمكن بلوغها وتحقيقها، فصكوك حقوق الإنسان تدعو إلى حصول نزلاء المؤسسات العقابية على رعاية صحية تكافئ على الأقل الرعاية المتاحة لمن هم خارج أسوارها. فمن ناحية كانت الدعوة إلى تكافؤ لا إلى مساواة، لأن السجن مؤسسة مغلقة ذات دور وصاية لا يسمح دائما بتوفير نفس الرعاية المتاحة في الخارج، ومن ناحية أخرى لأنه من الأرجح أن يكون النزيل بالفعل في حالة صحية سيئة عند دخوله السجن، ولأن الظروف غير الملائمة في الداخل تجعل الحالة الصحية أكثر سوءا، فكثيرا ما تكون هناك حاجة إلى رعاية صحية وعلاج أكبر في السجن منه في المجتمع الخارجي.
لقد أعطت المجموعة الدولية أهمية بالغة لرعاية النزلاء صحيا، حيث نصت جملة الفصول من 24 إلى 35 من قواعد الأمم المتحدة الدنيا لمعاملة السجناء “قواعد نيلسون مانديلا” على أهمية هذه الرعاية، وتناولها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين بالدرس لإقرار هذا الحق، وقد أوصت القاعدة 9 من مجموعة القواعد المنبثقة عن هذا المؤتمر بضرورة “توفير سبل الحصول على الخدمات الصحية المتوفرة في البلد للسجناء دون تمييز على أساس وضعهم القانوني”. كما تم التعرض إلى أهمية هذا الحق في مؤتمر باريس المنعقد في 25 و26 أكتوبر 1996.
إن العقوبة السالبة للحرية قد تتحول إلى عقوبة بدنية إذا أغفلت الإدارة العقابية عنايتها بالمحكوم عليه، وعلى هذا الأساس تجمع الأنظمة العقابية الحديثة على الاعتراف للنزيل بالحق في العلاج إذا أصابه مرض أثناء خضوعه لتنفيذ العقوبة، بل إن هذا الحق يمتد إلى العلاج من الأمراض إذا كان مصابا بها قبل دخوله المؤسسة العقابية، ويمتد سند هذا الحق من مقتضيات المحافظة على المستوى الصحي في المؤسسة وله كذلك سند من اعتبارات التهذيب والتأهيل.
تتحقق الرعاية الصحية داخل المؤسسات العقابية بأساليب مختلفة تتعلق بالمؤسسات في ذاتها من ذلك الغذاء والنظافة إلخ، كما وأن العلاج يعد من أوجه الرعاية الصحية الضرورية، فالعلاج هو حق من حقوق النزيل لابد أن يتمتع به حتى ولو كان مسلوب الحرية وذلك بالنظر إلى آدميته أولا وإلى وضعيته القانونية الخاصة ثانيا فهو عاجز عن اللجوء بنفسه إلى طبيب يعالجه أو الذهاب لمستشفى أو مصحة.
يبرز دور الحفاظ على الصحة الجسدية للنزيل في التنفيذ العقابي من وجهتين، فهي تساهم في التهذيب إذ أن إلزام المحكوم عليه بالقواعد الصحية بما تقتضيه من عادات قويمة في مظاهر الحياة المختلفة يغرس لديه الاعتماد على النظام ويدعم اعتداده بنفسه، ومن ناحية ثانية تساهم في التأهيل على نحو فعال إذ توفر علاجا لما يعانيه النزيل من علل بدنية وتزيل بذلك العقبات التي كانت تعترض طريق كسبه عيشه وقيامه لسائر الواجبات التي تفرضها الحياة داخل المجتمع. إذا وبصورة مبدئية، فإن الحفاظ على الصحة الجسدية للنزيل ترتبط مع عملية تأهيله في سبيل عودته إلى حياة الجماعة بعد الإفراج عنهم دون بروز صعوبات يمكن أن تؤثر على تصرفاته بشكل سلبي.
ليس هناك من شك في أن بعض الأمراض العضوية تسهل أو تهيئ للسلوك المنحرف عند الأفراد، لذلك فإن سلامة البدن ترتبط إلى حد كبير بسلامة العقل الذي يوازن بدوره بين الأفعال المشروعة والأفعال غير المشروعة لتدارك مخاطر هذه الأخيرة، فالحالة الصحية البدنية لكل إنسان تؤثر على أسلوب حياته، والطريقة التي يتعامل بها مع المحيطين به وسلوكه، فالمشاكل الصحية تؤثر على سلوك الناس وقد تسبب تغيرات في العلاقات مع الآخرين، هذا هو حال مشاكل الصحة الجسدية التي قد تؤثر على نسبة كبيرة من نزلاء السجون بشكل خاص.
لا يمكن للنزلاء حماية أنفسهم في أوضاع الاحتجاز، وتقع المسؤولية على الدولة لتوفير الخدمات الصحية وتوفير بيئة صحية، فموظفي السجون يستقبلون الأفراد المحرومين بشكل قانوني من الحرية يحملون على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على الصحة الجسدية لهؤلاء النزلاء وسلامتهم، وكذلك، في معظم الحالات، اعادتهم للمجتمع كأعضاء نافعين، وطبعا ينطوي هذا الدور على مهام شاقة وصعبة للغاية باسم المجتمع.
والدولة كذلك ملزمة بحماية الصحة العامة في سياق المؤسسات العقابية، وخفض معدل الإصابة بالأمراض والوفيات بين النزلاء والمجتمع ككل، إذ يجب التأكيد على دور الرعاية الصحية داخل المؤسسة السجنية في المحافظة على الصحة العامة في المجتمع، فقد ثبت أن إهمال هذه الرعاية يفضي إلى تفشي الأمراض المعدية داخل المؤسسة العقابية، وهذه الأمراض سرعان ما تنتقل خارجها بطرق متنوعة، منها على سبيل المثال فضلات السجن أو كذلك عن طريق المفرج عنهم، وهذا تهديد يشمل كل العاملين بقطاع السجون، وأفراد أسر النزلاء، والزائرين، بالإضافة إلى المجتمع الخارجي الذي يخرج إليه النزيل في النهاية عند إخلاء سبيله.
عموما، وكما تشير عبارة مفوض السجون البريطاني باترسون والتي كان يكررها مرارا “يرسل السجناء إلى السجن كعقاب وليس من أجل العقاب”، فإن حرمان المرء من حقه في الحرية ينفذ بحبسه في بيئة مغلقة، ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون للاحتفاظ بالمذنبين تحت تحفظ الدولة آثار ضارة على صحة هؤلاء الأشخاص.
لكن وبالرغم من وجوبية الحفاظ على الصحة الجسدية للنزيل، وبالرغم من الجهود المبذولة في سبيل تحقيق لتلك الغاية، فإن بقاء الجسم في مركز نظام العقوبة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، يجعله يتأثر بشدة من قبل نظام السجن، والدراسات النظرية التي أجريت وفقا لملاحظات ميدانية تسمح لنا أن نرى تأثير السجن على الخمس حواس، فالنزلاء يتحدثون عن ضعف هذه الحواس خصوصا البصر والشم، وقد يصل الأمر حتى إلى اضمحلال الشم.
كذلك يجب التأكيد أن داخل المؤسسة العقابية وتيرة الحياة تشهد اضطرابا عميقا، فالنزيل يخضع لقواعد موحدة وغير شخصية والتي تحد كثيرا تصرفه في جسده، حيث لم يعد من الممكن له التحرك بحرية، تنظيم وقته، وخصوصيه تكون محدودة إلى حد كبير، فحتى تناول الطعام على مذاقه أو وفقا لتقاليده ومعتقداته غالبا ما يكون صعبا.
إن نظام السجون يساعد ويسعى إلى بناء الجسم الروبوتي، دون العاطفة، دون الرغبة الجنسية. والنظر في مسألة الحياة الجنسية في الاعتقال توضح تدهور الأفراد على حد السواء جسديا ومن حيث التبادل الاجتماعي، هذا التدهور الذي يبدو في بعض الأحيان شبيها بالموت الجسدي والاجتماعي للفرد، فالحرمان من الممارسة الجنسية يتعارض تماما مع الحفاظ على الصحة الجسدية للنزيل.
يبدو أن مقدارا معلوما من الإشباع الجنسي المباشر لا غنى عنه، وقد أكد عالم النفس الشهير فرويد على أن عدم توافر هذا المقدار من الإشباع الذي يتفاوت كمه من فرد إلى آخر يكون عقابه تظاهرات يتعين علينا أن نصنفها لما تلحقه من ضرر بالوظيفة ولما تتسم به من طابع إيلامي ذاتي في عداد الحالات المرضية. فوراء القضبان، يلزم النزلاء على التخلي تماما عن حياتهم الجنسية مما قد يقوض الصحة الجنسية والعقلية والجسدية للفرد.
إن حضر العلاقة مع الجنس الآخر، يجعل النزلاء في غالب الأحيان يعمدون إلى تعويضات مروعة: الجنس الانفرادي، التجارة المشينة مع زملائهم… هذه التجاوزات كما هي مميتة لصحتهم ومعنوياتهم، فتأثيراتها العادية: ضعف عام، اضطرابات في نظام الهضم، أمراض الرئة والقصبة الهوائية، السل، استهلاك النخاع الشوكي، إضافة للعديد من الأمراض العقلية.
في هذا الإطار، ومنذ عام 1847، تحدث الطبيب ومدير مركز اصلاح A. Diez عن خطر الحرمان الجنسي على الصحة الجسدية للنزلاء، فاعتبر أن “كثيرا ما نبالغ حول عيوب الحرمان الصحية عن ممارسة الجنس، على الرغم من أننا نشك في أن الامتناع عن ممارسة الجنس حكمة وتطوعا هو ضار في واقع الأمر. ومع ذلك، يجب ألا يخفي ان الامتناع المفاجئ والقسري، وتهيج المتواصل من الأجزاء الجنسية، دون القدرة على تلبية ذلك، هو، بالنسبة لكثير من الرجال، وخاصة بالنسبة للنساء، مصدر من مجموعة من الأمراض المزمنة وحتى الأمراض الخطيرة”.
يتعارض حضر الحياة الجنسية داخل المؤسسة العقابية مع توفيق أوضاع السجن تماشيا مع الاحترام التام لحقوق الإنسان في إطار تنظيمي يليق بالجمهورية الحديثة، إضافة إلى تعارضه مع أنسنة العقوبة وغرضها الأولي المتمثل في التأهيل والذي يتطلب الحفاظ على الصحة الجسدية للنزيل، هذه الصحة التي ورغم السعي الدؤوب للحفاظ عليها فإن الحرمان الجنسي القسري يشكل إخلالا جوهريا بها، والأمر لا يتوقف عند الصحة الجسدية بل يتجاوزه للصحة النفسية للنزيل التي يتعارض تماما مبدأ الحفاظ عليها مع وضع الحرمان الجنسي.
ب‌- الحفاظ على التوازن النفسي للسجين
إن الحرص على ضمان المعاملة الإنسانية لمن زلت بهم القدم وإعدادهم لشق الطريق السوي بعد الإفراج عنهم يقتضي من المؤسسة العقابية السعي قدر الإمكان إلى الحفاظ على الراحة النفسية للنزيل، لأن الإعداد النفسي هو أحد مقومات أساليب المعاملة العقابية المعتمد من قبل الأنظمة العقابية الحديثة، والتي تهدف الإعداد المعنوي الجيد للمحكوم عليه من خلال حفظ توازنه النفسي وتقويم سلوكه داخل المؤسسة العقابية لإيجاد مناخ ملائم للتعايش بين النزلاء من ناحية ولإخراج المحكوم عليه وإبعاده قدر الإمكان عن عالم الجريمة بعد خروجه من السجن.
وفي هذا الإطار، وبغرض الحفاظ على التوازن النفسي للنزيل أو تحقيقه، يعتبر العلاج النفسي مكونا من مكونات التأهيل، والذي يشمل اجراءات التدخل الطبي النفسي والنفسي الاجتماعي، والتي تؤدي إلى التحسن الجزئي أو الكلي للحالة مصدر الشكوى. فالعلاج النفسي بمعناه العام هو نوع من العلاج يستخدم أي طريقة نفسية لعلاج مشكلات أو اضطرابات أو أمراض ذات صبغة انفعالية يعاني منها المريض وتؤثر في سلوكه، وعموما فالغرض الأساسي يتمثل في مناقشة أفكار وانفعالات المريض واكتشاف مصادر الصراع، والاجتهاد ومحاولة إعادة توافق المريض مع المجتمع في حدود قدراته الشخصية.
يعتبر العلاج السلوكي للنزيل أهم خطوة على درب التأهيل، ويشير مصطلح العلاج السلوكي إلى أسلوب علاجي يستخدم مبادئ وقوانين السلوك ونظريات التعلم في العلاج النفسي، ويعتبر محاولة لحل المشكلات السلوكية بأسرع ما يمكن وذلك بضبط وتعديل السلوك المرضي وتنمية السلوك الارادي السوي لدى الفرد. وفي إطار العلاج السلوكي تعتبر الأمراض النفسية أو الاضطرابات السلوكية تجميعات لعادات سلوكية خاطئة تم تعلمها، ويفترض أن هذه العادات السلوكية يمكن علاجها إذا وضعت في بؤرة العلاج وعدلت الواحدة تلو الأخرى.
إذا الهدف من الرعاية النفسية للنزيل، هو تحقيق النمو الانفعالي السليم والتكيف النفسي الصحيح مع نفسه ومع المجتمع الذي يعيش فيه من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن الخدمات الطبية في هذا المجال تؤهله للتأقلم مع بقية أفراد المجموعة بعد تنفيذ العقوبة السالبة للحرية والخروج من المؤسسة العقابية.
وتسدى خدمات الرعاية النفسية خاصة إلى النزلاء ذوي المحكومية طويلة المدة، والذين يضرب البعض منهم عن الطعام أو يقوم بالاعتداء على ذاته أو حتى يسعى للانتحار، وذلك لإعادة الأمل لديهم في مستقبل منير رغم ظلمة الحاضر وقسوته. كما يستفيد من هذه الخدمات الإنسانية النزيل الذي يشكو من اضطرابات نفسية زمن ارتكابه للفعل المجرم.
ونظرا لأهمية هذه الرعاية الهادفة التوازن النفسي للنزيل الإنسان، فقد أكدت القاعدة 22 من مجموعة قواعد الحد الأدنى لمعاملة السجناء على أنه “يجب أن يتوفر في كل سجن طبيب مؤهل واحد على الأقل يكون على بعض الإلمام بالطب النفسي …”، وأكدت القاعدة 24 فقرة ثانية من قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء على أن “تتألف دائرة خدمات الرعاية الصحية من فريق متعدد التخصصات يضم عددا كافيا من الأفراد المؤهلين الذين يعملون باستقلالية إكلينيكية تامة وتضم ما يكفي من خبرة في علم النفس والطب النفسي”. وتكريسا لهذا الحق تعمد النظم العقابية الحديثة إلى بعث مختص في مجال علم النفس داخل المؤسسة السجنية للقيام بهذا الواجب.
إن سلب حرية النزيل يولد آثارا نفسية هامة، إذ تتلخص معاناته في الشعور بالغربة، حيث تتراءى أمامه الفوارق بين الحياة داخل السجن وخارجه، كما أنه يشعر بالخوف من ردة فعل المجتمع ومدى إمكانية الاندماج فيه من جديد، كما أنه كلما كان سلب الحرية لمدة طويلة إلا وكانت مولدة لمشاكل اجتماعية، إذ ينتابه صراع داخلي مما يسبب له تأثرا نفسيا يظهر عبر سلوك اجتماعي متعدد الأوجه كالعزلة. إضافة إلى حالة القلق التي تنتابه حول علاقاته العاطفية خصوصا للمتزوجين وكذلك النزلاء الذين لهم علاقة عاطفية جدية مع شريك في الحياة الحرة، ففي السجون الأمريكية، “Judy” و “Jody” هي الأسماء التي تدل على واقع عالمي: الرجل أو المرأة الذي يأخذ الشريك من الشخص الذي يسجن، ويشاطر هذا الخوف من قبل جميع النزلاء، يغذي الشك وقد يحول العلاقة إلى كابوس.
كذلك يتميز الفضاء السجني بضيق المساحة وكثرة العدد، الأمر الذي ينتج عنه حالة الاكتظاظ وما يرافقها من التذمرات وكثرة المشاجرات. إضافة إلى نوعية الإقامة المؤقتة، فكل عضو من أعضاء هذا التنظيم عرضة لترك هذا المكان إما عن طريق الإفراج والعفو أو النقلة إلى غرفة أخرى أو إلى سجن آخر. كما أن النزيل لا يختار النزلاء الذين يعيشون معه، بل يفرضون عليه فرضا، ففي الحياة المدنية أي خارج السجن يمارس الفرد نوعا من الحرية في اختيار الأشخاص الذين يتعامل معهم، فيقصي من يريد إقصاءه ويحافظ على من يريد المحافظة عليه، لكن داخل هذا الفضاء يجد نفسه في وضعية مغايرة تماما لما اعتاد في الحياة المدنية الحرة، فيفرض عليه أفراد لا يعرفهم وتكاد لا تربطه بهم أية صلة، وبحكم ضيق المجال الذي يتحرك فيه يصبح ملزما على التعامل والتفاعل معهم.
وحتى الزيارات والتي من المفروض أن تشكل حافزا نفسيا وجرعة نور تغذي مقاومة النزيل للغول السجني، فإن الخوف الذي ينتاب النزيل من كونه خدع أو أن الدعم الذي يتلقاه ليس إلا شفقة، يجعلها حقيقة تدور في جو من الجفاف العاطفي أين يفقد الحب قيمته كعامل من عوامل تقوية النفس وتكامل الشخصية. ففي الواقع، النزيل مثل الزائر، يريد أن يقول كل شيء لكنه غير قادر على اختيار لا الوقت المناسب لا الكلمات المناسبة، حيث أن وقت الحديث محدود والخصوصية معدومة، وبالإضافة إلى ذلك، بعد الزيارة، بعض الكلمات يمكن أن تفسر دون أن يتمكن من معرفة ما كان في الحقيقة يعنيه الآخر، ينشأ هذا السؤال على وجه الخصوص عن النزيل الذي لديه المزيد من الوقت والميل للتفكير والتأويل، من أسبوع إلى آخر، من زيارة إلى أخرى، وقت طويل بما يكفي لتغيير ما كان يعنيه الآخر، وحتى الوقوع في جنون الارتياب والبارانويا. في كثير من الأحيان، النزلاء وعائلاتهم يعترفون بأن صالون الزيارة يحدث عشرين مرة في الرأس قبل وقوعه ويعاد بعد وقوعه عشرين مرة أخرى.
كل هذه العوامل وغيرها تجعل من المؤسسة العقابية مكانا حيث تكثر عوامل الصد والخذلان التي تحول دون تحقيق إمكانيات الإنسان وحاجته إلى الأمان والاطمئنان والمحبة والتقدير، فيكون بذلك متناقضا تماما مع ضرورة الحفاظ على التوازن النفسي للنزيل.
وما يزيد من تعكير الوضعية النفسية للنزيل القمع والكبت الجنسي الذي يعيشه خلف قضبان المؤسسة العقابية، فتجربة السجن تجربة مشقة كبيرة بالنسبة للفرد الذي يعيش الحرمان لا فقط من حريته ليأتي ويذهب، بل كذلك الحرمان من فرصة عيش وممارسة النشاط الجنسي الذي يريد العثور على مجال الوفاء به تحقيقا واستجابة لرغبته الجنسية والعاطفية، رغبته كإنسان.
يمكن تعريف الرغبة الجنسية بأنها التحسس الواعي بالميل أو الشهوة أو الحاجة للقيام بالعلاقة الجنسية، وتظهر هذه الرغبة عادة على صورة خيالات جنسية الطابع يصاحبها الانشغال بأفكار وخيالات جنسية. ومع أن هذه الرغبة تهدف إلى تحقيق غايتها، إلا أن لها أن تتوقف عند حدود الرغبة فقط ولا تتعداها إلى أي ممارسة جنسية، كما أن للرغبة إن لم تنتهي بتحقيق غايتها أن تسبب لصاحبها شعور الفشل والإحباط. وفي هذا المستوى يجب عدم التقليل من تأثير الطاقة الجنسية والدوافع الجنسية وإمكانيات كبتها أو إرضاءها على الحياة النفسية لأي فرد.
إن مسألة تكبيل الرغبة أو صعوبات الحياة الجنسية للذين يعيشون في بيئة أحادية الجنس مثل السجن، يثير كذلك مسألة فقدان الرغبة كرد فعل انكساري نفسي تجاه ما يعيشه النزيل، والتي لها انعكاسات جد سلبية خاصة عند الرجل الذي يشعر بأنه يخسر فحولته، مما يؤدي إلى تدهور صورة الذات والتي يعمقها تغطيس النزلاء في الشعور بالوحدة الوجودية، وهي وضعية صعبة لكل إنسان للرجال كما للنساء.
غالبا ما ينظر إلى الحرمان الجنسي من قبل النزلاء كوسيلة لتدمير الشخصية، فالإحباط الجنسي يعتبر متماهيا مع الحرمان الحسي الذي يستتبع السجن ويشكل إيذاء للمشاعر بما يجعل من الجنس أداة للعقاب، لذلك في كثير من الأحيان يردد النزلاء عبارات من قبل: “انهم يريدون أن يجعلونا حيوانات”.
إن عدم وجود الجنس في السجن هو بمثابة الحكم بالإعدام، أو الشيخوخة المبكرة التي من شأنها أن تؤثر على السكان الذين لا يزالون صغارا ومطلوبين، وفي هذا السياق عبر Jacques Lesage de la Haye (سجين سابق ومتحصل على الدكتوراه في علم النفس، ندد لأكثر من أربعين عاما بالطبيعة المدمرة للبيئة السجنية بدءا من الحرمان من العلاقات العاطفية والجنسية في الاعتقال والذي يعتبره “الإخصاء التام للإنسان”.) عن هذا الوضع اللاإنساني بقوله˸ “من المؤكد أننا إذا أردنا قطع رؤوس البشر، نزع أدمغتهم، تدميرهم نفسيا وعاطفيا، ببساطة نحبسهم ونحرمهم من الحياة الجنسية لسنوات، هذه هي الطريقة التي تنتج الروبوتات وأنواعا من الوحوش الفاقدة لصوابها… هذا النوع من الدمار النفسي يخلق حالة دائمة من الإحباط، اسميها “متلازمة الإرهاق الكبير”.
وقد إعتبر فرويد في مؤلفه “الحياة الجنسية” أن هذا الحرمان الجنسي يعتبر ذو خطورة بمكان، فالتحليل النفسي أتاح لنا أن نتحقق من أن أعراض الاضطرابات مثل الهستيريا العصاب الوسواسي إلخ، هي نفسية المنشأ ومتعلقة بنشاط العقد التمثيلية اللاشعورية المكبوتة، وهذه العقد اللاشعورية لها إجمالا مضمونا جنسيا، فمصدرها يكمن في الحاجات الجنسية للأشخاص غير الحاصلين على إشباع، وعلى هذا يتعين علينا أن نرى في جميع العوامل المضرة بالحياة الجنسية التي تقمع نشاطها وتنقل أهدافها عوامل مسببة للمرض في حالة الأعصبة النفسية.
فالحرمان وكبت الحاجة الجنسية يعتبر كنقطة انطلاق لمعاناة وآلام أخرى. صحيح أن في بعض الحالات الامتناع عن ممارسة الجنس لا ينتج التأثيرات النفسية، وفي حالات أخرى فإنه يسبب عواقب سلبية، العامل المحدد لطبيعة الآثار تم تحديده من خلال عديد الدراسات السريرية، والتي أثبتت بوضوح أن الحرمان الجنسي يصبح مسببا للأمراض بشدة عندما يشعر الفرد بالرفض من قبل الجنس الآخر، والذي يرتب الشعور بالنقص وانعدام القيمة وانعدام الاحترام، كذلك عندما يصيب الفرد شكل من أشكال العزلة أو العرقلة بشكل متعمد لحاجة أساسية، وهي طبعا صورة النزيل. وفي هذا المستوى أكد فرويد أن الحرمان الجنسي يقع تحمله بصعوبات كبيرة من الأفراد الخاضعين للنوع السابق، فحينما تشتد مطالب الحياة الجنسية السوية وهذه الأخيرة تلقى المعارضة من الكبت ففي زمن لاحق يظهر المرض حينما يفشل الليبيدو في الوصول إلى الإشباع السوي.
ونؤكد في هذا المستوى، أن الأمر لا يقتصر طبعا على الرجال فحسب بل يشمل كذلك النساء، وفي هذا السياق يقول فرويد في بحث نشره عام 1931 عن الوظيفة الجنسية عند المرأة أن تحقيق التوازن لدى المرأة أشق بكثير من تحقيقه لدى الرجل.
نعتقد أن الحاجة إلى النشاط الجنسي يمكن بسهولة مقارنتها بالرغبة في الحرية، فإذا كانت الرغبة في الحرية تبقى الأمل بين النزلاء، فالحاجة إلى النشاط الجنسي تبقيهم على قيد الحياة، وما زالت هذه الحاجة مدفونة أثناء الاحتجاز، جاهزة للانفجار، عندما تكون هناك رغبة قوية للغاية والبخار لم يعد من الممكن احتواؤه.
هناك من يثير مسألة الاستنكاف الجنسي داخل أسوار المؤسسة العقابية ويعتبره حل سليم وواقعي، وهنا نؤكد على أنه حين تعالج مسألة الاستنكاف، لا يجري التمييز بجلاء ووضوح بين شكلين من أشكاله˸ الاستنكاف عن كل نشاط جنسي والاستنكاف عن العلاقات الجنسية مع الجنس الآخر، فالكثيرون من الأفراد ممن يتباهون بأنهم أفلحوا في رفع أنفسهم إلى مصاف المستنكفين، لا يتوصلون إلى ذلك في الحقيقة إلا بطريق الإستمناء أو بمساعدة إشباعات مشابهة تتصل بالنشاط الإيروسي الذاتي. وقد أكد فرويد أن هذه البدائل عن الإشباع الجنسي لا تكون إطلاقا عديمة الأذى، فهي تولد لدى الفرد استعدادا مسبقا للإصابة بالأشكال المتعددة للأعصبة والأذهنة التي يتحدد شرطها الأول بنكوص الحياة الجنسية إلى أشكالها الطفلية.
إن استحالة ممارسة الجنس لا تسبب انعدام الرغبة، فالجياع لا تحلم سوى بقطعة من الخبز الجاف ولكن تخيلات العربدة عندهم متطور، لذلك فالنزلاء رغم شعورهم بالحرمان من الناحيتين الكمية والنوعية، ورغم أن كل كيانهم تحت وطئة الاحباط الجنسي الكبير، فلهم حاجة كبيرة للاستبدال التي يعبرون عنها بالقولة الشهيرة داخل الأوساط السجنية: “أعمل بما لدي… في متناول اليد”، وذلك خصوصا لتأمين النفس باعتبار أن قلة ممارسة الجنس يؤدي إلى القلق حول الأداء المستقبلي.
على الرغم من أن العديد من النزلاء ينكرون ذلك، فالإحباط وعدم الرضا التي تقدمها جميع الأشكال الممكنة للنشاط الجنسي في السجن والمتمثلة مبدئيا في الاستمناء هي نقطة لمزيد من المعاناة والحرمان. فالنزيل الإنسان، الذي حرم من ممارسة الجنس مع الشريك، ينتابه الإحساس بالانحدار من خلال اضطراره لإعادة الاتصال مع ممارسات جنسية تعود لسن المراهقة وربما الطفولة، إضافة للشعور بالذنب عن طريق التمثيلات الأخلاقية أو الدينية للمنع التي لا تزال تحيط بالنشاط الاستمنائي.
كذلك التخيلات المعتمدة لممارسة الاستمناء أحيانا تصبح مزعجة وتكدر النزيل، الذي يصبح لديه انطباع بأنه مهووس، إضافة لكون هذه التخيلات تثير الاشمئزاز وعادة ما تكون سادية وتترافق مع ألم نفسي شديد، لذلك يجبر على إخفاء الفعل والتخيلات.
عموما، إن الحرمان الطويل من إشباع الرغبة الجنسية وخصوصا في المحكوميات طويلة المدة، كثيرا ما تنشأ منه اضطرابات عصبية نفسانية، أو الأزمات العصبية المتخذة على الأخص صورة الهواجس والقلق أو صورة الانقباض النفسي تارة والتوتر النفسي تارة أخرى.
وكما نعلم، الإشباع الجنسي للشخص يسهم في رفاهيته النفسية، وقد أظهر الباحثون في السجون أن زيادة وتيرة الاتصال الجنسي والعلاقات يقلل المعاناة المرتبطة بالوحدة في السجن. فالنزيل لا يخرج عن طبيعته البشرية، بل يبقى في أمس الحاجة لإشباع رغباته الجنسية، وإن عدم تمكينه من ذلك سينعكس سلبا على حالته النفسية، ولعل ذلك من أهم الأسباب التي تؤدي إلى الانحرافات السلوكية والاضطرابات النفسية التي تخلق كثيرا من المشكلات، مما يكلف الدولة جهدا هائلا لتوفير الكوادر البشرية، والموارد المادية للسيطرة على مثل هذه المشكلات، ولعل ذلك يفسر في كثير من الأحيان قلة جدوى البرامج التأهيلية والتربوية التي تقدم للنزيل داخل المؤسسات العقابية والتي تهدف إلى تأهيله ليخرج بعد ذلك إلى المجتمع إنسانا منتجا، ولذلك فإن تمكين النزلاء من ممارسة الجنس سيكون عاملا فاعلا في تحقيق التوازن النفسي ومن ثم تفادي أو على الأقل التقليل من تلك المشكلات.
بذلك وبما أنه ينبغي إعطاء مغزى إيجابي للعقوبة السجنية، وهذه ليست هي الحالة عندما يكون الهدف تغييب كائن بشري ووضعه بين قوسين٬ فالحرمان من الحرية يجب أن يرفق بالتأهيل، فالنزيل يعتبر شخصا غير طبيعي بالنسبة للمعايير الاجتماعية السائدة ويجب أن يستفيد من عناية يكون هدفها تربيته مرة أخرى للعيش في المجتمع، وتتطلب هذه التربية وجوبية الرعاية الصحية للنزيل الإنسان سواء على المستوى الجسدي أو النفسي، هذه الرعاية التي يصعب تحقيقها إن لم نقل يستحيل باغتيال الرغبة الجنسية للنزيل وحرمانه من ممارسة حياته الجنسية. والجنس لا يشكل فقط رعاية لصحة النزيل بل كذلك عامل وقائي هام لصحة هذا الإنسان.
الفقرة الثانية: الجنس وقاية لصحة النزيل
التأهيل هو عملية مساعدة الأفراد على الوصول إلى حالة يتمكنون معها من التوافق العضوي والنفسي والاجتماعي مع مقتضيات المواقف التي يواجهونها، فهو يمثل مرحلة يتم عندها إعداد المجرم لكي يتقدم نحو الاستيعاب الاجتماعي في مجتمعه، وفي هذا الإطار تعتبر الرعاية الصحية ضرورية لخدمة هذه الغاية باعتبار أن تجربة السجن والمعاناة التي تسببها تعتبر مدمرة للنزيل الإنسان خصوصا فيما يتعلق بالحرمان الجنسي، فالنزيل يعتبر كائن مخصي من قبل العزوبة غير الطوعية حيث عدم وجود الجنس هو تجربة محبطة ثقيلة للتحمل وآثارها الجسدية والفسيولوجية هامة.
والرعاية الصحية باعتبارها استجابة “لحق كل إنسان في أن تكون سلامته الجسدية والعقلية والمعنوية محترمة”، على حد عبارات الفقرة الأولى من المادة الخامسة من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، تؤدي إلى الوقاية من الأمراض التي قد تصيب المحكوم عليهم وتمنع تفشيها بينهم، وهي من ناحية أخرى تعمل على تهيئتهم للاندماج من جديد في المجتمع حتى لا تكون سببا من أسباب اعتبارهم أقل درجة من أفراده سواء في مجال النظافة أو في مجال الصحة، إلى جانب ما توفره من إمكانيات توجيه سلوك النزيل إلى اعتماد السلوك المستقيم والتقيد بالتعليمات الصحية التي تجعلهم يعتادون على الالتزام بحكم القانون والابتعاد عن الأساليب الشاذة في تصرفاتهم.
وإذا كانت الرعاية الصحية تشكل ضرورة للإنسان في حياته الطبيعية في البيئة الحرة، فإن هذا المفهوم لا يشذ بالنسبة للمحكوم عليهم في السجون، وهي تؤدي إلى الوقاية من الأمراض التي قد تصيب المحكوم عليهم سواء الجسدية أو النفسية.
أ‌- الوقاية من الأمراض الجسدية
نشر الدكتور Gonin وهو طبيب في المؤسسات العقابية في منطقة ليون بفرنسا في عام 1991 كتابا بعنوان “الصحة السجنية”، أعلن خلاله أن جعل الحياة الجنسية في السجن بعدا خفيا أو موضوعا لا يعتزم التحدث فيه هو أن نترك البخار يسخن قبل وقوع الانفجار، وأن الجنسية لا يمكن إزالتها ببساطة لأنها تهم جسم الإنسان في سلامته، وقال أن الحياة الجنسية للناس في أول فترة الاعتقال تمتاز خاصة من خلال زيادة حادة في النشاط الاستمنائي، وهذا النشاط وإن كان مطمئنا للنزلاء ويسمح لهم العثور على بعض الخصوصية فإنه لا يختزل حياة جنسية صحية.
لا تشكل العادة السرية الممارسة في الظروف السجنية تناقضا مع الحياة الجنسية السليمة فقط بل أيضا تشكل خطرا على الصحة الجسدية للنزيل، رجلا كان أو امرأة، لذلك يجب العمل على الوقاية منه من خلال تفادي وقوعه، أي الخطر.
إن الإكثار من الاستمناء بالنسبة للرجل يقلل بالنهاية من الافراز المنوي ويضعفه بسبب الإنهاك الذي يحدث لعملية صنع الإفراز في الخصيتين، ويؤدي بالتالي إلى ضمورهما وإلى عجز الرجل عن الإخصاب، إضافة لكون الإسراف الأهوج في المني يؤدي إلى النحول والوهن وضعف الحركة وإلى حدوث النوبات العصبية والضمور الجسمي وإلى إضعاف الأحاسيس وألم الأغشية الدماغية. وبالنسبة للمرأة فإن بتكرارها العادة السرية يصبح مهبلها قليل الحساسية، وقد يفقد تفاعله العادي والمطلوب مع عملية إيلاج القضيب، إضافة للاضطرابات العضوية وضعف الغدد التناسلية والجهاز العصبي.
وتتجاوز مخاطر الممارسات الجنسية داخل المؤسسة العقابية المستوى الفردي لتهدد المجتمع بأسره من خلال المس بالصحة العامة، ففهم أفضل للممارسات الجنسية في الاعتقال يجعل من الممكن وصف الجوانب الحقيقية للمخاطر المهددة على حد سواء للنزلاء ولكن أيضا للمهنيين والمجتمع الحر، وهذا ينبغي أن يؤدي إلى تطوير برامج الوقاية والتدخلات المناسبة، فالمسألة تمثل مشكلة صحية عامة تهم المجتمع كله خصوصا فيما يتعلق بالأمراض المنقولة جنسيا.
الأمراض المنقولة جنسيا الأكثر شيوعا هي: الكلاميديا la chlamydia، السيلان la gonorrhée، الهربس التناسلي l’herpès génital، والتهاب الكبد ب. ولكن فيروس نقص المناعة البشرية هو بالتأكيد البلاء الأكثر مدعاة للقلق. وفي هذا المستوى، يشير تقرير الأمم المتحدة حول موضوع الأمراض المنقولة جنسيا لسنة 2012، إلى أن معدل الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية أعلى 17 مرة في السجن مما هو عليه في عامة السكان، وأن التهاب الكبد الوبائي يكون من 30 إلى 40 مرة أكثر انتشارا في السجون منه في المجتمع. وفي هذا الإطار يجب أن نؤكد إلى أن صحة نزلاء السجون مهددة من مخاطر مرتفعة في إصابتهم بالعدوى التي تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي.
إن الإصابة بأي مرض داخل السجن ليس جزءا من عقوبة النزيل، وتزيد أهمية هذه الحقيقة عندما يحتمل أن يكون المرض قاتلا كما هو الحال مع فيروس نقص المناعة البشري، لذلك من واجب السلطات الوقاية والحفاظ على صحة كل النزلاء والنهوض بالصحة العامة سواء لنزلاء السجون أو السكان الخارجيين على حد السواء. ففترة حضانة الفيروس طويلة تصل من 8 إلى 9 سنوات، ومن الممكن أن يحمل أحد النزلاء فيروس المرض بسبب ممارسة جنسية شاذة داخل السجن، وبعد انقضاء فترة المحكومية وخروجه من السجن وهو حامل للفيروس، ربما دون أن يدري، هذا الشخص يصبح عنصرا فتاكا يعيش طليقا بين الناس وينتقل الفيروس إلى مخالطيه وربما إلى غيرهم.
إن انتقال فيروس نقص المناعة البشرية في السجن يرجع في البداية إلى كون هناك عدد كبير من النزلاء لم يحصلوا على اختبار أو لم يعلنوا عن حالتهم لدى وصوله أو لم يكونوا على علم بحملهم للفيروس، كذلك الممارسات المحفوفة بالمخاطر والتي تمتاز بكونها غير مؤطرة مما يعقد مهمة الحد من هذا الوباء، ونجد ضمن هذه الممارسات الوشم وحقن المخدرات وخاصة ممارسة الجنس دون وقاية في الاعتقال. إن هذا النقص في وسائل الوقاية، بإرادة أو عدم اكتراث السلطات العامة، له تكلفة كبيرة.
يجب على الإدارة العقابية السعي لوقاية النزلاء ومن ورائهم كل المجتمع من الأمراض الجسدية الخطيرة التي تجد في الإطار السجني مجالا حيويا للظهور والتفشي، وخاصة منها الأمراض المنقولة جنسيا وبوجه أخص فيروس نقص المناعة. وفي هذا الإطار، أشارت عدة دراسات إلى دور تمكين النزيل الإنسان من ممارسة الجنس من خلال السماح له بالاختلاء بشريكه الجنسي، والذي هو مبدئيا قرينه، في تخفيض نسب الإصابة بالأمراض الجنسية. ذلك أن تحقيق الزيارة الحميمية للنزيل مع قرينه يعد بوجه عام وقاية صحية وجنسية للنزلاء، وتفعيلا للطب الوقائي لمواجهة الأمراض التي أصبحت تهدد صحة آلاف النزلاء، وأبرزها ودون جدال الإيدز الناتج عن انتشار الممارسات الجنسية الشاذة بينهم لعدم مقدرتهم على ممارستهم حياتهم الجنسية الطبيعية.
ولا ننسى أيضا أن هذه الزيارة الحميمية للنزيل الإنسان مع شريكه الجنسي، بما تشمله من ممارسة لحياته الجنسية، تشكل كذلك وقاية للنزيل مما قد يصيبه من أمراض نفسية.
ب‌- الوقاية من الأمراض النفسية
يترتب عن العقوبة السجنية الحديثة نتيجة ثلاثية، تتمثل في كون النزلاء يجدون أنفسهم في وضع التخلي التام والقطيعة مع العلاقات الاجتماعية والمهنية بعيدين عن الأماكن المألوفة والمحيط العائلي، ويجدون أنفسهم كذلك في علاقة غريبة مع الوقت فوقت الفراغ لا طائل منه وفترة الانتظار لا تنتهي أبدا، وأخيرا يجدون أنفسهم في مناخ من الخوف وانعدام الأمن.
هذه الوضعية التي يجد النزيل نفسه عليها والتي تجعله يعيش تجربة مهينة ومذلة وقاتلة، لها انعكاسات جد سلبية على صحته النفسية، فهي تجعله هستيريا وقد توصله حتى للانتحار.
يعتبر الانتحار داخل المؤسسات السجنية من أهم الظواهر التي تشهدها الحياة السجنية، فقد تظهر على النزيل مظاهر اكتئاب دائم وهو ما يسمى Dépression majeure وهي من أهم الأمراض النفسية المؤدية للانتحار، ومن أعراضه تسلط فكرة الإحساس بالذنب أو أنه قد أخطأ في حق الغير مما يجعله يفقد احترامه إلى ذاته كما يفقد كل أمل في الحياة.
أما حالات الهستيريا فتؤدي بالنزيل إما إلى محاولة الانتحار إذا كان مسالما وإما إلى الاعتداء بالعنف على الآخرين إذا كان هذا النزيل متسما بالشراسة.
ومما يدعم ويؤصل لإصابة النزيل بالأمراض النفسية خلال فترة محكوميته، الحرمان الجنسي القسري الذي يعيشه. وفي هذا الإطار، لعل جالينوس الطبيب الروماني الشهير في القرن الثاني بعد الميلاد كان أول طبيب تناول العلاقة بين النفس والجنس، إذ لاحظ وجود علاقة بين ظهور أعراض المرض الهستيري وبين تعذر العلاقة الجنسية.
إن الحياة الجنسية للفرد متداخلة ومتفاعلة مع حياته النفسية، وإلى الحد الذي لا نستطيع فيه إغفال العلاقة بينهما وإمكانية تأثير الواحد منهما على الاخر، ولقد توصل بعض العلماء إلى أن حرمان النزيل من إشباع الرغبة الجنسية يترتب عليه انعكاسات سلبية على نفسيته.
عموما هناك ترابط وثيق بين الحياة الجنسية لكل فرد ذكرا كان أو أنثى وبين شخصيته، وهذا الترابط قائم في الأفراد الطبيعيين وفي الأحوال الطبيعية، وهو كذلك قائم وربما بصورة أكثر وضوحا وشدة في الحالات غير الطبيعية، ويعود هذا الترابط في الحالات الطبيعية وغير الطبيعية إلى واقع التفاعل الوثيق بين المقررات الجنسية في عمليات النمو وبين العوامل المقررة لنمو وتطور الشخصية في أدوارها المختلفة.
إن إشباع شهوتنا الجنسية يتطلب أن نهبها المركز اللائق بحياة الإنسان المتمدن، لكن في السجن يتم اضطهادها. يمكننا اضطهاد غريزة ما، إلا أننا لا ننجح أبدا في حذفها وإلغائها، فبالرغم من اضطهادها تظل صامدة تنكل بنا وتذيقنا جميع أنواع الكبت والعذاب. فالرابطة وثيقة بين حياتنا الجنسية وبين حياتنا النفسية في حالات الصحة وحالات المرض على حد السواء، وهنالك تأثير متبادل للواحدة منهما على الأخرى، وهذا ما يعطي الحياة الجنسية أهمية قصوى في الحياة الإنسانية وإلى الحد الذي ينفي فيه إمكانية الوصول إلى نمو نفسي صحيح بدون مشاركة نمو مماثل لحياتنا الجنسية.
في عصرنا هذا، هنالك الكثير من الآراء التي تؤكد على أهمية النواحي الجنسية وتأثيرها على الشخصية والسلوك الطبيعي منه وغير الطبيعي وعلى الحياة والصحة النفسية، فاضطراب الحياة الجنسية والعطل الجنسي من نوع أو آخر، له أن يؤدي في بعض الناس إلى اضطرابات نفسية وعاطفية وسلوكية، كذلك النشاط الجنسي يمكن له أن يقدم أو أن يعيق من حظ هذه الامراض في الشفاء.
عموما الحرمان من الحياة الجنسية الطبيعية هو في الواقع قنبلة موقوتة، فالنشاط الجنسي يلعب دورا رئيسيا في توازن أي فرد ورفاه، ولغيابه في السجن آثار مدمرة. فالإحباط الجنسي يمكن أن يكون من الصعب تحمله من قبل النزلاء مما يؤدي في بعض الأحيان إلى الجنون والموت.
وتعتبر من أهم الآثار النفسية التي تتأتى من كبت الطاقة الجنسية، هي ما افترضه فرويد من أن هذا الكبت يؤدي إلى نشوء حالة القلق وما تفرع عنها من اضطراب في الحياة النفسية للفرد، ومن متعلقات هذا الافتراض أن احتباس الطاقة الجنسية بسبب النهي أو الصراعات أو صعوبة الاستثارة أو غيرها من الحالات التي تعوق إطلاق الطاقة الجنسية أو التفريغ الجنسي، فإن ذلك قد يؤدي إلى قيام اضطراب في مجال الحياة النفسية، ومن هذه الاضطرابات النفسية الانفعال والقلق والأرق والانفعالات الهستيرية والاتجاهات السايكوباتية المضادة للمجتمع.
هناك من النزلاء من يسعى لتجاوز الحضر الجنسي والحرمان من الممارسة الطبيعية، حيث أن توافر الطاقة الجنسية والدوافع المنبثقة عنها من شأنه أن يدفع بالفرد إلى محاولة السعي إلى إفراغ هذه الطاقة والحصول على المتعة من ذلك، سواء ارتبط ذلك بعملية الإخصاب أو لم يرتبط، والمبدأ لذلك هو أن الطاقة الجنسية وجدت لكي تستغل بالدافع والإرضاء وليس لهدف الكبت والمعاناة بسببها، فيلتجأ خاصة لممارسة العادة السرية إضافة للعلاقات المثلية التي قد يجد نفسه ضمنها طوعا أو جبرا.
فيما يتعلق بالعادة السرية، علينا بدءا أن نتذكر أن هذه الممارسة لا تزال فقرة طبيعية في النمو الجنسي للأطفال وربما إلى المراهقين، ولا يمكن تمديدها بانتظام في سن البلوغ وخاصة للراشدين، ذلك لأن خطر الإصابة باضطرابات جسدية أو عقلية موجود. ففي الواقع هذه الممارسة البديلة يمكن أن تصبح في بعض الحالات مفرطة، ولها عواقب نفسية وخيمة لدى الفرد، حتى لو كان المعتقل يسعى من خلال هذا الافراط إلى تأكيد ذاته واستعادة السيطرة على جسده ردا على القوة القسرية للمؤسسة العقابية.
تدفع الشهوة الجنسية الإنسان البالغ إلى الجماع، إنها تريده قادرا على العيش بصحبة شريك آخر، العادة السرية تختلف عن ذلك تمام الاختلاف، إذ كلما تملكت الشهوة ممارسها كلما تناسى ضلاله، حتى يعود إليه وعيه فيفتح عينيه فورا ويشعر بمرارة الوحدة، إنه وحيد لا يحتضن في صدره شريكا كما تخيل، لقد أرهق قواه عوض أن يصبها في شريك محبوب، لقد قام بعمل لا شعوري وضد الطبيعة، في حين يعشق الآخرون الآخر يكون هو قد ضل الطريق، فيقول في ذات نفسه لقد قمت بعمل يرفضه سواي، وعوض أن يكسب في ذلك المتعة الجنسية فقد اعتراه الحزن، هذا الحزن الذي قد يصل حد الاكتئاب.
يعاني النزيل كذلك من الأفكار التي تساوره حول احتمالات الضرر الممكنة من ممارسة الاستمناء من حيث الصحة العامة ومن حيث تأثيرها المستقبلي على الكفاءة الجنسية والتخصيبية، كما أن له أن يعاني من مشاعر الإثم نتيجة ممارسة مازالت تعتبر مكروهة دينيا ومعنويا، إضافة الصراع القائم داخله حول الممارسات الجنسية المثلية والتخوف من أن تصبح هذه الممارسات نمطا جنسيا انحرافيا في المستقبل.
إن الأفكار المتناقلة عن الآثار والنتائج الضارة لممارسة العادة السرية قديمة الأصول، غير أنها ما زالت راسخة حتى يومنا هذا، فبالإضافة إلى ما يلقن به الطفل أو الحدث أو المراهق من أن العادة السرية عيب وإثم، فهنالك أيضا الإشارة إلى أن ممارسة العادة أو الإكثار منها يؤدي إلى الفشل والعجز الجنسي في الكبر، وإلى تلبيد الذهن ونقص الذاكرة والتدرن والتحول العصبي، وحتى الجنون.
وبالنسبة لارتباط العادة السرية بالإثم فهو أمر قديم في العقائد الدينية، وهذا يتضح من أن العادة السرية يصطلح عليها أحيانا بالأونانية Onanism نسبة إلى أونان الذي ورد ذكره في العهد القديم، والذي أخطئ تفسير سلوكه مما أدى إلى إدانة ممارسة الاستمناء في المراجع الدينية قديما وحديثا، وقد امتد هذا الاعتقاد إلى كثير من الناس في مجتمعات كثيرة بما في ذلك المجتمعات المعاصرة. ولهذا الشعور بالإثم والعيب من الممارسة والخوف من انفضاحها للآخرين أو ظهور ما يتصور من معالمها على الفاعلين، أهمية كبيرة في إقامة حالة من القلق، هذه الحالة من القلق تعتبر خطيرة على الحياة النفسية والجنسية للفرد وتزيد كثيرا على أي خطر ممكن من ممارسة العادة السرية في حد ذاتها.
كذلك من المخاطر التي يشير إليها قسم من الباحثين، ما يمكن أن ينجم عن الربط بين ممارسة العادة السرية وبين الخيالات الفانتزمية التي تعرض للممارس ويستجلبها الفاعل بالتصور والتي ترد في شكل أحلام اليقظة. ومن الآراء الواردة في هذا الموضوع، أن مزاولة الاستمناء بإلحاح من شأنها أن تعزز ورود هذه الخيالات في ذهن الأفراد إلى الحد الذي يباعد بينهم وبين الواقع المحسوس، ولعل إمكانية هذه المباعدة هي أكثر ورودا في حالة انطواء الفاعل وعزلته عن الواقع والمجتمع، وقد تساعد هذه الأمور في تطوير تهيئة شخصيته للاتجاه نحو المرض بصورة أسرع.
وعموما، تتجاوز أحلام اليقظة الجانب الجنسي لتشمل كل جوانب حياة النزيل، فهي حيلة هروبية من خلالها يتشاغل النزيل عن همومه ويتناسى كربه، فكأنه يهرب من سجن الواقع إلى حرية الخيال. وأحلام اليقظة هذه هي قصص يرويها النزيل لنفسه بنفسه عن نفسه، هي نوع من التفكير الهائم الطليق الذي لا يتقيد بالواقع ولا يحفل بالقيود المنطقية والاجتماعية التي تهيمن على التفكير العادي. وتستهدف هذه الأحلام إرضاء رغبات وحاجات لا يستطيع النزيل إرضاءها داخل السجن، فهي تعويض وهمي عزائي. وعلى أية حال فلا ضرر منها إذا لجأ إليها بمقدار، أما إذا زحمت حياته النفسية واستهلكت طاقته النفسية كانت شديدة الأضرار وخيمة العاقبة، ذلك أن الإسراف فيها يؤدي إلى التباس الواقع بالخيال.
إن السجن يشكل بيئة نشطة للأمراض النفسية التي قد تصيب النزيل وتكون حاجزا إسمنتيا أمام تأهيله وإعادة إدماجه في المجتمع، لذلك وجب على الإدارة العقابية العمل على وقايته من تلك الأمراض حتى تتمكن من دعم حظوظها في تحقيق هدفها ونجاحها في استئصال النزعة الإجرامية لهذا النزيل الإنسان.
تعتبر النفس الإنسانية أكثر عمقا وظلمة من قاع البحار وأعقد مسلكا من الغابات الاستوائية، وهي في ترابط وتفاعل مع الحياة الجنسية، فلا تنمو إحداهما ولا تكون سليمة إلا بنمو وسلامة الأخرى، هذا يدعم القول بأن نزلاء المؤسسات السجنية يصعب إن لم نقل يستحيل حمايتهم ووقايتهم من الأمراض النفسية دون أن نوفر لهم حدا أدنى من الحياة الجنسية المرضية.
هذه الحياة الجنسية التي لا يقف دورها عند وقاية النزيل الإنسان من العديد من الأمراض النفسية وكذلك الجسدية، وإنما يتسع مجال فائدتها للعديد من المجالات من بينها أسرة النزيل، إذ تشكل الممارسة الجنسية للنزيل دعامة هامة للحفاظ على أسرته مما ينعكس بالإيجاب على تطبيق الغاية العقابية للعقوبة السجنية.

الكاتب: منير العش، مشروع إنسان… شبه مواطن… حقوقي وباحث في علوم الإجرام، مدافع عن الفئات التي يلقي بها المجتمع في المستنقع دون ذنب ثم يتنكر لها ويعلنها ورما خبيثا …

image_print

تصنيفات: مقالات الرأي