من مشاهير القانون : دافيد دي سانتيلانا David Saintillana

المولد والنشأة :
ولد في تونس في 9 مايو 1855 من أسرة يهودية ذات أصل إسباني قديم، لجأت إلى تونس واستقرت بها، لكنها كانت تحمل الجنسية الإنجليزية، وكان أبوه قنصلاً لبريطانيا العظمى في تونس.
وقد ظهر نبوغ سانتلاّنا مبكراً بدليل أنه عُيِّن ـ وهو في السادسة عشرة من عمره، في 1871 ـ سكرتيراً للجنة الدولية لشؤون تونس المالية. بيد أنه استقال من هذا المنصب تضامناً مع نائب رئيس اللجنة بسبب حادث سياسي. وانتقل من ثمّ إلى لندن ليستعد لدخول المسابقة الخاصة بالخدمة المدنية أو السلك الدبلوماسي. لكن ظروفاً أليمة غير متوقعة دعته إلى العودة إلى أسرته في تونس، ليتولى تدبير شؤون الأسرة ورعاية إخوته الصغار العديدين.
وحوالي 1880 التحق بكلية الحقوق في جامعة روما، ومنها حصل على ليسانس الحقوق. ونظراً لمواهبه وتجاربه استدعي ـ وهو لا يزال طالباً في كلية الحقوق بجامعة روما ـ ليكون مستشاراً لهيئة الدفاع عن أحمد عرابي باشا أثناء محاكمته من قِبل المحكمة التي شكلتها إنجلترة لمحاكمته عقب احتلالها لمصر في سبتمبر 1882 مباشرة والتي أصدرت حكمها في يومي 4 و 8 ديسمبر 1882 بإعداد عرابي باشا ورفاقه. ولا شك أن السبب في استعانة هيئة الدفاع به ـ وكانت من محامين إنجليز ـ أنه كان يتقن العربية، ويعرف جيداً الشريعة الإسلامية، وفي الوقت نفسه كان بريطانيّ الجنسية وقام بمهام دبلوماسية.
وأثناء إقامته في روما طالباً في كلية الحقوق حصل على الجنسية الإيطالية، وهو كان يتقن الإيطالية إتقاناً تاماً منذ صغره وهو في تونس لأن أسرته كانت تتقن الإيطالية، وربما كانت لغة التخاطب فيما بينها، كما هو مشاهد بالنسبة إلى اليهود في شمالي إفريقية بوجه عام: من التخاطب فيما بينهم بالفرنسية، أو الإيطالية أو الإسبانية بحسب البلاد التي انحدروا في الأصل منها.

تقنين القوانين التونسية :
وبعد حصوله على الليسانس في القانون من جامعة روما في 1883 مارس مهنة المحاماة في روما وفي فيرنتسه حتى 1896، حين دعاه المقيم الفرنسي ـ وكانت تونس قد احتلتها فرنسا منذ 1881 ـ ليكون عضواً في اللجنة المكلّفة بتقنين القوانين التونسية، وكانت مؤلفة من خمسة أعضاء كان هو من بينهم العضو الوحيد المختص في الشريعة الإسلامية، ولهذا كلّف هو وحده بوضع مشروع قانون بحسب الشريعة الإسلامية مرتباً حسب منهج وشكل القوانين الأوروبية. وكانت ثمرة عمله هذا، الذي استمر ثلاث سنوات، مجلداً ضخماً يقع في 13 + 860 صفحة من قطع الربع بعنوان: «القانون المدني والتجاري التونسي: مشروع تمهيدي نوقش ووفق عليه بناء على تقرير م.د. سانتلاّنا، تونس، 1899» (وهو المجلد الأول من «أعمال لجنة تقنين القوانين التونسية»).
وقد اقتصر هذا القسم من القانون المدني على باب الالتزامات، لأن قانون الأحوال الشخصية والميراث بقي كما كان بحسب مذهب مالك، ولم يجر عليه أي تعديل.
ويتضمن هذا المشروع 2479 مادة قام سنتلاّنا بصياغتها، مقارناً إياها بنظائرها في القوانين الأوروبية، ومبيّناً في الوقت نفسه مصادرها أو علاقاتها بنظائرها في الشريعة الإسلامية بحسب مذهب مالك، وهو المذهب السائد في تونس والمغرب بعامة. وفي هذا العمل كشف سانتلاّنا على علم مستقصى دقيق بالفقه الإسلامي على المذاهب الأربعة، وعلى مذهب مالك بخاصة، وبالقانون الروماني والقوانين المطبقة في العصور الوسطى في مختلف الدول الأوروبية. وألمح، دون برهان صريح، إلى إمكان أن تكون بعض قواعد الفقه الإسلامي مستمدة من القانون الروماني. وقد كان من رأي سانتلاّنا أن الخلافات بين الفقه الإسلامي والقوانين الأوروبية الحديث ترجع بالأحرى إلى خلاف في المنهج لا إلى تعارض أساسي من حيث المبادئ. يقول: «متى ما نفذ المرء في عمق الأمور، دهش حين يرى ما هناك من نظائر وثيقة بين كبار الفقهاء (المسلمين) في المدينة والكوفة، وقرطبة، وآرائنا نحن (الأوروبيين)» (ص XII من مقدمة الكتاب المذكور: «القانون المدني والتجاري التونسي»، تونس 1899).
وقد ظل سانتلاّنا مخلصاً لهذا الرأي طول حياته: ألا وهو التشابه القوي بين الشريعة الإسلامية والقوانين الإسلامية على نحو مناظر، وإن لم يكن مساوياً، للقانون الروماني، وذلك في كتابه الرئيسي: «نُظم الشريعة الإسلامية» (جـ 1 ص IV-VII، روما 1926)، الذي سنتحدث عنه بعد قليل.
وقد تمت الموافقة النهائية على مشروع «القانون المدني والتجاري التونس» الذي وضعه سانتلاّنا فيما عدا تعديلات طفيفة.

العمل والبحث والمحاماة 

وعاد سانتلاّنا، بعد أن أتم مهمته هذه، إلى روما في 1899، لكن لا ليستأنف عمله في المحاماة، بل ليتفرغ للبحث في الشريعة الإسلامية، معتزلاً الحياة العامة. ولم يقطع عليه هذه العزلة إلا دعوة جاءته من الجامعة المصرية (الأهلية) القديمة في 1910 ليقوم بتدريس الفلسفة الإسلامية لطلابها، فلبّى الدعوة بإلحاح من الحكومة الإيطالية وحث من أصدقائه، فجاء إلى مصر في خريف 1910، وقام بإلقاء محاضرات في تاريخ الفلسفة الإسلامية طوال العام الجامعي 1910. لكنه لم ينشر هذه المحاضرات، وقد ألقاها باللغة العربية شأنه شأن نلّينو وماسينيون وسائر المستشرقين الذين دعوا للتدريس في الجامعة المصرية القديمة، فظلّت هذه المحاضرات مخطوطة، وتوجد منها نسخة في مكتبة جامعة القاهرة (المكتبة العامة)، وكان الشيخ مصطفى عبد الرازق يشير إليها وينقل بعض المواضع منها بحسب ما ذكره في كتابه «التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية» (القاهرة، 1944) ودعاني الشيخ مصطفى 1944 إلى نشرها إن رأيت نشرها ممكناً ومفيداً. لكن لما اطلعت عليها آنذاك وجدتها لا تصلح للنشر على حالها؛ وقيل لي وأنا في روما في صيف 1947 إن أسرة سانتلاّنا تحتفظ بنسخة منقحة وموسعة من هذه المحاضرات، فلجأت إلى أصدقائي من المستشرقين الإيطاليين: فرنشسكو جبريلي وأتوري روسّي وماريّا نلينو وليفي دلافيدا للحصول على صورة من هذه النسخة، فلم يستطع أحدٌ منهم أن يهديني إلى من أتوجه للحصول على هذه الصورة. وهكذا بقيت النسخة الموجودة في مكتبة جامعة القاهرة، هي الوحيدة الميسور الاطلاع عليها؛ أما النسخة المزعوم أنها موجودة لدى ورثة سانتلاّنا فلا يعلم أحد مصيرها حتى الآن (1982).
وفي هذه المحاضرات، المكتوبة بلغة عربية فصيحة جيدة، وكان سانتلاّنا بحكم ولادته وإقامته الطويلة في تونس يتقن العربية كتابة وخطاباً كما لو كانت هي لغته الأصلية، اهتم سانتلانا بمقارنة الفلسفة الإسلامية بأصولها اليونانية وبما سبقها عند السريان من دراسات في الفلسفة اليونانية.
وعلى الرغم من أن الجامعة المصرية طلبت إليه الاستمرار في التدريس في الأعوام التالية، فإنه آثر العودة إلى روما، حيث بدأ التدريس لمادة الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة روما، وكانت الحكومة الإيطالية بعد احتلالها لليبيا في 1911 قد زادت اهتمامها بالدراسات العربية والإسلامية. فشغل سانتلاّنا كرسي الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة روما من 1913 حتى 1923. وكان طبيعياً أيضاً أن تلجأ إليه الحكومة الإيطالية في وضع التشريعات الخاصة بليبيا. فكلّفته وزارة المستعمرات الإيطالية، هو واجنتسيو جويدي، بترجمة وشرح «مختصر خليل» في الفقه المالكي، وهو المختصر المعتمد في سائر بلاد المغرب والمشرق لدراسة الفقه المالكي، ومن هنا ترجم إلى الفرنسية؛ وها هو ذا يتولى مع جويدي ترجمته إلى الإيطالية. فقام اجنتسيو جويدي بترجمة قسم العبادات، وقام سانتلاّنا بترجمة باقي الكتاب. وقد ظهرت الترجمة، وهي مزودة بشروح وفيرة، هكذا:
Il’Muhtasar o Sommario del diritto malechita di Khalil ibn Ishâq. Milano, Heopli, 1919. vol. I: Giurisprudenza religiosa (‘ibâdât). Versione del prof. Ignazio Guidi, senatore del Regno, 8o gr., XI-447 pp. vol. II: Diritto civile, penale e giudi-ziario. Versione del prof. David Santillana, 8o gr, 871 pp.
وقد ظهرت الترجمة ضمن مطبوعات وزارة المستعمرات.
وقد رجع سانتلانا في شرحه على ترجمته إلى عدد هائل من المصادر استغرق سردها خمس صفحات من المقدمة (XV – XIX). وكما قال ليفي دلافيدا (ص 26) فإن ما قام به سانتلاّنا في ترجمته وشرحه لما ترجم وشرح من «مختصر خليل» يجعل من هذا العمل «كتاباً أسمى بما لا نهاية له من المرات من الترجمة الفرنسية الناقصة، وواحداً من أبرز الأعمال في علم الفقه الإسلامي». وقد خصه نلينو بنقد جيد في «مجلة الدراسات الشرقية» ROS (جـ 8 ص 791 ـ 800، وراجع أيضاً مجلة der Islam جـ 12، 1922، ص 225 ـ 237).
لكن أعظم إنتاج لسانتلاّ هو كتابه الرئيس: نُظُم الشريعة الإسلامية بحسب مذهب مالك مع مراعاة أيضاً لمذهب الشافعي»:
Istituzioni di diritto musulmano malichita con riguardo anche al sistema sciafiita. Roma, 1926, Istituto per l’Oriente.
وقد ظهر الجزء الأول 1926 ويشمل (1) الجماعة الإسلامية ورئيسها؛ (2) مصادر الشريعة وتفسيرها؛ (3) التشريع في المكان والزمان؛ (4) الأشخاص؛ (5) الأسرة؛ (6) الحقوق العينية (ويقع في 11 + 375 ص من قطع الثمن).
وظهر الجزء الثاني بعد وفاته بمدة طويلة، وذلك في 1943، ويشمل: (7) النظرية العامة في الالتزامات؛ (8) الالتزامات الجزئية؛ (9) قانون المواريث؛ (10) قانون التقاضي؛ فهارس (ويقع في 808 صفحات؛ وقد ورد في آخره أنه طبع في 1938 تلافياً لما يقضي به الأمر الصادر في نهاية 1938 بمنع نشر مؤلفات المؤلفين اليهود) وقد طبع معه أيضاً الطبعة الثانية من المجلد الأول. وكان هذا الجزء الثاني جاهزاً للطبع قبل وفاته بوقت طويل، لكن الضعف الشديد الذي أصاب بصره حال بينه وبين الإشراف على طبعه.
وهذا الكتاب الضخم، بجزئيه، لخص فيه سانتلانا محاضراته في الشريعة الإسلامية التي ألقاها على طلاب كلية الحقوق في جامعة روما في الفترة ما بين 1913 و 1923. ويقول في مقدمته إن ضعف صحته حالت بينه وبين عرض التطور للشريعة الإسلامية لم يلتزم الترتيب المتّبع في كتب الفقه العربية، بل رتب المادة وفقاً لما رأى أنه التطور المنطقي لمبادئ الفقه الإسلامي، حتى لو لم يكن هذا التطور هو ما يشير إليه كتب أصول الفقه العربية. وهذا ما أخذه عليه برجشتريسر Bergsträsser في نقده للكتاب (في مجلة OLZ 1929 عمود 227 ـ 282)، إذ أخذ على سانتلانا أنه أوّل الفقه الإسلامي تأويلاً رومانياً، أي بحسب القانون الروماني. لكن هذا كان موقف سانتلاّنا في فهمه للشريعة الإسلامية منذ بداية أبحاثه فيها، كما أشرنا إلى هذا من قبل.

اهتمامات أخرى 

وإلى جانب الفقه الإسلامي، كان سانتلاّنا مولعاً بدراسة التصوف الإسلامي وعلاقته بالتصوف اليوناني الأفلوطيني والتصوف المسيحي. وقد جمع في هذا المجال الكثير من المواد والتعليقات التي يقول عنها ليفي دلاّفيدا (ص 230)، إن من الممكن نشرها، ولو جزئياً، لكنه هو لم ينشر منها شيئاً، ولم ينشر ابنه شيئاً منها، رغم أن ابنه هذا من المتخصصين في الفلسفة، ويقول عن أبيه إن مذهبه كان «نزعة عقلية صوفية تنشد مذهبها الميتافيزيقي» (أورده دلافيدا، ص 230). كذلك يروي هذا الابن أن أباه قد خطّط، وأعد جزئياً، مؤلفات أخرى: في تاريخ الكنيسة المسيحية، وتاريخ القانون الروماني وقاموساً عربياً. لكن دلافيدا يقول إنه لم يوجد في أوراق سانتلانا وتعليقاته ما وصل إلى درجة من التحرير تسمح بنشره. وهكذا لم ينشر شيء حتى الآن من كل هذه التحضيرات والتعليقات والمواد التي جمعها أو سجلها سانتلانا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *