هل يعتبر الفصل 11 م ا ش نصا قانونيا مهجورا ؟ – بقلم الأستاذ خالد المؤدب عدل الإشهاد بتونس

بقلم الأستاذ خالد المؤدب

عدل إشهاد بتونس

هل يعتبر الفصل 11 م ا ش نصا قانونيا مهجورا ؟

 

اقر الفقه الإسلامي خيار الشرط في كل العقود بما في ذلك عقد الزواج, وقد تأثرت مجلة الأحوال الشخصية بالفقه الإسلامي مما يفسر وجود مصطلح خيار الشرط فبمجلة الأحوال الشخصية.
ففي عقد الزواج يمكن التنصيص على شروط خاصة يتحملها الملتزم بها شريطة أن لا تتعارض مع جوهر العقد والنظام العام .
حيث يمكن لأحد المتعاقدين (الزوج أو الزوجة) أن يشترط في عقد الزواج شرط أو عدة شروط اذا قبلها الطرف الأخر أصبح هذا الشرط ملزما له.وللمستفيد من هذا الشرط الخيار متى لم يقع الوفاء به أما إتمام العلاقة الزوجية على حالها أو طلب إنهائها نتيجة عدم الوفاء بالشرط.
وقد نص الفصل 11 م أ ش على أنه :
” يثبت في الزواج خيار الشرط ويترتب على عدم وجوده أو على مخالفته إمكان طلب الفسخ بطلاق من غير أن يترتب على الفسخ أي غرم إذا كان الطلاق قبل البناء “
وتمت صياغة الفصل 11 م أ ش باللغة الفرنسية كما يلي:

Article 11
Peut être insérée dans l’acte de mariage, toute clause ou condition relative aux personnes ou aux biens. En cas de non-réalisation de la condition ou d’inexécution de la clause, le mariage peut-être dissous par divorce.
Cette dissolution n’ouvre pas droit à indemnité si elle a lieu avant la consommation du mariage.

ونستروح من هذا الفصل أنه:
– يجوز لكل من الزوج والزوجة أن يشترطا صلب عقد الزواج شرط أو عدة شروط.
– إذا رضي الطرف الثاني بذلك الشرط فانه يصبح ملزما بالوفاء به .
– إذا وقع التنصيص صلب عقد الزواج على شرط يلزم أحد الطرفين, فان الإخلال به يعطي الإمكانية للمستفيد منه بطلب الطلاق للضرر.
– إن طلب الطلاق للضرر بسبب الإخلال بشرط وقع الاتفاق عليه بعقد الزواج يستوجب الغرم (أي التعويض) ولكن إذا كان الطلاق قبل البناء فلا يستحق المستفيد أي غرم .
1 – ماهي ضوابط خيار الشرط ؟
أجاز المشرع التونسي خيار الشرط ,وبالطبع لا يمكن حصر الشروط التي يمكن لأحد الزوجين أن يشترطها على الطرف الأخر فهي عديدة و متنوعة ولايمكن حصرها.
أنها تخضع لإرادة الزوجين ورغباتهما وما يتماشى مع مصالحهما .
ولكن شراح القانون أكدوا على أن الشرط الذي يقع التنصيص عليه صلب عقد الزواج لا يمكن بأي حال أن يخالف جوهر العقد أو النظام العام.
فلا يمكن لأحد الطرفين مثلا أن يشترط عدم المساكنة حيث ” أن المساكنة تعد من أبرز مظاهر ترابط الزوجين بعقد الزواج وهي تشكل المصدر الذي تنطلق منه الحقوق والواجبات التي تصبح متبادلة بين الزوجين ” (قرار تعقيبي مدني عدد 52422 مؤرخ في 4 فيفري 1998 ) .
فالامتناع عن المساكنة يعتبر خرقا لأحكام الفصل 23 م أ ش وهذا ما أقرته محكمة التعقيب في قرار تعقيبي مدني عدد 2009/36861 مؤرخ في 15 أكتوبر 2009 حيث اعتبرت أن ” لئن لم يوجب المشرع صراحة على الزوجة مساكنة زوجها فان تعايش الزوجين في مقر واحد يعد من أهم الواجبات الزوجية لما فيه من تحقيق لغايات الزواج ولا شك أن امتناع أحد الزوجين عن مساكنة الأخر بدون موجب يشكل خرقا لأحكام الفصل 23 م أ ش “.
كما لا يجوز لأحد الطرفين اشتراط عدم القيام بالواجب الجنسي أو أن تشترط الزوجة عدم الإنجاب ضرورة أن العلاقة الجنسية وإنجاب الأطفال من لوازم الحياة الزوجية وهو ما أكدت عليه محكمة التعقيب في قرار تعقيبي مدني عدد 36422 مؤرخ في 22 أكتوبر 2009 حيث اعتبرت أن ” العلاقة الجنسية من لوازم الحياة الزوجية التي تبنى على الإرادة المشتركة للزوجين على تحصين الطرفين وإنجاب الأبناء وإنشاء أسرة وهو ما يؤخذ من مفهوم الفصل 23 م أ ش الذي أكد على وجوب قيام الزوجين بالوجبات حسب ما يقتضيه العرف والعادة ,والعلاقة الجنسية من الواجبات الطبيعية المتعارف عليها وكان على المحكمة الاستجابة لطلب العرض على الفحص الطبي للتأكد بواسطة أهل الخبرة من عدم وجود عائق يمنع الحياة الزوجية الطبيعية بين الطرفين ضرورة أن وجود هذا العائق يمثل موجبا للطلاق للضرر باعتباره يعوق استمرار الحياة الزوجية بصفة طبيعية حسبما تقتضيه أحكام الفصل 23 السالف الذكر, لكن هذا الضرر ليس موجبا للتعويض اذا ثبت أن هذه الإعاقة جدت بعد الزواج أو أن الزوجة لا علم لها بها مثلما هو الشأن بالنسبة لمسألة استئصال رحم الزوجة ضرورة أنه وبقطع النظر عن علم الزوجة به من عدمه فان هذا الأمر من شأنه أن يلحق ضررا بالزوج باعتباره يحرمه من حق الأبوة الذي يطمح إليه كل شخص قد تزوج ومن تكوين أسرة وهو الغاية الأساسية من الزواج ولكنه ضرر لا يعوض عليه في صورة ثبوت عدم علم الزوجة به باعتبار أن الأساس التعويض هو الخطأ وقيام المسؤلية التعصيرية وليس حصول الضرر في حد ذاته “.
كما لا يجوز للزوج اشتراط عدم الإنفاق على زوجته وأبنائه فالزوج هو رئيس العائلة والمسؤول الأول على الإنفاق ,والزوجة كذلك لا يمكنها اشتراط عدم المساهمة في الإنفاق على الأسرة إذا ثبت أن لها مال, فكل هذا مخالف للفقرة 3 و 4 من الفصل 23 م أ ش التي تقتضي أنه :
“وعلى الزوج بصفته رئيس العائلة أن ينفق على الزوجة والأبناء على قدر حاله وحالهم في نطاق مشمولات النفقة.
وعلى الزوجة أن تساهم في الإنفاق على الأسرة ان كان لها مال”.
فهذه الشروط التي تعرضنا أليها على سبيل الذكر هي مخالفة لجوهرالعقد وللنظام العام ولا يجوز التنصيص عليها صلب العقد .
2- ماهي الشروط التي يجوز التنصيص عليها صلب عقد الزواج ؟
الشروط التي يجوز ذكرها بعقد الزواج هي شروط يشترطها احد الزوجين تتماشى مع مصلحته ويرى فيها فائدة محققة له , أو يرى أنها ضرورية لمصلحة الأسرة واستقرار الحياة الزوجية.
والشرط لا يقوم عدل الإشهاد بالتنصيص عليه بالعقد الا بتوفر أمرين اثنين :
– أن يقبل الطرف الثاني بهذا الشرط ويصرح برضائه به.
– أن لا يخالف الشرط جوهر العقد او النظام العام, وهي مسالة تخضع لتقدير عدل الإشهاد باعتباره رجل قانون .
إذا اشترطت الزوجة مثلا شرطا يعتبر مشروعا وقبل به الزوج ورضي به , فالمفروض أن يتعهد باحترامه وعدم مخالفته, أن القبول بالشرط يجعل الملتزم به على بينة من أمره وحريصا على الوفاء به احتراما لرغبة الزوجة وتمسكا بالحياة الزوجية واستقرار الأسرة.
أن عدم الوفاء بالشرط قد يخلق خلافا زوجيا ويهدد استقرار الأسرة .
فالزوجة مثلا لا يمكنها اشتراط عدم المساكنة لأنه شرط يخالف جوهر العقد كما رأينا ولكن يمكنها ان تختار مقر الزوجين وان تشترط أن يكون في مدينة معينة.
اذ قد تكون الزوجة متمسكة بالعيش بالقرب من والديها وتعلم زوجها قبل إبرام الزواج أنها لا يمكنها الإقامة خارج المنطقة التي يقيم فيها والديها وانها ستشترط ذلك في عقد الزواج, في هذه الحالة يكون الزوج على بينة من أمره اما ان يقبل بالشرط ارضاءا لزوجته وحرصا على استقرار الحياة الزوجية وأما أن يرفض ذلك ويبحث لنفسه زوجة أخرى.
لو افترضنا ان الزواج قد تم ولم يقع التنصيص على ذلك الشرط, وبعد مدة قرر الزوج تغيير مقر الإقامة وعبرت الزوجة عن رفضها لهذا القرار فالخلاف سيحتد خاصة وأنها لم تشترط عليه منذ البداية ان تستقر في المكان التي ترغب به, وسيعتبرها مخلة بواجباتها الزوجية وهذا الإخلال يمثل موجبا للطلاق للضرر.
وفي نفس هذا السياق يمكن للزوجة أن تشترط أن يكون لها محل سكنى مستقل لأنها قد ترى ان السكن مع أفراد أسرته قد يجلب لها خلافات ومتاعب هي في غنى عنها.

و يجوز للزوجة أن كانت لازالت طالبة وترغب في مواصلة دراستها الجامعية لتحصل على أعلى الدرجات العلمية أن تشترط على زوجها أن لا يمنعها من مواصلة دراستها فإذا رضي الزوج بذلك تم التنصيص على ذلك الشرط صلب العقد.
و يمكن للزوجة اذا كانت تشتغل سواء بوظيفة معينة أو بمهنة حرة أن تشترط على زوجها عدم منعها من مزاولة مهنتها مهما كانت الأسباب أو أن تكون الزوجة لها شهادة جامعية وتبحث عن عمل فيمكنها اشتراط أن لا يمنعها زوجها عن العمل إذا عثرت على وظيفة مناسبة.
وللزوج أن كان ميسور الحال أن يشترط على زوجته الامتناع عن العمل والتفرغ الكلي للاعتناء بشؤون المنزل فإذا وافقت على ذلك بمحض إرادتها فإنها تكون ملزمة بالوفاء بما تعهدت به.
كما يمكن لأحد الزوجين أن يشترط على الطرف الأخر الامتناع عن التدخين أو تناول المشروبات الكحولية.
3-هل يجوز للزوج اشتراط أن تكون زوجته عذراء ؟
نظم المشرع التونسي عقد الزواج بمجلة الأحوال الشخصية وقانون عدد 3 لسنة 1957 المتعلق بتنظيم الحالة المدنية.
وقد حدد الشروط الشكلية والجوهرية اللازمة لإبرام عقد زواج صحيح ولا وجود لنص واحد يشترط فيه أن تكون الزوجة عذراء.
والاتجاه الغالب لدى فقه القضاء أن الزوج إذا تبين له أن زوجته بعد الدخول غير عذراء فان ذلك لايعد سببا وجيها لطلب الطلاق للضرر طالما أنه لم يشترط ذلك صراحه صلب عقد الزواج.
فقد جاء بحكم ابتدائي مدني عدد 7487 مؤرخ في 30 ديسمبر 1968 أنه :
” لم تتعرض م أ ش إلى التفريق بين الثيب والعذراء ويتعين حينئذ الرجوع إلى الفقه الإسلامي الذي هو أهم المصادر التي استمدت منها مجلة الأحوال الشخصية أحكامها.
البكر في الفقه الإسلامي هي التي لم يسبق منها الزواج بقطع النظر عن كونها عذراء أم لا,وبذلك اتجه عدم اعتبار الثيوبة عيبا ترد به الزوجة ,إلا أن يقع اشتراط ذلك بلفظ صريح “.
وتستخلص من هذا الحكم أنه يجوز للزوج اشتراط أن تكون الزوجة عذراء صلب عقد الزواج.
ولكن عمليا هل يتجرء الزوج في مجلس العقد وبه شاهدان وحضور من الأقارب والأحباب التابعين للزوجين أن يعبر عن رغبته في اشتراط ذلك الشرط ؟
وهل يمكن لزوجة تحترم نفسها ان تسمح لنفسها بقبول ذلك الشرط امام الملا ؟
وهل يمكن لحياة زوجية استهلت بهذا الشرط العجيب ان تعرف المودة والسكينة والاستقرار ؟
4 – ماهو دور عدل الإشهاد بخصوص خيار الشرط ؟
عدل الإشهاد وهو المأمور العمومي المكلف بتحرير عقد الزواج ,مطالب بتحرير عقد زواج صحيح وفق أحكام مجلة الأحوال الشخصية والقانون المتعلق بتنظيم الحالة المدنية, وهو طبقا للفصل 11 م ا ش مطالب بالتنصيص على الشرط أو الشروط التي يتفق عليها الزوجان.
عمليا نلاحظ أن عقود الزواج التي نصت على خيار الشرط هي عقود قليلة جدا حيث نادرا ما يطلب أحد الزوجين التنصيص على شرط معين , مما يفسر عدم وجود فقه قضاء معتبر في هذا الموضوع.
وهذا راجع إلى أن الأزواج في اغلبهم يجهلون وجود الفصل 11 م ا ش رغم أهميته وقيمته القانونية.
مما نتج عنه أن الفصل 11 م أ ش يعتبر نصا قانونيا مهجورا او شبه مهجور رغم قيمته وأهميته.
وتبرز قيمة وأهمية خيار الشرط في كون الشروط التي يمكن الاتفاق عليها والتنصيص عليها صلب عقد الزواج تحدد بصفة واضحة وصريحة ضوابط الحياة الزوجية التي من شانها تعزيز سبل الاستقرار والسكينة والاحترام المتبادل بين الزوجين . وكلما أوفى احد الزوجين بالشرط الذي التزم به كلما كانت الحياة الزوجية أكثر نجاحا واستمرارا.
هل أن عدل الإشهاد مطالب بتذكير الزوجين بالفصل 11 م أ ش ؟
القانون لا يوجب ذلك ,وإنما يوجب فقط التذكير بالفصلين الأول والثاني من القانون عدد 94 لسنة 1998 المتعلق بنظام الاشتراك في الأملاك بين الزوجين كما هو مبين بالفصل 7 من نفس القانون.
يمكن القول لو أن المشرع التونسي أوجب على عدل الإشهاد التذكير بالفصل 11 م أ ش لما أصبح هذا الفصل مهجورا .
عدل الإشهاد إذا طلب منه أحد الزوجين التنصيص على شرط معين أو عدة شروط فمن واجبه وهو رجل قانون أن يتثبت من كون هذا الشرط أو هذه الشروط لا تخالف القانون ولا جوهر العقد ولا النظام العام.
وإذا قام عدل الإشهاد بالتنصيص على شرط معين صلب عقد الزواج وحدث أن الطرف الأخر قام بمخالفته ,مما نتج عنه رفع دعوى طلاق لدى القضاء, فالقاضي هنا هو الذي يبت في كون هذا الشرط مخالف فعلا لجوهر العقد والنظام العام ام لا , حيث يعود النظر في هذه المسالة الى مطلق اجتهاد محكمة الموضوع .

 

نقطة قانونية

image_print

تصنيفات: القانون المدني,قسم القانون الخاص