احدث المقالات

فض المظاهرات في تونس وحداث التدخل جزء من المشكل – الكاتب عصام قمودي

ليست الاوضاع على ما يرام و من البذائة و السذاجة قول غير ذلك ، وضع مجحف كلنا ندركه تمر به الدولة و ظروف اجتماعية مزرية ، تحاول الدولة الإبقاء على الطابع الاجتماعي و محاولة ضمان حد أدنى من النمو الاقتصادي لكن دون جدوى ، أمام هذا الوضع يجد الشعب نفسه و خاصة الفئات الشابة أمام خيار وحيد يرونه طريقة للتعبير عن الغضب و الرفض للسياسات الاقتصادية و هو التظاهر السلمي في شوارع المدن و القرى و الذي يمكن في بعض الحالات أن يفقد صفة السلمية عندما يغلب الاحتقان الشعبي على الجميع ،
الدور المعهود لوحدات الأمن في العالم خاصة وحدات مكافحة الشغب هو تهدئة الأوضاع و التقليل من الاحتقان في صفوف المحتجين بشكل أولي و يكون محمولا عليهم واجب ضبط النفس و الاحترام الكامل للقانون ، و للمعاهدات الدولية التي تتناول فض التجمعات و مكافحة الشغب ، إلا أننا و خاصة في الفترة الأخيرة نشهد تعاملا عنيفا من قبل وحدات التدخل و عدم ضبط للنفس ، حيث أننا شاهدنا في عدة مناسبات مواطنين يفقدون حياتهم خلال مظاهرة أو احتجاج ، أبسط مثال على ذلك وفاة متظاهر في مدينة طبربة دهسا بسيارة شرطة إثر الاحتجاجات الأخيرة المطالبة بإسقاط الميزانية ، حيث صرح شهود عيان لممثلي منظمة العفو الدولية أن المتوفي دهسته سيارة الأمن مرتين غير أن وزارة الداخلية كذبت هذا و قالت في بيان توضيحي أن المتوفي يعاني من أمراض تنفسية مزمنة و هذا ما سبب الوفاة في الوقت الذي كذبت عائلة الفقيد هذه الادعاءات تماما ، أضاف تقرير منظمة العفو الدولية ” إذا استخدمت الشرطة القوة لتفريق أي تجمع ، بما في ذلك عن طريق استخدام الغاز المسيل للدموع فيجب عليها ان تضمن تقديم المساعدات الطبية الى أي شخص تعرض للإصابة أو تضرر بأسرع وقت ممكن “.
كما صرحت هبة مرايف المديرة الإقليمية لمنظمة العفو في الشرق الأوسط و شمال افريقيا “إذا ثبت أن أي عون من أعوان تنفيذ القانون مسؤولا جنائيا عن وفاته ، فيجب تقديمه الى العدالة”
“أكد تقرير المنظمة على أنه “وفقا للمعايير الدولية لا يجوز للشرطة أن تستخدم القوة الا عند الضرورة القصوى و بشكل متناسب و بطريقة تهدف لتقليل الأضرار أو الإصابات”
كما صرحت منظمة العفو في تقريرها السنوي:
في 10 مايو/أيار، أعلن الرئيس السبسي نشر قوات الجيش لحماية المنشآت الاقتصادية الرئيسية من الاضطرابات الناجمة عن الاحتجاجات الاجتماعية والعمالية. وفي غضون الأيام”
التالية، استخدمت قوات الشرطة القوة المفرطة، بما في ذلك الغاز المسيل للدموع، ضد متظاهرين سلميين في مدينة تطاوين الواقعة في جنوب البلاد. ولقي شاب من المتظاهرين مصرعه عندما دهسته مركبة تابعة للحرس الوطني، فيما وصفته وزارة الصحة بأنه كان حادثة. وفي 18 سبتمبر/أيلول، اعتدى عدد من ضباط الشرطة بالضرب بالهراوات على الصحفي حمدي السويسي، بينما كان يغطي اعتصاماً في مدينة صفاقس. وعلى مدار العام، حاكمت المحاكم بشكل متزايد أعداداً من المتظاهرين السلميين. ففي قفصة وحدها، حاكمت المحاكم مئات الأشخاص، وحُوكم ما يزيد عن 80 منهم غيابياً، بتهمة “تعطيل حرية العمل”، وذلك إثر احتجاجات اجتماعية تتعلق بالبطالة.”
القانون عدد 4 لسنة 1969 مؤرخ في 24 جانفي 1969 المتعلق بالاجتماعات العامة و المواكب و الاستعراضات و المظاهرات و التجمهر و هو النص القانوني الذي يتولى التأطير القانوني لعملية فض المظاهرات من قبل أعوان الأمن ، نجد في فصله الأول إقرارا واضحا أن الاجتماعات العامة حرة و يمكن أن تنعقد بدون سابق ترخيص حسب شروط يضبطها هذا القانون حيث لا يتطلب الأمر سوى إعلام ممضى عليه من قبل شخصين حاملين لبطاقة التعريف الوطنية ، كذلك يشير الفصل السادس الى ضرورة تعيين عون أمن متابع لهذا التحرك له الحق في إعلان عن ايقافه في صورة طلب الهيئة المنظمة أو حدوث شجار أو اعتداء بالعنف و هنا على كل المتواجدين التفرق فورا ،
في حالة عدم خضوعهم لأمر التفرق و هي حالة غالبة الحدوث ، ينص الفصل 15 من نفس القانون “يشتت التجمهر بالقوة من طرف أعوان الأمن بعد أن يكون ممثل السلطة المختصة الذي له صفة الضابطة العدلية و المرتدي الزي الرسمي أو الحامل شعار وظيفته :
قد أعلن عن حضوره بواسطة إشارة سمعية أو ضوئية من شأنها أو تحذر المتجمهرين تحذيرا ناجعا.
قد أمر الأشخاص المشاركين في التجمهر بالتفرق مستعملا مضخم الصوت أو بواسطة إشارة سمعية أو ضوئية من شأنها أن تنذر المتجمهرين إنذار ناجعا.
قد قام بإصدار أمر ثان على نفس النسق إذا بقي الأول بدون نتيجة”.
يحدد هذا الفصل إجراءات الإعلام عن حضور عناصر الأمر و عن قرارهم بتفريق التجمهر حتى أن الفصول 16 و 17 و 18 تحدد العبارات التي على ممثل السلطة المختصة استخدامها من قبيل “امتثلوا للقانون ، تفرقوا” كإعلان عن تواجد ممثل السلطة المختصة على عين المكان ، “إنذار أول ، تفرقوا وإلا سيقع استعمال القوة” ، ثم كتحذير أخير “إنذار أخير ، تفرقوا و إلا سيقع استعمال القوة” ، بالطبع أي ناشط سياسي أو متابع للشأن العام يقرأ هذه الفصول إما بسخرية أو تعجب رهيب إذا أنه لم يشهد منذ بداية خروجه في مظاهرات تطبيق هذه الفصول التي يكسوها الغبار ، غالبا ما يكون الأمر بالتفرق عبر استخدام العنف المباشر إما بالأيدي أو الهراوات أو عبوات الغاز المسيل للدموع ، بالطبع دون تمييز أو مراعات يقع ضرب الجميع و مطاردتهم لمسافات تتجاوز 50 مترا فقدت شهدت أعوانا تنزع حجاب فتيات متدينات و تمنع مرور سيارات إسعاف لإجلاء المصابين (احتجاجات طلبة الحقوق) لكن دعنا من التجارب الشخصية،
المرحلة التالية ليست بالممتعة ، حيث ينص الفصل 21 من نفس القانون أنه في صورة عدم امتثال المتجمهرين لأمر التفرق رغم الإنذارات المتتالية فإن لأعوان الأمن التدرج في استخدام الأسلحة : يبدأ الأعوان باستخدام الرش بالماء و المطاردة بالعصي و يجدر الاشارة أنه دائما ما يتم اللجوء للخيار الأكثر عنف و هو المطاردة بالهراوات ، ثم ينتقل أعوان الأمن الى رمي القنابل المسيلة للدموع و يجدر القول أن في أغلب حالات استخدام القنابل المسيلة للدموع تم استخدامها بطريقة تعسفية الى حد اصابة منازل و منشآت مجاورة ، ثم يبدأ أعوان الأمن باستخدام السلاح الناري ، عبر الإطلاق العمودي للرصاص لتخويف المتجمهرين ثم في مرحلة أخيرة يطلق أعوان الأمن النار صوب أرجلهم ، أما الفصل 22 فيصوغ بشكل مباشر أنه إذا عمد المتجمهرون للوصول لمبتغاهم رغم كل هذا فإن أعوان الأمن يطلقون عليهم النار مباشرة ،
ليس هذا القانون بنص مثالي بل الكثيرون لهم تحفظات تجاهه لكن مجرد انطباقه سيقلل من اللجوء الى العنف في كل مظاهرة أو تجمهر ، في حالات الاحتقان يمكن لتجاوزات نشهدها من قبل أعوان وحدات التدخل أن تتسبب في إنفجار شعبي ، تجاوزات ليس لها أي مبرر خاصة مع وجود نص قانوني يأطر عملية فض التجمهر من بداية التحرك الى استخدام العنف المميت في الحالات الاستثنائية جدا ، كذلك يمكن بسهولة تطوير منظومة مكافحة الشغب حماية للأعوان و للمتظاهرين عبر تبني أساليب كالرش بالماء فهو حتما أقل ضررا من الهراوات التي تتسبب في ارتجاجات و كسور بشكل دائم ، على المجتمع التونسي و الأجهزة الأمنية أن تبدأ بإعطاء أهمية للحياة البشرية و التأقلم مع الأوضاع الاجتماعية دون التعسف على حقوق مكفولة دستوريا ، يمكن هذا عندما تخضع منظومة مكافحة الشغب في تونس من ضمنها الإدارة العامة لوحدات التدخل الى اصلاحات هيكلية و شاملة لترتقي نحو معايير دولية واضحة .

image_print

تصنيفات: مقالات الرأي