مرج القضية الجزائية وطول المحاكمة بقلم الأستاذ الهـادي كـرّو

مرج القضية الجزائية وطول المحاكمة بقلم الأستاذ الهـادي كـرّو
Gâchis et Lenteur du Procès Pénal  – Par Hedi KERROU

لا احد يقبل أن لا يترتب على كلّ جريمة إحالة مرتكبها على المحكمة في اقرب الاجال لمقاضاته وصدور الحكم دون توان
الا انه بخصوص القضية الجزائية – خصوصا – فمن المؤكد انه يلاحظ في الوقت الراهن – زيادة على مرج المحاكمة العادية – طول مدة نشرها وبطء الفصل فيها حتى انه كثيرا ما يصدر الحكم اما بالسجن لمدّة أقلّ من المدّة التي قضّاها المتهم موقوفا بالسجن تحفظيا واما بعدم سماع الدعوى بعد ان قضى المتهم مدّة طويلة بالسجن قبل صدور الحكم بالبراءة وترك السبيل .
ليس من شكّ في ان أسباب طول المحاكمة وبطئها تكمن بالخصوص في مرور القضية وجوبيا بمراحل حددها ألنظام القضائي المنطبق .
ولذا يتم الرجوع الى المحطات التي تمر بها القضية الجزائية – وجوبا – بدءا من وقوع الجريمة إلى صدور الحكم النهائي لمعرفة الاعمال الخاصة بها والوقزف على جدواها وتاثيرها على بطء المحاكمة .

الفصل الأول : المحطات القانونية للقضية الجزائية

إن قواعد مجلة الإجراءات الجزائية المتعلقة بالأطوار التي تمرّ بها القضية تفيد أنها تمرّ مبدئيا بثلاث مراحل قضائية وهي النيابة العمومية والتحقيق والمحكمة مع مراعاة مبدأ الفصل بين هيئات التتبع والتحقيق و بين هيئات التحقيق والحكم .
إلا أن امر الفصل بين الهيئات القضائية أصبح شانا نظريا فاقدا لجدواه في التطبيق بعد أن تاكد قانونا وواقعا ان الهيئة التي تتعهد بالقضية من البداية وبمجرّد وقوع الجريمة هي هيئة غير تابعة في الواقع للسلطة القضائية وهي الضابطة العدلية .
وعلى هذا الأساس فان الاعمال التي تقوم بها الضابطة العدلية من الشرطة والحرس الوطني باعتبار ماموريها مساعدين لوكيل الجمهورية ممثل النيابة العمومية لدى المحكمة الابتدائية حسب الفصل 11 من مجلة الإجراءات الجزائية لا يمكن بحال اعتبارها اعمال هيئة تابعة للسلطة القضاية لان الشرطة والحرس الوطني يتبعون وزارة الداخلية ولو كانت هذه الاعمال – بالأساس- من اختصاص ثلاث هيئات تابعة للسلطة القضائية .
من أجل ذلك يتم التعرض الى كل الهيئات التي تمرّ بها القضية الجزائية بدءا من الهيئة التي لا تنتمي للسلطة القضائية وصولا الى هيئات القرار والحكم القضائية وهي الضابطة العدلية والنيابة العمومية والتحقيق بدرجتيه والمحكمة

القسم الأول : الهيئة غير القضائية

لا جدال في إن أعوان الشرطة والحرس الوطني بما فيهم الذين يباشرون وظائف الضابطة العدلية تحت إشراف الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف باعتبارهم مساعدين لوكيل الجمهورية كل في حدود منطقته حسب الفصل 11 من مجلة الإجراءات الجزائية هم واقعا وقانونا موظفون يتبعون وزارة الداخلية ولهم مهام أخرى ورؤساء آخرين في هذه الوزارة بإعتبارهم تابعين لقوات الأمن الداخلي .

الاطار القانوني للشرطة والحرس الوطني

تتكون قوات الامن الدخلي من أعوان الأمن الوطني والشرطة الوطنية وأعوان الحرس الوطني وأعوان الحماية المدنية وأعوان السجون والإصلاح تطبيقا لأحكام القانون 70 لسنة 1982 المؤرخ في 04 أوت 1982 المتعلق بضبط القانون الأساسي العام لقوات الأمن الداخلي وقت صدوره.
ويرجع أعوان قوات الأمن الداخلي بالنظر إلى وزير الداخلية يحافظون على الامن العام ويقوم بعضهم بوظائف الضابطة العدلية .
الفقرة الأولي : المحافظة على الأمن العام
لا بد من التأكيد بخصوص مهام قوات الأمن الداخلي بإن جميع ألاعوان بما فيهم مأموري الضابطة العدلية مكلفون بالمحافظة على الأمن العام وملزمون بالتدخل سواء كان ذلك من تلقاء أنفسهم أو بطلب من الغير لإعانة أو إغاثة كل شخص في حالة خطر وكذلك لمنع أو قمع كل عمل من شأنه أن يكون خطرا على الأشخاص أو الممتلكات أو تعكيرا لصفو الأمن العام.
وتتعلق هذه المهام بالجريمة قبل وقوعها وهي مهام وقائية غايتها منع وقوع الجريمة وذلك بمراقبة نشاط الأفراد.
وللشرطة في هذا الصدد الحق في القيام بكلّ عمل من شأنه المنع من إرتكاب الجريمة ووقوعها شريطة أن لا يكون بطريقة مخالفة للقانون
والثابت أن مهمة المحافظة على الأمن العام موكولة لكل أعوان قوات الأمن الداخلي من القانون الأساسي العام الذي وأن أوكل لبعض أعوان قوات الأمن الداخلي صفة لممارسة مهام الضابطة العدلية فإنه لم يعفيهم من مهمّة المحافظة على الأمن العام .
ولا يوجد أثر في القانون الأساسي العام لقوات الأمن الداخلي للقاعدة الأكاديمية التي تفيد أن مؤسسة الشرطة مقسّمة إلى شرطة إدارية وشرطة عدلية
وأن الشرطة الإدارية متكونة من موظفين مهمتهم المحافظة على النظام العام والأمن في الدولة وهي تتخذ الوسائل والتدابير الإحتياطية قبل وقوع الجريمة
أما الشرطة العدلية فإنها تقوم بالبحث بمجرد وقوع الجريمة وتأخذ ما يلزم من تدابير لجمع أدلتها وتقديم مرتكبيها للنيابة العمومية .
وتنحصر مهامّها في التدخل بعد وقوع الجريمة وليس قبل وقوعها وهو ما يفيد أن مهمة أعوان الشرطة العدلية تبدأ عندما تنتهي مهمة الشرطة الإدارية فالأولى تبحث فيما لم تمنع الثانية وقوعه
.تبقى هذه القاعدة نظريّة لا مجال لها في التطبيق رغم وجود مراكز للشرطة العدلية فإنه من قبيل التنظيم الإداري الداخلي ويبقى مع ذلك كلّ أعوان الشرطة والحرس الوطني مكلفين بالمحافظة على الأمن العام بما فيهم مأموري الضابطة العدلية الذين لهم زيادة على ذلك وظيفة القيام بالبحث بعد وقوع الجريمة وتقديم المجرمين للقضاء .
الفقرة الثانية : المهام العدلية للشرطة والحرس الوطني
بخصوص مهام الضابطة العدلية القضائية قثد تعرض الفصل 10 من مجلة الإجراءات الجزائية إلى الأشخاص الذين يباشرون وظائف الضابطة العدلية وتعرض القصل 11 الى الأعمال الموكولة لماموري الضابطة العدلية من الشرطة والحرس الوطني وهي:
1 ـ في الجرائم العادية:
ـ معاينة الجرائم وجمع أدلتها والبحث عن مرتكبيها وتقديمهم للمحاكمة ما لم يصدر قرار في إفتتاح بحث .
ـ البحث في حدود نظرهم الترابي عن كلّ جريمة مهما كان نوعها وتحرير المحاضر في ذلك
2 ـ في الجرائم والجنح المتلبس بها
إن لمأموري الضابطة العدلية في الجنايات والجنح المتلبس بها ما لوكيل الجمهورية من السلط فهم يقومون بالأعمال الخاصة به والتي تمّ بيانها في موطنها بإعتبارها أعمال حاكم التحقيق لأن وكيل الجمهورية إكتسب أهلية القيام بها بالسبب نفسه الذي أهّل مأموري الضابطة العدلية من الشرطة والحرس للقيام بها وهو التلبس مع التأكيد بأن إصدار البطاقات القضائية يبقى من إختصاص الحكام وحدهم.
وهكذا فإن ظاهرة التلبس هي أساس الأعمال التي يقوم بها أعوان الضابطة العدلية المذكورين مباشرة عند وقوع الجريمة بالوصف المذكور علما وأن الوصف يلحق بالجريمة وبفاعليها الأصليين ويسري إلى المشاركين ولو لم يقع ضبطهم في حالة تلبس.
حقّا إن حالة التلبس تعطي مأموري الضابطة العدلية صلاحيات كبيرة منها الإحتفاظ والحجز والإذن بالإختبار وتحرير المحاضر وتفتيش المنازل وأعمال أخرى.
3 ـ عند الإنابة
عندما يصدر عن النيابة العمومية قرار في افتتاح بحث يكلف بمقتضاه حاكم التحقيق بالقضية يمكن لهذا الأخير الاكتفاء باحضار المتهم وتحرير محضر يفتتح به البحث يسجل به هوية المتهم ويعرفه بالافعال المنسوبة اليه والنصوص القانونية المنطبقة على قضيته ويصدرعند الاقتضاء بطاقة يودع بمقتضاها المتهم في السجن ثم استعمال دون تردد الامكانية التي أعطاها له الفصل 54 من مجلة الإجراءات الجزائية بان يجري عند التعذر عليه بواسطة ماموري الضابطة العدلية من الشرطة والحرس الوطني المنتصبين بدائرته الأعمال التي هي من خصائصه ما عدا إصدار البطاقات القضائية.
زيادة عن اعمال الإنابة التي يقوم بها مأمورو الضابطة العدلية من الشرطة والحرس الوطني المنتصبون بدائرة حاكم التحقيق الذي تعذّر عليه إجراء بعض الأعمال بنفسه ومن إختصاصه فيصدر قرارا للغرض يوجهه لوكيل الجمهورية قصد تنفيذه فقد أعطت مجلة الإجراءات الجزائية للضابطة العدلية في الجنايات والجنح المتلبس بها سلطة وكيل الجمهورية .
وفي الحقيقة فإن صاحب هذه السلطة قانونا هو حاكم التحقيق ـ بالدرجة الأولى ـ وأن وكيل الجمهورية لا يمارسها إلا عند التلبس فإذا بها تتعدّى منه للضابطة العدلية وبنفس السبب طبقا لأحكام الفقرة 2 من الفصل 26 والفصلين 34 و11 من مجلة الإجراءات الجزائية.
وهكذا يمكن الجزم بان القضية الجزائية هي من الاساس من وضع وتصميم الضابطة العدلية
الا انه رغم مبادرة أعوان الضابطة العدلية في نطاق البحث الأولي القيام باعمال وكيل الجمهورية وحاكم التحقيق ودائرة الإتهام والمحكمة فهذا لا يمنع من ان تمر القضية الجزائية وجوبا وحسب الأحوال بالهيئات القضائية المرصودة لها من مجلة الإجراءات الجزائية والتي تشكل محطات تتسبب في طول مدة نشر القضية وبقاء المتهم مودعا بالسجن اذا كان موقوفا تحفضيا .
لذا يتعيّن التعرض من الناحية القانونية وبايجاز لهذه الهيئات وللأعمال الموكولة لها نطريا وهي النيابة العمومية والتحقيق والمحكمة قصد بيان علاقتها بأسباب مرج المخاكمة وطول نشر القضية .
القسم الثـاني :الهيئات القضائية وأعمالها
من المعقول أن تتدخل في إعداد ملف القضية هيئات ثلاثة متألفة من حكام ينتمون إلى السلطة القضائية.
الأولى تبحث وتثير الدعوى العمومية وتمارسها والثانية تبحث وتحقق بدرجتيها عند الإقتضاء والثالثة تبحث وتنطق بالحكم .
الفقرة الأولى  :النيابة العمومية
لا يخفى أنه بمجرد وصول العلم للضابطة العدلية بوقوع الجريمة يتولى أعوانها البحث والإحتفاظ بالمتهم عند الحاجة في نطاق مباشرتهم لوظيفتهم ويخبوا وكيل الجمهورية بكل الجرائم التي بلغهم العلم بها
أما وكيل الجمهورية فعليه في صورة الجناية أن يعلم فورا الوكيل العام ويصدر حالا قرارا في إجراء البحث تعهد به القضية لحاكم التحقيق بصفة لا رجوع فيها
ويمكن لوكيل الجمهورية في صورة الجنحة إما إحالة المتهم على التحقيق علما وأن التحقيق إختياري في هذه المادة وإما إحالته على المحكمة ذات النظر.
وفي صورة المخالفة فإنه يمكن لوكيل الجمهورية أن يعهد بها لحاكم الناحية أما بمقتضى إحالة مباشرة أو بمقتضى إحالة المخالف توا وينتقل أمر الإيقاف بذلك إلى الحاكم.
وأما في حالة التلبس يمكن لوكيل الجمهورية إما إحالة المتهم مباشرة على المحكمة المختصة بعد إيقافه بالسجن وإما إحالته توا على المحكمة المختصة.
وإذا لم يكن في الصورتين المذكورتين جلسة يوم الإحالة فإن عليه إحضار المتهم لأقرب جلسة ممكنة وبحضوره ينتهي مفعول بطاقة الإيداع التي أصدرها.
والملاحظ بخصوص بطاقة الإيداع فإن مفعولها ينتهي بمجرد خروج ملف القضية من الهيئة القضائية التي أصدرتها وللهيئة التي أحيل عليها الملف النظر في حالة المتهم ولها أن تؤيد بطاقة الإيداع إن كان موقوفا بإصدار بطاقة إيداع جديدة أو الإذن بالإفراج عنه.
الفرة الثانية  :التحقيق
فعندما ينهي حاكم التحقيق أعماله في القضية الجزائية يحيل ملفها على وكيل الجمهورية ليقدم طلباته كتابة في أجل أقصاه ثمانية أيام وبعد ذلك يصدر حاكم التحقيق أحد قرارات ختم البحث في المعنى التالي:
1 ـ عندما يصدر حاكم التحقيق قرار التخلي عن القضية بإعتبارها خارجة عن أنظاره فإن وكيل الجمهورية يوجه ملفها على المحكمة المختصة مع ذي الشبهة على الحالة التي هو عليها
2 ـ عندما يصدر حاكم التحقيق قرارا بأن لا وجه للتتبع لأن الدعوى العمومية غير مقبولة أو أن الأفعال لا تشكل جريمة وأن الحجج القائمة على المظنون فيه غير كافية فإنه يأمر بالإفراج عن المظنون فيه إذا كان موقوفا وبذلك ينهي مفعول بطاقة الإيداع
3 ـ عندما يصدر حاكم التحقيق قرارا يحيل المظنون فيه على القاضي المختص لأن الأفعال تشكل جنحة لا تستوجب عقابا بالسجن أو مخالفة فإنه يأمر بالإفراج عن المظنون فيه ويضع بذلك حدّا لبطاقة الإيداع
4 ـ عندما يصدر حاكم التحقيق قرارا يحيل المظنون فيه على قاضي الناحية أو المحكمة الجناحية بحسب الأحوال فإن هذا القرار ينهي مفعول وسيلة الإيقاف التحفظي إلا إذا أصدر حاكم التحقيق قرارا مستقلا ومعلّلا يقضي بأن يبقى المظنون فيه تحت مفعول بطاقة الإيداع إلى تاريخ مثوله أمام المحكمة ما لم تر خلاف ذلك
5 ـ عندما يصدر حاكم التحقيق قرار يحيل المظنون فيه على دائرة الإتهام فإن مفعول بطاقة الإيداع يستمرّ ما لم ير حاكم التحقيق خلاف ذلك
والمعلوم أن كل قرار يتخذه حاكم التحقيق يحيله فورا على وكيل الجمهورية الذي له في جميع الأحوال حق إستئنافه في ظرف أربعة أيام من تاريخه أو تنفيذه عند عدم الإستئناف.
من هنا يتضح أن حاكم التحقيق غير ملزم بإتباع رأي وكيل الجمهورية موضوع طلباته الكتابة قبل أخذ القرار.
لكن في صورة إستئناف وكيل الجمهورية لقرار حاكم التحقيق ما هو تأثير هذا الإستئناف على الإيقاف ومفعول بطاقة الإيداع ؟
يبقى المتهم بالسجن في كل الصور إلى إنقضاء أجل الإستئناف
عندما يستأنف وكيل الجمهورية قرار ختم بحث التحقيق يبقى المتهم بالسجن إلى أن يقع البت في الإستئناف من دائرة الإتهام ما لم يصادق وكيل الجمهورية على السراح حالا
الفقرة الثالثة : قرار دائرة الإتهام
عندما يتخذ حاكم التحقيق قرارا يحيل بمقتضاه المتهم بإرتكاب جناية على دائرة الإتهام وكذلك عند إستئناف أحد قرارات حاكم التحقيق فإن وكيل الجمهورية لدى المحكمة الإبتدائية يحيل القضية على الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف الذي تحال عليه أيضا القضايا المحالة من محكمة أخرى وعلى الوكيل العام أن ينهيها في ظرف عشرة أيام إلى دائرة الإتهام مصحوبة بطلباته وتبتّ دائرة الإتهام في القضية في الأسبوع الموالي ليوم إتصالها بها وتتخذ أحد القرارات طبقا لأحكام الفصل 116 من مجلة الإجراءات الجزائية التالية:
1 ـ عندما تصدر دائرة الإتهام قرارها بأن لا وجه للتتبع فإنها تأذن بالإفراج عن المظنون فيه الموقوف لأن الفعلة ليست بجريمة أو لم تقم على المظنون فيه أدلّة كافية
2 ـ عندما تحيل دائرة الإتهام المتهم على الدائرة المختصّة فإنها تقرّر ما تراه بالنسبة لكلّ من المظنون فيهم المحالين عليها في شأن جميع أوجه التهمة التي أنتجتها الإجراءات لوجود قرائن كافية على إتجاه التهمة.
3 ـ عندما تقرّر دائرة الإتهام إحالة القضية على المحكمة الجناحية أو محكمة الناحية لأن الأفعال تتألف منها جنحة أو مخالفة
4 ـ عندما تقرّر دائرة الإتهام إحالة القضية على الدائرة الجنائية فإن الأفعال المنسوبة إلى المتهمين هي من قبيل الجنايات
ومعلوم أن قرار دائرة الإتهام يقع الإعلام به ويقع تعقيبه إذا بتّ في الأصل وقد أقرّت محكمة التعقيب أن قرار دائرة الإتهام القاضي بإرجاء النظر في الأصل وإرجاع القضية إلى حاكم التحقيق لا يجوز تعقيبه لأنه لم يثبت في الأصل
كما أن القائم بالحق الشخصي لا يقبل طعنه بالتعقيب في قرارات دائرة الإتهام القاضية بحفظ الدعوى العمومية إلا إذا شاركته النيابة العمومية في طعنه قرار تعقيبي جزائي عدد 4338 مؤرخ في 3 سبتمبر 1965 نشرية محكمة التعقيب القسم الجزائي سنة 1966 صحيفة 153
إن كانت الهيئات القضائية الثلاث قائمة بذاتها مستقلة عن بعضها ومهامّها مختلفة فإن البحث في القضية الجزائية أمر مشترك بينها تقوم به كلّ واحدة في حدود إختصاصها.
الا انه عوضا عن ان يشمل ملف القضية الجزائية عند احالته للمحكمة البحث والعمل الموكول القيام به للنيابة العمومية ولقاضي التحقيق ودائرة الاتهام وذلك زيادة عن الاعمال التي مكّن القانون الشرطة والحرس الوطني الذين لهم صفة مأموري الضابطة العدلية من المبادرة بالقيام بها والبحث بمجرّد وقوع الجريمة سواء أصالة عن نفسهم أو نيابة عن غيرهم فمن الاصلح وضع حد لبحث وعمل هيئة التحقيق بدرحتيها استقراء وطعنا ولقواها المضاعة وتعويضه بصفة حتمية بالبحث الذي قامت به الضابطة العدلية ووجهته لوكيل الجمهورية ليجتهد في تقرير مال البحث واعتباره – عند الاقتضاء – سند الإحالة على المحكمة.
الفصل الثاني : المحطات المؤملة للقضية الجزائية
من المعلوم ان القضية الجزائية العادية تمر قانونا بالضابطة العدلية من الشرطة والحرس الوطني وبالنيابة العمومية وعند الاقتضاء بالتحقيق ودائرة الاتهام ثم المحكمة الا انه تحقيقا لنجاعة القضاء وحسن سير العدالة من المستحسن اختصار المحطات وحذف ما يكسب منها القضية الجزائية هيبة في الشكل وحيرة في الأصل وضررا اكثرمن النفع .
ان المقصود بالمحكمة في هذا الموطن كل محكمة منتصبة للقضاء في المادة الجزائية منتمية للنظام القضائي الحالي ومؤهلة لإصدار ألاحكام طبقا لاحكام مجلة الإجراءات الجزائية .
القسم الأول :محاكم الحق العام واعمالها
اعتمادا على تصنيف الجرائم حسب خطورتها وعلى الأوصاف التي أقرّتها لها مجلة الإجراءات الجزائية تكون المحاكم المعنية بالدراسة هي محاكم الحق العام العادية التالية:
الفقرة الأولى  :محاكم الحق القام
ان المحاكم التي تعرضت لما مجلة الإجراءات الجزائية وتعتبر محاكم حق عام هي التالية
ـ محكمة الناحية
ـ الحاكم الفردي الجناحي بالمحكمة الإبتدائية
ـ الدائرة الجناحية بالمحكمة الإبتدائية
ـ الدائرة الجنائية بالمحكمة الإبتدائية
مع التأكيد بأنه يتمّ التعرض بخصوص هذه المحاكم لسبل تعهدها بالقضية بعد أن تولت هيئة البحث إنجاز الأعمال قبل إحالة القضية عليها.
والملاحظ أنه عند غياب الأعمال التي يمكن للمحكمة أن تقوم بها فإنها تبني حكمها على المحاضر المظروفة بالملف المحال عليها.
لئن تضمنت مجلة الإجراءات الجزائية أحكاما خاصّة بأعمال كل محكمة فإنها أقرت ـ أيضا ـ أحكاما مشتركة بين جميع محاكم الأصل يتمّ بيانها قبل التعرض لمحاكم الحق العام المذكورة.
الفقــرة الثانية :الأعمال المشتــركة
إن أهمّ الأعمال المشتركة بين المحاكم هي:
ـ إستنطاق المظنون فيه.
ـ المناداة على الشهود والخبراء والبت في أوجه التجريح فيهم وسماع مقالاتهم
ـ عرض الأشياء المحجوزة المثبتة للتهمة أو النافية لها على الشهود والخصوم عند الإقتضاء.
ـ تلقي شهادة الشهود الذين طلبت النيابة العمومية والقائم بالحق الشخصي والمظنون فيه تلقيها وفي صورة رفض الطلب تصدر المحكمة حكما معلّلا.
ـ إجراء المكافحات اللازمة.
ـ ختم المرافعة من الرئيس عندما يتبين للمحكمة أن القضية توضحت بوجه كاف
والملاحظ أن كثرة القضايا جعلت من الصعب على المحكمة القيام بكل الأعمال الممكن القيام بها ومراعاة الإجراءات التابعة لها.
تلك إذن هي الأعمال الواردة بمجلة الإجراءات الجزائية والتي يمكن لكلّ محكمة أن تقوم بها إضافة إلى الأعمال الخاصة بها والتي يجب أن تذكر بالحكم ضمن المستندات الواقعية والقانونية ولو في صورة الحكم بالبراءة.
وتبقى الأعمال الخاصة بكلّ محكمة قائمة بعد حذف التجقيق بدرجتيه .
ما هي المحكمة ما هي تركيبتها وكيفية تعهدها بالقضية.
الفسم الثــاني  : المحكمة وطبيعتها
توجد محاكم فردية ومحاكم مجلسية
الفقرة الأولى  :المحاكم الفردية
1- محكمـة الناحيـة
تركيبة هذه المحكمة ومرجع نظرها الحكمي.
يجلس بهذه المحكمة حاكم فردي وينظر في المادة الجزائية في نطاق نظره الحكمي دون حضور وجوبي للنيابة العمومية والدفاع.
يتعهد حاكم الناحية في مادة المخالفات بعد حذف التحقيق :
ـ بمقتضى إحالة مباشرة من وكيل الجمهورية ويمكن أن يكون المتهم موقوفا من الإدارة العامة والفروع المالية في الصور التي يجيز لها فيها القانون القيام بالدعوى العمومية رأسا أو من المتضرّر.
ـ أو بمقتضى إحالة من محكمة أخرى.
ـ أو بمقتضى إحالة المخالف توا من طرف وكيل الجمهورية في صوّر معينة قانونا.
ـ وفي مادة الجنح بالكيفية التي يعهد بها للمحكمة الإبتدائية ويحال عليه المخالف مع الملف محتويا على محاضر بحث وإحالته موقوفا أمر ممكن.
2- المحكمـة الإبتـدائية
يوجد بالمحكمة الإبتدائية هيئات تنظر في الجرائم وهي:
أولا ـ القاضي المنفرد وهو يبت في الجرائم التالية:
1) جرائم الشيك بدون رصيد التي تعهد إليه من وكيل الجمهورية الذي يوجه إليه المصرف المسحوب عليه في صورة عدم إتمام التسوية في الأجل القانوني ملفا يتضمن وجوبا نسخة من شهادة عدم الدفع ومحضر الإعلام المتضمن للإنذار.
2) جرائم البناء بدون رخصة التي يتعهد الحاكم بها بعد إحالة المحاضر المتعلقة بمعاينة المخالفات مرفوقة عند الإقتضاء بنسخة من القرار الصادر في إيقاف الأشغال في بحر الثمانية أيام من طرف محافظ الأمن أو ضابط الحرس الوطني الراجع إليه العون المعاين للمخالفة.
3) أما الجرائم الإقتصادية فإنها تحال على الحاكم من وكيل الجمهورية بالمحكمة الإبتدائية المختص والذي أحيلت عليه المحاضر من الوزير المكلف بالإقتصاد.
الفقرة الثانية : المحاكم المجلسية
1 – المحكمة الابتدائية
نوجد بالمحكمة الابتدائية دوائر وهي تبت في الجرائم التالية
1) ـ الدائرة الجناحية بالمحكمة الإبتدائية
تتألف المحكمة الإبتدائية عند النظر في الجنح من رئيس وقاضيين ويقوم وكيل الجمهورية أو أحد مساعديه بوظيفة الإدعاء العام .
—- أما تعهد الدائرة الجناحية بالمحكمة الإبتدائية فإنه يتمّ:
ـ بمقتضى إحالة مباشرة من وكيل الجمهورية أو من الإدارات العامة والفروع المالية في الصور التي يجيز لها فيها القانون القيام بالدعوى العمومية رأسا أو من المتضرر عند إمتناع ممثل النيابة العمومية من إجراء التتبع من تلقاء نفسه.
المفروض أن نجد في هذه الصورة بالملف المحال على المحكمة محاضر بحث قامت به أما وكالة الجمهورية وهو أمر نادر أو الضابطة العدلية وهو الوارد في غالب الأحوال.
ـ بمقتضى إحالة من محكمة أخرى وفي هذه الحالة يكون الملف مشتملا على محاضر بحث من وكيل الجمهورية أو الضابطة العدلية أوالتحقيق
ـ بمقتضى إحالة المظنون فيه توا على المحكمة من طرف وكيل الجمهورية بعد إستنطاق بسيط في صورة الجريمة المتلبس بها ويشتمل ملف المحكمة في هذه الصورة على محاضر البحث الأولى من الضابطة العدلية.
2) الدائرة الجنائية بالمحكمة الإبتدائية
يوجد بالمحكمة الإبتدائية دائرة جنائية تختص بالنظر في الجنايات.
وتتعهد الدائرة الجنائية الإبتدائية بمقتضى قرار إحالة صادر من دائرة الإتهام بمحكمة الإستئناف
لا شك في أن القانون يقتضي أن تمرّ القضية الجزائية قبل وصولها إلى المحكمة للبحث والحكم فيها ـ حسب الأحوال ـ بهيئات بحث مؤلفة من حكام وهي النيابة العمومية والتحقيق عند الإقتضاء بدرجتيه رغم وجود البحث المسبق الذي تولت الضابطة العدلية وال مؤسسة الضابطة العدلية من الشرطة والحرس الوطني القيام به اصالة أو بالإنابة . الا انه تقديرا للدور الذي بادرت القيام به لمجابهة الجريمة وتقديم مرتكبيها للمحكمة مع ملف يبعث على الاقتناع بوجوب الإكتفاء بأعمالها وإحالة الملف على المحكمة مباشرة بعد نهايتها .
وفي النهاية فإن الغاية من هذه الدراسة هي بيان أن إختصار مدّة المحاكمة يتوقف بالخصوص على إختصار المحطات التي تمرّ بها القضية الجزائية ويتحقق ذلك بحذف الاطوار التي تمر بها القضية دون جدوى مع التأكيد بان الاستغناء عنها لا يمس بسلامة سير البحث علما وأن الإختصار المنشود تمليه الحقائق التالية:
ـ أولا : أنه مهما كثرت الجرائم وتنوعت فإن مأموري الضابطة العدلية من الشرطة والحرس قادرون على مجابهتها لإنتمائهم إلى قوات الأمن الداخلي وهي قوّة مسلّحة مدنية لها من المعدّات البشرية والمادية ما يمكنها من ذلك في حين تشكوا هيئات القضاء نقصا كبيرا في الرجال والعتاد.
ـ ثانيا : أن تركيبة سلط الدولة تفرض التعايش بين الشرطة والقضاء لأن في غياب الشرطة عن القضاء تعطيل للقضاء وبطالة وفي غياب القضاء عن الشرطة تواجد ونفوذ.
ـ ثالثا: إنه من قبيل القوى المضاعة أن يمرّ ملف القضية الجنائية بقصد البحث على الضابطة العدلية والنيابة العمومية والتحقيق ودائرة الإتهام ليصل إلى الدائرة الجنائية لتبحث وتحكم فيه.
ـ رابعا: أن القواعد الإجرائية المتعلقة بالقضية الجنائية في تونس أَخذت بحذافيرها من القانون الفرنسي وأن لمرور القضية الجزائية بالمراحل المذكورة بصفة وجوبية تاريخ في فرنسا لا يهمنا وغير قادرين ماديا وادبيا على تخليد ذكراه .
لم يبق والحالة تلك مبرّر لإجراءات التحقيق بدرجتيه في الجنايات بعد أن أبطل العمل بمشاركة الشعب في إصدار الحكم وتعهدت بالبحث والحكم محكمة مؤلفة من خمسة قضاة حكمها قابل للطعن بالإستئناف أمام محكمة مؤلفة هي الأخرى من خمسة قضاة الرئيس من الرتبة الثالثة بخطة رئيس دائرة بمحكمة التعقيب وقاضيين من الرتبة الثالثة وقاضيين من الرتبة الثانية.
لم يبق مبرّر للتحقيق الإختياري في الجنح والمخالفات وكذلك للتحقيق بدرجتيه في الجنايات في قضايا سبق ان باشرت الضابطة العدلية أعمال البحث والتحقيق فيها خاصة اذا كانت ستحكم فيها وعلى درجتين محكمتان مألفتان من حكام تابعين للسلطة القضائية .
الخـاتمـــة
ليس من شكّ في أن علاج بطء التقاضي يكمن في الإكتفاء بإحالة القضية الجزائية مهما كان نوعها من النيابة العمومية بعد بحث الضابطة العدلية ومهما كان وصف الجريمة على المحكمة المختصة لتقوم بالأعمال الموكولة لها وتبني حكمها على حجج تقدم لها أثناء المرافعة وتناقش أمامها وبمحضر جميع الخصوم وبذلك تنقص حتما مدّة نشر القضية وتبقى لوكيل الجمهورية سلطة ممارسة الدعوى العمومية وإصدار البطاقات القضائية والسـلام./.
الهـادي كـرّو

image_print

تصنيفات: مقالات الرأي