استقلالية النيابة العامة بالمغرب.. مكسب للقضاة وتوجّس للسياسيين

استقلالية النيابة العامة بالمغرب.. مكسب للقضاة وتوجّس للسياسيين

جريدة نبض الخليج العربي – الخليج اونلاين

بعد نقاش دام لسنوات، وفي أعقاب مصادقة البرلمان على مجموعة من التعديلات القانونية المتعلقة بالسلطة القضائية بالبلاد، أمر العاهل المغربي، الملك محمد السادس، في سبتمبر 2017، بنقل اختصاصات الإشراف على السلطة القضائية من الحكومة في شخص وزير العدل محمد أوجار، إلى مؤسسة النيابة العامة، ممثلة برئيسها محمد عبد النباوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة.

وكان هذا القرار بمنزلة نقطة نهاية تبعية الجهاز القضائي بالبلاد للسلطة التنفيذية، ممثلة في الحكومة. ونقلها عملياً إلى سلطة ثانية مستقلة، وهي النيابة العامة ممثلة في الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة، وهي الخطوة التي كان ينادي بها القضاة منذ سنوات، لكن بعض سياسيي البلاد ظلّوا مُتوجّسين منها.

– نقل للسلطات

وبموجب هذه التعديلات القانونية التي فعلها القرار الملكي، سيقوم عبد النباوي بممارسات وزير العدل فيما يخص الشأن النيابي، ومنحه سلطة وإشرافاً على النيابة العامة وعلى قضاتها، إلى جانب تكلّفه بـمتابعى حسن سير المرفق القضائي، وتتبع القضايا التي تكون فيها النيابة العامة طرفاً.

وسحبت التعديلات الجديدة من وزير العدل سلطات تأديب القضاة وتنقيلهم وترقيتهم، إذ لم يعد رئيساً للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهي مؤسسة عمومية تسهر بحسب الدستور المغربي على “تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، ومن أجل ذلك يقوم بتدبير وضعيتهم المهنية وفق مبادئ تكافؤ الفرص والاستحقاق والكفاءة والشفافية والحياد والسعي نحو المناصفة”، كما يخول له القانون صلاحيات، تعيين القضاة، وترقيتهم أو توبيخهم، وأيضاً فصلهم أو تنقيلهم.

وصار المجلس الأعلى للسلطة القضائية اليوم تحت تسيير الرئيس الأول لمحكمة النقض، وهي أعلى هيئة قضائية، بحسب ما تنص عليه القوانين المؤطرة للعمل القضائي بالمغرب.

– مطلب “تاريخي”

ويطالب قضاة المغرب منذ سنوات عديدة باستقلال السلطة القضائية عن أجهزة الحكومة، على اعتبار أن كلاً من أحكام القضاء وتدبير شؤون القضاة من ترقيات وتأديبات يجب ألا يخضع للحسابات السياسية والبرامج الحزبية.

وفي هذا الصدد، اعتبر أنس سعدون، عضو مؤسس بنادي قضاة المغرب، أن استقلال النيابة العامة خطوة تاريخية طال انتظارها من طرف القضاة، مشيراً إلى أنه تم توقيع عريضة بأكثر من ألفي قاضٍ من مختلف محاكم المغرب، أي ما يناهز نصف قُضاة المغرب.

وأوضح سعدون في تصريح لـ “الخليج أونلاين”، أن الاستقلال الفعلي والحقيقي للسلطة القضائية لن يتحقق إلا باستقلال النيابة العامة عن الحكومة، وتبعيتها حصراً للسلطة القضائية حتى تنأى عن كل محاولات لجعلها تابعة للسلطة السياسية.

– توجّس

وفي حين يصف القضاة والمؤيّدون لاستقلال السلطة القضائية عن وزارة العدل هذه الخطوة بـ “التاريخية”، يتوجّس منها آخرون، خُصوصاً أصحاب القبعات السياسية، إذ يجدون “حرية مبالغاً فيها”، وإبعاداً لهذه السلطة الحيوية عن المساءلة.

وفي هذا الصدد، يعتبر المحامي والبرلماني عن حزب العدالة والتنمية، عبد الصمد الإدريسي، أن “رئاسة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض للنيابة العامة، وهو شخصية مُعينة غير منتخبة وغير مُساءلة، فيه مخاطر بحيث نُعطي لجهة اختصاصات فيها تحكمٌ في مصير الناس من حيث تحريك الدعوى العمومية، دون خضوع هذه الجهة لأي سلطة رقابية أو محاسبة سياسية، بينما في السابق كان وزير العدل بصفته رئيساً للنيابة العامة يخضع لرقابة البرلمان ومحاسبة الناخبين”.

وأضاف الإدريسي، في تصريح سابق لموقع (pjd.ma) أن نفس المخاوف التي تم إبداؤها في سنة 2015 هي نفسها اليوم، مشدداً على أن الممارسة هي ما سيبين هل هذه المخاوف كانت صحيحة أم لا.

من جهته اعتبر أحمد البوز، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن “استقلالية النيابة العامة عن وزير العدل لا تعني استقلاليتها عن مراكز النفوذ”.

وشدد البوز، في تصريح لموقع “اليوم 24″، على أنه “من الناحية الديمقراطية والحقوقية تعتبر مطلباً مشروعاً وأساسياً، لكن باستحضار الظروف الحالية التي يعيشها المغرب، وطبيعة الجهاز القضائي، ووجود سلط وهمية للدولة العميقة، فإن استقلالية النيابة العامة فيها نوع من المخاطرة”، يوضح المتحدث.

وأشار بوز إلى أن استقلالية النيابة العامة عن وزير العدل والحريات تطرح إشكالية كبيرة على مستوى المحاسبة، ففي الوقت الحالي على الأقل هناك جهة سياسية ممثلة في وزير العدل والحريات يمكن محاسبتها سياسياً، وأن توجه إليها الانتقادات والملاحظات، أما اليوم “فلا يمكن محاسبة أشخاص معينين وغير منتخبين”، يتساءل البوز.

وأوضح أستاذ العلوم السياسية أن عرض وكيل الملك لدى محكمة النقض تقريراً حول تنفيذ السياسة الجنائية، وسير النيابة العامة ومناقشته أمام اللجنتين المكلفتين بالتشريع بمجلسي البرلمان لا يعني المحاسبة، لافتاً إلى أن “كون المغرب يسير نحو استقلالية القضاء عن الجهاز الحكومي، دون أن يعني ذلك الاستقلالية عن مؤثرات أخرى”.

وفي نفس السياق، حذر خالد السموني الشرقاوي، مدير مركز الرباط للدراسات السياسية والاستراتيجية، من مغبّة فصل النيابة العامة عن سلطة وزير العدل، منبهاً إلى خطورة “تغوّل دولة القضاة”، و”تبعيتها لتعليمات جهات غير معروفة”.

وشدد السموني، في رسالة سابقة، وجهها إلى وزير العدل والحريات آنداك، المصطفى الرميد. على أن هذه الخطوة تطرح هاجساً كبيراً بخصوص محاسبة هذه المؤسسة عن أخطائها وهفواتها، في ظل “منظومة سياسية واجتماعية يستشري فيها الفساد، والتي ما زالت تتعاطى مع القضاء باعتباره أداة للانتقام وللتوظيف السياسي، علماً أن جهاز النيابة العامة هو الذي يوجه صك الاتهام ويكيفه طبقاً للقانون، ويقوم بحرمان المتهمين من الحرية غي حالة الاعتقال”، يردف السموني.

واعتبر السموني، أن استقلال النيابة العامة في ظل الوضع الحالي للبلاد لن يحقق أهدافه المرجوة؛ بسبب “غياب النزاهة في بعض عناصر النيابة العامة، وهو ما تؤكده الكثير من القرارات والأوامر الجائرة وغير المؤسسة قانوناً، سواء تعلق الأمر بالاعتقال أو السراح المؤقت أو حفظ الملفات”، بحسب تعبيره.

وأردف: “إن استقلال النيابة العامة وإخضاعها لإشراف الوكيل العام لدى محكمة النقض سيعني بالضرورة سقوطها في أحضان أجهزة وأطراف غير مرئية ولا تخضع للمحاسبة، مما سيفقد استقلال القضاء أهدافه الكبرى المرجوة، وسيخلق حالة من التذمّر حتى لدى قضاة النيابة العامة الذين سيصبحون تحت إمرة الوكيل العام للملك الذي سوف يتحكم فيهم من خلال توجيه الأوامر لهم وإعادة النظر في قراراتهم المتعلقة بالاعتقال”

– استقلال لا يعني غياب المحاسبة

وفي خضمّ هذه الانتقادات والتخوّفات، شدد محمد عبد النباوي، رئيس النيابة العامة بالمغرب، في تصريحات لموقع “هسبريس”، أكتوبر المنصرم، على أن “استقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيذية لا تعني الانفصال التام عن الدولة”، مشدداً على أن هذا يعني بالأساس “عدم الخضوع لحزب من الأحزاب، أو جماعة من الجماعات، أو تيار إيديولوجي، والحفاظ على حقوق الأفراد والجماعات ومقدسات البلاد، ومكافحة أنشطة المجرمين حتى تنتصر العدالة”.

واسترسل عبد النبوي بأنّ استقلال النيابة العامَّة لا يعني العمل بمنأى عن أي مساءلة أو محاسبة، ولا عدم التعاون مع مؤسسات الدولة والمجتمع، مضيفاً: “لن نكون أداة طيّعة في يد شخص أو جماعة ضد جهات أخرى، ولا سلاحاً يُستعمل من طرف جهة ضد أخرى، بل سنعمل في إطار القانون، وسنكون سلاحاً في يد الوطن ضد خصومه، وسلاحاً في يد المواطنين للذود عن حقوقهم ومواجهة الجريمة والمجرمين”. بحسب قوله.

وزاد عبد النباوي: إن “النيابة العامة، ورغم استقلاليتها، فهي جزء من سلطات الدولة، التي يقرّ الدستور على توازنها وتعاونها لما فيه مصلحة الوطن والمواطنين، وهي مؤطرة بقانون يحكم مختلف تدخلاتها، ما يجعل قراراتها خاضعة للرقابة، بما لا يخل بالمسؤولية الملقاة على عاتقها، مشيرا إلى أنّ رئاسة النيابة العامة ليست بمنأى عن المحاسبة التي نص عليها الدستور، وإن كانت لا تتم بنفس الآليات التي تحاسب بها السلطات الأخرى”.

image_print

تصنيفات: قسم القانون المقارن