عمل الأطفال في تونس .. قانوني %100 – بقلم آلاء بوعفيف

عمل الأطفال في تونس .. قانوني %100

لا شكّ أنّ طفلا صغيرا سيطلّ عليك و أنت جالس في مقهى في شارع الحبيب بورقيبة ليعرض عليك بضاعته البسيطة ( وردا أو علكة أو محارم ورقيّة). و ما إن يتركك هذا الصغير حتّى يتقدّم إليك غيره في سلسلة متواصلة من الدوران الذي لا ينتهي.
أمام هذه الظاهرة التي باتت تنتشر بشكل مروّع في شوارع تونس العاصمة و حتى في بقية المدن والأرياف التونسيّة إضافة إلى عمل الأطفال في عدّة مجالات أخرى لنا أن نتساءل عن مشروعيّة القوانين التي تهتم بحماية الطفل و عن مدى فاعليّتها على أرض الواقع.
و بداية, وجب علينا تعريف الطّفل بالعودة إلى المفهوم التشريعي حيث ينصّ الفصل 3 من مجلة حماية الطفل أنّ:
“المقصود بالطفل على معنى هذه المجلة، كل إنسان عمره أقل من ثمانية عشر عاما، ما لم يبلغ سن الرشد بمقتضى أحكام خاصة.”
و عليه فإنّ الطفل هو الشخص الذي تنفى عنه صفة الرّشد مما يؤثر في أهليته و بالتالي في تصرفاته القانونية. و سن الرشد في القانون التونسي هو 18 سنة كاملة حسب تنقيح 2010 الصّادر على مجلة الأحوال الشخصيّة.
و قد أقر القانون للحاكم إمكانية ترشيد الصغير ترشيدا مقيّدا أو مطلقا كما يمكن لهذا الأخير الرجوع في هذا الترشيد إذا قام لديه موجب في ذلك و عليه تكون “تصرفات المرشد تكون نافذة صحيحة في حدود ترشيده”.
و من الشروط الأساسية للترشيد هو عدم إمكانية ذلك إذا لم يتم الصغير الخمسة عشر سنة.
و في سياق مشروعيّة السن التي يتأهّل بها الطفل لممارسة أعمال و تصرفات قانونية بصورة مستقلة يقرّ الفصل 58 من مجلة الشغل على أنه:
“لا يجوز أن يقل عن ثمانية عشر عاماً السنّ الأدنى للقبول في أيّ نوع من أنواع الأعمال التي يمكن بحكم طبيعتها أو الظروف التي يقع القيام بها أن تعرّض صحة أو سلامة أو أخلاق الأطفال للخطر. وتحدّد أنواع الأعمال المشار إليها بقرار من الوزير المكلف بالشؤون الاجتماعية، يتخذ بعد استشارة المنظمات المهنية لأصحاب العمل والعمال الأكثر تمثيلاً.”
و وفقا لهذا الفصل فإن الأعمال التي تنتفي فيها شروط التعرض للسلامة و الخطر هي اعمال مشروعة و يمكن للطفل ممارستها بكل حريّة. و لكن تأويل هذه الشروط يبقى واسعا حيث يستطيع بعض الأولياء تشغيل أبنائهم في التجارة بتعلّة أنها لا تعرّض صحة الطفل و لا سلامته الجسدية أو المعنوية للخطر او الأشغال الموسمية التي لا تؤثر في المسيرة الدراسية للطفل , بينما يستطيع فقهاء القانون الاستناد على نفس الفصل لإقصاء هذا النوع من الأعمال.
و عليه فإن الفصل 58 بتحديده للاعمال التي يمكن أن يزاولها الطفل ينفي وجود أيّ سن دنيا لبداية العمل في تونس, بالإضافة إلى البنود القانونية التي تقرّ بمشروعية عمل الأطفال.
فالفصل 55 من مجلة الشغل أيضا ينصّ على:
“تخفيض سنّ قبول الأطفال في العمل إلى ثلاثة عشر عاماً في الأعمال الفلاحية الخفيفة التي لا تضرّ بصحتهم ونموّهم، ولا تمس بمواظبتهم وقدراتهم على الدراسة، ومشاركتهم فـي برامج التوجيه أو التكوين المهني المصادق عليه من قبل السلط العمومية المختصة.”
كما ينصّ قانون عمال المنازل المنقّح سنة 2005 على تشغيل الأطفال ما بين سن 16 و 18 سنة.
و ليست هذه القوانين إلا تشريعا لتشغيل الأطفال مما سبب تفاقم هذه الظاهرة أمام انتقادات كثيرة لهذه الثغرات القانونية و هشاشة النصوص التشريعية.
و قد حاول المشرع التونسي التقدّم في سنوات ما بعد ثورة 14 جانفي 2011 بوضعية الطفل العامل عبر إسناد مجموعة أخرى من النصوص لعلّ أهمها يتمثّل في قانون الاتجار بالبشر الصادر في 3 أوت 2016 و الذي نصّ على منع عمالة الأطفال في فصل واحد أقر فيه بمنع “الاستغلال الاقتصادي أو الجنسي للأطفال بمناسبة تشغيلهم” دون إعطاء وضعيات مفصّلة أو حلول واقعية.
كما نجد في قانون 11 أوت 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة الفصل 20 الذي أقرّ بأنه :
“يعاقب بالسجن من 3 أشهر إلى 6 أشهر و بخطية من ألفي دينار إلى خمسة آلاف دينار كل من يتعمد تشغيل الاطفال كعملة منازل بصفة مباشرة أو غير مباشرة. يسلط نفس العقاب المذكور بالفقرة المتقدمة على كل من يتوسّط لتشغيل الاطفال كعملة منازل.”
و لكن هذه القوانين أيضا لم تكن كافية لوقف هذا النزف المتواصل من عمالة الاطفال.
إذ وفقا للمسح الوطني الذي أعدّه معهد الإحصاء و وزارة الشؤون الاجتماعية و منظمة العمل الدولية في اواخر سنة 2017 يبلغ عدد الاطفال الناشطين اقتصاديا أكثر من 215 ألف طفل.
وأكدت الدراسة أنّ 136 ألفاً من بين هؤلاء الأطفال يعملون في أعمال خطيرة.
وبحسب وزارة الشؤون الاجتماعية، فإنّ نحو 50 في المائة من نسبة الأطفال يعملون في الأعمال الفلاحية، في حين يعمل نحو 20 في المائة منهم في التجارة، وتتوزع بقية النسب على بعض الأعمال الحرّة والحرف وغيرها.
و قد أكدت دراسة أعدّتها جمعية النساء التونسيات من أجل التنمية في عام 2016، أنّ هناك نحو 78 ألف معينة منزلية في تونس 17.8 في المائة منهن طفلات.
و بخصوص تفشي هذه الظاهرة و ردّا على الانتقادات التي توجه إلى مجلس النواب بشأن تقصيره في وضع ترسانة قانونية رادعة لعمل الأطفال و معززة لحمايتهم الشاملة تقول عضوة لجنة شؤون المرأة و الطفولة و الشباب و المسنين “بشرى بالحاج” أن : “القوانين التونسية قادرة على مكافحة عمالة الأطفال على غرار مجلة حماية الطفل.”
و لكن الاستاذ المحاضر في قانون الشغل بكلية العلوم القانونية بتونس “حاتم قطران” يعارض هذا الرأي مشدّدا على ضرورة تعزيز حماية الطفل بعدم وضع استثناءات قانونية في مجال الشغل و إنشاء رقابة صارمة على الإخلالات التي تنتهك حقوق الطفل, إضافة إلى وضع آليات واضحة للتبليغ عن شغل الأطفال و التي لا نجد منها شيئا في الوقت الراهن.

image_print

تصنيفات: مقالات الرأي