كمبيالات المجاملة – الباحثة هاجر الخميري

نتائج عدم توفر المؤونة: كمبيالات المجاملة

هذا المقال هو جزء من دراسة كاملة بعنوان ” المؤونة في الكمبيالة ” للباحثة هاجر الخميري

يتأكّد الدور الأساسي للكمبيالة من حيث أنها أداة ائتمان من ناحية وأداة لتسير المبادلات التجارية من ناحية أخرى فكل كمبيالة هي عادة تمثل وجود دين معيّن للساحب تجاه المسحوب عليه وحيث يمثل ذلك الدين مؤونة الكمبيالة والتي يستوجب وجودها عند حلول أجل الاستحقاق أو حتى قبل ذلك. في حالات معينة، ونظرا لأهميّتها كضمان من ضمانات الخلاص لفائدة الحامل. وهذه الأهميّة التي تطرحها المؤونة في الكمبيالة تؤدّي إلى التساؤل حول مدى ضرورة توفر المؤونة في الكمبيالة؟ وهل أن المؤونة تمثل شرطا أساسيا لصحة الكمبيالة ؟ وهل يترتب على غيابها بطلان الكمبيالة ؟ وهل يمكن أن تنشأ كمبيالة من دون وجود مؤونة؟

لأن اعتبرت المؤونة شرط صحة الكمبيالة حيث أن توفرها يمكن أن يكون عند نشأة الكمبيالة أو حتى عند حلول اجل استحقاقها. بوصفها من ضمن ضمانات الوفاء، إلاّ أنه قد يحصل أحيانا أن تحرر كمبيالة من دون وجود المؤونة لدى المسحوب عليه لا في تاريخ إنشائها ولا حتى في تاريخ استحقاقها، ويعرف هذا النوع من الكمبيالات بكمبيالات المجاملة ولتحديد هذا النوح من الكمبيالات سوف نتولى دراسة ماهية كمبيالات المجامل (مبحث أول) ونتائج إصدار هذه الكمبيالات (مبحث ثاني).

المبحث الأول: ماهية كمبيالات المجاملة.

إن دراسة الأعمال الفقهية والقرارت القضائية والممارسات المصرفية توحي بأن المجادلات حول صلوحية أو بطلان كمبيالات المجاملة أساسه عدم وضع التّشاريع لتعريف لها من ناحية وعدم وضوح العبارات المستعملة في هذه المسألة من ناحية أخرى([161]) لذلك سعى الفقه وفقه القضاء لتحديد ماهية كمبيالات المجاملة عن طريق السعي لتحديد مفهوم هذه الكمبيالات (فقرة أولى ) وتحديد أسس بطلانها (فقرة ثانية).

الفقرة الأولى: مفهوم كمبيالات المجاملة:

لم يحدد المشرّع التونسي على غرار نظيره الفرنسي مفهوم كمبيالات المجاملة مما نتج عنه فتح المجال أمام الفقه وفقه القضاء لتوضع تعريف لهذا النوع من الكمبيالات (أ) وتحديد خصائصها (ب).

أ– تعريف كمبيالات المجاملة:

إنّ عدم وجود تعريف قانوني لكمبيالات المجاملة تنتج عنه عدّة محاولات الفقهيّة لتعريفها. فقد تمّ تعريفها على أنها ” سندات تجارية صحيحة من حيث الشكل يقصد منها إيهام الغير بوجود علاقات حقيقية بين أطرافها والحصول على ائتمان بطريقة غير مشروعة لعدم وجود اية نيّة لدى هذه الأطراف بالالتزام بأداء قيمتها في تاريخ استحقاقه”ا([162]) كما قام الأستاذ عيد إدوارد بتعريفها على أنها “أسناد مسحوبة بين أطراف لا تربطهم علاقات حقيقية ولا ينوي فيها الموقّعون الالتزام بدفع قيمتها إنما يقصدون الاحتيال على الغير للحصول على انتمائه” وعموما ونظرا لتعدّد التّعاريف فإنه قد تم في أغلب الأحيان الاعتماد على التعريف الضيق لكمبيالات المجاملة وهو تعريف كل من “ريني روبلو” و”جورج ريبر” وهو التعريف الأكثر رواجا حيث تعرّف كمبيالات المجاملة بأنها: “سندات مجعولة لمغالطة الغير بأن العلاقات الموجودة بين الممضين، وبين هؤلاء وغيرهم من الأشخاص المعيّنين على السند وفي نيّة أطراف المجاملة عدم خلاص مبلغ السند. ” بمعنى أن هذه الكمبيالات تسحب بغاية الحصول على اعتماد وهي لا تتضمن نيّة الوفاء بها من جانب الموقعين لذلك فهي كمبيالات دون علاقته تعاقديّة وتقوم على سبب قد يكون غير جائز أو غير متوفر. كما عرف فقه القضاء التونسي كمبيالات المجاملة ضمن حكم ابتدائي صدر في 20 أكتوبر 1964([163]).

وعادة ما يلجأ التاجر الذي اضطربت أعماله لهذا النوع من الكمبيالات فيتفق مع زميل له أو قريب غير مدين على أن يسحب عليه كمبيالة يرجوه قبولها وفي المقابل يعده بأن يدفع له قيمة الكمبيالة في حالة الرّجوع عليه فيقوم المسحوب عليه بالتوقيع على الكمبيالة مجاملة منه للقريب أو الزميل من دون أن تكون له نية الخلاص وهذا التواطئ يظهر في شكلين، يتمثل الأول في حالة تاجران يمران بصعوبات اقتصادية قيتولان سحب كمبيالتين يكون كل منهما ساحب في واحدة ومسحوب عليه في أخرى وهو ما يسمى في التطبيق بالأوراق المتقاطعة وعادة هذا النوع من الكمبيالات ينشأ بين الأقارب والأصدقاء. أمّا النوع الثاني فيتمثل في إنشاء كمبيالة بمبلغ أرفع من الكمبيالة الأولى وذلك قبل حلول أجل هذه الأخيرة لتغطية قيمة الكمبيالة الأولى وخصم الثانية وتتواصل هذه العملية في كل مرّة مما ينتج عنه تراكم وتزاحم في الكمبيالات يعرف هذا النوع بكمبيالة الفرسان « Traité de cavalier » ولكن ولئن بدت مهمة سحب كمبيالات المجاملة في بعض الأحيان ترمي إلى مساعدة التاجر المتعرّض لظروف مالية صعبة عبر اللّجوء إلى أعمال لا تخلو من الغش فإن ذلك له عديد من المضار على الحياة التجارية وعلى الاقتصاد بصفة عامّة، بسبب ما يمكن أن ينجرّ عنه من ضرر سواء للحامل حسن النية الذي يجد نفسه في مجموعة من المتعاقدين الوهميين الذين لا تكون لهم نيّة الوفاء بالكمبيالة وحيث أنه عادة ما تكون المصارف ضحية لهذا النوع من الكمبيالات([164]) كما يضر سحب هذا النوع من الكمبيالات بمصلحة التاجر حيث أن سعيه لتاخير علامته بهذه الطريقة يؤدّي إلى تراكم الديون وتهديد مصالح الغير، ويتمّ الوقوع عادة في هذه الكمبيالات لأنها في ظاهرها تبدو صحيحة وتحتوي على جميع البيانات اللازمة. لذلك يصعب الكشف عن حقيقتها لأنها تقوم أساسا على ضرورة الكشف عن نية الأطراف المتعاملة بها.

ب- خصائص كمبيالات المجاملة:

إن لكمبيالات المجاملة العديد من الخصائص التي تميّزها عن الكمبيالات الحقيقية وتتمثل هذه الخصائص خاصة فيما يلي:

عدم وجود علاقات قانونية سابقة بين أطراف الكمبيالة:
كما سبق وبيّنا فإنه عندما يصدر الساحب الكمبيالة يجب أن يكون دائنا للمسحوب عليه بقيمة ذلك الدين نتيجة العلاقة قانونية محدّدة حتى وإن كانت الكمبيالة الحقيقية يتم تحريرها في بعض الأحيان دون أن يكون الساحب دائنا للمسحوب عليه وقت تحرير الكمبيالة فإنّ الساحب بكون على علم بأنه sيصبح دائنا للمسحوب عليه قبل تاريخ الاستحقاق. كما أن المسحوب عليه لا يقبل الكمبيالة ويوقع عليها إلا من كان متأكد بأنه سيكون مدينا للساحب بالمبلغ في تاريخ الاستحقاق، وبناء عليه فإن هذه العلاقة تكون قائمة على سبب حقيقي قائم أو سيقوم في الآجال بين الساحب والمسحوب عليه، في حين أنه في الكمبيالة التي تسحب على وجه المجاملة يتم تحرير ها بين الساحب والمسحوب عليه دون أن يكون بينهما علاقة قانونية سابقة عن إنشاء الكمبيالة أو ستقوم عند أجال الاستحقاق حيث يبقى إنشاء الكمبيالة من دون أساس ترتكز عليه، أي أنها من دون سبب ولهذا تعرف السحب الذي يتم في هذه الصورة بالسحب في الهواء tirage en l’air([165]).

انتفاء نية الموقع بأداء الكمبيالة:
في هذه الحالة يقوم المسحوب عليه بتوقيع الكمبيالة بالقبول دون أن تكون له نيّة تسديد قيمتها عند حلول الأجل بل إنه يكون قد وقع عليها فقط مجاملة للساحب حتى يتمكّن من الحصول على ائتمان وهمي، بينما في الكمبيالة الحقيقية قد يحصل أحيانا أن يوقّع المسحوب عليه بالقبول دون أن يكون مدينا للساحب عند إنشاء الكمبيالة وحيث يكون مستعدا لدفع قيمة الكمبيالة عند حلول الأجل وذلك مساعدة للساحب، إمّا بإقراضه المبلغ أو بالتبّرع له به. فتكون الكمبيالة المسحوبة في هذه الحالة كمبيالة مجاملة شريفة لأنها تتضمّن نيّة المجامل في الوفاء بقيمة الكمبيالة([166]).

وجود تواطئ للحصول على ائتمان الغير.
يعتبر التّواطئ بين الساحب والمسحوب عليه على خداع الغير وإيهامه بوجود مؤونة والتحايل عليه قصد الحصول على إئتمانه، حيث أن قبول المسحوب عليه للكمبيالة التي يسحبها عليه الساحب والتي تجعل منه بمثابة المدين للآخر هو العامل الأساسي الذي على أساسه يرتكز المصرف في قيمة الكمبيالة المقدّمة له([167]).

ولمزيد تحديد خصائص كمبيالات المجاملة وجب التمييز بينها وبين الأوراق المشابهة لها القريبة منها على غرار الإسناد الوهمية أو الصورية والتي تتضمن بيانات مخالفة للحقيقة ، فهي قد تسحب على شخص لا وجود له، أو تحمل توقيعا مزورا أو توقيع شخص وهمي لا وجود له وهذه الأسناد تعتبر صورية نظرا لمخالفة البيانات الواردة بها للحقيقة وتعتبر هذه الأسناد باطلة بالنسبة لمن زوّر توقيعه دون أن يمسّ ذلك بصحّة السند لسائر الموقّعين عملا بمبدأ استقلالية التواقيع الذي نصّ عليه الفصل 273 م ت حيث جاء به أنه “إذا كانت الكمبيالة محتوية على توقيعات من أشخاص ليست لهم أهلية الالتزام بموجبها أو على توقيعات مزورة أو منسوبة لأشخاص وهميين أو توقيعات ليس من شانها لأس سبب آخر إلزام الأشخاص الذين وضعوا توقيعهم على الكمبيالة أو وقّعوا عليها باسمهم فإنّ ذلك لا يمنع من ن تكون التزامات الموقّعين الآخرين ماضية عليهم“.

كذلك نجد أسناد الضمان أو الكفالة([168]). حيث أنها تتميّز عن سندات المجاملة من حيث أن هذه الأسناد يوقع عليه المسحوب عليه ضمانا لقرض حصل عليه الساحب من الغير ويكون هذا التوقيع مسحوبا بنية الإلتزام بالدفع مع أنه غير مدين للساحب حيث يكون هذا الأخير هو المدين الحقيقي([169]). والذي في صورة دفعه لقيمة الكمبيالة يعفى المسحوب عليه من تنفيذ إلتزامه بالضمان. ولئن تشابهت هذه السندات مع كمبيالات المجاملة من حيث أن المسحوب عليه لا يكون مدينا للساحب إلاّ أنها تتميّز عنها في نية هذا الأخير المتمثّلة في الوفاء بقيمة الكمبيالة في حالة لم يفعل الساحب.

وأخيرا فإنّ كمبيالات المجاملة تتميّز عن أسناد التداول أو سندات التجديد([170]) من حيث وجود دين للمسحوب عليه تجاه الساحب فقد يكون هناك دين يستوجب دفعه من المسحوب عليه لفائدة الساحب بعد أجل يفوق الثلاثة أشهر إلاّ أنه في التطبيق يصعب إسقاط الكمبيالة التي حلّ أجل استحقاقها بمدّة تفوق الثلاثة أشهر فيتمّ الاتفاق بين الطرفين بإنشاء كمبيالة أخرى من الساحب قبل حلول أجل الأولى التي إسقاطها ويقع إسقاط الثانية حتى يتمكّن المسحوب عليه من سحب الأموال اللازمة لتغطية الكمبيالة الأولى وبالتالي فإنه في حالة هذه الأسناد القابلة للتجديد هناك دين للمسحوب عليه تجاه الساحب على عكس كمبيالات المجاملة التي لا وجود فيها لهذا الدين من الأساس.

الفقرة الثانية: بطلان كمبيالات المجاملة:

لم تتضمن النصوص القانونية في أغلب التّشاريع نصّ يتعلّق ببطلان كمبيالات المجاملة لذلك فقد مثلت مسألة صلوحية هذا النوع من الكمبيالات مسألة نقاش طويل واختلاف، حيث يرى البعض عدم بطلانها مؤسس رأيهم هذا على أساس تجريد الإلتزام الصرفي عن العلاقات الخارجة عن الورقة التجارية، وبالتالي فإن كمبيالات المجاملة عندهم صحيحة وليست باطلة على اعتبار ان سبب سحب الكمبيالة يبقى سببا خارجا عن الرابطة الصرفية.

في حين يرى أغلبية الفقهاء وأيده في ذلك فقه القضاء، بطلان كمبيالات المجاملة. وحيث أنه ولأن اتفقوا على مبدأ البطلان وتحديد ميدانه (ب) إلاّ أنهم اختلفوا في تحديد أسس هذا البطلان (أ).

أسس بطلان كمبيالات المجاملة:

تتمثل هذه الأسس خاصّة في:

1– البطلان لعد وجود المؤونة: حيث ذهب البعض من الفقهاء لتبرير القول ببطلان كمبيالات المجاملة إلى غياب المؤونة باعتبار هذه الأخيرة شرط لحصة الكمبيالة وهي ضمان من ضمانات الوفاء الأساسية التي يعتمد عليها الحامل لاستيفاء حقه عند حلول الأجل([171]) وبما أن المسحوب عليه هنا غير مدين للساحب فإنها تكون باطلة لانعدام وجود المؤونة. ورغم محاولة التبرير إلا أنه لم يتم الأخذ بهذا الرأي وذلك لسببين:

حيث أن مسألة المؤونة هي مسألة خاصّة بالكمبيالة وليس بالسند لأمر وبناء عليه ففي حالة التسليم بهذا القول فإنه فيه فسح لمجال إصدار السندات للأمر بالمجاملة وهذا الأمر لا يقبله القانون ولا المعاملات التجارية لأنه يصبح بمثابة فتح وسيلة مشروعة للتحيّل، أما السبب الثاني فيتمثل في اعتبار المؤونة شرط صحته الكمبيالة عند حلول الأجل([172]).

2– البطلان لغياب السبب:

يذهب أنصار الاتجاه([173]) إلى تبرير بطلان سندات المجاملة لانتفاء السبب فيها حيث أن المجال يوقع على الكمبيالة دون أن يتلقى مقابلا من الساحب أو المستفيد كما أنه ليست له نية التبرّع ([174]).

ولقد وبدت هذه النظرية رواجا كبيرا خاصّة في فقه القضاء الفرنسي والتونسي، حيث أقرّت المحكمة الابتدائية بتونس في القرار عدد 1323 بتاريخ 20/10/1963 والذي جاء به ” حيث يتجه اعتبار العملية باطلة لأنها كانت وهمية أي دون سبب وجيه“، كما أن هذا التبرير يعتبر الأكثر رواجا قد لاقى بدوره عدة انتقادات ([175]) حيث تمّت مؤاخذته من حيث أنه لكل التزام سبب حقيقي، وبالتالي يكون لكل موقع كمبيالة المجاملة سبب، فمثلا سبب التزام المنتفع من المجاملة هو الحصول على قيمة الكمبيالة من الغير، سبب التزام المجامل مجاملة زميلا له أو تحقيق ربح متبادل أو توفير قرض أو اعتماد مالي للساحب.

3- البطلان لعدم مشروعية السبب:

اعتبر عدم مشروعية السبب أساس كذلك لتبرير بطلان كمبيالات المجاملة وقد انظمّ إلى هذا الرأي أغلبية فقهاء القانون لأن الشخص الذي يوقع على الكمبيالة مجاملة للساحب قصد الحصول على إئتمان وهمي أمر لا يخلو من الغش والاحتيال وهو أمر مخالف للقانون وللنظام العام نظرا لمخالفته للمبادئ الأساسية التي تقوم عليها التجارة المتصفة خاصّة بالأمانة والثقة المتبادلة([176]).

ميدان بطلان كمبيالات المجاملة:
إن تحديد ميدان بطلان كمبيالات المجاملة مرتبط أساس بأسس البطلان وخاصّة بعدم مشروعية سبب الالتزام حيث أن فقه القضاء لم يقر دائما بالبطلان إذ يأخذ بعين الاعتبار السبب وبناء عليه لم يقض بالبطلان كلما كانت نية المسحوب عليه غير متجهة للإضرار بالغير وهي حالة كمبيالة “المجاملة الجيّدة” والتي يدخل في إطارها كل الأوراق التي تكون لمؤونتها أسس شرعية مثل إسناد الضمان وهي التي يوقع عليها المسحوب عليه لضمان قرض حصل عليه الساحب من الغير . فالمسحوب عليه يلتزم فصليا بالوفاء بقيمة السندات باعتباره ضمانا عند حلول الأجل، في حين أنه ليس مدينا للساحب لا عند إنشاء السند ولا حتى عند حلول أجل الاستحقاق([177]) وينطوي تحت هذا الإطار كذلك سندات التجديد والتي هي عبارة عن إسناد تمّ الاتفاق عند إنشائها على قابليتها لتجديد سحب إسناد أخرى تحل محلها لتسديد قيمة الأولى و في كل مرة تتكرر العملية حتى حلول أجل الاستحقاق.

نجد أن فتح الاعتماد من قبل المسحوب عليه لفائدة الساحب ([178]) حيث يقوم شخص بإعطاء شخص آخر قرض وينشئ كمبيالة يلتزم بمقتضاها أن يكون مسحوبا عليه لشخص آخر يكون ساحبا حتى يتمكّن من الحصول على القرض أو الدين فيكون هنا تكوّن المؤونة ووجودها صحيح وقانونيا من حيث أن نية المسحوب عليه في تمكين الساحب من القرض أكيدة وصحيحة([179]) أما ميدان سريان البطلان فهو حالات ” كمبيالات المجاملة السيئة”([180]) وهي الكمبيالات التي تكون الغاية من سحبها الإضرار بالغير وحيث يعتمّد على العلاقة بين الساحب والمسحوب عليه لإيهام الأشخاص بوجود ائتمان.

ولكن ولئن بدا هذا التمييز بين كمبيالات مجاملة حسنة وأخرى سيئة صحيح وله أسس واضحة تتمثل في اعتماد نوعية السبب للتفرقة ونية الأطراف في إنشاء الكمبيالة حتى يتمكن فقه القضاء من التمييز بين كمبيالات مجاملة سيئة وأخرى حسنة. وحيث كان هذا التميز نافذ المفعول أحيانا إلا أنه بالرّجوع إلى التعريف الضيق المعتمد في تعريف كمبيالات المجاملة فإنه يتضح عدم انضمام كمبيالات المجاملة الحسنة في إطارها، كما انه من ناحية أخرى يصعب التميز بين كمبيالات مجاملة حسنة وأخرى سيئة لأن التفريق بينهما يعتمد على الكشف عن حقيقة نية الأطراف وأساس العلاقة بينهما ووضعية كل منهما، لذلك يستعين عادة القضاة بخبراء لمعرفة الساحب ووضعيته المالية، كذلك يمكن للقضاة الاعتماد على بعض القرائن للاستدلال بها على حقيقة نية الأطراف مثلا كالتحرير عن طريق نشأة الكمبيالة ومراكز إطرافها مثلا بالتحري عن أعمالهم وسمعتهم التجارية([181]) كذلك المقارنة بين قيمة الكمبيالة والوضعية المالية للأطراف وكذلك كثرة الكمبيالات المسحوبة من نفس الشخص وعلى نفس الساحب.

المبحث الثاني: نتائج إصدار كمبيالات المجاملة:

كما سبق وبيّنا فإن كمبيالات المجاملة هي الكمبيالات الفاقدة لوجود المؤونة أي أنها كمبيالات مسحوبة من دون ضمان وفاء لحاملها، ذلك أن القصد من إصدارها هو الاحتيال على الغير قصد الحصول على ائتمانه والأضرار وبمصالحه مما يمكن أن ينتج عنه نتائج عديدة وحتمية يمكن تقسيمها إلى نتائج مدنية (فقرة أولى) وأخر جزائية (فقرة ثانية).

الفقرة الأولى: النتائج المدنية لإصدار كمبيالات المجاملة:

تختلف طبيعة النتائج المدنية لإصدار كمبيالات المجاملة حسب طبيعة الطرف المتعامل بها إن كان الحامل (أ) أو كانت الأطراف المجاملة (ب).

أ- النتائج المدنية لإصدار كمبيالات المجاملة بالنسبة للغير ( الحامل):

قد يكون هذا الغير المتعامل بكمبيالات المجاملة ليس على علم بأمر المجاملة فيدفع قيمة الكمبيالة وهو متأكد وواثق من صحتها ويقوم على أساسها بكل أعماله كأن يقوم بدوره بإظهارها الحامل آخر والكل على ثقة بصحّة الكمبيالة إلى أن يحل أجل خلاصها حيث تكتشف الحقيقة من خلال رفض المسحوب عليه الوفاء بقيمتها وكذلك الشأن بالنسبة للساحب. وبناء عليه فقد أقر فقه القضاء التمّسّك بالبطلان في مواجهة أطراف المجاملة. ونحو هذه الوضعية يطرح إشكال مدى تأثير هذه الوضعية على الغير بمعنى هل يمكن أن يطال البطلان الغير؟

إنّ نتائج إصدار كمبيالات المجاملة تتغير بحسب طبيعة الغير إن كان حاملا(1)، مظهر(2) أو متكفل(3).

النتائج المدنية بالنسبة للحامل:
تختلف نتائج إصدار كمبيالات المجاملة بالنسبة للحامل بحسب ما إذا كان حسن أو سيئ النيّة([182]) ففي صورة الحامل حسن النية لا يجوز الدفع في مواجهته ببطلان الكمبيالة([183]) وتكون نفس الحقوق التي تكون للحامل في الكمبيالة الصحيحة وبالتالي يصبح له الحق في الرجوع على جميع الأطراف الملتزمين في الكمبيالة. والحامل حسن النيّة هو من يجهل المجاملة والظروف التي أحاطت بإنشاء الكمبيالة وقت انتقالها إليه([184]) وبالتالي فإن حسن نية الحامل مفترضة لأنه أمام الكمبيالة تظهر أنها صحيحة، وعلى من يريد تجريد الحامل من إلتزامه الصرفي وبالتالي من إمكانية إقامته دعوى صرفية عليه أن يثبت سوء نية الحامل وعلمه بالمجاملة ويمكن أن يكون ذلك بكل الطرق وهو ما أكده المشرّع التونسي ضمن الفصل 980 م ت.

حيث اقرّ قاعدة التمسّك بوسائل المعارضة Innopposabilité des exeptions وحيث وضعت هذه الأخيرة لحماية الحامل حسن النيّة الذي تمسك بظاهرة الكمبيالة وجهلة للمجاملة التي لا يمكن أن تبرز بمجرّد الإطلاع أو الإمضاء على الكمبيالة.

أما في حالة الحامل سيئ النية فيمكن مواجهة ببطلان كمبيالات المجاملة وتحديد الحامل سيئ النيّة مثل محل اختلاف بين الفقهاء.

حيث اختلفوا في تحديد الأسباب التي تجعل من الحامل سيء النيّة فلئن أقر بعضهم أن الحامل لا يكون سيئ النيّة إلاّ متى كان متواطئ مع أطراف المجاملة ومتفق معهم على الغش والاحتيال([185]) فإن البعض الآخر يرى أنه بمجرّد علم الحامل بالمجاملة يكون سيء النية. وهذا الرأي قد تبناه أغلب الفقهاء وفقه القضاء الفرنسي([186]) بل ذهب هذا الأخير إلى أكثر من ذلك في حالة كان الحامل” مصرف”.

حيث تبرز سوء النية بمجرّد أن يتم الاكتشاف بأن المصرف لم يأخذ بعين الاعتبار الظروف التي وقع فيها إنشاء الكمبيالة([187]). ويرجح الفقهاء الاكتفاء بمجرّد العلم لاعتبار الحامل سيئ النيّة لأنه في التشديد في تحديد شروط توفر سوء النيّة لدى الحامل مثلا كما أقرّ فريق من الفقهاء فإنّ هذا الشرط قد يكون لمصلحة الحامل لأنه عادة ما يصعب إثبات التواطئ على عكس سهولة إثبات هول الحامل على الكمبيالة مع علمه بالمجاملة، إن إقرار البطلان بالنسبة للحامل سيء النيّة والذي خسر الدعوى الصرفية باعتبار أن الكمبيالة التي يطلب بخلاصها هي باطلة، فهل بإمكانه القيام على أساس دعوى غير صرفية؟ فمثلا حالة البنك الحامل سيئ النية والذي لم يتمكّن من الحصول على الوفاء بالكمبيالة من المسحوب عليه هل يمكنه المطالبة باسترجاع ما دفعه؟

حول هذه المسألة اختلف الفقهاء فمنهم من ذهب إلى أن بطلان كمبيالات المجاملة يجب أن يتضح عنه إرجاع الوضعية إلى ما كانت عليه قبل سحب الكمبيالة ويمكن تأسيس الدعوى على أساس دعوى استرجاع ما دفع بدون وجه حق وهو ما جاء ضمن الفصل 74 م إ ع حيث جاء به أنه ” من دفع باختياره مالا يلزمه عالما بذلك فليس له أن يسترجع ما دفعه.”

إلاّ أن الحامل سيئ النيّة يكون على علم بالمجاملة يفقد حقه في القيام بهذه الدعوى التي تستوجب عدم العلم كشرط لقيامها. في حين يرى البعض الآخر أن البنك الحامل سيء النية لا يمكنه إلا القيام على أساس دعوى الإثراء بدون سبب ضد الساحب طبقا لأحكام الفصل 71 إ ع والذي جاء به أن “من اتصل بشيء أو غير ذلك من الأموال مما هو لغيره أو صار ذلك في قبضته بلا سبب موجب لاكتسابه فعليه رده لصاحبه” وبناء عليه يمكن للبنك أن تقوم على هذا الأساس ويشرط في هذه الحالة أن نبين أن المستفيد من العملية قد تحسنت أوضاعه المالية من جراء ذلك([188]) .

النتائج المدنية بالنسبة للمظهر:
على غرار المبادئ التي تنظم وضعية الحامل فإن وضعية المظهر تنطوي ضمن نفس المبادئ([189]) حيث أنه يمكن للمظهر حسن النية أن يستغل الحامل سيء بين النية وذلك بالتمسّك ببطلان كمبيالة المجاملة، أما في حالة كان كل منهما حسن النية فإنه لا يجوز للمظهر رغم حسن نيته أن يتمسك ضد الحامل بالبطلان فلا يبقى للمظهر حسن النية سوى القيام ضد بقية الملتزمين في الكمبيالة بدعوى صرفية أما إذا كان المظهر سيء النية فلا يمكنه التمسك بالبطلان تجاه الحامل حسن النية وفي صورة قيام المظهر سيء النية بالوفاء فإنه لا يمكنه الرجوع على بقية الملتزمين لكونه مظهر سيئ النية.

3– النتائج المدنية بالنسبة للضامن أو المتكفّل.

ففي هذه الحالة كذلك ونظرا لسكوت فقه القضاء في هذه المسألة فقد اقترح الفقه بعض المبادئ لتحديد هذه الوضعية. فالكفيل سواء كان حسن النية أو سيء النية يمكنه التمسك ببطلان الكمبيالة في مواجهة الحامل سيء النية ولكن في حالة الحامل حسن النية فلا يجوز للكفيل مواجهته بالبطلان حتى ولو كان هذا الخير ذاته حسن النية. كما أن الكفيل حسن النية يمكنه التمسك بعدم دفع قيمة الكمبيالة متى كان الحامل سيء النية ففي هذه الحالة يمكنه القيام بجميع الدعاوي ضدّ بقية المدينين على أساس العلاقة الصرفية، أما إذا كان الكفيل سيء النية فإنه لا يمكنه القيام على أساس دعوى صرفية حيث أفقدته سوء نيته هذه الصلاحية وذلك عملا بالقاعدة الواردة بالفصل 547 إ ع” من سعى في نقض ما تمّ من جهته فسعيه مردود عليه” كما لا يمكنه القيام ضدّ الملتزم بالدعوى الناشئة عن الكفالة وحيث يمكن لهذا الخير تجنّب الدعوى على أساس بطلان الكفالة وذلك عملا بأحكام الفصل 1482 إ ع. الذي جاء به ” لا تصحّ الكفالة إلاّ إذا صحّ الدين الأصلي“.

ب- النتائج المدنية لإصدار كمبيالات المجاملة بالنسبة للأطراف المجاملة:

يقصد بالأطراف كلّ من ساهم في اتفاق المجاملة وساهم في إصدار كمبيالة المجاملة مثل الساحب والمسحوب عليه([190])، وحيث يكون إصدار كمبيالة المجاملة بالإتفاق بين الأطراف وخاصّة المُجامَل (Complu) وعادة يكون الساحب والمجامِلِ (Compaisant) ويكون المسحوب عليه، وذلك بإيهام الحامل بوجود علاقة بينهم لغاية الحصول على مصلحة وبالتالي بطلان هذا الاتفاق على أساس عدم شرعية سببه والذي ينتج عنه بطلان الالتزام الصرفي بصفة عامّة([191]).

وبالتالي فإنّ المجامِل الذي يتمّ إجباره على الوفاء للحامل لا يمكنه الرّجوع على المجامَل لأنّه وعملا بالقاعدة العامّة ” لا يجوز لشخص أن يحتجّ بباطل صدر عنه([192]). ولئن كان الفقه وفقه القضاء لحماية الإئتمان إقرار عدم سريان البطلان تجاه الحامل حسن النية فإنّ هذا الإقرار بالبطلان جاء مطلقا بالنسبة للأطراف المجاملة وبناء عليه فإنّه يحق للمجامِل (complaisant) الذي تعهّد للمجامَل (complu) في قبول سند المجاملة بالرجوع في تعهّده وحيث لا يكون لهذا الأخير مطالبته بذلك أو بالتعويض وذلك لبطلان أساس الاتفاق([193])، كما يمكن للمجامِل الذي وقع على الكمبيالة بالقبول وحيث تكون هذه الأخيرة في حيازة المجامَل جاز له المطالبة باسترجاعها بناءا على أن حيازة المجامل للكمبيالة باطلا لأنها لا ترتكز على أساس صحيح وهو ما أكده فقه القضاء الفرنسي القديم وكذلك الفقه([194]).

هذا إضافة إلى أن بطلان الكمبيالة يمكّن المجامِل من عدم تنفيذ التزامه الذي ألتزم به من خلال توقيعه على الكمبيالة بالقبول وبناء عليه يمكنه الامتناع عن الوفاء بقيمة الكمبيالة حتى ولو قبلها([195]). ويكون أساس الدعوى ليس الإثراء بدون سبب وإنما يقوم على أساس الفصل 77 إ ع الذي ينصّ على أنه “يجوز استرداد ما دفع لسبب يخل بالقانون أو بالنظام العمومي أو بالأخلاق الحميدة “ ولئن بدى الدفع بالبطلان واضحا في الحالات سابقة الذكر والمتعلّقة بالنزاعات بين المجامِل والمجامَل فإنّ الإشكال يطرح في حالة وجود حامل حسن النية فهل يمكن للمجامِل الذي أرغم على الوفاء بقيمة الكمبيالة عند حلول الأجل للحامل حسن النية الرجوع على المجامَل للمطالبة بما أوفاه عنه؟ وهل يمكن اعتبار المجامِل ضحية عملية المجاملة؟

حول هذا الإشكال اختلف الفقه وفقه القضاء الفرنسي حيث ذهب فقه القضاء الفرنسي القديم إلى رفض رجوع المجامِل على المجامَل بما دفعه على إعتبار أن كلّ منهما شريك في عملية الإحتيال وبالتالي لا يمكن له التذرّع بغشّ هو شريك فيه وحيث ارتكز فقه القضاء في ذلك على حكمة رومانية némo auditur » propiran turpitudimem allegans »([196]) ذلك أن الاتفاق القائم على سبب غير شرعي ومخالف للأخلاق فإنه لا يمكن للطرف الذي نفّذه الرّجوع على الآخر في ما دفعه، إلاّ أن هذا الرأي قد تعرّض لعديد الانتقادات حيث أن تعليل فقه القضاء المسند على قاعدة رومانية يتعارض مع بعض أحمام القانون الفرنسي، وخاصّة مسألة بطلان الاتفاقات الحالفة للنظام العام والآداب، وبالتالي تمكين المجامِل من القيام ضدّ المجامَل فسح لمجال الاحتيال ، كما تمّ انتقاده كذلك من ناحية التناقض في القول ببطلان الالتزام الناشئ عن المجاملة من ناحية والاعتراف بأثره من ناحية أخرى فبما أن المجامِل لا يمكنه الرجوع على المجامَل على أساس دعوى استرجاع ما تمّ دفعه فهل يمكنه القيام على أساس دعوى الإثراء بدون سبب؟

رجّح الفقهاء القيام على هذا الأساس بناء على أن المجامَل قد حصلت له منفعة من عملية المجاملة وحيث تمّ الأخذ بهذا الأساس لأنه يتماشى مع أحكام الفصل 71 إ ع والذي جاء به أنه “من اتصل بشيء أو غير ذلك من الأموال مما هو لغيره أو صار ذلك في قبضته بلا سبب موجب لاكتسابه فعيه ردّه لصاحبه” وقد تبنى القضاء التونسي وكذلك الفرنسي هذا التوجّه([197]).

كما يعتبر إفلاس أطراف المجاملة ضمن النتائج المدنية لإصدار كمبيالات المجاملة، حيث تختلف هذه النتائج بين الحالة التي يفلس فيها أحد الأطراف عن الحالة التي يقع فيها إفلاس كلّ الأطراف وبناء عليه فإنّ المجامِل يمكن أن يقوم بالوفاء بالكمبيالة للحامل حسن النية وذلك قبل إعلام إفلاسه أي في فترة الريبة موضوع أحكام الفصلين 462 و 463 م ت، وبالتالي فإن تمّ الوفاء في هذه الفترة فإنه لا يجوز لأمين الفلسة استرداد المبلغ من المجامِل بل إن ما يمكنه هو الرجوع على الساحب باعتباره منتفع من المجاملة، في حين أن هذه الإمكانية تنعدم في حالة حصول الوفاء قبل فترة الريبة وقبل العشرين يوم السابقة ، لكن إذا كان الحامل سيئ النية وتمّ إعلان إفلاس المجامل قبل الوفاء له بدينه فإن الحامل يدخل في التفليسة مع سائر الدائنين([198]) كذلك يكون للحامل نفس الوضعية في حالة إفلاس المجامَل، لكن في هذه الحالة هل يمكن لهذا الأخير الذي سدد قيمة الكمبيالة للحامل حسن النية من مطالبة المجامِل بما أوفاه عنه؟

بما أن العلاقة بين المجامِل والمجامَل تنتفي بعد إفلاس هذا الأخير فإنّ العلاقة تصبح بين المجامل وجماعة الدائنين في التفليسة، وبالتالي فإن المجامِل يمكن أن يقوم ضدّ هؤلاء على أساس الإثراء بدون سبب.

كما أنه في حالة التفليسات المتعددة أي إفلاس جميع أطراف المجاملة قبل استيفاء الحامل حسن النية حقّه فإن هذا الأخير يشترك مع مجموع الدائنين في التوزيع كذلك لا يمكن لإحدى التفليسات أن ترجع على أخرى إلاّ إذا كانت إحداها قد أدت ما يزيد عن الدين، أما في الحالة التي يوفي فيها المجامِل قيمة الكمبيالة ثمّ يتمّ إعلان إفلاسه فإنّ أغلب الفقهاء يقرون بعدم جواز دائني التفليسة الرجوع على تفليسة المجامَل حيث يمكنهم التمسّك ببطلان اتفاق المجاملة([199]).

الفقرة الثانية: النتائج الجزائية لإصدار كمبيالات المجاملة:

إلى جانب النتائج المدنية التي تنتج عن إصدار كمبيالات المجاملة يمكن أن ينتج عنها كذلك نتائج جزائية، ولعلّ هذا يفسر بمدى خطورة مثل هذه التصرّفات المخالفة للقانون والنظام العام والخلاق الحميدة وبناء عليه لم يجعل المشرّع من انشاء هذا النوع من الكمبيالات جريمة خاصّة بل يعاقب كلّ طرف تدخل في إصدارها أو تداولها ويمكن تقسيم هذه الجرائم إلى نوعين، جريمة التّحيّل (أ) وجريمة التسبب في الإفلاس (ب).

أ- جريمـة التّحيّــل:

لقد عرّف الفصل 291 م ج المتحيّل بأنه “كلّ من استعمل اسما مدلّسا أو صيفات غير صحيحة أو التجأ للحيل والخزعبلات التي من شأنها إقناع الغير بوجود مشاريع لا أصل لها في الحقيقة أو نفوذ أو اعتماد وهمي التي من شانها بعث الأمل في نجاح غرض من الأغراض أو الخوف من الإخفاق فيه أو وقوع إصابة أو غيرها من الحوادث الخيالية ويكون قد تسلّم أو حاول أن يتسلم أموالا أو منقولات أو رقاع أو ممتلكات أو أوراق مالية أو وعود أو وصولات أو إبراء واختلس بإحدى هذه الوسائل أو حاول أن يختلس الكلّ أو البعض من مال الغير“.

وبناء على هذا الفصل فإنه لقيام جريمة التّحيّل يجب أن تتوفر العناصر التالية:

استعمال وسيلة من وسائل الغشّ والخداع.
إجبار الغير على تسليم أموال مقابل هذه العملية.
اختلاس الثروة أو بعضها .
النيّة الإجرامية.
وبناءا على هذا فإنه بالرّجوع إلى طبيعة كمبيالات المجاملة نلاحظ وجود أغلبية هذه العناصر وخاصّة الثلاثة الأخيرة والمتمثلة في تسليم الأموال، الاختلاس والنية الإجرامية، في حين مثّل وجود العنصر الأول المتمثل في الالتجاء إلى استعمال الحيل والخزعبلات قد مثّل محل خلاف وجدال في صفوف الفقه وفقه القضاء([200]) ففي حين يذهب بعض الفقهاء إلى اعتبار أن مجرّد سحب كمبيالات المجاملة وتقديمها للغير يعتبر تحّلا وذلك في حالة ما إذا لم تكن هناك علاقة تجارية بين المجامِْل والمجامَل وكان هذا الخير على علم مسبق أن المجامل لن يدفع قيمة الكمبيالة إذا هو لم يدفع له الأموال الازمة في الآجال، وبناء عليه فإنّ استعمال الخزعبلات يبرز في إيهام الساحب الغير بجود المال.

إلاّ أن هذا الرأي قد تعرّض للانتقاد على أساس أن سحب كمبيالات المجاملة لا يمكن اعتباره خزعبلات بل وقع تكييفه على أنه كذب وما كمبيالات المجاملة إلاّ تجسيد كتابي لهذا الكذب([201]). في حين يرى جانب آخر من الفقهاء أنه لا يمكن اعتبار مجرّد إصدار كمبيالات المجاملة تحّيلا بل اشترط أن تكون صفة الساحب أو المسحوب عليه غير حقيقية وهو ما اعتمده فقه القضاء الفرنسي في عدّة قرارات([202]).

أو في حالة كان تسيير تداول كمبيالة المجاملة بفعل تدخّل الغير المجامل([203]) وحيث لاقى هذا الرأي رواجا لاعتماده على مفهوم “تدخّل الغير في عملية المجاملة) لأنه بتدخّله يسهل إقناع الحامل بوجود عمليات هي في حقيقة الأمر وهمية.

ويعاقب المشرّع التونسي المتحيل حسب نصّ الفصل 291 م ج ” بالسجن مدّة خمس أعوام وبخطيّة قدرها ألفان وأربعمائة دينارا “.

ب – جريمة التسبب في الإفلاس:

إنّ الإفلاس في حدّ أنه لا يمكّن جريمة ولكن إذا اقترن ببعض الأعمال كالتحيّل أو التقصير أو الإضرار بالغير عمدا فإنه يصبح جريمة، ذلك أن المشرّع قد تطرّق إلى جريمة التسبب في الإفلاس ضمن الفصل 448 م ت والذي يحيل للفصل 2290 م ج لتحديد العقوبة.

وحسب الفصل 288 م ج “يكون التاجر مرتكب لجريمة الإفلاس في الحالات التالية”.

أولا: إخفاء أو اختلاس أو بيع بأقل من القيمة أو إعطاء أشياء من مكاسبه أو أسقط دين له أو خلّص دينا صوريا.

ثانيا: اعترف بديون أو التزامات كأنها حقيقية وكانت كلها أو بعضها صورية.

ثالثا: ميّز أحد غرمائه بفائدة على الباقين. والمحاولة تستوجب العقاب”.

فإن عرّف هذا الفصل الحالات التي يكون فيها التاجر المتوقّف عن الدفع مرتكبا لجريمة التسبب في الإفلاس فإنه تكون غاية المشرّع من هذا الفصل هو حماية الدائنين من إفلاس التاجر حتى لا يتمكّن هذا الأخير من إخفاء أملاكه عليهم ولا يمكن أن يمثل أساسا قانونيا لجريمة التسبّب في الإفلاس في كمبيالات المجاملة.

 


[161] – George Repert et Réné Roblot op.cit p 169 ,N° 1980
– Michel Jeantin op.cit p 196 n° 326.

[162] – George Repert et René Roblot op.cit p 169 n° 1980

– محمد فخفاخ م ق ت عدد 6 – 3 جوان 1983 ص 17-18.
[163] – حكم ابتدائي، تونس عدد 1323 مؤرخ في 20 اكتوبر 1964 م ق ت لسنة 1964 ص 792.

[164] – إدوارد عيد: المرجع سابق الذكر، ص 342 عدد 139.
– Juris classeur commercial, fascicule. 415, 1998 p 15 n° 82.
[165] – علي جمال الدين عوض: المرجع سابق الذكر، ص 242 عدد 382 .
– إلياس حداد: المرجع سابق الذكر، ص 201 عدد 140.
[166] – عيد إدوارد: لمرجع سابق الذكر، ص 344 عدد 140.
[167] – إلياس حداد: المرجع سابق الذكر، ص 202 عدد 140.
[168] – René Roblot et George Repèrt : op.cit p 174 n° 1983.
– D. S 1972, 175 , note M.Cabrillac, J.C.P 1972. 2 . 17040.

[169] – إلياس حداد : المرجع سابق الذكر ، ص 206 عدد 137.

– عيد إدوارد: المرجع سابق الذكر ، ص 348 عدد 140.

[170] – محمّد فخفاخ : م ق ت عدد 6 جوان 1983 ص 21.
[171] – عيد إدوارد: المرجع سابق الذكر، ص 351.
– محمد فخفاخ م قم ت عدد 6 جوان 1983

– Junis class.com fax 415, 1998 p 16 n° 88.

[172] – حكم ابتدائي، تونس عدد 69 في 08 مارس 1973 م ق ت لسنة 1974.

[173] – Hamel, lagarde et Jauffret, op.cit.

[174] – حكم ابتدائي عدد 1323 صادر في 20/10/1963 م ق ت 1964 ص 792.
[175] – كمال مصطفى طه: المرجع سابق الذكر ص 96 عدد 132.
[176] Juris classeur.commercial fascicule : 415, 1989 p 16 n° 91

– Jean Dévéze et philippe petel op.cit, p 117 n° 183.

– G.Repert et Réné Roblot op.cit, p 170n° 1982.
[177] – عيد إدوارد: المرجع سابق الذكر، ص 347 عدد 141.
– Michel cabrillac: op.cit, p 148 – 149 n° 39.

[178] – Michel cabrillac: op.cit, p 151.

– Cass .com 12nov. 1973, Bull.civ, 1973 IV n° 319, Rev. trim .dr.com 1974, 306 obs.M. cabrillac et J.L. Rives Lange.

[179] – Juris classeur .com.fascicul 415, 1998 p 17 n° 93.

[180] Géorge Ripert et Réné Roblot : op.cit, p 270 n° 609
[181] – عيد إدوارد، المرجع سابق الذكر ، ص 342 عدد 140.

[182]- محمد فخفاخ : م ق ت عدد 6، جوان 1983.
Repert et René Roblot : op.cit, p 171 n° 1985.
[183] – Jean devèze et Philippe petel: op.cit, p 118 n° 184

– مصطفى كمال طه: المرجع سابق الذكر، ص 97 عدد 134

[184] – محمد محمود ابراهيم: المرجع سابق الذكر، ص 162.
[185] – Michel cabrillac : op.cit, p 156-157 .
[186] – Juris class.com , fax ,415 , 1998 p 19 n° 122

R.T. D. com, 1977 p 744, obs. M. cabrillac et J.L Rives lange ; cass.com 21 Juin 1977 DS, 1977, IR, 399 , obs verseur .

[187] – عيد إدوارد: المرجع سابق الذكر، ص 357.
[188] – حكم ابتدائي تونس عدد 69 مؤرخ في 08 مارس 1973 م ق ت لسنة 1974 ص 192.
[189] – عيد إدوارد : المرجع سابق الذكر ، ص 359.

– Juris classeur commerciale fascicule : 415, 1998 p 20 n° 120.
[190] – محمد محمود ابراهيم : المرجع سابق الذكر، ص 162.
– عيد إدوارد: المرجع سابق الذكر ، ص 360 عدد 144 .

[191] – Juris. class. Com.fax. 415, 1998 , p 17 n° 97.

[192] – محمد فخفاخ : م ق ت ، عدد 6 جوان 1983 ص 35 .

[193] – محمد محمود ابراهيم: المرجع سابق الذكر، ص 162.

[194] – René Roblot: op.cit, n° 629

[195] – C.A. Bordeaux, 18 mais 1988 : cash jurispr. Aquitaine 1988, 3491.

Michel Cabrilac: op.cit, p 153

– Hamel Lagarde et jauffret: op.cit, n° 1798.

[196] – Michel Cabrillac : op.cit, p 154.

– Juris. class. Com. Fax. 415, 1998 p 18.

[197] – حكم ابتدائي تونس عدد 1323 مؤرخ في 20 أكتوبر 1964 م ق ت لسنة 1964 ص 792 .

– C.A.Nancy, 14 mars 1952 , JCP 1952, ed , GII 7233 note Toujas.
[198] – عيد إدوارد : المرجع سابق الذكر، ص 369.
[199] – Lescot et Roblot: op.cit, p. 487 n° 994.
[200] – محمد فخفاخ : م ق ت ، عدد 06 ، جوان 1983 ص 39.
عيد إدوارد: المرجع سابق الذكر، ص 383

[201] – Juris . class. Com . fax. 415 , 1998 p 22 n° 137 .

– René Roblot : Op.cit n° 636.

[202] – 20 Juin 1983 , Bull. crim. N° 189, RTD.com, 1984, p 492 , obs .Michel Cabrillac et B.Teyssie .
[203] – محمّد فخفاخ: المرجع سابق الذكر ص 40.
– Juris . class. Com. Fax. 415 , 1998 p22 n° 137.

image_print

تصنيفات: القانون التجاري,قسم القانون الخاص

Tags: ,