ما كان للقرار أن يكون طلبا ! – بقلم الجامعي عبدالسلام الككلي والمستشار علي الجوابي

ما كان للقرار أن يكون طلبا !
بقلم عبدالسلام الككلي : جامعي
علي الجوابي : مستشار مقرر عام بالإدارة العامة لنزاعات الدولة متقاعد


نشرت “الصباح ” يوم الاحد 25 مارس 2018 مقالا بعنوان “هيئة الحقيقة والكرامة .. بين قرار التمديد وقرار طلب التمديد” للسيّد ابراهيم البرتاجي
ولا يعتبر الاستاذ في مقاله قرار هيئة الحقيقة والكرامة الذي اثار جدلا واسعا في المدة الأخيرة قرار تمديد بل يعتبره طلبا توجّهه الهيئة الى مجلس نوّب الشعب “
و قد اعتمد في بيان رأيه على مبدئين “من شأنهما إنارة السبيل للوصول للمعنى الحقيقي الذي قصده المشرّع حسب رأيه وهما مبدأ سيادة الدولة و مبدا التأويل للضيّق للاستثناء” وسنناقشه في هذين المبدأين أساسا :

1 – في مبدأ السيادة

نلاحظ أنّ مبدأ السيادة يتجسّم من خلال احترام مجلس نوّاب الشعب للدستور وممارسة مهامه في إطار اختصاصه المبيّن في الدستور فلا اختصاص بدون نص وفي إطار الصيغ المبيّنة في الدستور مثل المصادقة على القوانين (الفصل 64) والتصويت على لائحة لوم ضدّ الحكومة (الفصل97 )والموافقة على الاتفاقيات المبرمة في شأن عقود الاستثمار المتعلّقة بالثروات الطبيعية التي هي ملك الشعب التونسي (الفصل13).
يبدو لنا ان تصوّر الأستاذ البرتاجي لمبدأ السيادة معتلّ بخروجه عن الدستور وبحصر القرارات النهائية في جميع المجالات في يدي السلطتين التنفيذية والتشريعية من خلال إعطائهما صلاحيتي المصادقة والنقض تجاه السلطة القضائية وتجاه بقية مؤسّسات الدولة
ان مبدا السيادة كما يفهمه الأستاذ البرتاجي يتعارض مع ما نفهمه نحن من مفهوم السيادة فهو عندنا يعني سيادة القانون أولا …وخضوع السلطة التشريعية هي نفسها لمبدا سيادة القانون يعني في تصورنا وفي تصور غيرنا التزامها في ممارسة صلاحياتها و في سنها للتشريعات أحكام الدستور الذي يعلو على القوانين كافة ، والتزام السلطة القضائية بمبدأ سيادة القانون يتجلى فيما تصدره من أحكام تطابق القانون ويبدو خضوع السلطة التنفيذية للمبدأ نفسه أكثر أهمية فيما تصدره من قرارات وما تقوم به من أعمال .

2 – في مبدأ التأويل الضيّق

ذكر الأستاذ البرتاجي بأنّ الفصل 18 من القانون الاساسي المتعلّق بإرساء العدالة الانتقالية يقرّ مبدأ مفاده أنّ عمل الهيئة يدوم أربع سنوات ويردفه باستثناء يتمثّل في امكانية التمديد و يرى أنّه “عند النظر في مقتضيات الاستثناء يتعيّن اتباع أقصى درجات الصرامة حتّى يكون الاستثناء صعب التحقّق”
يتضح من خلال ما عبّر عنه الاستاذ انّه بعيد عن تطبيق هذا المبدأ الذي يمكن تلخيصه في عدم التوسّع في مدلول النصّ عند تأويله وشرحه. لكن هل يمكن للتأويل واسعا كان أو ضيّقا ان يصبح انحرافا بالنصّ عن مراده ؟
فخلافا لما عبّر عنه فإنّ الاستثناء يتحقّق إذا توفّرت شروطه ولا مجال لاعدام امكانيته . غيران الأستاذ لم يبحث عن المعنى الحقيقي الذي قصده المشرّع ولم يعتمد التأويل الضيّق بل توسّع في تأويل النصّ ايما توسع فحمله ما لا يتحمل وأضاف اليه ما لم يتضمنه
فالقول بأن قرار الهيئة التمديد في مدة عملها هو مجرد طلب في التمديد يرفع إلى المجلس التشريعي الذي له سلطة القرار في ذلك هو تحريف لإرادة المشرع لأنه لو كان المقصود فعلا هو ذلك لكانت صياغة الفصل على النحو الاتي: بقرار من المجلس التشريعي يتخذ بناء على طلب معلل من الهيئة” وهي صيغة متواترة في النصوص القانونية ونذكرهنا على سبيل المثال حالات قليلة من جملة امثلة لا حصر لها مثل ما نص عليه القانون الأساسي عدد 45 لسنة 2017 ويتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 40 لسنة 1975 المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر من أنه “يمكن لقاضي التحقيق الإذن برفع تحجير السفر تلقائيا أو بطلب من المظنون فيه أو محاميه، بعد أخذ رأي النيابة العمومية، أو بناء على طلب من وكيل الجمهورية” وكذلك ما تضمنه الفصل 19 من القانـون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 المتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين من أن ” ينتفع المبلّغ بناء على طلب منه…وأيضا الفصل 56 من القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 القانون المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص “للجهة القضائية المتعهدة أن تقرر من تلقاء نفسها أو بطلب من ممثل النيابة العمومية أو بناء على طلب كل من له مصلحة في ذلك إجراء الجلسات بصورة سرية”.
وخلافا لما ارتاه الأستاذ في تكييفه لقرار الهيئة بانه يندرج في المسارات التقريرية المكونة من جزأين مستندا في ذلك الى قرار الوزير الذي يخضع الى تأشيرة رئيس الحكومة والى قرار رئيس البلدية الذي يخضع الى مصادقة الوالي وبأن المسالة تتعلق ” بسلطة عليا و بسلطة سفلى ” فان اجراء التأشيرة او المصادقة هي من الإجراءات التي يتعين التنصيص عليها صراحة بمقتضى القانون وهو ما لم ينص عليه الفصل 18 . وفضلا على ذلك فان قرار الوزير الذي يخضع الى تأشيرة رئيس الحكومة يكون في اطار علاقة هرمية ضمن نفس اعضاء السلطة التنفيذية. ومن المعلوم ان الهيئات المستقلة لا تربطها علاقة هرمية لا بالسلطة التشريعية ولا بالسطة التنفيذية في اتخاذ قراراتها….والا لكانت كل قرارات الهيئات المستقلة خاضعة للمصادقة والتأشير وهذا ما لا يقتضيه مفهوم الاستقلالية مطلقا
وبخصوص العلاقة بين رئيس البلدية والوالي نوضح ان الرقابة التي يمارسها الوالي هي رقابة إشراف ولا بد ان تكون بنص صريح طبق القاعدة العامة التي تقضي انه لا إشراف دون نص ولا إشراف خارج النص .
كما ان السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو كيف توصل الأستاذ الى ان للمجلس التشريعي سلطة قرار حتى نتحدث عن ” سلطة عليا وسلطة سفلى ” فمجرد رفع الهيئات لتقاريرها السنوية سواء لمجلس النواب او رئيس الحكومة او رئيس الجمهورية لا يعني بتاتا ان للجهات التي ترفع اليها التقارير سلطة مراجعة او تقدير او مصادقة فالمجلس الاعلى للقضاء يعد تقريرا سنويا يحيله على كل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس نواب الشعب، ورئيس الحكومة في أجل أقصاه شهر جويلية من كل سنة، ويتم نشره ويناقش مجلس نواب الشعب التقرير السنوي في مفتتح كل سنة قضائية في جلسة عامة للحوار مع المجلس طبق الفصل 114 من الدستور
اما بخصوص التعليل الوارد في الفصل 18 فانه يجد تبريره في طبيعة القرار بصفته قرارا اداريا قابلا للطعن بدعوى تجاوز السلطة هذا فضلا على ان كل قرارات التي تشترط تعليلا ليست قابلة للطعن… مثل قرار توقيف التنفيذ الصادر عن رئيس المحكمة الإدارية او قرار التمديد في اجال الاحتفاظ او قرار رئيس المحكمة العقارية في مادة التحيين. فالتعليل ليس في مطلق الاحوال يجعل القرار قابلا للطعن.. اما بالنسبة للتمديد كاستثناء فهو لا يعني في فهمنا التضييق في شروط التمديد بل في مدته فقط لذلك تم التنصيص على انه يكون مرة واحدة . .
أخيرا إن التأويل يكون في غير الواضح من النصوص من حيث العبارات المستعملة . اما اذا كان الامر لا يستدعي أي تأويل لعدم الحاجة اليه بالنظر الى وضوح الالفاظ وارادة المشرع من ورائها فان اية محاولة لليّ عنق اللفظ وما تمحض له من مدلول لم يعد تأويلا لا ضيقا ولا واسعا بل يدخل في خانة التقول على النص والتزيد عليه بما لا يستجيب لمنطوقه الصريح بل لإرادة المتكلم لا اكثر ولا أقل سواء استجاب النص لتلكم الإرادة او لم يستجب .

نشر بجريدة الصباح بتاريخ 1 أفريل 2018

image_print

تصنيفات: القانون الدستوري والمؤسسات الدولية,حقوق الإنسان,قسم القانون العام,مقالات الرأي