احدث المقالات

الحق في تكوين الجمعيات في تونس : بين النص القانوني والممارسة الفعلية – الباحث رضا السكرافي

الحق في تكوين الجمعيات في تونس : بين النص القانوني و الممارسة الفعلية

الباحث في القانون : رضا السكرافي

لتحميل المقال :

الحق في تكوين الجمعيات في تونس بين النص القانوني و الممارسة الفعلية

 

يعتبر الحق في تكوين الجمعيات من الحقوق الأساسية التي كرستها العديد من المواثيق الدولية و أهمها الإعلان العاملي لحقوق الإنسان الذي نص في المادة العشرين منه : “لكل شخص حرية الإشتراك في الجمعيات و الجماعات السلمية”. إلى جانب ذلك أكّد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية هذا الحق و كرّس “حرية تكوين الجمعيات مع الاخرين حماية لحقوق الذات و الغير”. كما أكدت الإتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في المادة 115 منها أنّه لكل شخص الحق في حرية الإجتماع السلمي و حرية تكوين الجمعيات. من جهة أخرى أكد الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان و الشعوب على حق كل إنسان أن يكوّن جمعيات مع الاخرين شريطة أن يلتزم بالأحكام التي حدّدها القانون.
و يعتبر هذا التأصيل القانوني الدولي للحق في تكوين الجمعيات مهمّا باعتباره يفرض على التشريعات الوطنية احترام هذا الحق و تكريسه مراعاة للحريات التي يجب أن يتمتع بها المواطن داخل مجتمعه .
في تونس، بعد الثورة، كرّس الدستور مجموعة من الحقوق المدنية و السياسية التي تمّ ذكرها ضمن الباب الثاني الخاصّ بالحقوق و الحريات. و كرّس الفصل 35 حرية تكوين الجمعيات إذ نصّ ” حرية تكوين الأحزاب و النقابات و الجمعيات مضمونة. تلتزم الأحزاب و النقابات و الجمعيات في أنظمتها الأساسية و في أنشطتها بأحكام الدستور و القانون و بالشفافية المالية و نبذ العنف”. كما اعتبر الفصل 65 أن تنظيم الجمعيات يجب أن يتّخذ شكل قوانين أساسية و هو ما يدلّ على أهمية حق تكوين الجمعيات باعتبار أن القوانين الأساسية يجب أن تحظى بموافقة الأغلبية من النواب حتى تمرّ على خلاف القوانين العادية التي يمكن أن تمرّ بتصويت ثلث النواّب فقط.
من جهة أخرى نصّ المرسوم عدد 88 لسنة2011 و المؤرخ في 24 سبتمبر 2011 المتعلق بتكوين الجمعيات على هذا الحق ، إذ نصّ في الفصل الأول منه :” يضمن هذا المرسوم حرية تأسيس الجمعيات و الإنضمام إليها و النشاط في إطارها”. و قد اعتبرت المحكمة الإدارية التونسية في قرار لها أن المراسيم الصادرة على أساس المرسوم عدد 14 لسنة 2011 و المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية على غرار المرسوم 88 موضوع الشرح لا تحتاج لمصادقة مجلس النواب فهي نافذة و لها قيمة تشريعية منذ صدورها.
و قد مثّل هذا المرسوم انتقالا نوعيا مقارنة بالقانون عدد 154 لسنة 1959 المؤرخ في 7 نوفمبر 1959 المتعلق بالجمعيات باعتباره جاء متماشيا مع المواثيق و المعاهدات الدولية و قاطعا مع المراقبة المسبقة للسلطة التنفيذية على حرية تكوين الجمعيات. و تكريسا لذلك لم يعد لوزير الداخلية صلاحية الإعتراض على تكوين أي جمعية. و بذلك يمثل تأسيس الجمعية واقعة قانونية يقررها الأشخاص الراغبون في تكوينها و لا تتدخل الدولة إلا لتسجيل الجمعية الجديدة و حفظ ملفها و ذلك عبر الكتابة العامة للحكومة .
و لكن على الرغم من التطوّر التشريعي الذي ميّز النظام القانوني المعتمد في تكوين الجمعيات، إلا أن التطبيق العملي لهذا الحق أثار جملة من الإشكاليات ارتبطت أساسا بفهم المقتضيات القانونية المنظمة لحق تأسيس الجمعيات مما ساهم في تأويلها تأويلا خاطئا من قبل السلطة التنفيذية و هو ما أثّر على الممارسة الفعلية لحق تكوين الجمعيات.
من أجل الإحاطة بهذا الموضوع و الإشكالات التي يطرحها لا بدّ من الحديث عن النظام القانوني الذي يؤطر حرية تأسيس الجمعيات – الباب الأول- ثم التطرّق لأهم العراقيل التي تحدّ هذه الحرية- الباب الثاني-.

الباب الأول: نظام تأسيس الجمعيات في القانون التونسي :
نظّم المشرّع التونسي تكوين الجمعيات بالمرسوم عدد 88 لسنة 2011 المؤرخ في 24 سبتمبر 2011 والذي تضمّن 49 فصلا، و يعتبر المرسوم 88 الصادر عن الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة و الإصلاح السياسي و الإنتقال الديمقراطي من المراسيم التي صدرت نتيجة للمرسوم عدد 114 لسنة 2011 المتعلّق بالتنظيم المؤقت للسلط العموميّة.
عموما يخضع تكوين الجمعيات وفق الفصل العاشر من المرسوم 88 إلى نظام التصريح و هو النظام الذي لا يكون للسلطة التنفيذية فيه دور كبير في الموافقة على تكوين الجمعية من عدمها. فدور الدولة يقتصر على تسجيل المولود الجديد و حفظ إسمه و ملفاته و رعايته و تقديم الدعم له. فتكوين الجمعيّة بهذا المعني هي واقعة قانونية يختارها من يرغبون في التنظّم و يحدّدون أهدافها. و قد عوّض نظام التصريح نظام الترخيص الذي كان مطبّقا في ظل القانون القديم لسنة 1959 و الذي كان يشترط موافقة وزارة الداخلية و إعطائها “التأشيرة” حتى تتمكّن الجمعيّة من النشاط.
و سوف نتطرق لتأسيس الجمعيات وفقا للمرسوم 88 عبر الإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي تلخّص مسار تكوين الجمعية و تبيّن شروط و إجراءات التأسيس.
• من له الحق في تكوين الجمعيّة (الفصلين 8 و 9 من المرسوم عدد 88 لسنة 2011) : كلّ شخص طبيعي، تونسي أو أجنبي مقيم في تونس، له حق تأسيس جمعيّة أو الإنتماء إليها أو الإنسحاب منها. و يشترط في الشخص الطبيعي المؤسس المؤسس أن لا يقلّ عمره عن 16سنة. و لا يمكن أن يكون مؤسسو و مسيرو الجمعيات ممن يضطلعون بمسؤوليات ضمن الهياكل المركزيّة للأحزاب السياسيّة.
• هل هناك شروط ماليّة: لم يوجب المرسوم عند تكوين الجمعيّة توفير رأسمال أدنى كما لم يحمّل القانون مؤسسي الجمعيّة أية أعباء أو رسوم لطلب التكوين. و لكن عموما يستوجب تكوين الجمعيّة دفع أجرة العدل منفّذ و الذي سيقوم بإرسال المراسلة إلى إدارة الجمعيات بعد التأكد من توفّر الوثائق المطلوبة. و يضاف أيضا مصاريف الإشهار بالرائد الرسمي بعد الحصول على بطاقة الإعلام بالبلوغ.
• ماهي الخطوات الأولى نحو التكوين: يقوم الراغبون في تكوين الجمعيّة بداية بعقد جلسة تحضيرية يتم فيها إعداد مشروع القانون الأساسي للجمعية من طرف اللجنة التحضيريّة و يتضمن وجوبا ما يلي: – إسم الجمعيّة باللغة العربيّة و بلغة أجنبيّة عند الإقتضاء – عنوان المقرّ الرئيسي للجمعيّة – بيان أهداف الجمعيّة و وسائل تحقيقها – شروط العضويّة و حلات انتهائها و حقوق العضو و واجباته – بيان الهيكل التنظيمي للجمعيّة و طريقة الإنتخاب و صلاحيات كلّ هيئة من هيئاتها – تحديد الجهة داخل الجمعيّة التي لها صلاحيّة تعديل النظام الاساسي واتخاذ قرار الحلّ أو الإدماج أو التجزئة – تحديد طرق اتخاذ القرارات و آليات فض النزاعات – مبلغ الإشتراك الشهري أو السنوي إن وجد – طرق التعليق الوقتي لنشاط الجمعيّة أو حلّها بمبادرة منها – التنصيص على حالات حلّ الجمعيّة اختياريا و الإجراءات الواجب اتباعها في هذه الصورة – قواعد تصفية أموال الجمعيّة و الأموال الراجعة لها في صورة حلّها بمبادرة منها.
بعد ذلك يقوم الراغبون في تكوين الجمعيّة بالتحضير للجلسة التأسيسيّة و الإعلان عنها ثم تنعقد الجلسة التأسيسية و يتم خلالها المصادقة على مشروع النظام الاساسي و انتخاب الهيكل التنظيمي للجمعيّة.
• كيف يتم التصريح لدى رئاسة الحكومة بتكوين الجمعيّة: يخضع تأسيس الجمعيات إلى نظام التصريح حيث يقوم ممثل الجمعيّة عن طريق عدل منفذ بإرسال مكتوب مضمون الوصول مع الإعلام بالبلوغ إلى الكاتب العام للحكومة يتضمّن :1 – تصريحا ينصّ على إسم الجمعيّة و موضوعها و أهدافها و مقرّها و مقرّات فروعها إن وجدت. 2 – نسخة من بطاقة التعريف الوطنية للأشخاص الطبيعيين المؤسسين للجمعية أو من بطاقة تعريف الولي عند الإقتضاء 3- نسخة من شهادة الإقامة في ما يخص الاجانب 4 – نظير من محضر عدل التنفيذ الذي يفيد تضمّن الملفّ لهذه المحتويات. و تعتبر الجمعيّة مكوّنة قانونا من يوم إرسال هذا المكتوب.
• كيف يتم إشهار الجمعيّة: يتولى من يمثّل الجمعيّة إيداع إعلان بالمطبعة الرسميّة للجمهورية التونسيّة ينصّ على إسم الجمعيّة و موضوعها و هدفها و مقرّها، مرفقا بنظير من محضر العدل منفّذ. و ذلك في أجل 7 أيام من تاريخ تسلّم الإعلام بالبلوغ أو بعد انقضاء أجل 30 يوما من تاريخ إرسال المكتوب في حالة عدم تسلّم الإعلام بالبلوغ.
و تكتسب الجمعية شخصيتها القانونيّة انطلاقا من تاريخ نشر الإعلان بالرائد الرسمي للجمهورية التونسيّة الذي يتمّ وجوبا بعد 15 يوما من تاريخ إيداعه لديها. و تبعا لحصولها على الشخصية القانونية من حق الجمعيّة التقاضي و الملكيّة. كما يمكن لها أن تقبل المساعدات و التبرعات و الهبات و الوصايا.
يتضّح مما سبق أن المرسوم 88 قد وضع نظاما تحرّريا لتأسيس الجمعية أعطى للمجتمع المدني العديد من الضمانات و حدّ من تدخّل السلطة التنفيذية في عملية تكوين الجمعيّة. و لكن رغم صبغته التحرّرية فإن ممارسة المرسوم 88 على الواقع أثبتت وجود عديد الإخلالات التي مثّلت عائقا أمام تسجيل الجمعيات و قلّصت من عددها تدريجيا.

الباب الثاني: عوائق الممارسة الفعلية لحقّ تكوين الجمعيات في تونس
شهدت الممارسة الفعلية لحق تكوين الجمعيات عديد العراقيل و ساهم في ذلك غموض بعض الفصول في الإطار القانوني هذا إلى جانب تدخّل السلطة التنفيذية و تعطيلها تكوين الجمعيات.
و سوف نتعرض تباعا لبعض مظاهر الانتهاكات المسلّطة على الجمعيات أثناء تكوين الجمعيات.
1 – تدخّل الإدارة العامة للجمعيات في تحديد أهداف الجمعيات و تغيير نظامها الأساسي
منذ سنة 2013 أصبحت الإدارة العامة للجمعيات برئاسة الحكومة تتدخّل في الأهداف التي تضعها الجمعيات بأنظمتها الأساسية و ذلك من خلال طلب حذف بعض الأهداف وطلب تعديل أو تغيير البعض الآخر رغم أنها تحترم مقتضيات الفصلين 3 و 4 من المرسوم 88. و قد ساهم ذلك في تعطيل مسار تكوين الجمعيات و استحالة احترام الآجال القانونية المنصوص عليها بالمرسوم. و قد أدى هذا الإجراء إلى عدول عديد الجمعيات عن مواصلة إتمام إجراءات التكوين و فقدانهم الرغبة في النشاط الجمعياتي نتيجة المراسلات المتعدّدة و غير القانونية التي تطلبها الإدارة العامة للجمعيات و الأحزاب. و قد تمادت الإدارة العامة للجمعيات في مخالفة القانون عبر إرشاد الجمعيات و فق صيغ و نماذج سابقة الوضع مثلما كان الأمر في قانون 1959 و الحال أن المرسوم منح للجمعيات مطلق الحريّة في اختيار أنظمتها الاساسية و تحديد أهدافها.
2- رفض المطبعة الرسمية إشهار الجمعيات:
منذ 2013 أصبحت المطبعة الرسمية تشترط لإشهار الجمعيات تسلم بطاقة الإعلام بالبلوغ و هو ما يعتبر مخالفة صريحة للمرسوم 88 و عودة واضحة لنظام التأشيرة في تكوين الجمعيات باعتبار أن الإدارة العامة للجمعيات ترفض في أغلب الحالات إرجاع بطاقة البلوغ و تشترط التدخّل في أهداف الجمعية و طبيعة نشاطاتها لتسليمها. و قد أصبحت المطبعة الرسمية تنتظر وصول موافقة من الإدارة العامة للجمعيات تضمّن قائمة الجمعيات التي يسمح بإدراجها بالرائد الرسمي. و هو ما يعتبر رجوعا لنظام التأشيرة و خروجا واضحا عن الضمانات التي أوردها المرسوم 88 لضمان استقلالية النشاط الجمعياتي. و أدى هذا الإجراء إلى تحول الإدارة العامة للجمعيات من هيكل يخدم الجمعيات و يذلّل الصعوبات أمامهم إلى هيكل لابتزاز الجمعيات و التدخل في نشاطاتهم و أهدافهم. و هو ما يعيد الممارسات الامنية لوزارة الداخلية في التعامل مع الجمعيات و تركيعهم خدمة لمصالح سياسية.
من جهة أخرى أصبحت الإدارة العامة للجمعيات تنتظر وصول فاكس من إدارة الجمعيات يتضمّن قائمة الجمعيات التي توافق الإدارة على إشهارها بالرائد الرسمي.
و ذهبت المطبعة الرسمية في بعض الحالات إلى رفض الإشهار رغم الإدلاء بعلامة البلوغ و دفع معاليم الإشهار.
بذلك أصبحت المطبعة الرسمية بممارساتها الغير شرعية معطّلا أساسيا لحق تكوين الجمعيات في تونس، هذا التعطيل و كما رأينا اتخذ عدّة مظاهر مثل رفض الإشهار وفي حالات و تأخيره في حالات أخرى. و ربطه بموافقة الإدارة العامة للجمعيات في كلّ الحالات.
و نتيجة لذلك أصبح تقريبا من المستحيل نشر الجمعيات في الرائد الرسمي في الآجال القانونية التي حدّدها المرسوم إذ أصبحت الجمعية تنتظر قرابة الثلاثة أشهر كحدّ أدنى لنشر الجمعية. و وصلت الآجال إلى ما يفوق السنة بالنسبة لجمعيّات أخرى.
ختاما تجدر الإشارة أن هذا الموضوع اقتصر على دراسة الحق في تكوين الجمعيات التونسية مثلما نظّمه المرسوم عدد 88 لسنة 2011 مع التذكير بأن هناك بعض الجمعيات لها نظام قانوني خاص بها إضافة إلى أحكام هذا المرسوم و منها مثلا: الجمعيات الرياضية التي تخضع للقانون الأساسي عدد11 لسنة 1995 و المتعلّق بالهياكل الرياضية – مؤسسات التمويل الصغير الخاضعة لمقتضيات المرسوم عدد 117 لسنة 2011. وهو ما أكده الفصل 47 من المرسوم الذي اعتبر أنه: “لا تنطبق أحكام هذا المرسوم على الجمعيات الخاضعة لأنظمة قانونية خاصة”.

رضا السكرافي – باحث في القانون – ناشط جمعياتي

image_print

تصنيفات: الصحافة والأحزاب والجمعيات,المكتبة القانونية,تقارير ومنشورات,قسم القانون العام